×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

ليالي بيشاور / الصفحات: ١ - ٢٠

الصفحات: ١ - ٢ فارغة
٣

مقدمة المترجم

جدير بأن نسمي عصرنا بعصر الحوار والتفاهم .‏

لقد حان الوقت ليتصارح المسلمون بأمورهم العقائدية حتى يظهر الحق ‏وتتوحد كلمتهم عليه ، فإن الوحدة الإسلامية ، أمنية جميع المسلمين .‏

ولأننا لمسنا أن التفرقة هي بغية أعدائهم ، وهي الوسيلة التي استعملها أعداء ‏الدين والمستعمرون لفرض سيطرتهم على البلاد الإسلامية ونهب خيراتها ‏وبث مبادئ الكفر والإلحاد والضلال والفساد بين أبناء الإسلام الحنيف .‏

وبما أن الوحدة الإسلامية ضرورة ملحة ، وهي لا تتم إلا بالصدق والحوار ‏الإيجابي البناء بلا تعصب ولا عناد مع تحكيم القرآن والعقل والوجدان الحر ‏، في اختيار أحسن القول ، كما أمر بذلك رب العباد في قوله العزيز : {‏فبشر عباد الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه} (الزمر آية ١٨) ، فيلزم ‏على المسلم الكامل والإنسان العاقل ، أن يكون بصيرا في أمر دينه ، عالما ‏بقضايا مذهبه ، لا يقبل قولا ولا يتمسك به إلا عن دليل وبرهان ، حتى ‏يصبح في أمره على يقين وإيمان .‏

لأنه إذا سلك طريقا وتمسك بعقائد ومبادئ بغير علم يسنده ولا دليل يعضده ‏وبرهان يرشده ، فسيكون كمن أغمض عينيه ولزم طريقا طويلا يمشي فيه ‏على أمل أن يوصله إلى مقصده ومنزله ، حتى إذا أصاب رأسه الحائط ، ‏فأبصر وفتح عينيه ، فإنه سوف يرى نفسه بعيدا عن مقصده ، تائها ضالا ‏عن سواء الصراط . ‏

فمن لم يحقق في الأمور الدينية ولم يدقق في القضايا المذهبية ، بل ذهب ‏إلى مذهب آبائه ولزم سبيل أسلافه ، فربما فتح عينيه بعد جهد طويل ، ‏فيرى نفسه تائها قد ضل السبيل .‏

٤

ولذا عبر الله العزيز الحكيم عن هكذا إنسان بالأعمى فقال :

{ومن كان ‏في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا } (الإسراء ٧٢) .‏

ولإنقاذ المسلمين من العناد والتعامي قدمت على تعريب هذا الكتاب القيم من ‏اللغة الفارسية إلى العربية ، لعله يحقق شيئا من هذا الهدف السامي . راجيا ‏أن يترك في المسلمين أثرا إيجابيا ، فيقرب قلوبهم ويوحد صفوفهم وكلمتهم ‏، ويجمعهم على كلمة الله سبحانه بالحق والإصلاح ، والسعادة والفلاح ، ‏ولقد أدركت مؤلف هذا الكتاب المرحوم آية الله السيد محمد ( سلطان ‏الواعظين ) وحضرت مجلسه وسمعت حديثه ومواعظه .‏

فلقد كان رحمة الله عليه رجلا ضخما في العلم والجسم ، ذا شيبة وهيبة ، ‏وكان جسيما وسيما ذا وجه منير ، قل أن رأيت مثله ، وكان آنذاك يناهز ‏التسعين عاما من عمره الشريف ، ولقد شاركت في تشييع جثمانه الطاهر ‏في مدينة طهران ، حيث عطلت أسواق عاصمة إيران لوفاته وخرجت ‏حشود عظيمة في مواكب عزاء حزينة وكئيبة ، ورفعت الرايات والأعلام ‏السوداء معلنة ولائها وحبها لذلك العالم الجليل والسيد النبيل .‏

ولا أذكر تاريخ وفاته بالضبط ، ولكن كان في العقد الأخير من القرن الرابع ‏عشر الهجري ، واشهد الله العزيز أني لما بدأت بتعريب هذا الكتاب رأيت ‏ذلك السيد العظيم مرتين في الرؤيا ، وكان مقبلا عليا مبتسما ضاحكا في ‏وجهي ، وكأنه يشكرني على هذا العمل .‏

فأسأل الله تبارك وتعالى أن يتغمده برحمته الواسعة وان يتقبل هذا المجهود ‏منه ومنا ويجعله ذخيرة لآخرتنا ولكل من ساعد وسعى في نشر هذا الكتاب ‏، إنه سميع الدعاء .‏

قم المقدسة  .  .  .  .   حسين الموسوي

٢٨ شوال ١٤١٩هـ الموافق ١٤ فبراير ١٩٩٩م




٥

بسم الله الرحمن الرحيم

المقدمة

الحمد لله رب العالمين ، وصلى الله على محمد رسوله المصطفى ، وعلى ‏آله الطيبين الطاهرين .‏

وبعد :‏

إن هذا الكتاب الذي بين يدي القارئ الكريم ، هو الكتاب القيم ((ليالي ‏بيشاور )) لمؤلفه الكبير : سماحة السيد محمد الموسوي ، الملقب بـ : ( ‏سلطان الواعظين الشيرازي ) .‏

وقد كتب مقدمة طويلة لكتابه استغرقت ما يقرب من مائة صفحة من كتابه ‏القيم هذا ، تطرق فيها على أهمية التقارب بين المسلمين ، وإلغاء الخلافات ‏والخصومات التي بثها الأعداء في أوساطهم .‏

وحث فيها على الوحدة الإسلامية والأخوة الدينية التي ندب الله المسلمين ‏إليها ، وحرض على الاعتصام بحبل الله الذي دعاهم القرآن للتمسك به ‏والالتفاف حوله .‏

وحذرهم عواقب التشتت والتفرق ، وذكرهم الله من الوقوف بعيدا والاكتفاء ‏بالتفرج ، أو الابتعاد والاشتغال ـ لا سمح الله ـ بقذف ‏

٦

بعضهم بعضا بما يسخط الرحمن ويؤذي حبيبه المصطفى ، الذي بعثه الله ‏رحمة للعالمين ، وأرسله ليتم به مكارم الأخلاق ، معالي الشيم والفضائل ‏الإنسانية ، وجمع الناس على التوحيد .‏

وندبهم إلى ما ندب إليه القرآن من التعارف فيما بينهم ، قال تعالى : {‏لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم }(١) مرتئيا أن أفضل الطرق للتعارف ‏هو الحوار الحر ، والنقاش العلمي البحت ، والمناظرة المنطقية البعيدة عن ‏كل تعصب ، والمجردة عن التقاليد والأهواء ، من الخلفيات الشائنة .‏

وقد اشترك هو( قدس سره ) ـ بدعوة من أصدقائه ومعارفه في بيشاور(٢) ‏ـ في مجالس المناظرة التي عقدت له بهذا الشأن ، والتي اشترك فيها كبار ‏علماء السنة لمعاصرين له آنذاك ، وقد استمرت المناظرة ليالي عديدة ‏استغرقت عشرة مجالس ، نشرتها في حينها جرائد الهند وصحفها ، وتلقاها ‏الناس بالقبول والترحيب .‏

ثم وفق المؤلف ـ رحمه الله ـ إلى جمعها في هذا الكتاب بدقة ، وطلب ‏منهم مواصلة قراءته من الصفحة الأولى حتى الصفحة الأخيرة ، وذلك ‏لترابط البحث وتسلسله ، مما يؤدي قطعه إلى ضياع الموضوع ، وعدم ‏الاستفادة الكاملة من البحث .‏

ولما كان الكتاب باللغة الفارسية ، وقد أجاز ـ قدس سره ـ في ‏

١- سورة الحجرات، الآية ١٣.‏

٢- وهي على الحدود الباكستانية الأفغانية.‏

٧

المقدمة ترجمة الكتاب ـ ترجمة أمينةـ إلى سائر اللغات ، حاولنا ترجمته ‏إلى اللغة العربية ، مساهمة منا في هذه الخدمة الإنسانية النبيلة ، بغية ‏التوصل إلى الحق ، والتعرف على الواقع والحقيقة ، ومشاركة منا في ما ‏دعانا إليه كتاب الله وسنة رسوله الكريم وسيرة أهل بيته الطاهرين ، من : ‏التعارف والتقارب ، والتوحيد والتآخي ، و أخيرا نيل العزة والسعادة في ‏الدنيا ، والنجاة والفوز بالجنة في الآخرة ، إن شاء الله تعالى .‏

مقدمة المؤلف

قال السيد المؤلف :‏

سافرت إلى العتبات المقدسة في شهر ربيع الأول عام ١٣٤٥هـ ، وكان لي ‏من العمر ثلاثون سنة ، فتشرفت بزيارة مراقد الأئمة الأطهار من آل النبي ‏المختار ( صلوات الله وسلامه عليه وعليهم ) في العراق ، ومنها عزمت ‏على السفر إلى الهند وباكستان بغية السفر منهما إلى خراسان والتشرف ‏بزيارة الإمام الرضا عليه السلام ، فوصلت ـ كراتشي ـ وهي مدينة ‏ساحلية تعد من أهم الموانئ في المنطقة .‏

وما إن وصلت إليها وانتشر خبر وصولي في أهم الصحف هناك ، فاجأتني ‏دعوات كثيرة من الاخوة المؤمنين الذين كانت بيني وبينهم معرفة سابقة ‏ومودة قديمة ، وكان لا بد لي من إجابة تلك الدعوات الكريمة ، وإن كانت ‏تستوجب مني قطع مسافات بعيدة ، وشدّ الرحال من مدينة إلى أخرى ، ‏ومن بلد إلى آخر .‏

فواصلت سفري إلى مدينة بومبي ، وهي ـ أيضاـ من أكبر مدن الهند ‏وأعظم الموانئ فيها ، فاستقبلني المؤمنون الذين دعوني إليها ‏

٨

ومكثت فيها ضيفا معززا بين أهلها ليالي وأياما .‏

ثم تابعت السفر على مدينة (دهلي) ومنها إلى (آكره) و(لاهور) و(بنجاب) ‏و( سيالكوت) و( كشمير) و(حيدرآباد) و(كويته) وغيرها ...‏

وقد استقبلني كثير من الناس وعامة المؤمنين في هذه المدن بحرارة فائقة ‏فكانوا يرحبون بقدومي ويحيوني بهتافات وتحيات على العادات والرسوم ‏الشعبية المتعارفة هناك .‏

وفي أيام وجودي في تلك المدن المهمة التي سافرت إليها ، كان العلماء من ‏مختلف المذاهب والأديان يزورونني في منزلي ، وكنت أرد لهم الزيارة في ‏بيوتهم ، وكان غالبا ما يدور بيني وبينهم محاورات دينية ومناظرات علمية ‏مفيدة، كنت أتعرف من خلالها على عقائدهم ، وهم يتعرفون على عقائدي .‏

ومن أهم تلك المناقشات والمحاورات ، حوار ونقاش دار بيني وبين ‏البراهمة والعلماء الهندوس في مدينة (دهلي) ، وكان ذلك بحضور قائد الهند ‏ومحررها من الاستعمار الزعيم الوطني غاندي .‏

وكانت الصحف والمجلات تنشر ـ عبر مراسليها ـ كل ما يدور في ‏المجلس من الحوار بالتفصيل ، وبكل أمانة وصدق .‏

وكانت نتيجة تلك المناظرات أن ثبت الحق وزهق الباطل ، إن الباطل كان ‏زهوقا ، فقد خرجت من الحوار منتصرا على المناظرين ، وذلك بالأدلة ‏العلمية والبراهين العقلية ، حتى ثبت للحاضرين في المجلس أن مذهب أهل ‏البيت ـ الذي هو مذهب الشيعة الجعفرية الاثنى عشرية ـ هو المذهب ‏الحق ، وأنه أحق أن يتبع ، وأنا أقول مرددا :

٩

{الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله }(١).‏

السفر إلى سيالكوت

ثم سافرت إلى مدينة ( سيالكوت) بدعوة خاصة من (( الجمعية الاثنا عشرية ‏‏)) التي كان يرأسها صديقي الوفي الأستاذ أبو بشير السيد علي شاه النقوي ، ‏مدير تحرير مجلة (( در النجف)) الأسبوعية .‏

وعندما دخلت هذه المدينة لقيت استقبالا حافلا وتجمعا من مختلف الطبقات ، ‏ومن حسن الحظ أني وجدت ضمن المستقبلين زميلا لي ، كان وليا مشفقا ، ‏وهو الزعيم ( محمد سرور خان رسالدار) ابن المرحوم ( رسالدار محمد ‏أكرم خان ) وأخ الكولونيل ( محمد أفضل خان ) وهو من أكبر شخصيات ‏أسرة (قزل باش) في ولاية (البنجاب) .‏

وتعود معرفتي بهذه الأسرة الكريمة إلى عام ١٣٣٩هـ في مدينة كربلاء ‏المقدسة ، حيث كانوا قد تشرفوا آنذاك لزيارة مراقد الأئمة الأطهار من آل ‏النبي المختار ( صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين ) وسكنوا فيها ، ‏كما وكانت لهم مناصب حكومية مرموقة في ولاية البنجاب .‏

وكان ( محمد سرور خان ) هذا رئيس شرطة ( سيالكوت) وكان أهل البلد ‏يحبونه ويحترمونه لشجاعته وحسن سيرته وديانته .‏

فما أن رآني حتى ضمني إلى صدره ، ورحب بقدومي ، وطلب مني أن ‏أحل ضيفا عنده وأنزل مدة إقامتي ـ هناك ـ في بيته ، فقبلت ‏

١- سورة الأعراف، الآية ٤٣.‏

١٠

دعوته وذهبت معه ، وشيعني المستقبلون إلى ذلك البيت الرفيع .‏

وفور نزولي ضيفا هناك نشرت صحف ولاية ( البنجاب) خبر وصولي إلى ‏سيالكوت فكانت الوفود والرسائل ـ رغم عزمي على السفر إلى إيران ‏لزيارة الإمام الرضا عليه السلام ـ تتسابق في دعوتي إلى زيارة بلادهم ‏ومدنهم .‏

وأخص بالذكر سماحة حجة الإسلام السيد علي الرضوي اللاهوري ، العالم ‏الجليل ، والمفسر النبيل ، صاحب تفسير (( لوامع التنزيل )) ذي الثلاثين ‏مجلدا ، وكان يسكن مدينة لاهور ، فدعاني بإلحاح منه وإصرار إلى هناك ، ‏فاستجبت لدعوته ، وذهبت ملبيا طلبه .‏

كما وتلقيت فيها أيضا دعوة كريمة من إخواني المؤمنين من أسرة قزل باش ‏، الذين كانوا من شخصيات ورجال الشيعة المعروفين في ولاية ( البنجاب) ‏، وكانت دعوتهم لي لزيارة مدينة ( بيشاور) وهي آخر مدينة حدودية مهمة ‏تربط ولاية البنجاب بأفغانستان .‏

ولما تلقيت تلك الدعوة ، ألحّ عليّ الزعيم ( محمد سرور خان) ـ مضيفي ‏الكريم ـ بأن لا أرد دعوة أفراد أسرته ورجال قومه من ( بيشاور) ‏ورجاني أن ألبي دعوتهم وأذهب إليهم .‏

في بيشاور

ثم إني عزمت على الذهاب إلى بيشاور ، فسافرت إليها في اليوم الرابع ‏عشر من شهر رجب الحرام ، وحين وردتها استقبلني أهلها استقبالا حافلا ‏قل نظيره في تلك المدينة ، وكان على رأس المستقبلين رجالات ووجهاء ‏أسرة قزل باش .‏

١١

ولما استقر بي المكان طلبوا مني بإصرار أن أرتقي المنبر وأخطب فيهم ، ‏ولما لم أكن أجيد اللغة الهندية ، لم أوافق على ارتقاء المنبر ، ولم أخطب ‏طول سفري في الهند ، رغم طلباتهم المتكررة .‏

ولكن لما كان أهالي بيشاور يجيدون اللغة الفارسية ، وكان أكثرهم يتكلم بها ‏، حتى كادت اللغة الفارسية أن تكون هي اللغة الدارجة فيها ، لبّيت طلبهم ‏وقبلت أن أخطب فيهم بالفارسية .‏

فكنت أرتقي المنبر وقت العصر في الحسينية التي أسسها المرحوم ( عادل ‏بيك رسالدار) وكانت مؤسسة ضخمة تتسع لضم الجماهير الغفيرة من الناس ‏، وكانت تمتلئ بالحاضرين ، وهم ليسوا من الشيعة فحسب ، بل فيهم كثير ‏من أصحاب والمذاهب المختلفة ـ الإسلامية وغيرها ـ .‏

موضوع البحث

ولما كان أكثر أهالي بيشاور مسلمين ، ومن العامة وكانوا يحضرون في ‏المجلس مع كثير من علمائهم ومشايخهم ، جعلت موضوع البحث هو : ‏الإمامة ، فكنت أتكلم حول (( عقائد الشيعة )) وأبيّن دلائل الشيعة العقلية ‏والنقلية لإثباتها ، وأذكر النقاشات ، في المسائل الخلافية مع العامة .‏

وعلى أثرها طلب مني علماء السنة وكبار شخصياتهم الذين كانوا يحضرون ‏البحث أن اجتمع بهم في لقاء خاص للإجابة عن إشكالاتهم ، فرحبت بهم ‏ولبيت طلبهم .‏

فكانوا يأتون في كل ليلة إلى البيت ، ويدور البحث بيننا ساعات طويلة حول ‏

١٢

المواضيع الخلافية من بحث الإمامة وغيرها .‏

من بركات المنبر

وفي يوم من الأيام عند نزولي من المنبر أخبرني بعض الحاضرين من ‏أصدقائي بأن عالمين كبيرين من مشايخ العامة وهما : الحافظ محمد رشيد ، ‏والشيخ عبدالسلام ، وكانا من أشهر علماء الدين في (كابل)[عاصمة ‏أفغانستان] ـ ومن منطقة تدعى ضلع ملتان ـ قد قدما إلى بيشاور ليلتقيا ‏بي ويشتركا مع بقية الحاضرين في الحوار الدائر فيما بيننا كل ليلة ، ‏وطلبوا مني السماح لهما .‏

فأبديت سروري ورضاي بهذا النبأ ، واستقبلتهما بصدر منشرح وقلب منفتح ‏، ورحبت بقدومهما وجالستهما مع جماعة كبيرة من أصحابهما في ساعات ‏كثيرة .‏

فكانوا يأتون بعد صلاة المغرب إلى المنزل الذي نزلت فيه للمناظرة ، وذلك ‏لمدة عشر ليال متتالية ، وكان النقاش والحوار يدور حول المسائل الخلافية ‏بيننا ، ويطول إلى ست أو سبع ساعات ، وربما كان البحث والحوار يستمر ‏بنا أحيانا إلى طلوع الفجر ، كل ذلك بحضور شخصيات ورجال الفريقين ‏في بيشاور .‏

ولما انتهينا من المحاورة والمناظرة في آخر ليلة من المجلس ، أعلن ستة ‏من الحاضرين ـ من العامة ـ تشيعهم ، وكانوا من الأعيان والشخصيات ‏المعروفة في المدينة .‏

ومن حسن التقدير أنه كان يحضر مجلسنا ما يقرب من مأتي ‏

١٣

كاتب من الفريقين ، إذ كانوا يشتركون مع الحاضرين في مجلس المناظرة ‏للكتابة ، فكانوا يكتبون المواضيع المطروحة ، ويسجلون الحوار والنقاش ‏وما يجري من مسائل وأجوبة وردود وشبهات ، بأقلام أمينة وعبارات وافية ‏وجميلة .‏

وكان بالإضافة إلى أولئك الكتاب ، أربعة من الصحفيين يكتبون أيضا ما ‏يدور في المجلس بكل جزئياته ، ثم ينشرون ما يدونوه من المناظرات ‏والمناقشات في اليوم الثاني في الصحف والمجلات الصادرة هناك .‏

ويضيف المؤلف ـ رحمه الله ـ بعد ذلك : بأنه سيعرض على القارئ ‏الكريم في هذا الكتاب الذي سماه : (( ليالي بيشاور )) ما نقلته تلك الصحف ‏الرصينة ، وسجلته تلك الأقلام الأمينة ، وما سجّله هو بنفسه من نقاط مهمة ‏عن تلك الليالي والمجالس التاريخية القيمة .‏

ثم يدعو الله العلي القدير أن ينفع به المسلمين ، ويجعله ذخيرة له في يوم ‏الدين ، وكان قد كتبه وفرغ من تأليفه في طهران . ‏

العبد الفاني

محمد الموسوي

((سلطان الواعظين الشيرازي))‏





١٤
١٥

المجلس الأول

ليلة الجمعة ٢٣ / رجب / ١٣٤٥ هج‏

المكان: بيت المحسن الوجيه الميرزا يعقوب علي خان قزل باش(١)، من ‏الشخصيات البارزة في بيشاور.‏

الابتداء: أول ساعة من الليل بعد صلاة المغرب.‏

إفتتاحية المجلس: حضر المشايخ والعلماء وهم:‏

١- كان البيت واسعا بحيث يسع الكثير من الناس، وكان صاحبه قد استعدّ ‏لاستضافة الوافدين، ولذا كان المجلس ينعقد في كل ليلة وباستمرار في ذلك ‏المكان، وكان صاحب البيت أيضا يقوم بواجبه تجاه الضيوف من: حسن الضيافة، ‏وتكريم الحاضرين، والترحيب بقدومهم، وتقديم الشاي والفواكه والحلوى لهم، وذلك ‏على أحسن وجه.‏

وقزل باش يعني: أحمر الرأس، ولقب " حمر الرؤوس " كان يطلق على فوج خاص ‏من جيش نادر شاه، سكنوا أفغانستان لما فتحها نادرشاه، ولما ضاقت الأمور على ‏الشيعة هناك هاجروا إلى الهند وانتشروا فيها، وهم من الشيعة الأقوياء في ‏تشيعهم حتى اليوم.‏

١٦

الحافظ(١) محمد رشيد والشيخ عبد السلام، والسيد عبد الحي، وغيرهم من ‏العلماء، وعدد كبير من الشخصيات والرجال من مختلف الطبقات ‏والأصناف.‏

فرحبت بهم واستقبلتهم بصدر منشرح ووجه منبسط، كما ورحب بهم ‏صاحب البيت واستقبلهم استقبالا حارا، ثم أمر خدمه فقدموا الشاي والفواكه ‏والحلوى لجميع من حضر.‏

هذا، ولكن مشايخ القوم كانوا على عكس ما كنا معهم، فقد رأينا الغضب في ‏وجوههم، إذ أنهم واجهونا في البداية بوجوه مقطبة مكفهرة، وكأنهم جاؤونا ‏للمعاتبة لا للتفاهم والمناظرة.‏

أما أنا فكنت لا أبالي بهذه الأمور، لأني لم أبتغ من وراء هذا اللقاء هدفا ‏شخصيا، ولأم أحمل في نفسي عنادا ولا في صدري تعصبا أعمى ضد أحد، ‏وإنما كان هدفي ان أوضح الحق وأبين الحقيقة.‏

ولذلك لم أتجاوز عما كان يجب علي من المعاملة الحسنة فقابلتهم بالبشر ‏والابتسامة، والترحيب والتكريم، وطلبت منهم أن يبدؤوا بالكلام بشرط أن ‏يكون المتكلم شخصا معينا عن الجماعة حتى لا يضيع الوقت، ولا يفوت ‏الغرض الذي اجتمعنا من أجله.‏

فوافقني القوم على ذلك وعينوا من بينهم الحافظ محمد رشيد ليتكلم نيابة ‏عنهم، وربما خاض الآخرون ـ أحيانا ـ في البحث ولكن مع إذن مسبق.‏

١- الحافظ يطلق على من حفظ القرآن وحفظ سنة رسول الله (صلى الله عليه وآله) ‏من علماء العامة، أو الخاصة، أو على من حفظ مئة ألف حديث متنا وسندا.‏

١٧

بدء المناظرة

بهذا أخذ المجلس طابعه الرسمي، وبدأت المناظرات بيني وبينهم بكل جد ‏وموضوعية، فبدأ الحافظ محمد رشيد وخاطبني بلقب: (قبله صاحب)(١) ‏قائلا:‏

منذ نزولكم هذا البلد، شرفتم مسامع الناس بمحاضراتكم، وخطبكم، ولكن ‏بدل أن تكون محاضراتكم منشأ الألفة والإخاء فقد سببت الفرقة والعداء، ‏ونشرت الإختلاف بين أهالي البلد، وبما أنه يلزم علينا إصلاح المجتمع، ‏ورفع الاختلاف منه، عزمت على السفر، وقطعت مسافة بعيدة مع الشيخ ‏عبد السلام وجئنا إلى بيشاور لدفع الشبهات التي أثرتموها بين الناس.‏

وقد حضرت اليوم محاضرتكم في الحسينية، واستمعت لحديثكم، فوجدت في ‏كلامكم سحر البيان وفصل الخطاب أكثر مما كنت أتوقعه، وقد اجتمعنا ـ ‏الآن ـ بكم لننال من محضركم الشريف ما يكون مفيدا لعامة الناس إن شاء ‏الله تعالى.‏

فإن كنتم موافقين على ذلك، فإنا نبدأ معكم الكلام بجدّ، ونتحدث حول ‏المواضيع الأساسية التي تهمنا وتهمكم؟

قلت: على الرحب والسعة، قولوا ما بدا لكم، فإني أستمع لكم ‏

١- هذه الكلمة من أهم الألقاب التي يخاطب بها المسلمون في الهند وباكستان، ‏علماء دينهم ومشايخهم، وتعني عندهم:‏

" الإمام المقتدى " لذلك كانت الصحف التي تنشر تلك المناظرات تعبر عن السيد " ‏سلطان الواعظين " بلقب: " قبله صاحب " (المترجم)‏

١٨

بلهفة، وأصغي لكلامكم بكل شوق ورغبة، ولكن أرجو من السادة ‏الحاضرين جميعا ـ وأنا معكم ـ ان نترك التعصب والتأثّر بعادات محيطنا ‏وتقاليد آبائنا، وأن لا تأخذنا حمية الجاهلية، فنرفض الحق بعد ما ظهر لنا، ‏ونقول ـ لا سمح الله ـ مثل ما قاله الجاهلون : {حسبنا ما وجدنا عليه ‏آباءنا} (١) أو نقول: {بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا} (٢).‏

فالرجاء هو أن ننظر نحن وأنتم إلى المواضيع والمسائل التي نناقشها نظر ‏الإنصاف والتحقيق، حتى نسير معا على طريق واحد ونصل إلى الحق ‏والصواب، فنكون كما أراد الله تعالى لنا: إخوانا متعاضدين ومتحابين في ‏الله تبارك وتعالى.‏

فأجاب الحافظ: إن كلامكم مقبول على شرط أن يكون حديثكم مستندا إلى ‏القرآن الكريم فقط.‏

قلت إن شرطكم هذا غير مقبول في عرف العلماء والعقلاء، بل يرفضه ‏العقل والشرع معا، وذلك لأن القرآن الكريم كتاب سماويّ مقدّس،فيه تشريع ‏كل الأحكام بإيجاز واختصار مما يحتاج في فهمه إلى من يبينه، والسنة ‏الشريفة هي المبينة، فلا بدّ لنا أن نرجع في فهم ذلك إلى الأخبار والأحاديث ‏المعتبرة من السنة الشريفة ونستدل بها على الموضوع المقصود.‏

الحافظ: كلامكم صحيح ومتين، ولكن أرجو أن تستندوا في حديثكم إلى ‏الأخبار الصحيحة المجمع عليها، والأحاديث المقبولة عندنا وعندكم، ولا ‏تستندوا بكلام العوام ّ والغثّ من عقائدهم.‏

١- سورة المائدة، الآية ١٠٣.‏

٢- سورة البقرة، الآية ١٧٠.‏

١٩

وأرجو أيضا أن يكون الحوار هادئا، بعيدا عن الضوضاء والتهريج حتى لا ‏نكون موضع سخرية الآخرين ومورد استهزائهم.‏

قلت: هذا كلام مقبول، وأنا ملتزم بذلك قبل أن ترجوه منّي، فإنه لا ينبغي ‏لرجل الدين والعالم الروحي إثارة المشاعر والتهريج في الحوار العلمي ‏والتفاهم الديني، وبالأخص لمن كان مثلي،إذ إن لي العزّ والفخر وشرف ‏الانتساب إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وهو صاحب الصفات ‏الحسنة والخصال الحميدة والخلق العظيم، الذي أنزل الله تعالى فيه: {إنّك ‏لعلى خلق عظيم} (١).‏

ومن المعلوم أني أولى بالالتزام بسنة جدي، وأحرى بأن لا أخالف أمر الله ‏عز وجل حيث يقول: {ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة ‏وجادلهم بالتي هي أحسن} (٢).‏

الحافظ: ذكرت أنك منتسب إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) ـ وهو ‏المشهور أيضا بين الناس ـ فهل يمكنكم ان تبينوا لنا طريق انتسابكم إلى ‏النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله)، والشجرة التي تنتهي بكم إليه؟

قلت: نعم، إن نسبي يصل عن طريق الإمام الكاظم موسى بن جعفر عليه ‏الصلاة والسلام إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وذلك على النحو ‏التالي:‏

شجرة المؤلف

أنا محمد بن علي أكبر " أشرف الواعظين " بن قاسم " بحر العلوم "‏

١- سورة القلم، الآية ٤.‏

٢- سورة النحل، الآية ١٢٥.‏

٢٠