×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

محورية حديث الثقلين في العقيدة والأحكام / الصفحات: ٦١ - ٨٠

مسمع رسول الله صلى الله عليه وآله وعلى مسمع كل من حضر من المسلمين.

ولقد تولى تبليغ تلك الإرادة عمر بن الخطاب عندما قال لرسول الله، لا نريد كتابك الذي تريد أن تكتبه لنا، ثم قال حسبنا كتاب الله، وفي ذلك دلالة واضحة على علم عمر ومن وافقه الرأي بما كان رسول الله صلى الله عليه وآله يريد أن يوثق ويكتب للمسلمين قبل وفاته بأيام حتى لا يضلوا بعده.

وكلمة عمر تلك تؤكد أن رسول الله صلى الله عليه وآله كان سيدون لهم في ذلك الكتاب الوصية بإمامة العترة الطاهرة وعلى رأسهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب سلام الله تعالى عليه.

ثم إن في قولهم حسبنا كتاب الله تفريق لما جمع الله، وهما الكتاب والعترة كما في حديث الثقلين، فلقد أمر الله تعالى على لسان رسولنا الأكرم محمد صلى الله عليه وآله وسلم، أن نتمسك بالكتاب والعترة معا، وأن نعتصم بهما معا، وأنهما لن يتفرقا أبدا.

فكانت تلك الدعوة للتفريق بينهما أول معول من معاول محاولات هدم الحوض في الدنيا، وذلك من خلال الشعار الذي رفعه عمر بن الخطاب ومن خلال الدعوات التي بقيت تنادي بطمس حقيقة اقتران الكتاب مع العترة الطاهرة، ولم تقتصر الدعوة على عمر فقط، بل استمرت تلك المحاولات وما زالت مستمرة حتى يومنا هذا، وسوف تجد المزيد من التفصيل عن ذلك عند التفصيل في موضوع لن يفترقا ولن يتفرقا.

ثم إن في إعراضهم عن أمر رسول الله صلى الله عليه وآله، وتنازعهم واختلافهم ولغطهم ولغوهم وشقاقهم وظلمهم ورفع صوتهم ومعصيتهم وصدهم ومحاولتهم لفصم العروة الوثقى وكلمة التقوى تطابقٌ وتلازم مع العشرات من الآيات القرآنية التي تدور حول محور حديث الثقلين، وتتداخل في المعنى والمضمون والموضوع مع إمامة وولاية أمير المؤمنين والأئمة من أهل البيت عليهم الصلاة والسلام السلام واقترانهم بالكتاب.

٦١
ولو بحث القارئ العزيز عنها لوجدها في كل سورة من سور القرآن الكريم. لكن المقام لا يتسع في تفصيلها في هذا البحث، وما أحاوله هنا هو أن أستنفر العقول لتوضيح ارتباط حديث الثقلين بكليات الإسلام وجزئياته، ولأثبت أنه محور أساسي من محاور الإيمان والعقيدة والأحكام، من خلال تبيان الكلمات والعبارات التي تتطابق مع معنى الهداية والتمسك والطاعة والإعتصام بأهل البيت عليهم السلام وما يشبهها من الألفاظ في الآيات والأحاديث، أو المعاني التي تناقض التمسك والهدى والإعتصام، كالضلال والمعصية والتفريط والظلم والإعراض والمخالفة والتفريق بين ما جمع الله وما إلى ذلك.

قال تعالى في سورة النور الآيات ٤٨ - ٥٠ {وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون، وإن يكن لهم الحق يأتوا إليه مذعنين، أفي قلوبهم مرض أم ارتابوا أم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله، بل أولئك هم الظالمون}.

هذه الآية الشريفة كأنها توضح حقيقة ما حصل يوم رزية الخميس عندما دعاهم رسول الله صلى الله عليه وآله أن يأتوه بدواة وكتف ليكتب لهم كتاب الوصية للإمام علي بن أبي طالب عليه السلام، فأعرض فريق من الصحابة عن الإستجابة لرسول الله صلى الله عليه وآله وكان لسان حال أولئك المعرضين والمعترضين عمر بن الخطاب الذي رفع شعار حسبنا كتاب الله كما بينا في بحث سابق بالأدلة المفصلة.

كما أن الآية تنطبق أيضا على حوادث متعددة حصلت مع رسول الله صلى الله عليه وآله، حيث كان العديد من الصحابة يعترض على حكم الله ورسوله، ومن تلك الحوادث حادثة اعتراض عمر بن الخطاب على حكم الله ورسوله في صلح الحديبية، ومنها اعتراضهم ورفضهم وكثرة لغطهم وصياحهم عندما حكم الله ورسوله أن يكون اثنا عشر إماما وخليفة للمسلمين كلهم من بني هاشم ومن أهل البيت عليهم الصلاة والسلام.

٦٢
قال تعالى في سورة النور الآية ٦٣ {لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا، قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم}.

قال تعالى في سورة النساء الآية ٦٥ {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما}.

قال تعالى في سورة محمد الآية ٢ {والذين آمنوا وعملوا الصالحات وآمنوا بما نزل على محمد وهو الحق من ربهم كفر عنهم سيئاتهم وأصلح بالهم}.

لاحظ تطابق الآية في الموضوع والمضمون مع قوله تعالى في سورة المائدة.

الآية: ٦٧ {يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك}. ولاحظ إرتباط الإيمان بما نزل على رسولنا محمد صلى الله عليه وآله يوم الغدير بخصوص ولاية أمير المؤمنين عليه السلام وأنه هو الحق، وأن من آمن بولاية أهل البيت عليهم السلام ومضمون وموضوع حديث الثقلين، فإن الله تعالى يكفر عنهم سيئاتهم، ويبدلها بالحسنات.

وهكذا أخي الكريم لو نظرت في آيات غير التي ذكرنا، وحاولت أن تستكشف حقيقتها وحقيقة ارتباطها وتلازمها مع حديث الثقلين، فإنك سوف تتعرض لعشرات الآيات من القرآن الكريم تؤكد محورية الحديث في العقيدة والأحكام.

كتاب الله وعترتي أهل بيتي

ويستمر حديث الثقلين في تبيان حقيقة ما ترك رسول الله وخلف من بعده، وبين أنهما شيئين اثنين وقال في غير مره أنهما خليفتين، وقال أيضا ثقلين، وبين بشكل صريح واضح لا يمكن أن يخفى على أحد أنهما كتاب الله وأهل البيت وأنهما لن يفترقا ولن يتفرقا، وبين أن الواجب هو التمسك بهما معا، وأن من فعل ذلك فإنه لن يضل أبدا.

٦٣
والقرآن الكريم هو كتاب الله تعالى، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، لابد له ممن يبينه ويبين معانيه وتأويل آياته ويهدي الناس إلى ذلك ويعلمهم إياه، لأنه لا يمكن لمن يقول حسبنا كتاب الله أن يفهم القرآن لمجرد أنه يقرأ القرآن أولمجرد أن يقتني ذلك الكتاب، فلو جاز ذلك لادعى الطب مثلا كل من قرأ كتب الطب من غير أن يدرسه على يد متخصص نحرير في ذلك المجال من طريق التلقين، فلا يجوز فهم أي علم ولا يمكن أن يكون بدون من يلقنه للآخرين.

ولذلك كان من لطف الله تعالى بالناس أن جعل القرآن وجعل معه الأئمة الطاهرين المعصومين الهداة المهديين وقرن بينهم، إذ لا يمكن أن يفهم القرآن بحسب ما يريد الله تعالى إلا بوجود من يكون عدلا للقرآن، وهم العترة الطاهرة.

ولذلك وردت النصوص الشرعية المتضافرة والتي توضح هذا المعنى، وأنه لا يمكن أن يترك القرآن من غير وجود من يبينه، لأنه إن صح ذلك فمن الممكن أن يأتي أي إنسان يدعي العلم والمعرفة ليحدد مفاهيم القرآن بحسب رأيه العاجز وميوله النفسية والشهوانية الباطلة.

ولا يمكن ذلك، وهو مالا يرضاه الله تعالى ورسوله، ولذلك حدد الشارع المقدس أن الكتاب وأهل البيت مقترنان لا ينفصلان ولا يمكن الأخذ بأحدهما دون الآخر لأنهما لا يفترقان حتى يردا على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على الحوض.

وقد نوه الله تعالى في القرآن وكذلك رسول الله من خلال الحديث الشريف بذلك المفهوم، وإليك بعض من تلك النصوص مع أنك سوف تجد أن أغلب ما ذكر من آيات وأحاديث في هذا البحث كلها تبين المعنى الذي حددناه.

قال تعالى في سورة الواقعة الآية ٧٩ {لا يمسه إلا المطهرون} ومعنى الآية أنه لا يدرك معانيه الحقيقية كما يريد الله تعالى إلا أناس مطهرون من الله، أي أن الله تعالى أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا، ولا يمكن لعقولنا القاصرة أن تعرف أولئك المطهرون إلا أن يعرفنا الله تعالى بهم، فإذا أردنا أن نعرف من

٦٤
هم المطهرون؟. فإن الجواب من الله تعالى في آية التطهير من سورة الأحزاب الآية٣٣ {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا}. والآية واضحة الدلالة بأن المطهرين الذين طهرهم الله تعالى تطهيرا هم أهل البيت عليهم السلام، وهم الذين حددت هويتهم الروايات عن النبي صلى الله عليه وآله في كل صحاح ومسانيد ومصادر المسلمين، وقال تعالى في سورة النحل {فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون}. وأهل الذكر هم عدل القرآن وهم أهل البيت عليهم السلام الذين نزل القرآن في بيوتهم، وأهل البيت أدرى بما فيه.

وقال صلى الله عليه وآله وسلم (علي مع القرآن والقرآن مع علي، لن يفترقا حتى يردا علي الحوض). رواه الحاكم والطبراني والسيوطي عن أم سلمة.

وروى السيوطي في الدر المنثور قال أخرج ابن جرير وابن مردويه وأبو نعيم في المعرفة، والديلمي وابن عساكر وابن النجار قال: لما نزلت {إنما أنت منذر ولكل قوم هاد} وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده على صدره فقال "أنا المنذر، وأومأ بيده إلى منكب علي عليه السلام فقال: أنت الهادي يا علي، بك يهتدي المهتدون من بعدي).

وقال صلى الله عليه وآله (ياعلي تقاتلهم على التأويل كما قاتلتهم على التنزيل).

وقال صلى الله عليه وآله (يا علي أنت تبين لأمتي ما يختلفون فيه من بعدي).

وقال صلى الله عليه وآله (علي مع الحق والحق مع علي).

وقال صلى الله عليه وآله (أقضاكم علي).

وقال صلى الله عليه وآله (لا يبلغ عني إلا أنا أو رجل مني).

وقال صلى الله عليه وآله (أنا مدينة العلم وعلي بابها).

وقال صلى الله عليه وآله أيضا عن أهل البيت (لا تسبقوهم فتهلكوا، ولا تتخلفوا عنهم فتضلوا، ولا تعلموهم فإنهم أعلم منكم).

ولذلك كان لابد من توضيح معاني الكتاب ومعاني أهل البيت عترة رسول الله الطاهرة، ثم أوجه التشابه والتكامل بينهما، لأنهما شيء واحد، فحقيقة أحدهما هي حقيقة الآخر.

٦٥
وهذا ظاهر من الحديث عندما يقول أنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض. وهو ظاهر من قوله تعالى في سورة الأعراف الآية ١٨١ {وممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه يعدلون}.

روى في الكافي: عن الإمام الصادق، والعياشي عن الإمام الباقر عليهما السلام في هذه الآية، هم الأئمة عليهم السلام.

وفي المجمع أيضا عنهما عليهما السلام قالا: نحن هم.

وروى في تفسير القمي قال هذه الآية لآل محمد عليهم السلام، وأتباعهم.

روى صدر الأئمة موفق بن أحمد بن عن أبي بكر بن مردويه بسنده إلى علي عليه السلام، قال: تفترق هذه الأمة ثلاثاً وسبعين فرقة كلها في النار إلا فرقة فإنها في الجنة، وهم الذين قال الله عز وجل في حقهم: {وممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه يعدلون} وهم أنا وشيعتي. ورواه في كشف الغمة وفي بحار الأنوار.

وروى في شواهد التنزيل للحاكم الحسكاني: قوله تعالى {وممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه يعدلون} الأعراف الآية ١٨١ نزلت في آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم.

وعن أبي بصير قال: تلا أبو جعفر الباقر عليه السّلام هذه الآية {بَلْ هو آياتٌ بيّناتٌ في صدورِ الذينَ أُوتُوا العلم}. فقلت: أنتم هم؟ قال أبو جعفر عليه السّلام: مَن عسى أن يكونوا ونحن الراسخون في العلم؟.

أما من هم أهل البيت المقصودون في حديث الثقلين؟.

فهذا أمر لابد للشارع المقدس من تحديد معناه وتوضيحه، لأنه لا يمكن للبشر الذين تتجاذبهم الأهواء والرغبات النفسانية، أن يُترك لهم تحديد أئمتهم وولاة أمرهم الذين يتحدد بهم الهدى من الضلال، ويتعلق بهم أمر الدين، ويرتبط بهم مصير الأمة.

٦٦
كتاب محورية حديث الثقلين في العقيدة والأحكام للدكتور صلاح الدين الحسيني (ص ٦٧ - ص ٨٠)

٦٧
دعا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عليا وفاطمة وحسنا وحسينا، فجلل عليهم كساء خيبريا، فقال: (اللهم هؤلاء أهل بيتي، اللهم أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا) قالت أم سلمة: ألست منهم؟ قال: أنت إلى خير.

وفي رواية أخرى (إنك إلى خير، أنت من أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم، قالت: وفي البيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعلي وفاطمة والحسن والحسين رضي الله عنهم).

وروى الحاكم في المستدرك عن أم سلمة رضي الله تعالى عنها أنها قالت:

في بيتي نزلت هذه الآية: {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت} الأحزاب ٣٣. قالت: فأرسل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى علي، وفاطمة، والحسن، والحسين عليهم الصلاة والسلام، فقال: اللهم هؤلاء أهل بيتي. قالت أم سلمة: يا رسول الله، ما أنا من أهل البيت؟ قال: إنك خير أهلي، وهؤلاء أهل بيتي، اللهم أهلي أحق.

وروى الحاكم في المستدرك عن واثلة بن الأسقع رضي الله تعالى عنه قال: جئت أريد عليا عليه السلام فلم أجده، فقالت فاطمة عليها السلام، انطلقَ إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يدعوه، فاجلس، فجاء مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فدخل، ودخلت معهما.

قال: فدعا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حسناً وحسيناً، فأجلس كل واحد منهما على فخذه، وأدنى فاطمة من حجره وزوجها، ثم لف عليهم ثوبه، وأنا شاهد، فقال: {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا} اللهم هؤلاء أهل بيتي.

وروى مسلم في صحيحه عن عائشة قالت (خرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم غداة وعليه مرط مرحل، من شعر أسود. فجاء الحسن بن علي فأدخله. ثم جاء الحسين فدخل معه. ثم جاءت فاطمة فأدخلها. ثم جاء علي فأدخله. ثم قال (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا).

وأخرج ابن مردويه عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: لما دخل علي عليه السلام بفاطمة عليها السلام. جاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم أربعين

٦٨
صباحا إلى بابها يقول، السلام عليكم أهل البيت ورحمة الله وبركاته، الصلاة رحمكم الله {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا} أنا حرب لمن حاربتم، أنا سلم لمن سالمتم.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا} قال: هم أهل بيت طهرهم الله من السوء، واختصهم برحمته.

قال: وحدث الضحاك بن مزاحم. أن نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يقول (نحن أهل بيت طهرهم الله، نحن شجرة النبوة، وموضع الرسالة، ومختلف الملائكة، وبيت الرحمة، ومعدن العلم).

وأخرج الطبراني عن أبي الحمراء رضي الله عنه قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتي باب علي، وفاطمة ستة أشهر فيقول {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا}.

وروى السيوطي في الدر المنثور قال، وأخرج ابن مردويه وابن عساكر وابن النجار، عن أبي سعيد الخدري قال: لما نزلت {وأمر أهلك بالصلاة} كان النبي صلى الله عليه وسلم يجيء إلى باب علي عليه السلام صلاة الغداة ثمانية أشهر يقول: الصلاة رحمكم الله {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا}.

وروى السيوطي في الدر المنثور قال وأخرج مسلم والترمذي وابن المنذر والحاكم والبيهقي في سننه وغيرهم عن سعد بن أبي وقاص قال: لما نزلت هذه الآية {قل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين} دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا، وفاطمة، وحسنا، وحسينا، فقال: اللهم هؤلاء أهلي.

ولم تكتف النصوص الشرعية بتبيان أهل الكساء فقط بل إن هناك نصوص عديدة تبين عدد الأئمة من أهل البيت عليهم السلام بشكل واضح نذكر منها بعض ما روته كتب وصحاح أهل السنة.

٦٩
فقد أخرج أحمد والحاكم عن ابن مسعود. أنه سئل كم يملك هذه الأمة من خليفة؟ فقال: سألنا عنها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: (اثنا عشر كعدة بني إسرائيل).

وروى البخاري في صحيحه عن جابر بن سمرة قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (يكون اثنا عشر أميراً) فقال كلمة لم أسمعها، فقال أبي: إنه قال: كلهم من قريش.

ورواه مسلم في صحيحه عن جابر بن سمرة قال: دخلت مع أبي على النبي صلى الله عليه وسلم. فسمعته يقول (إن هذا الأمر لا ينقضي حتى يمضي فيهم اثنا عشر خليفة). قال: ثم تكلم بكلام خفي علي. قال فقلت لأبي: ما قال؟ قال كلهم من قريش.

ثم إن الروايات التي تذكر الأمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف المتواترة والتي تفوق الحصر والتي تبين أنه من عترة رسول الله وأنه من ولد فاطمة وأنه الإمام الثاني عشر، تؤكد على المعنى الشرعى لعبارة أهل البيت الذي وضعه الشارع المقدس.

فقد أخرج الجويني في فرائد السمطين، عن سعيد بن جبير، عن عبد الله بن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله، إن خلفائي و أوصيائي و حجج الله على الخلق بعدي، اثنا عشر، أولهم، أخي، و آخرهم ولدي، قيل: يا رسول الله! و من أخوك؟. قال: علي بن أبي طالب، قيل: فمن ولدك؟ قال: المهدي،الذي يملؤها قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلما.

وهناك عشرات الروايات التي توضح معنى ومفهوم أهل البيت عليهم السلام، كما قلت استوفتها كتب وصحاح المسلمين، وما ذكرت هو مقدار يسير منها، من أجل ترابط البحث، والواجب مراجعة ما كتبه مراجعنا وعلمائنا في بيان حقيقة وأحقية أهل البيت عليهم السلام وفضائلهم.

٧٠

الكتاب والعترة حقيقة واحده:

ومما يدل أيضا على أن الكتاب والعترة الطاهرة من أهل البيت شيء واحد، وأنهما متلازمان ومتكاملان، وأنهما حقيقة واحده، فالكتاب هو القرآن الصامت والأئمة من أهل البيت عليهم السلام هم القرآن الناطق، وهو ما روته كتب الحديث عند أهل السنة كحديث الثقلين وغيره من الأحاديث التي تبين معاني آيات عديدة من القرآن الكريم وارتباطه الوثيق بأهل البيت عليهم الصلاة والسلام.

فقد روى الطبراني والحاكم والسيوطي وغيرهم كثير عن أم سلمة رضي الله تعالى عنها قالت قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (علي مع القرآن والقرآن مع علي، لن يفترقا حتى يردا علي الحوض).

وهم عليهم السلام أهل الذكر المقصودون في الآية من سورة النحل {فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون}. وذلك من خلال تطابق الآية وتلازمها مع حديث الثقلين ومع الأحاديث التي تشير إلى علم أهل البيت والتي تعرضنا لعدد كبير منها في هذا البحث. فهم أهل الذكر وأهل القرآن والقرآن معهم وهم مع القرآن لا يفترقان.

ولو نظر القارئ في صحيح البخاري ومسلم وغيرهما، ودقق في أحاديث الصحيفة العلوية، لوجد أن كل تلك الأحاديث تقر وتعترف بأن فهم القرآن الكريم هو عند عِدل القرآن الكريم أهل البيت عليهم السلام.

وعلى ذلك فإنني سوف أذكر بعض الخطب لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام التي يصف فيها القرآن الكريم ومن ثم مطابقتها مع أهل البيت عليهم السلام، ثم أذكر بعض الآيات القرآنية التي فيها وصف للقرآن الكريم، ومطابقتها أيضا مع أهل البيت عليهم السلام، وأُظهر أوجه التلازم بين الكتاب والعترة الطاهرة، حتى تتجلى حقيقة طبيعية ومنطقية أن فهم القرآن الكريم لا يتأتى إلا من طريق أهل البيت عليهم السلام، ولذلك أكد حديث الثقلين تلك الحقيقة وقال أنهما لن يفترقا.

يقول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام في خطبة له وردت في نهج البلاغة (وكتاب الله بين أظهركم، ناطق لا يعيا لسانه، وبيت لا تهدم

٧١
أركانه، وعز لا تهزم أعوانه، وكتاب الله تبصرون به، وتنطقون به، وينطلق بعضه ببعض، ويشهد بعضه على بعض، ولا يختلف في الله، ولا يخالف بصاحبه عن الله).

ويقول عليه السلام (الله في القرآن لا يسبقنكم بالعمل به غيركم).

وقال عليه السلام (اعلموا أنّ هذا القرآن هو الناصح الذي لا يغش، والهادي الذي لا يضل، والمحدّث الذي لا يكذب، وما جالس هذا القرآن أحد إلاّ قام عنه بزيادة أو نقصان، زيادة في هدى، ونقصان من عمى. واعلموا أنّه ليس على أحد بعد القرآن من فاقة، ولا لأحد قبل القرآن من غنى، فاستشفوه أدوائكم، واستعينوا به على لأوائكم فإنّ فيه شفاء من أكبر الداء - وهو الكفر والنفاق والغي والضلال -، فاسألوا الله به، وتوجّهوا إليه بحبّه، ولا تسألوا به خلقه، إنّه ما توجّه العباد إلى الله بمثله، واعلموا أنّه شافع مشفّع، وقائل مصدّق، وأنّه من شفع له القرآن يوم القيامة شفّع فيه. ( وقال عليه السلام (إن الله سبحانه وتعالى لم يعظ أحدا بمثل القرآن، فإنه حبل الله المتين، وسببه الأمين، وفيه ربيع القلوب، وينابيع العلم، وما للقلب جلاء غيره).

فلو طابقنا متون خطب أمير المؤمنين عليه السلام التي يصف بها القرآن الكريم، مع كل النصوص التي تتعلق بأهل البيت عليهم السلام، لوجدنا أن تلك الخطب البليغة تتحدث أيضا عن وصف الأئمة من أهل البيت على اعتبار أنهما شيء واحد.

أما بالنسبة للآيات القرآنية والتي فيها وصف للقرآن الكريم فسنظهر عددا منها ووجه تطابقها وتلازمها مع أهل البيت عليهم السلام.

فكما أن القرآن الكريم لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فكذلك هم عليهم الصلاة والسلام، قال تعالى في سورة فصلت الآية ٤٣ {وإنه لكتاب عزيز، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد}. فهم عليهم السلام عدل القرآن وأهله الذين يبينونه ويعرفون دقائقه، وهم الذين يبينون معانيه للناس، وهم الهداة المهديون، فلا يمكن أن يتطرق إلى كلامهم

٧٢
الباطل لأنه عن رسول الله عن رب العزة، فبالتالي لا يمكن لأهل البيت عليهم السلام أن يفترقوا عن القرآن ولا يمكن أن يفترق القرآن عنهم بدلالة حديث الثقلين، ولذلك كان ما ذكر الله تعالى في القرآن من آيات تتعلق بالقرآن تنطبق عليهم انطباقا تلازميا لا انفكاك عنه أبدا، وكم قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (علي مع القرآن والقرآن مع علي لا يفترقان حتى يردا علي الحوض) وقال صلى الله عليه وآله (يا علي تقاتلهم على التأويل كما قاتلتهم أنا على التنزيل) وقال أيضا (ياعلي أنا المنذر وأنت الهادي تبين لأمتي ما يختلفون فيه من بعدي) وغير ذلك من الأحاديث التي تبين فضيلة أمير المؤمنين والأئمة من أهل البيت عليهم الصلاة والسلام وأنهم هم الهداة وأنهم عدل القرآن وهم القرآن الناطق.

وكما قال تعالى في سورة الحجر الآية ٩ {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون}. فكذلك هم جعلهم الله أئمة لنا ليحفظ بهم الدين والنهج القويم وصراط الله المستقيم، ولذلك كان من الطبيعي جدا أن يحددهم الله تعالى لنا ويعرفهم لنا، لأنه تعالى تعهد لنا بحفظهم وبيان حقيقتهم وأحقيتهم.

وكما أن القرآن يهدي للتي هي أقوم، فهم كذلك الهداة إلى صراط الله المستقيم.

وكما أن القرآن الكريم بشارة المؤمنين فأهل البيت عليهم السلام هم كذلك.

قال تعالى في سورة الإسراء. الآية ٩ {إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا كبيرا}.

وكما أنزل الله تعالى الكتاب على رسول الله ولم يجعل له عوجا، وجعله قيما على الخلق لينذرهم ويبشرهم، فأهل البيت عليهم السلام هم القيمون على الخلق، وهم ولاة الأمر الذين تجب علينا طاعتهم وموالاتهم ومتابعتهم والإقتداء بهديهم وسلوك صراطهم المستقيم، وركوب سفينتهم سفينة الناجين من الضلال المبين ومن غضب رب العالمين.

قال تعالى في سورة الكهف الآيات١ - ٣ {الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا، قيما لينذر بأسا شديدا من لدنه ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا حسنا، ماكثين فيه أبدا}.

٧٣
قال تعالى في سورة المائدة الآية ١٦ {قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين، يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم}.

ولذلك كانت كل تلك المضامين القرآنية تشمل معها أهل البيت ثقل رسول الله العترة الطاهرة، الذين أمرنا الله بطاعتهم واتباعهم والإقتداء بهديهم سلام الله تعالى عليهم.

وأترك للقارئ العزيز البحث عن آيات قرآنية أخرى تبين حقيقة القرآن الكريم حتى يطابقها مع العترة الطاهرة عدل القرآن وهداة الأمة والصراط المستقيم وسفينة النجاة.

وهكذا نكون قد عرفنا ماهو القرآن؟. ومن هم أهل البيت أولوا الأمر؟. وكيف ربط الشارع المقدس بينهما برباط وثيق وسماهم حبل الله المتين والعروة الوثقى والصراط المستقيم والتنزيل؟. وغير ذلك من المعاني السامية الرفيعة.

وكما أن المسلمين كانوا يعايشون القرآن الكريم في كل نواحي الحياة من رأس الهرم إلى أصغر فرد في المجتمع، فهو الدستور ومعجزة الرسول، وهو رمز المسلمين، ولذلك تجده في كل بيت من بيوت المسلمين، ويحمله المسلم معه في حله وترحاله، فكان له الحضور الدائم في كل صغيرة وكبيرة من نواحي الحياة، فكذلك يجب أن يكون عدل القرآن الكريم أهل البيت عليهم الصلاة والسلام.

وكما أن القرآن الكريم محفوظ في الصدور، وموجود في بيوت المسلمين في أشرف الأمكنة وأكثرها تميزا واحتراما، وكما للقرآن الكريم من الإحترام والتقدير والتقديس في نفوس المسلمين، فيجب أن يكون أهل البيت عليهم الصلاة والسلام كذلك.

وكما كان الإهتمام بجمع القرآن وحفظه ورعايته والإهتمام به إلى أقصى الحدود، فكذلك كان الواجب على المسلمين الإهتمام بعدل القرآن الكريم أهل البيت عليهم السلام ورعايتهم واحترامهم وطاعتهم ومتابعتهم، وليس قتلهم

٧٤
وانتزاع حقوقهم وإقصائهم من الحياة الشرعية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية وجميع شؤون الحياة.

وكما أن هناك مدارس تهتم بتحفيظ القرآن وتجويده، فكذلك يجب أن يكون هناك مدارس لبيان حقيقة وأحقية أهل البيت عليهم السلام.

ومما يدل أيضا على أن الكتاب والعترة الطاهرة من أهل البيت عليهم السلام شيء واحد، هو أن المسلمين عندما تركوا أهل البيت عليهم الصلاة والسلام وأقصوهم عن جميع نواحي الحياة، عندما فعل المسلمون ذلك تركوا القرآن أيضا وهو في الحقيقة الواقع المظلم الذي يعيشه الناس منذ مئات السنين. وهو ما أثبت للقاصي والداني خطورة وخبث مقولة حسبنا كتاب الله في حادثة رزية الخميس، التي كانت سببا رئيسيا لتعاسة الأمة إلى يومنا هذا، فمن نتائج تلك المقولة وأثرها تُعرف مقاصد أصحابها الذين رفعوها وجعلوها شعارا، حقدا وبغضا لرسول الله وأهل بيته الطيبين الطاهرين، ومحاولة منهم لفصم العروة الوثقى التي وثقها الله تعالى، محاربة لله ورسوله وصدا عن سبيل الله. ولكن أنى لهم ذلك ونحن نستشرف الوعد الإلهي بظهور قائم آل محمد الإمام الثاني عشر الإمام المهدي المنتظر الحجة بن الحسن عجل الله تعالى فرجه الشريف، ليملأ الأرض قسطا وعدلا، كما ملأها ظلما وجورا وزورا وبهتانا أصحاب دعوة فصل الكتاب عن العترة الطاهرة وأتباعهم ومن رضي بأفعالهم ووالاهم على ذلك، لتعود العروة الوثقى إلى موقعها الطبيعي، وتُظهر للنور حقيقة كلمات الله، ويعتصم الناس بحبل الله المتين، ويوصلهم إلى سفينة الناجين، ليسلكوا الصراط المستقيم، مع الطيبين الطاهرين أهل بيت النبي الكريم وشيعتهم الراضين المرضيين.

وكما أن المسلمين اليوم ينظرون إلى ظاهر القرآن الكريم ويعتبرونه كلام الله وأنه يجب أن يطبق في المجتمع وأن القرآن هو الحل، بمعنى أنهم أخذوا بالدعاية والإدعاء وتركوا التطبيق، فإنهم أيضا كذلك تجاه أهل البيت عليهم السلام، يدعون محبتهم وحبهم ظاهرا ويعادونهم باطنا.

٧٥
وعليه فإن ما يحصل من قبل المسلمين تجاه القرآن الكريم يحصل مع الأئمة الطاهرين من أهل البيت عليهم السلام والعكس صحيح أيضا.

ولو دقق المدقق المنصف في ما ذكرناه لوجد أنه يتطابق ويتلازم مع آيات وأحاديث كثيرة منها آية المودة وهي قوله تعالى في سورة الشورى {قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى}. وكذلك آية التطهير وهي قوله تعالى في سورة الأحزاب {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا}. وآية المباهلة وهي قوله تعالى في سورة آل عمران. {فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين}. وعشرات الأحاديث والروايات عند كل طوائف المسلمين كلها تدور حول محور حديث الثقلين. وأن الكتاب والعترة هما وصية الله ورسوله، وأنهما حقيقة واحدة، وشيء واحد متلازم مع بعضه البعض، وأعتقد أن الأمر صار واضحا بينا لا لبس فيه ولا شك.

نبأني اللطيف الخبير

ثم بعد بيان الوصية بالكتاب والعترة الطاهرة في حديث الثقلين، نأتي إلى عبارة في الحديث من ثلاث كلمات وهن (نبأني) و (اللطيف) و (الخبير وفي أحد المتون العليم).

فلماذا قال رسول الله صلى الله عليه وآله لجمع المسلمين كلمة نبأني؟ ولماذا اختار من أسماء الله الحسنى اللطيف الخبير؟.

يقول النبي صلى الله عليه وآله، أن الله تعالى الذي جعلني نبيا هو الذي اختار لكم الكتاب والعترة الطاهرة، وهو الذي أنبأني أنهما لن يفترقا، فلا يظنن أحد أنني أنا الذي اخترت ولاية علي لأنه أخي وابن عمي، وفرضتها عليكم كما يدعي بعضكم، فهو تعالى الذي اختار أهل بيتي وجعل منهم الأئمة الإثنى عشر ليكونوا أئمة لكم من بعدي حتى لا تضلوا، فأنا لا أنطق عن هوى، ولا عن

٧٦
دوافع نفسانية أو قبلية، فلقد كنت أنا وأهل بيتي دعوة أبي إبراهيم، ونبوءة موسى، وبشارة عيسى عليه الصلاة والسلام. قال تعالى في سورة البقرة.

الآية: ١٢٤ {وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين}. وهو الذي قال في سورة آل عمران الآية: ٣٤ {ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم}.

ولذلك كانت كلمة نبأني في الحديث لتذكير المسلمين بنبوته ورسالته، حتى تبطل دعاوى المدعيين، وتكون كلمة نبأني تأكيدا مشددا على محتوى حديث الثقلين.

ثم إن هناك أهمية أخرى لكلمة نبأني من حيث التطابق والتصاقب في المعاني والألفاظ، وهي تطابقها مع سورة النبأ من حيث اللفظ والمضمون.

فقد قال الله تعالى في سورة النبأ الآية: ١ - ٥ {عم يتساءلون، عن النبأ العظيم، الذي هم فيه مختلفون، كلا سيعلمون، ثم كلا سيعلمون}.

وقال تعالى في سورة ص الآيتان ٦٧-٦٨ {قل هو نبأ عظيم، أنتم عنه معرضون}.

روى في الكافي عن الصادق عليه السلام في هذه الآية قال النبأ العظيم الولاية. وعن الباقر عليه السلام، سئل عن تفسير عم يتساءلون، فقال هي في أمير المؤمنين عليه السلام، كان أمير المؤمنين عليه السلام يقول (ما لله عز وجل آية هي أكبر مني، ولا لله نبأ أعظم مني).

وفي العيون عنه عن أبيه عن آبائه عن الحسين بن علي عليهم السلام قال، قال رسول الله صلى الله عليه وآله لعلي عليه السلام (يا علي أنت حجة الله، وأنت باب الله، وأنت الطريق إلى الله، وأنت النبأ العظيم، وأنت الصراط المستقيم، وأنت المثل الأعلى).

وفي الكافي في خطبة الوسيلة لأمير المؤمنين عليه السلام (إني النبأ العظيم، وعن قليل ستعلمون ما توعدون).

٧٧
وأما بالنسبة لأسماء الله تعالى اللطيف الخبير، فإنها جاءت في المعنى والمضمون المناسبين، من أجل التأكيد على معاني ومضامين حديث الثقلين، لأن اسم الله اللطيف، يتعلق باللطف الإلهي لعباده في كل جوانب الحياة، فالشريعة لطف إلهي، وأنظمة الحياة والكون لطف إلهي، والنبوة لطف، والإمامة لطف إلهي أيضا.

قال في القاموس المحيط (واللَّطيفُ: البَرُّ بِعبادِهِ، المُحْسِنُ إلى خَلْقِهِ بإِيصالِ المنافِعِ إليهِم بِرِفْقٍ ولُطْفٍ، أو العالِمُ بخَفايا الأُمورِ ودَقائِقِها، واللُّطْفُ، بالضم من اللهِ: التَّوْفِيقُ).

فالله سبحانه وتعالى لطيف بعباده لا يأمر إلا بما فيه الخير والصلاح والهدى لعباده، وينهى عن كل ما فيه ضلال وفساد وشر.

يأمر بالعدل والإحسان وينهى عن الفحشاء والمنكر. قال تعالى في سورة النحل. الآية: ٩٠ {إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون}.

ولو دقق المنصف في متن حديث الثقلين، لتيقن بأن أمر الله تعالى بإتباع الثقلين هو لطف إلهي، ولتيقن أيضا بأن وصية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بولاية علي وأهل بيته عليهم السلام هي لطف إلهي بعباده الذين يعجزون عن معرفة مراد الله منهم إلا أن يخبرهم الله تعالى بما ينفعهم ويهديهم ويصلحهم.

والدليل على ذلك أن النبي صلى الله عليه وآله قال في الحديث لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما، فكان اختيار اسم الله تعالى اللطيف في محله، فبتوفيق الله تعالى لنا ولطفه بنا، كانت نبوة محمد صلى الله عليه وآله، وكانت ولاية أمير المؤمنين عليه السلام والأئمة المعصومين من ولده، فقد لطف الله بنا ووفقنا لولايتهم حتى يبينوا لنا معالم ديننا ومراد الله تعالى منا، وهم ما يصلحنا

٧٨
وعنوان نجاتنا وإيماننا، ولولا ذلك اللطف الإلهي لكنا والعياذ بالله من الهالكين.

وأما اسم الله تعالى الخبير، فهو الخبير بما كان وما يكون، وهو الخبير بما ينفع العباد ويضرهم، وهو الخبير ببواطن الأمور وما تخفي الصدور، خبير بمن يطبق أمر الله تعالى ووصية رسوله الكريم فيما يتعلق بولاية وإمامة أمير المؤمنين، خبير بمن يطبقه ظاهرا وباطنا، خبير بمن يدعي الولاية ظاهرا ويضمر العداء والبغض باطنا، خبير بمن عاهد عهدا ونقضه، خبير بمن حضر يوم الغدير وهنأ أمير المؤمنين بالولاية وبخ بخ له ثم بعد ذلك نقض بيعته وعهده. فالله سبحانه وتعالى هو اللطيف الخبير.

لن يفترقا ولن يتفرقا

ونأتي الآن إلى هذه العبارة من حديث الثقلين، والتي جاءت بصيغ مختلفة في متون مختلفة من حديث الثقلين، ولكن الملفت للنظر هو ورود كلمة الإفتراق بصيغتين، مرة يفترقا ومرة يتفرقا، مما يدل على أن لكل كلمة منهما دلالة مستقلة تشمل معانٍِ مختلفة سنأتي عليها خلال البحث.

المهم هنا أن أداة النهي (لن) أنها أداة نفي تدل على التأبيد، بمعنى أن الكتاب والعترة الطاهرة لن يتفرقا ولن يفترقا أبدا. مما يدل على وجود إرادة تكوينية إلهية بأن الكتاب والعترة الطاهرة لن يفترقا ولن يتفرقا، وهو ما دل عليه حديث الثقلين وحديث الولاية وغيرها من النصوص الشرعية التي ورد الكثير منها في هذا البحث.

وأما ما هو الفرق بين كلمة تفرق وافترق، فهو أمر مهم جدا لتبيان حقيقة تلك الإرادة الإلهية التكوينية من خلال فهم الفوارق بين الكلمتين. فالإفتراق

٧٩
والتفرق في اللغة يعني الإنفصال والإنفصام، وفرق أي فصل بين شيئين وباعد بينهما وفصمهما.

ولكن في عبارتي لن يتفرقا ولن يفترقا دلالة معينة خاصة لكل واحدة من الكلمتين تعطي مفهوم الإنفصال والتفرق معنى مختلف عن الكلمة الأخرى، فقد كانت تلك الدلالة في الإرادة الإلهية أن الكتاب والعترة الطاهرة هما العروة الوثقى التي لا انفصام لها، ولن يتفرقا ولن يفترقا لا من ذاتهما ولا بفعل فاعل خارج عنهما.

وبشكل سريع فإن جملة لن يتفرقا تدل على أن الكتاب وأهل البيت لا يمكن لأحدهما أن يتفرق عن الآخر من ذات نفسه، وأما معنى يفترقا فإنها تدل على أن الكتاب وأهل البيت لا يمكن أن يفترق أحدهما عن الآخر بفعل فاعل.

لن يتفرقا:

أما النقطة الأولى فيما يتعلق بكلمة يتفرقا، فمعناه أنه لا يمكن للكتاب أن يكون وحيدا بعيدا عن أهل البيت عليهم السلام، ولا يمكن له أن يختار ذلك أو يتحقق له، ولا يمكن لأحد أن يفهم القرآن ويعرف تأويله وأحكامه غير أهل البيت عليهم السلام، وكذلك بالنسبة لأهل البيت عليهم السلام لا يمكن لهم أن يتفرقوا عن الكتاب ولا يمكن لهم أن يطلبوا ذلك، فلا يمكن أن يتحقق التفرق بين أهل البيت عليهم السلام وبين والكتاب.

لأن الإرادة الإلهية جعلتهم شيئا واحدا لا وجود لأحدهما من دون الآخر، فالكتاب هو القرآن الصامت، وهم عليهم الصلاة والسلام القرآن الناطق.

وبالتالي نستطيع أن نفهم حديث علي مع القرآن والقرآن مع علي، ومدى ارتباطه بحديث الثقلين، ونستطيع أن نفهم عمق التزام أمير المؤمنين والأئمة عليهم السلام بأحكام الإسلام كلها حتى في أصعب الظروف التي مروا بها، فمع وجود كل العقبات والضغوطات والمظلوميات التي تعرضوا لها، فإنهم لم يتفرقوا عن القرآن ولم يتفرق القرآن عنهم.

٨٠