×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

محورية حديث الثقلين في العقيدة والأحكام / الصفحات: ٢٠١ - ٢٢٠

ويعرفونني، ثم يحال بيني وبينهم). قال أبو حازم: فسمعني النعمان بن أبي عياش وأنا أحدِّثهم هذا، فقال: هكذا سمعت سهلاً؟ فقلت: نعم، قال: وأنا أشهد على أبي سعيد الخدري لسمعته يزيد فيه قال: (إنهم مني، فيقال: إنك لا تدري ما بدَّلوا بعدك، فأقول: سحقاً سحقاً لمن بدَّل بعدي).

وروى أحمد في المسند عن أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال (فأقول أصحابي أصحابي فقيل إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك قال فأقول بعدا بعدا أو قال سحقا سحقا لمن بدل بعدي).

وروى البخاري عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: إنكم محشورون حفاة عراة غرلا، ثم قرأ {كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا إنا كنا فاعلين}. وأول من يكسى يوم القيامة إبراهيم، وإن إناسا من أصحابي يؤخذ بهم ذات الشمال، فأقول: أصحابي أصحابي، فيقول: إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم، فأقول كما قال العبد الصالح: {وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم - إلى قوله - الحكيم}.

لاحظوا الروايات بشكل دقيق ومنصف، إنها تبين نوعية أولئك الذين يذودهم أمير المؤمنين عليه السلام عن الحوض في القيامة، إنهم كانوا من صحابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، الذين رآهم في حياته وعاش معهم وصحبهم، وهم الذين عاهدوا رسول الله صلى الله عليه وآله في يوم الثامن عشر من ذي الحجة يوم خطبة الغدير، عندما نصب رسول الله صلى الله عليه وآله أمير المؤمنين عليا عليه السلام إماما لكل المسلمين من بعده، فبايعه المسلمون على ذلك، لكن الكثير من الصحابة انقلب على تلك البيعة بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وغيروا وبدلوا ونقضوا عهودهم، وأنكروا ما عاهدوا الله ورسوله والمؤمنين عليه، وعملوا على التفريق بين الكتاب والعترة، وأعلنوا ذلك عندما رفعوا شعار حسبنا كتاب الله، ونسوا حظا مما ذكروا به، ورفضوا إمامة أمير المؤمنين عليه السلام التي كانت عن إرادة إلهية صريحة لطالما بينها رسول الله صلى الله عليه وآله من بداية بعثته وحتى آخر لحظة من حياته.

٢٠١
قال تعالى في سورة المائدة الآية ١٣ {ونسوا حظا مما ذكروا به}. روى الطبري وغيره في معنى الآية عن الحسن، قال: تركوا عرى دينهم ووظائف الله جل ثناؤه التي لا تقبل الأعمال إلا بها.

وروى السيوطي والطبراني وغيرهما كثير عن بن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال (أوثق عرى الإيمان الموالاة في الله، والمعافاة في الله، والحب في الله، والبغض في الله عز وجل).

أما فيما يتعلق بنقض العهود وعرى الإسلام بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقد وردت عشرات الآيات والأحاديث في ذلك أقدم جملة مختصرة جدا منها.

روى الحاكم في المستدرك عن بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال (لتنقضن عرى الإسلام عروة عروة، وليكونن أئمة مضلون، وليخرجن على أثر ذلك الدجالون الثلاثة. ( وروى أحمد في مسنده وابن حبان في صحيحه والحاكم في المستدرك والسيوطي وصححه عن أبي أمامة أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال (لتنتقضن عرى الإسلام عروة عروة، فكلما انتقضت عروة تشبث الناس بالتي تليها، فأولهن نقضا الحكم، و آخرهن الصلاة).

وقال تعالى في سورة البقرة الآية: ٢٧ {الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك هم الخاسرون}.

ولذلك كانت تلك الأحاديث التي ذكرنا قسما منها، تبين حال أولئك الصحابة المبدلين ومن اقتدى بهم ممن جاء بعدهم، حيث تصف الأحاديث طرد أولئك عن الحوض، لأنهم رفضوا الورود عليه في الدنيا وفرقوا الناس عنه، وصدوا عن سبيله، فهم اليوم يذادون عن الحوض في الآخرة ويحال بينهم وبينه، وتتكشف أحوالهم على حقيقتها في ذلك الموقف العظيم، حيث ينادى على الملأ هناك، أن هؤلاء غيروا وبدلوا بعد رسول الله، فيقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لهم، سحقا سحقا.

٢٠٢
والعجيب في الأمر أن كل تلك الأحاديث التي تدعوا للتمسك بأهل البيت عليهم السلام، والتي تربط بين الحوض وأهل البيت، وتلك التي تبين حال المخالفين، قد سمعها ووعاها أولئك الصحابة ومن تبعهم، لكنهم أصروا على محاربة الإرادة الإلهية ووصية رسول الله، وكان همهم العمل على فصل وتشتيت أمر الله والصد عنه، ولولا إرادة الله تعالى والتأكيد من رسول الله كما في حديث الثقلين على أن الكتاب والعترة لن يفترقا ولن يتفرقا حتى يردا على رسول الله وهو على الحوض، لنجح أولئك في إرادتهم، وانتهى أمر الدين إلى أبد الآبدين.

لكن تمسك أهل البيت وشيعتهم بالكتاب والعترة الطاهرة معا والعمل على حمايتهما والدفاع عنهما، هو الذي أظهر حقيقة تلك الإرادة الإلهية وإظهارها في كل زمان ومكان، فإن القوة لله جميعا وهو فوق كل ذي علم عليم، وبقيت الحقيقة واضحة المعالم، بأن كتاب الله تعالى وأهل البيت عليهم السلام لن يتفرقا حتى يردا على الحوض معا، ولن تفلح شعارات المبغضين، ولا مخططات الحاسدين، ولا كل ما فعلوا للصد عن سبيل أهل البيت عليهم السلام، ولينصرن الله من ينصره، ويقف معه لنصرة إرادته، ورفع شأن من رفع الله شأنهم، يوالي من والوا، ويعادي من عادوا، وسوف يكون إن شاء الله تعالى من الواردين على الحوض، الشاربين منه شربة لا يظمأ بعدها أبدا.

وإني سائلكم كيف تخلفوني فيهما

قال الإمام أبو جعفر الباقر عليه السلام: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (أنا أول وافد على العزيز الجبار يوم القيامة وكتابه وأهل بيتي ثم أمتي، ثم أسألهم ما فعلتم بكتاب الله وأهل بيتي).

بعد أن بين رسول الله صلى الله عليه وآله الإرادة الإلهية، وأوصى المسلمين بالتمسك والعمل بها، وحث على حب ومودة أهل البيت عليهم السلام واتباعهم والإقتداء بهم، وعين للأمة وبأمر من ربه اثني عشر إماما معصوما من أهل

٢٠٣
البيت، أولهم أمير المؤمنين وآخرهم الإمام المهدي عليهم جميعا أفضل الصلوات وأتم التسليم، وأمر الناس بمتابعتهم والإقتداء بهديهم، وبين أنهم سبيل النجاة، ومن تمسك بهم وركب سفينتهم فإنه لن يضل أبدا، ثم بين رسول الله صلى الله عليه وآله بعد كل ذلك البيان الواضح أن الإرادة الإلهية في أن الكتاب والعترة الطاهرة لا يمكن لهما أن يتفرقا، ولا يستطيع أحد مهما فعل أن يفرقهما.

ثم يكمل رسول الله صلى الله عليه وآله بعد ذلك البيان الشافي وصيته من خلال حديث الثقلين، فيبين أنه يوم القيامة وعندما يرد الكتاب والعترة الطاهرة من أهل البيت على رسول الله على الحوض، حيث أنهما أول الواردين، سوف يسأل المسلمين في ذلك الموقف العظيم وبتكليف من الله تعالى عن الكتاب والعترة، حيث يكون السؤال الأساسي والمصيري هناك، كيف أخلفتموني في أهل بيتي؟ وماذا فعلتم بوصيتي؟. هل أطعتم إرادة الله تعالى وطبقتموها؟. ماذا فعلتم من بعدي في أهل بيتي؟. من منكم أيها المسلمون والاهم ووالى أولياءهم، وعادى أعداءهم؟. من منكم نصرهم ونصر أولياءهم؟. من منكم عادى أهل البيت وظلمهم وآذاهم، ووالى أعداءهم؟. من منكم خذل أهل البيت ولم ينصرهم، بل وصد عن سبيلهم؟. من منكم حارب إرادة الله تعالى ووصية رسوله في ولاية وإمامة أهل البيت؟. من منكم أوفى بعهده مع الله تعالى، ومن منكم نقض عهده وأنكره؟.

إذن علينا أن ننتبه إلى أن السؤال سوف يتركز على حب وولاية وإمامة أمير المؤمنين وأهل البيت عليهم السلام، وعن البراءة من أعدائهم، لأنه وكما ذكرنا في البحث السابق أن أمير المؤمنين عليه السلام هو قسيم الجنة والنار، وأن عنوان صحيفة المؤمن حب علي عليه السلام، وأن حبه إيمان وبغضه كفر ونفاق، وأنه عليه السلام أول من يجثو للخصومة يوم القيامة، يخصم أعداءه ومبغضيه وظالميه الذين سلبوا حقه وأنكروه، ورفضوا الإعتراف بحقوقه وأحقيته، وتركوا نعمة الله عليهم وقابلوها بالجحود والنكران والكفر.

٢٠٤
إنهم سوف يسألون هناك عن وليهم وإمامهم وولي نعمتهم، عن أمير المؤمنين وعن فاطمة الزهراء وعن الحسن والحسين عليهم الصلاة والسلام، وعن الأئمة من أهل البيت التسعة المعصومين من ذرية الحسين عليهم السلام، ولن يكون هنالك مجال لنكران الحقيقة وطمسها وإخفاءها عن الناس، بل إن الحقيقة هناك هي التي ستطغى على أجواء ذلك الموقف العظيم، فمن أحسن في الدنيا فقد أحسن لنفسه ومن أساء فعليها، وما الله بغافل عما فعل ويفعل الظالمون.

ولقد بينت الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة موضوع السؤال هناك من خلال نصوص متعددة ترتبط كلها ارتباطا وثيقا بعبارات حديث الثقلين، نبين بعضا منها حتى يستطيع القارئ رؤية الإرتباط الوثيق بينها، وتعظم القناعة في محورية حديث الثقلين ومركزيته في العقيدة والأحكام الإسلامية.

يقول الله تعالى في سورة الصافات. الآيات ٢٢ -٣٥ {احشروا الذين ظلموا وأزواجهم وما كانوا يعبدون من دون الله فاهدوهم إلى صراط الجحيم، وقفوهم إنهم مسؤولون، ما لكم لا تناصرون، بل هم اليوم مستسلمون، وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون، قالوا إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين، قالوا بل لم تكونوا مؤمنين، وما كان لنا عليكم من سلطان بل كنتم قوما طاغين، فحق علينا قول ربنا إنا لذائقون، فأغويناكم إنا كنا غاوين، فإنهم يومئذ في العذاب مشتركون، إنا كذلك نفعل بالمجرمين، إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون}.

روى القمي في تفسير قوله تعالى {احشروا الذين ظلموا}.

قال الذين ظلموا آل محمد صلوات الله عليهم حقهم، وأزواجهم أي وأشباههم وروى الديلمي في مسند الفردوس، والحسكاني في شواهد التنزيل، عن أبي سعيدالخدري، عن النبي صلى الله عليه و آله و سلم قال (وقفوهم إنهم مسؤولون عن ولاية علي بن أبي طالب).

وروى بن حجر في الصواعق المحرقة عن الديلمي، قال: {وقفوهم إنهم مسؤولون}، أي عن ولاية علي و أهل البيت عليهم السلام، لأن الله أمر نبيه صلى الله عليه و آله و سلم أن يُعَِرفَ الخلق أنه لا يسألهم على تبليغ الرسالة أجرا إلا

٢٠٥
المودة في القربى، و المعنى انهم يسألون هل والوهم حق الموالاة كما أوصاهم النبي صلى الله عليه و آله و سلم، أم أضاعوها و أهملوها فتكون عليهم المطالبة و التبعة.

وروى الإمام الواحدي قال (إنهم مسؤولون عن ولاية علي وأهل البيت، فيكون الغرض من قوله، وانكم مسؤولون، تهديد أهل الخلاف لوليه ووصيه).

وقال تعالى في سورة التكاثر الآية ٨ {ثم لتسئلن يومئذ عن النعيم}.

روى القمي عن الإمام الصادق عليه السلام قال (تسأل هذه الامة عما أنعم الله عليهم برسول الله صلى الله عليه وآله ثم بأهل بيته).

وفي الاحتجاج عن أمير المؤمنين عليه السلام في حديث له قال: (أن النعيم الذي يسأل عنه، رسول الله صلى الله عليه وآله ومن حل محله من أصفياء الله، فإن الله أنعم بهم على من اتبعهم من أوليائهم).

وروى العياشي عن الإمام الصادق عليه السلام أنه سأله أبو حنيفة عن هذه الآية فقال له (ما النعيم عندك يا نعمان؟. قال القوت من الطعام والماء البارد. فقال لئن أوقفك الله يوم القيامة بين يديه، حتى يسألك عن كل أكلة أكلتها أو شربة شربتها، ليطولن وقوفك بين يديه. قال فما النعيم جعلت فداك؟. فقال نحن أهل البيت النعيم الذي أنعم الله بنا على العباد، وبنا ائتلفوا بعد أن كانوا مختلفين، وبنا ألف الله بين قلوبهم وجعلهم إخوانا بعد أن كانوا أعداء، وبنا هداهم الله للاسلام وهو النعمة التي لا تنقطع، والله سائلهم عن حق النعيم الذي أنعم به عليهم وهو النبي صلى الله عليه وآله وعترته عليهم السلام).

وفي رواية أنه عليه السلام قال له (بلغني أنك تفسر النعيم في هذه الآية بالطعام والطيب والماء البارد في اليوم الصائف، قال نعم، قال لو دعاك رجل وأطعمك طعاما طيبا وسقاك ماءا باردا ثم امتن عليك به، إلى ما كنت تنسبه؟. قال إلى البخل. قال أفيبخل الله تعالى؟. قال: فما هو؟. قال حبنا أهل البيت).

وفي العيون عن الإمام الرضا عليه السلام قال: ليس في الدنيا نعيم حقيقي. فقال له بعض الفقهاء ممن حضره فيقول الله تعالى {ثم لتسئلن يومئذ عن

٢٠٦
النعيم}. أما هذا النعيم في الدنيا وهو الماء البارد؟. فقال له الإمام الرضا عليه السلام وعلا صوته: كذا فسرتموه أنتم وجعلتموه على ضروب، فقالت طائفة هو الماء البارد، وقال غيرهم هو الطعام الطيب، وقال آخرون هو طيب النوم، ولقد حدثني أبي عن أبيه عن أبي عبد الله عليهم السلام (إن أقوالكم هذه ذكرت عنده في قول الله عز وجل {ثم لتسئلن يومئذ عن النعيم}، فغضب وقال إن الله عز وجل لا يسأل عباده عما تفضل عليهم بذلك، ولا يمن بذلك عليهم، والإمتنان بالإنعام مستقبح من المخلوقين، فكيف يضاف إلى الخالق عز وجل ما لا يرضى المخلوق به؟. ولكن النعيم، حبنا أهل البيت وموالاتنا، يسأل الله عنه بعد التوحيد والنبوة لأن العبد إذا وفى بذلك، أداه إلى نعيم الجنة الذي لا يزول).

وروى الكليني في الكافي عن الإمام الصادق عليه السلام في هذه الاية قال (إن الله عز وجل أعز وأكرم من أن يطعمكم طعاما فيسوغكموه، ثم يسألكم عنه، ولكن يسألكم عما أنعم عليكم بمحمد وآل محمد عليهم السلام).

وروى الكليني في الكافي عن أبي خالد الكابلى قال: (دخلت على أبي جعفر عليه السلام فدعا بالغداء فأكلت معه طعاما ما أكلت طعاما قط أنظف منه ولا أطيب، فلما فرغنا من الطعام قال: يا أبا خالد، كيف رأيت طعامك أو قال طعامنا؟. قلت جعلت فداك ما رأيت أطيب منه ولا أنظف قط، و لكنى ذكرت الآية التي في كتاب الله عز وجلّ لتسئلن يومئذ عن النعيم، قال أبو جعفر عليه السلام لا إنَّما تسألون عما أنتم عليه من الحق).

ومما يدل على أن النعيم هو ما أنعم الله علينا بمحمد وآل محمد، والنعمة هي ولاية أمير المؤمنين وإمامته، وإمامة وولاية الأئمة من ولده عليهم السلام، هو قوله تعالى في سورة المائدة الآية ٣ {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا}.

وقوله تعالى في سورة إبراهيم الآية ٢٨ {ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا وأحلوا قومهم دار البوار}.

٢٠٧
روى السيوطي في الدر المنثور قال أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني في الأوسط، وابن مردويه والحاكم وصححه من طرق، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه في قوله: {ألم ترى إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا} قال: هما الأفجران من قريش، بنو أمية وبنو المغيرة. فأما بنو المغيرة، فقطع الله دابرهم يوم بدر. وأما بنو أمية فمتعوا إلى حين.

وروى السيوطي في الدر المنثور قال أخرج ابن مردويه عن علي عليه السلام، أنه سئل عن {الذين بدلوا نعمة الله كفرا} قال: بنو أمية وبنو مخزوم.

يقول الله سبحانه وتعالى في سورة البقرة الآية ٢١١ {ومن يبدل نعمة الله من بعد ما جاءته فإن الله شديد العقاب}.

وقال تعالى في سورة المائدة الآية ٧ {واذكروا نعمة الله عليكم وميثاقه الذي واثقكم به إذ قلتم سمعنا وأطعنا واتقوا الله إن الله عليم بذات الصدور}.

وقال تعالى في سورة الأعراف الآيتان: ٦ - ٧ {فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين، فلنقصن عليهم بعلم وما كنا غائبين}.

أي أنه سوف يسألهم عن عهودهم التي قطعوها وعن شهادتهم بما أشهدوا أنفسهم عليه، وأنه سوف يسأل الأنبياء والرسل وهو أعلم، هل بلغتم إرادتي للناس، وينطبق السؤال هنا أيضا على آية التبليغ عندما قال تعالى في سورة المائدة الآية ٦٧ {يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس إن الله لا يهدي القوم الكافرين}. ومعلوم أن الآية نزلت لإعلان ولاية وإمامة أمير المؤمنين عليه السلام، حيث بلغ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أمر الولاية وأعلنه من خلال حديث الولاية المشهور، ثم نزلت بعد ذلك التبليغ آية إكمال الدين وتمام الحجة.

ولا تعنى آية التبليغ كتمان شيء من أمور الدين، وإنما من أجل إقامة الحجة على الناس في ولاية وإمامة علي عليه السلام، فلله الحجة البالغة، وسؤال الأنبياء لايعني التقصير وإنما من أجل الإشهاد وإقامة الحجة على الناس، ومن أجل تبيان عظمة وأهمية ما يريد الله تبليغه على لسان رسوله صلى الله عليه وآله وسلم.

٢٠٨
ولذلك فإن الله تعالى يخاطب أنبياءه ورسله بما يشاء من أجل تبليغ الرسالة، ويشبه ذلك قوله تعالى في سورة المائدة الآية ١١٦ {وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب}.

فلم يكن سؤال عيسى بن مريم عليه السلام توبيخا أو تهمة له، لأن الله تعالى يعلم وهو علام الغيوب أن نبي الله عيسى عليه السلام لم يقل للناس ذلك ولا يمكن له أن يقول ذلك، وقد أجاب نبي الله عيسى عليه السلام بقوله {إن كنت قلته فقد علمته} فرد ذلك إلى علمه تعالى، وقد كان الله عالما به أنه لم يقله ولكنه سأله عنه تقريعا لمن اتخذ عيسى إلها، ومن أجل أن تكون الحجة أبلغ وأقوى.

وقد استشهد رسول الله صلى الله عليه وآله بهذه الآيات عندما أراد أن يحذر أصحابه وينبه أسماعهم إلى واقع السؤال والحال كيف يكون عند الحوض، فأظهر صلى الله عليه وآله أنه سوف يطالب بأصحابه، وكأنه لا يدري حالهم، فيتفاجأ بانقلابهم من بعده، فيقول سحقا سحقا ويستشهد بما حصل مع نبي الله عيسى، وهذا الإخبار بهذه الطريقة هو من أجل إقامة الحجة والبرهان.

روى الحاكم والبخاري ومسلم وغيرهم كثير عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: يؤخذ بناس من أصحابي ذات الشمال، فأقول: أصحابي، أصحابي. فيقال: إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم بعدك. فأقول كما قال العبد الصالح عيسى بن مريم {وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم، فلما توفيتني، كنت أنت الرقيب عليهم}.

ونعود إلى الموضوع والآية التي تعنى بالسؤال، فقد روى السيوطي قي الدر المنثور قال أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في البعث عن ابن عباس {فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين} قال: نسأل الناس عما أجابوا المرسلين، ونسأل المرسلين عما بلغوا {فلنقصن عليهم بعلم} قال: يوضع الكتاب يوم القيامة، فيتكلم بما كانوا يعملون.

٢٠٩
وقال تعالى في سورة الحجر الآيتان: ٩٢ - ٩٣ {فوربك لنسألنهم أجمعين، عما كانوا يعملون}.

روى القرطبي في الجامع قال، قوله تعالى: {فوربك لنسألنهم أجمعين} أي لنسألن هؤلاء الذين جرى ذكرهم عما عملوا في الدنيا. وفي صحيح البخاري: وقال عدة من أهل العلم في قوله {فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون}. عن لا إله إلا الله.

قلت: وهذا قد روي مرفوعا، روى الترمذي الحكيم قال: حدثنا الجارود بن معاذ قال حدثنا الفضل بن موسى عن شريك عن ليث عن بشير بن نهيك عن أنس بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في قوله: {فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون} قال: عن قول لا إله إلا الله، قال أبو عبدالله: معناه عندنا عن صدق لا إله إلا الله ووفائها، وذلك أن الله تعالى ذكر في تنزيله العمل فقال: {عما كانوا يعملون} ولم يقل عما كانوا يقولون.

ومعلوم أن الله تعالى قد قرن بين كلمة التوحيد وأهل البيت عليهم السلام، وجعل الإيمان بولاية أهل البيت وحقهم وأحقيتهم شرطا أساسيا لقبول كلمة التوحيد، فلا يقبل الإسلام إلا بشهادة التوحيد مقترنا معها الشهادة بالرسالة لمحمد صلى الله عليه وآله، ومعنى الشهادة بالرسالة طاعة رسول الله في كل ما يقول أو يأمر، فما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا.

روي في مصادر أهل السنة والشيعة حديث السلسلة الذهبية عن الإمام الرضا عليه السلام عن أبيه عن أجداده عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليهم السلام يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: سمعت جبرئيل عليه السلام يقول: سمعت الله عزوجل يقول: لا إله إلا الله حصني، فمن دخل حصني أمن (من) عذابي، فلما مرت الراحلة نادانا: بشروطها وأنا من شروطها.

وفي رواية أخرى (ولاية علي بن أبي طالب حصني، فمن دخل حصني أمن عذابي).

٢١٠
كتاب محورية حديث الثقلين في العقيدة والأحكام للدكتور صلاح الدين الحسيني (ص ٢١١ - ص ٢٢٦)

٢١١
وبعد أن بينت الآية أجر الرسالة وأن السؤال هو عن أهل البيت عليهم السلام، حثهم مرة أخرى على اقتراف الحسنة وهي ولاية أهل البيت كما بينا في أكثر من موضع، وأن من اقترف حب وولاية وإمامة أهل البيت عليهم السلام فسوف يزيده الله بأن يغفر الله تعالى له ويبدل سيئاته حسنات، ويزيده من فضله إنه غفور شكور.

قال تعالى في سورة الشورى الآية: ٢٣ {ذلك الذي يبشر الله عباده الذين آمنوا وعملوا الصالحات قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسنا إن الله غفور شكور}.

روى السيوطي في الدر المنثور وغيره كثير قال أخرج أبو نعيم والديلمي من طريق مجاهد، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم {لا أسألكم عليه أجر إلا المودة في القربى} أن تحفظوني في أهل بيتي وتودوهم بي.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه من طريق سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: لما نزلت هذه الآية {قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى} قالوا: يا رسول الله، من قرابتك هؤلاء الذين وجبت مودتهم؟ قال: علي وفاطمة وولداها.

وأخرج سعيد بن منصور، عن سعيد بن جبير {إلا المودة في القربى} قال: قربى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

وأخرج ابن جرير عن أبي الديلم، قال: لما جيء بعلي بن الحسين عليه السلام أسيرا، فأقيم على درج دمشق، قام رجل من أهل الشام فقال: الحمد لله الذي قتلكم واستأصلكم، فقال له علي بن الحسين عليه السلام: أقرأت القرآن؟ قال: نعم. قال: أقرأت آل حم؟ قال: لا. قال: أما قرأت {قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى} قال: فأنكم لأنتم هم؟ قال: نعم.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس {ومن يقترف حسنة} قال: المودة لآل محمد.

٢١٢
وأخرج أحمد والترمذي وصححه والنسائي والحاكم، عن المطلب بن ربيعة،قال: دخل العباس على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: إنا لنخرج فنرى قريشا تحدث، فإذا رأونا سكتوا، فغضب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ودر عرق بين عينيه، ثم قال: والله لا يدخل قلب امرئ مسلم إيمان، حتى يحبكم لله ولقرابتي.

وأخرج مسلم والترمذي والنسائي، عن زيد بن أرقم: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: أذكركم الله في أهل بيتي.

وأخرج الترمذي وحسنه وابن الأنباري في المصاحف، عن زيد بن أرقم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي، أحدهما أعظم من الآخر، كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي، ولن يتفرقا حتى يردا علي الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فيهما.

وأخرج الترمذي وحسنه والطبراني والحاكم والبيهقي في الشعب، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أحبوا الله لما يغذوكم به من نعمه، وأحبوني لحب الله، وأحبوا أهل بيتي لحبي.

وأخرج ابن عدي، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: من أبغضنا أهل البيت فهو منافق.

وأخرج الطبراني، عن الحسن بن علي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لا يبغضنا أحد ولا يحسدنا أحد، إلا ذيد يوم القيامة بسياط من نار.

وأخرج أحمد وابن حبان والحاكم، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: والذي نفسي بيده لا يبغضنا أهل البيت رجل، إلا أدخله الله النار.

وأخرج الطبراني والخطيب من طريق أبي الضحى، عن ابن عباس قال: جاء العباس إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: إنك قد تركت فينا ضغائن منذ صنعت الذي صنعت، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: لا يبلغوا الخير أو الإيمان حتى يحبوكم.

٢١٣
وأخرج الخطيب من طريق أبي الضحى، عن مسروق، عن عائشة قالت: أتى العباس بن عبد المطلب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا رسول الله، إنا لنعرف الضغائن في أناس من قومنا، من وقائع أوقعناها، فقال: أما والله إنهم لن يبلغوا خيرا حتى يحبوكم، لقرابتي، ترجو سليم شفاعتي، ولا يرجوها بنو عبد المطلب.

سؤال القبر:

وإذا ربطنا بين الآيات والأحاديث التي ذكرناها وبين حديث الثقلين المتواتر، في العلاقة بينها وبين السؤال في القبر وما سوف نسأل عنه في القبر، فإننا نجد أيضا أن هناك حقيقة أخرى متعلقة بنفس حقيقة السؤال الذي ورد في الآيات وحديث الثقلين، تلك الحقيقة التي غيبها الصادون عن سبيل الله وهو سبيل أهل البيت عليهم السلام كما غيبوا غيرها من الحقائق، حيث أنهم أخفوا سؤالا هاما وأساسيا من ضمن الأسئلة التي سوف نسأل عنها في القبر، وهو السؤال المتعلق بولاية أمير المؤمنين عليه السلام وإمامته.

فبالرغم من إخفاء وطمس تلك الحقيقة، فقد وردت في أحاديث طوائف المسلمين روايات كثيرة تؤكد السؤال عن الإمامة والولاية في القبر، وحتى أنه ورد أن جواب السؤال هو من أسباب النجاة من عذاب القبر.

روى في ميزان الحكمة عن الإمام الصادق عليه السلام فتقول: (يسأل الميت في قبره عن خمس: عن صلاته، وزكاته، وحجه، وصيامه، وولايته إيانا أهل البيت، فتقول الولاية عن جانب القبر للأربع، ما دخل فيكن من نقص فعلي تمامه).

وعن أبي عبد الله الصادق عليه السلام قال: (أول ما يسأل عنه العبد إذا وقف بين يدي الله عز وجل، الصلوات المفروضات، وعن الزكاة، وعن الصيام المفروض، وعن الحج، وعن ولايتنا أهل البيت، فان أقر بولايتنا ثم مات عليها قبلت منه صلاته وصومه وزكاته وحجه، فان لم يقر بولايتنا بين يدي الله عز وجل لم يقبل منه شيئا من اعماله).

٢١٤
وروي في مسند الإمام علي عليه السلام عن رزين بن حبيش، قال: سمعت علياً عليه السلام يقول: إن العبد إذا دخل حضرته أتاه ملكان اسمهما منكر ونكير، فأول ما يسألانه عن ربه، ثم عن نبيه، ثم عن وليه، فان أجاب نجا وان عجز عذّباه، فقال له الرجل لمن عرف ربه ونبيه ولم يعرف وليه؟ فقال: مذبذب لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء {وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلا} ذلك لا سبيل له، وقد قيل للنبي صلى الله عليه وآله: من الولي يانبي الله؟ قال: وليكم في هذا الزمان علي عليه السلام، ومن بعده وصيه، ولكل زمان عالم يحتجّ الله به لئلا يكون كما قال الضلال قبلهم حين فارقتهم أنبياؤهم {رَبَّنَا لَوْلاَ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزى} تمام ضلالتهم بالآيات وهم الأوصياء فأجابهم الله {فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدى} فإنما كان تربصهم أن قالوا: نحن في سعة عن معرفة الأوصياء حتى نعرف إماماً، فعرفهم الله بذلك، والأوصياء أصحاب الصراط وقوف عليه لا يدخل الجنة إلاّ من عرفهم ويعرفوه، ولا يدخل النار إلاّ من أنكرهم وأنكروه، لأنهم عرفاء الله عرفهم عليهم عند أخذ المواثيق عليهم ووصفهم في كتابه فقال جلّ وعزّ: {وَعَلَى الاَْعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيمَاهُمْ} هم الشهداء على أوليائهم والنبي الشهيد عليهم، أخذ لهم مواثيق العباد بالطاعة، وأخذ النبي صلى الله عليه وآله عليهم المواثيق بالطاعة، فجرت نبوته عليهم وذلك قول الله: {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّة بِشَهِيد وَجِئْنَا بِكَ عَلى هؤُلاَءِ شَهِيداً، يَوْمَئِذ يَوَدّ ُالَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تَسَوّى بِهِمُ الاَْرْضُ وَلاَ يَكْتُمُونَ اللهَ حَدِيثاً}.

٢١٥

فلا تقدموهما فتهلكوا ولا تقصروا عنهما فتضلوا ولا تعلموهم فإنهم أعلم منكم

بعد أن بلغ رسول الله صلى الله عليه وآله إرادة الله تعالى في الكتاب والعترة وأوصى المسلمين بالتمسك بهما معا، وبين بداية رحلة الثقلين إلى آخر محطة فيها، وأعلم كل من سمعه أن التمسك بهما هو الهداية إلى طريق الحق والى الصراط المستقيم، ثم طمئن من سمعه بأن الكتاب والعترة لن يتفرقا ولن يفترقا.

وبعد ذلك حذر صلى الله عليه وآله بأنه سوف يسأل الناس ماذا فعلوا بأهل البيت حتى يتقرر مصير كل واحد منهم عند آخر محطة من رحلة الثقلين، فإن كان ممن والى وأحب أهل البيت عليهم السلام كان مؤمنا ومآل المؤمن إلى الجنة، وإن كان مبغضا معاديا جاحدا حقوق أهل البيت وأحقيتهم كان منافقا أو كافرا والمصير إلى النار والعياذ بالله.

ثم بعد أن أتم رسول الله صلى الله عليه وآله ذلك الشرح المفصل والبلاغ المبين، وإذا به يوصى المسلمين بوصية أخرى تتعلق بالكتاب والعترة الطاهرة، وكأنه يحذر المسلمين من حال معين قد يقع المسلمون فيه ويطبقونه، فقام رسول الله صلى الله عليه وآله الذي أعطاه الله تعالى علم الأولين والآخرين ببيان تلك الإشارات المتعلقة بذلك الحال، حتى يتقوا ذلك المحذور ولا يقعوا فيه.

وكان بيان ذلك الحال من خلال عبارة فلا تقدموهما أي الكتاب والعترة فتهلكوا وفي روايات لتهلكوا، ولا تتأخروا عنهما فتهلكوا وفي رواية فتزلوا وفي رواية أخرى فتضلوا، ولاتعلموهم أي العترة الطاهرة من أهل البيت عليهم السلام، فإنهم أعلم منكم حيث أن الكتاب هو القرآن الصامت وأهل البيت عليهم السلام هم القرآن الناطق.

ومعنى لا تقدموهما أنه أثناء رحلة الثقلين إلى الحوض، اجعلوا الكتاب والعترة الطاهرة من أهل البيت عليهم السلام دائما في المقدمة فلا تتقدموا عليهما ولا تتكبروا عليهما ولا تترفعوا عن الإقتداء بهما والإهتداء بهديهما، اجعلوهما أئمتكم حتى يكونا وفدكم إلى الله تعالى حتى يترافعا لكم بين يدي الله تعالى

٢١٦
وتنالوا الشفاعة بهما، وإنكم إن لم تفعلوا ذلك وتجعلوهما في المقدمة، فإن الهلاك مصيركم.

وكذلك لا تتأخروا عنهما أي لا تنحوهما جانبا أو تتركوا اتباعهما والإقتداء بهديهما الرباني المعصوم فبالتالي تزلوا وتضلوا وتهلكوا.

ولاتعلموهم أي لاتتركوا التعلم منهم والأخذ منهم واتباعهم، وتتعلموا من آرائكم وأهوائكم الناقصة والضالة، فلا تعلموهم وتفرضوا تأويلاتكم الخاطئة وأقوالكم الموضوعة وأهواءكم الفاسدة على ما جاء من عند الله تعالى، لأن ما جاء من عند الله الخالق المدبر هو العلم الحقيقي بما يصلح الإنسان ويرفعه إلى أعلى المراتب السامية، ويجنبه كل ما يضله ويضره وما ليس له فيه منفعة أو مصلحة.

فمن القضايا الأساسية والبديهية التي بينتها تلك العبارات من الحديث خاصة، ومن حديث الثقلين بشكل عام قضايا محورية ومركزية في العقيدة والأحكام غابت عن عقائد وأحكام الكثير من الطوائف الإسلامية، تتعلق تعلقا مباشرا بالأئمة من أهل البيت عليهم السلام، غيبها الحاقدون والحاسدون لأهل البيت عليهم السلام، الذين حاربوا إرادة الله تعالى وحاولوا وأدها في مهدها، ولا زالوا يحاربونها، مما أدى إلى طمس وتغييب حقيقة وأحقية أهل البيت عليهم السلام، فكانت النتيجة أن جهل المسلمون ذلك وغيبت عنهم الحقائق، فصار التقدم على أهل البيت عليهم السلام أمر مشروع مرغوب ممدوح، وصار الإجتهاد بالرأي والهوى والقياس مقدم على ما حمله الأئمة من أهل البيت عليهم السلام والذي يمثل إرادة الله تعالى، وصار التأخر عن أهل البيت وأتباعهم ظاهرة متفشية لا تقبل الحوار أو النقاش، بل هي خطوط حمراء يضلل من تجاوزها أو ربما يفسق أو يكفر، وصار المسلمون من على مقاعد كبريائهم ينظرون إلى أهل البيت وأتباعهم وشيعتهم نظرة دونية، فالواجب من وجهة نظرهم على أهل البيت وأتباعهم أن يتعلموا من أهواء وآراء أولئك الذين يحاولون تعليم الناس أن التفرد وإلغاء الآخر وطمسه، هو المطلوب وأن الصواب عندهم هو أن يتعلم أهل البيت وشيعتهم منهم، فهم على حد علمهم

٢١٧
الأعلم وهم الفرقة الناجية، هكذا ينظرون لأهل البيت عليهم السلام وشيعتهم، فقد تقدموا عليهم وتأخروا عن فكرهم وتراثهم، ثم يفرضون على أهل البيت وشيعتهم أن يتعلموا من أهوائهم وآرائهم وقياساتهم مع أن الحديث واضح في عبارته عندما قال رسول الله صلى الله عليه وآله فإنهم أعلم منكم.

وتظهر محاولات فرض الرأي وتفسيق وتكفير الآخر وإلغائه، من خلال مخالفة النصوص الشرعية الواضحة الدلالة في القرآن الكريم والسنة النبوية التي فعلها وأقرها أو قالها رسول الله صلى الله عليه وآله والأئمة من أهل البيت وشيعتهم، فهناك عشرات الأحكام في الكتاب والسنة تمت مخالفتها، وفرضت على الآيات والأحاديث تأويلات خاطئة، أدت إلى مخالفة الكتاب والعترة الطاهرة. خذ مثلا واحدا فقط وهو آية الوضوء والتي تدل على وجوب مسح القدمين دلالة واضحة ومدعمة بأكثر من سبعين حديثا من عند أهل السنة والجماعة تدل على وجوب المسح، فضربوا بالآية عرض الحائط وتركوا أحاديثهم ورفضوا تطبيق الرسول وأئمة الهدى من أهل البيت عليهم الصلاة السلام، مقابل تأويلات أتعبوا أنفسهم في فرضها، مخالفين بذلك الكتاب والعترة وكأنهم أعلم منهما.

وهناك المئات من التروكات والمخالفات والتجاوزات للكتاب وأهل البيت عليهم السلام ضاعت عندهم أو غيبت، بالرغم من سطوع نور بيانها تقدموا عنها وتخلفوا عن أهل البيت وخالفوهم، وحاولوا أن يعلموهم من آرائهم وأهوائهم، بل وإنهم خطؤوهم وتركوا إصابة أهل البيت ومطابقتهم لمراد الله تعالى، فكانت النتيجة الهلاك والضلال والزلل، وهو الذي لا زالت غالبية الأمة عليه.

أما بالنسبة إلى القضايا الهامة والمحورية في العقيدة والأحكام والتي تبينها عبارة حديث الثقلين الأخيرة خاصة وحديث الثقلين بشكل عام فهي متعددة نتطرق إلى بعضها على سبيل الإجمال، وما ألفه علماء الأمة الأجلاء من أتباع مدرسة أهل البيت عليهم السلام فيه الكفاية.

٢١٨

عصمة الأئمة من أهل البيت عليهم السلام:

من تلك القضايا قضية العصمة للنبي والأئمة من أهل البيت عليهم السلام، والتي يوجبها حديث الثقلين ويحملها في طيات عباراته كلها، وتتجلى فيه بأجلى صورها، فمن لا يستنبط عصمة النبي والأئمة من أهل البيت عليهم الصلاة والسلام من خلال هذا النص المتواتر وعجز عن استيعابها، فهو عن غيرها أعجز.

إذ كيف يمكن أن يأمر الله تعالى باتباع وطاعة من لم يحز العصمة من أعلى مراتبها، فمن طاعته واجبة والإقتداء به هدى وهداية، والتفرق عنه ضلال وزيغ، يجب أن يكون معصوما في أقواله وأفعاله، وسلوكه وتصرفاته، وسائر شؤون حياته.

وكذلك لا يمكن أن يوصي رسول الله صلى الله عليه وآله بالتمسك بالعترة الطاهرة ويؤكد بأن التمسك بهم نجاة من الضلال، وهذا معناه أنهم الحق والحق هو من الله تعالى لا يدخله النقص أو الخلل، وهم عليهم السلام حملة الحق والدعاة إليه، فكل مايقولونه ويفعلونه معصوم قطعا.

فنحن بأمر الله وإرادته ووصية رسوله، مأمورون باتباعهم وبدلالة العقل أيضا هم أحق بالإتباع، وهو ما تبينه الآية التالية.

يقول تعالى في سورة يونس الآية ٣٥ {قل هل من شركائكم من يهدي إلى الحق قل الله يهدي للحق أفمن يَهِدِّي إلى الحق أحق أن يتبع أم من لا يهدي إلا أن يُهدى فما لكم كيف تحكمون}.

ثم إنهم بالدليل النقلي والعقلي حجج الله تعالى على عباده، ولا يمكن أن تكون حجة الله متناقضة أو يدخلها الزلل، يقول تعالى في سورة الأنعام {فلله الحجة البالغة}. وهذا يقتضي عصمة النبي والأئمة من أهل البيت عليهم السلام أولي الأمر الذين تجب علينا طاعتهم بنص القرآن الكريم.

ثم إن اقتران الأئمة من أهل البيت عليهم السلام بالقرآن الكريم، والأمر الإلهي يوجب التمسك بهما معا حتى صارا شيئا واحدا، والقرآن كتاب الله تعالى الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه وهذا يعنى العصمة، ولا يمكن أن يقترن بالمعصوم ويصير معه شيئا واحدا إلا المعصوم.

٢١٩
هذا ما يقرره حديث الثقلين بخصوص العصمة، وما ذكرت بخصوصها فيه الكفاية السريعة التي توصل إلى القناعة بعصمة الأئمة من أهل البيت عليهم السلام، ويكفيك آية التطهير، التي تدل دلالة قطعية على عصمة الأئمة من أهل البيت عليهم السلام، حيث يقول الله سبحانه وتعالى في سورة الأحزاب، الآية ٣٣ {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا}.

مفهوم الإمامة:

ومن القضايا الأساسية المركزية والمحورية في عبارات الحديث، هي موضوع الإمامة ومفهومها، والإعتقاد بإمامة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وكذلك بإمامة الحسن والحسين والأئمة التسعة من ذرية الحسين عليه السلام.

والإمامة ظاهرة من خلال كل العبارات الواردة في حديث الثقلين، فلا يُتَمَسَك إلا بالإمام، ولا يجوز التقدم على الإمام ولا يجوز التأخر عنه، فهو جُنة في الدنيا والآخرة.

وجود إمام معصوم في كل زمان:

ومن أساسيات حديث الثقلين التأكيد على ضرورة وجود إمام معصوم من أهل البيت عليهم السلام في كل عصر وزمان إما ظاهرا مشهورا أو خائفا مستورا، فبناءً على مضمون الحديث وموضوعه، لا يمكن للكتاب والعترة الطاهرة أن يتفرقا أو يفترقا، والقرآن موجود ومحفوظ منذ أن أنزله الله تعالى على رسولنا الأكرم صلى الله عليه وآله إلى يومنا هذا وإلى آخر الزمان، فمن المقطوع إذن بوجود إمام معصوم من أهل البيت عليهم السلام مرتبط مع القرآن، وهذا معناه تأكيد ولادة الإمام المهدي المنتظر وظهوره ثم غيبته ونسأل الله تعالى أن يعجل في ظهوره العلني الشريف.

ولذلك فإن وجود الإمام وبناء على الحديث صار ضرورة شرعية وعقلية، فهو عليه السلام مغيب عنا، ولكنه بيننا ومعنا اللهم عجل فرجه الشريف، وأكرمنا

٢٢٠