×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

محورية حديث الثقلين في العقيدة والأحكام / الصفحات: ٢٢١ - ٢٤٠

وجميع المؤمنين والمؤمنات برؤية طلعته البهية، واجعلنا من أنصاره وأشياعه وأتباعه.

قال ابن حجر: اعلم أن لحديث التمسك بالثقلين (الكتاب والعترة)، طرقا كثيرة، وردت عن نيف وعشرين وصحابيا، وفي تلك الطرق أنه صلى الله عليه وآله وسلم قال ذلك بحجة الوداع بعرفة، وفي أخرى أنه صلى الله عليه وآله قاله بالمدينة في مرضه وقد امتلأت الحجرة بأصحابه، وفي أخرى أنه صلى الله عليه وآله قال ذلك بغدير خم، وفي أخرى أنه صلى الله عليه وآله قال لما قام خطيبا بعد انصرافه من الطائف.

ولا تنافي إذ لا مانع من أنه صلى الله عليه وآله وسلم كرر عليهم ذلك في تلك المواطن وغيرها اهتماما بشأن الكتاب العزيز والعترة الطاهرة.

ثم بعد ذلك يضيف بن حجر قائلا: سَمى رسول الله صلى الله عليه وآله القرآن وعترته ثقلين، لأن الثقل كل نفيس خطير مصون وهذان كذلك، إذ كل منهما معدن للعلوم اللدنية والأسرار والحكم العلية والأحكام الشرعية، ولذا حث صلى الله عليه وآله على الاقتداء والتمسك بهم والتعلم منهم ... ويؤيده الخبر السابق ولا تعلموهم فإنهم أعلم منكم. وتميزوا بذلك عن بقية العلماء، لأن الله أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا، وشرفهم بالكرامات الباهرة والمزايا المتكاثرة.

وفي أحاديث الحث على التمسك بأهل البيت، إشارة إلى عدم انقطاع العالم عن التمسك بهم إلى يوم القيامة، كما أن الكتاب العزيز كذلك، ولهذا كانوا أمانا لأهل الأرض كما يأتي ... ثم أحق من يتمسك به منهم، إمامهم وعالمهم علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، لما قدمنا من مزيد علمه ودقائق مستنبطاته الخ.

فكما لا يجوز للمسلمين أن يغيروا شيئا من كتاب الله العزيز حتى لو أجمعوا على ضرورة التغيير لتغيير الزمان وغير ذلك، وكذلك لا يجوز للمسلمين أن يتركوا أهل البيت ويتمسكوا بغيرهم حتى لو أجمعوا على ذلك لأن رسول الله صلى الله عليه وآله حكم على المسلمين وأمرهم أن يتمسكوا بالقرآن وبعترته وأهل بيته معا فلا يجوز التمسك بواحد دون الآخر.

٢٢١

مفهوم الإسلام ومفهوم الإيمان:

ثم إن من القضايا الهامة التي يوجبها حديث الثقلين، التفريق بين مفهوم الإسلام ومفهوم الإيمان، فالإسلام غير الإيمان، فمن حاز الإيمان فهو بالضرورة مسلم، ولكن المسلم ربما يكون مؤمنا أو ليس بمؤمن.

وهذا التفريق بين المفهومين حدده الله تعالى في القرآن الكريم في قوله تعالى في سورة الحجرات الآية ١٤ {قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم وإن تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم من أعمالكم شيئا إن الله غفور رحيم}.

روى السيوطي في الدر المنثور قال أخرج ابن قانع وابن مردويه من طريق الزهري عن عامر بن سعد عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قسم قسما فأعطى أناسا ومنع آخرين، فقلت يا رسول الله: أعطيت فلانا وفلانا ومنعت فلانا وهو مؤمن، فقال: لا تقل مؤمن ولكن قل مسلم.

وقال تعالى في سورة الحجرات الآية ١٥ {إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون}.

وكما مر معنا من خلال البحث فإن الإيمان مرتبط بولاية أهل البيت عليهم السلام وإمامتهم، فكما ورد في الأحاديث أن حب علي وأهل البيت إيمان وبغضهم كفر ونفاق.

مفهوم الهدى والضلال:

ومن القضايا الهامة أيضا والمستنبطة من عبارات حديث الثقلين، مفهوم الهدى والضلال، فالهدى هو ما ارتبط بالكتاب والعترة الطاهرة معا من عقائد وأحكام وكان عن طريق أهل البيت عليهم السلام ولاة الأمر وسفن النجاة.

وأما الضلال فهو ترك التمسك بالكتاب والعترة الطاهرة معا وترك اتباع أهل البيت عليهم السلام وعدم التمسك بهم وبعقائدهم وأحكامهم.

٢٢٢
فطاعتهم هدى وعصيان أمرهم ضلال، ومن أطاعهم فقد أطاع الله ومن عصاهم فقد عصى الله، ومن أطاع الله فهو على الهدى، ومن عصاه فهو من الضالين.

مفهوم النجاة ومفهوم الهلاك:

ثم من القضايا المحورية والمركزية في الحديث، مفهوم النجاة ومفهوم الهلاك، فالنجاة هي اتباع أهل البيت ومحبتهم وموالاتهم ونصرتهم والإقتداء بهديهم وسلوك صراطهم المستقيم وركوب سفينتهم عليهم السلام.

وأما الهلاك فهو ترك اتباع أهل البيت عليهم السلام وترك محبتهم وتولي غيرهم والإقتداء بعدوهم بل ومعاداتهم وبغضهم وخذلانهم.

ومفهوم الهلاك هو أيضا الغرق في بحر الضلال والزلل والظلم، نتيجة لعدم ركوب سفينة النجاة سفينة أهل البيت عليهم السلام.

روى السيوطي في الجامع الصغير والحاكم في المستدرك عن أبي ذر رضي الله تعالى عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول (إن مثل أهل بيتي فيكم مثل سفينة نوح، من ركبها نجا ومن تخلف عنها هلك). ورواه البزار عن بن عباس وعن ابن الزبير. ورواه الطبراني وأبونعيم.

وروى المناوي في فيض القدير شرح الجامع الصغير للسيوطي قال في شرحه لحديث السفينة المذكور: (إن مثل أهل بيتي) فاطمة وعلي وابنيهما وبنيهما عليهم السلام أهل العدل والديانة (فيكم مثل سفينة نوح، من ركبها نجا، ومن تخلف عنها هلك) وجه التشبيه أن النجاة ثبتت لأهل السفينة من قوم نوح، فأثبت المصطفى صلى اللّه عليه وآله وسلم لأمته بالتمسك بأهل بيته النجاة، وجعلهم وصلة إليها، ومحصوله الحث على التعلق بحبهم وحبلهم وإعظامهم شكر النعمة مشرفهم والأخذ بهدي علمائهم، فمن أخذ بذلك نجا من ظلمات المخالفة وأدى شكر النعمة المترادفة، ومن تخلف عنه غرق في بحار الكفران وتيار الطغيان، فاستحق النيران لما أن بغضهم يوجب النار كما جاء في عدة أخبار، كيف وهم أبناء أئمة الهدى ومصابيح الدجى الذين احتج اللّه بهم على

٢٢٣
عباده، وهم فروع الشجرة المباركة، وبقايا الصفوة الذين أذهب عنهم الرجس وطهرهم وبرأهم من الآفات، وافترض مودتهم في كثير من الآيات، وهم العروة الوثقى، ومعدن التقى، واعلم أن المراد بأهل بيته في هذا المقام العلماء منهم إذ لا يحث على التمسك بغيرهم وهم الذين لا يفارقون الكتاب والسنة حتى يردوا معه على الحوض.

وجوب التعلم من أهل البيت عليهم السلام:

ومن القضايا الهامة التي يوضحها الحديث، وجوب التعلم من أهل البيت عليهم السلام، وترك كل الآراء والإجتهادات والقياسات والتنازل عن كل ذلك مقابل الإلتزام بالأخذ عنهم والتعلم منهم على شرط أن لا نتقدم عليهم، وأن لا نتأخر عنهم.

روى الشيخ سليمان الحنفي القندوزي في ينابيع المودة عن ابن عباس: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لعلي بن أبي طالب عليه السلام: يا علي أنا مدينة العلم و أنت بابها و لن تؤتى المدينة إلا من قبل الباب، و كذب من زعم أنه يحبني و يبغضك لأنك مني و أنا منك، لحمك من لحمي، و دمك من دمي، و روحك من روحي، و سريرتك من سريرتي، و علانيتك من علانيتي، سعد من أطاعك، و شقي من عصاك، و ربح من تولاك، و خسر من عاداك، و فاز من لزمك، و هلك من فارقك، مثلك و مثل الأئمة من ولدك بعدي، مثل سفينة نوح من ركبها نجا و من تخلف عنها غرق، و مثلهم مثل النجوم كلما غاب نجم طلع نجم إلى يوم القيامة.

تطابق أحوال الأنبياء مع أحوال الأئمة من أهل اليبت عليهم السلام:

ومن القضايا الهامة في حديث الثقلين، والتي يبينها في مضامينه ومعانيه، خاصة عبارة فلا تقدموهما فتهلكوا ولا تتأخروا عنهما فتضلوا ولا تعلموهما فإنهما أعلم منكم، موضوع أساسي حبذا لو اهتم المسلمون فيه، وهو الآيات القرآنية والأحاديث التي تشرح أحوال الأنبياء والرسل وقصصهم، وتطابقها مع

٢٢٤
أحوال الأئمة من أهل البيت عليهم السلام، حيث أن ما حصل مع الأنبياء سلام الله تعالى عليهم من شدة وأذى وكذلك في الأحوال العامة، يترابط بشكل وثيق مع الأئمة من أهل البيت في المضمون والموضوع وفي التطبيق.

فمثلا عندما يقول رسول الله صلى الله عليه وآله لعلي عليه السلام (أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي).

وعندما يسمي رسول الله صلى الله عليه وآله أبناء أمير المؤمنين عليه السلام الحسن والحسين ومحسن كأسماء أبناء هارون عليه السلام.

فإن ذلك يعني تطابقا معينا أراده الله تعالى لابد من استنباطه وتدبره من خلال متابعة أحوال نبي الله موسى وهارون عليهما السلام. فكما كان هارون خليفة ووزيرا لموسى عليه السلام فكذلك أمير المؤمنين.

وعندما تذكر الأحاديث أن أهل البيت في الأمة كسفينة نوح، فأن ذلك يقتضي دراسة حال نبي الله نوح عليه السلام مع أمته وقصة سفينته وقصة ابنه الذي لم يركب السفينة فكان مصيره الهلاك. فالسفينة تتطابق مع الأئمة من أهل البيت عليه السلام.

وكذلك طول عمر نبي الله نوح يتطابق مع طول عمر إمامنا المهدي المنتظر، فلا يستغرب طول عمره الشريف مع وجود من هم أطول عمرا.

وكذلك قصة غيبة سيدنا موسى عليه السلام عندما خرج خوفا من جبروت فرعون وغاب عن أمته غيبة طويلة ثم رجع إليهم بعد ذلك، فإن غيبة نبي الله موسى عليه السلام تشبه غيبة الإمام صاحب العصر والزمان.

وقصة وحال نبي الله يحيى الذي قام بنو إسرائيل بقتله وقطع رأسه، تتطابق مع قتل الإمام الحسين عليه السلام وقطع رأسه الشريف.

وكذلك أمر الله تعالى لخليله إبراهيم عليه الصلاة والسلام بأن يذبح ابنه اسماعيل، فاستسلم نبي الله إسماعليل عليه السلام لإرادة الله تعالى ففداه الله بالحسين عليه السلام. فهذه تشبه علم ومعرفة رسولنا محمد صلى الله عليه وآله بأن أمير المؤمنين عليه السلام مقتول من بعده وأن الحسين مقتول وكذلك حال بقية الأئمة من أهل البيت عليهم السلام.

٢٢٥
وهكذا حال نبي الله يوسف عليه السلام الذي غاب عن أهله وإخوته، بينما كان ملكا في مصر وهم بجواره لكنهم لم يعرفوه حتى عرفهم بنفسه، فكذلك حال إمامنا صاحب العصر والزمان في غيبته.

وكذلك حال إخفاء ولادة نبي الله إبراهيم عن النمرود، وإخفاء ولادة موسى عليه السلام عن فرعون، تشبه ولادة الإمام المهدي عليه السلام وإخفائها عن طواغيت ذلك العصر.

وهكذا أحوال كل الأنبياء يجب مراجعتها بدقة والبحث عن أوجه التطابق والتشابه والإرتباط بينهم عليهم الصلاة والسلام وبين أهل البيت النبوي الشريف، لأن الأئمة من أهل البيت عليهم السلام يمثلون واقع وأحوال الأنبياء، وما حصل مع الأنبياء يتطابق مع ما حصل معهم، وهنا تدخل محورية حديث الثقلين ليس فقط في العقيدة والأحكام وإنما في القصص القرآني أيضا.

وهذا البحث بحاجة إلى دراسة منفصلة ومفصلة، ولكنني ذكرت شيئا من معالمه، لإرتباطه بموضوع ومضمون حديث الثقلين، وحتى ألفت النظر إلى محورية حديث الثقلين في العقيدة والأحكام، وأن هناك عشرات القضايا والمفاهيم من الممكن استنباطها من هذا الحديث الشريف. كمفهوم الشفاعة، وواقع الحياة في دولة الإمام المهدي عليه السلام، وغيرها من المفاهيم الإسلامية والإيمانية، كلها مرتبطة ارتباطا وثيقا بحديث الثقلين وتنبثق عنه.

وبناء على ذلك فإنني لازلت اعتبر أن هذا الحديث بحاجة إلى رعاية أكبر وأكثر من قبل المسلمين وعلمائهم على وجه الخصوص، فكلام رسول الله صلى الله عليه وآله، وحي من الله تعالى يجب أن يحمل دوما على محمل الإحترام والتبجيل والتقدير، حتى يوفق الله تعالى لتطبيقه في كل شؤون الحياة.

٢٢٦