×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

محورية حديث الثقلين في العقيدة والأحكام / الصفحات: ١٦١ - ١٨٠

إن المدقق في المراحل التي تلت عملية السب والشتم وإعلان ذلك على المنابر، يتبين له حقيقة الإنحراف والتغيير والتبديل التي حصلت في الأمة، فكيف لأمةٍ أن تهتدي وهي تحارب الله ورسوله وأهل البيت وشيعتهم؟. وكيف لأمة أن تنجو من الضلال والهلاك وهي لم تركب سفينة أهل البيت عليهم السلام، بل وعملت على تحطيمها وإغراقها؟.

وكيف لأمة أن تهتدي إلى الحق والصواب والهدى، وقد عملت ولا زالت تعمل على فصل الكتاب عن العترة الطاهرة، وعملت ولا زالت تعمل على محاربة أهل البيت وشيعتهم؟.

حتى إن الواحد منا اليوم ونحن في القرن الواحد والعشرين، لا يجرؤ أن يذكر حديث الثقلين، أو أي حديث يتعلق بفضائل أهل البيت عليهم السلام، ولا يجرؤ على إظهار ولايته وتمسكه بأهل البيت عليهم السلام.

إنني أدعو كل المسلمين إلى ضرورة مطالعة هذه المرحلة من التاريخ، حتى يكتشفوا حقيقة ماهم عليه، وحتى يتعرفوا على حقائق لطالما عمل العلماء على إخفائها وتغييبها عن المسلمين، حتى لا يتبين الرشد من الغي، فهناك العشرات من المؤلفات التي تبحث المرحلة بتفاصيلها، ومن أهمها كتاب من حياة معاوية للعلامة الأميني وعشرات غيرها. حيث تبين وتوضح كيفية تطبيقات معاوية بن أبي سفيان لعملية ملاحقة وقتل أهل البيت وشيعتهم في العراق واليمن ومكة والمدينة وغيرها من أمصار المسلمين من خلال بعثاته المتلاحقة والتي كان يقودها عدد كبير من صحابة رسول الله كبسر بن أبي أرطأة وسمرة بن جندب والمغيرة بن شعبة وأبي هريرة وزياد بن سمية وغيرهم.

لقد بالغ معاوية في تشويه صورة أمير المؤمنين وأهل البيت عليهم الصلاة والسلام، واستخدم كما ذكرنا عددا كبيرا من الصحابة الذين كانوا من بطانته، مثل أبي هريرة وعمرو وسمرة وغيرهم، حيث أنهم ساعدوه كثيرا في وضع روايات عن رسول الله صلى الله عليه وآله تخدم مخططاته وترسخ له قواعد الدولة الأموية وقواعد الدين الجديد، وسأقدم بعض النماذج من عمليات الوضع

١٦١
تلك التي كان لها الدور الكبير في إبعاد دور أهل البيت عن الحياة وطمس حقيقتهم وأحقيتهم.

روى بن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة قال (أعطى معاوية بن أبي سفيان سمرة بن جندب من بيت المال أربعمائة ألف درهم على أن يخطب في أهل الشام بأن قوله تعالى {ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام، وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد} إنها نزلت في علي بن أبي طالب عليه السلام. وإن قوله تعالى {ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله}. نزلت في ابن ملجم أشقى مراد).

روى في شرح نهج البلاغة قال (لما قدم أبو هريرة العراق مع معاوية عام الجماعة، جاء إلى مسجد الكوفة، فلما رأى كثرة من استقبله من الناس جثا على ركبتيه ثم ضرب صلعته مراراً!! وقال يا أهل العراق أتزعمون أني أكذب على الله ورسوله وأحرق نفسي بالنار؟. والله لقد سمعت رسول الله يقول: إن لكل نبي حرماً، وإن المدينة حرمي، فمن أحدث فيها حدثاً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، قال وأشهد بالله أن علياً أحدث فيها!!. فلما بلغ معاوية قوله أجازه وأكرمه وولاه إمارة المدينة).

وقد توضحت عمليات وضع الحديث من خلال قراءة كتاب معاوية، حيث أمر بإشاعة فضائل لأشخاص لم يجعل الله تعالى لهم فضيلة، وطمس كثيرا من الفضائل لشخصيات رفعها الله تعالى، وجعل الإيمان في فئة والنفاق في فئة أخرى، ووضع أحاديث في أحكام معينة تخدمه وتخدم حكومته، وشطب كل ما يعتبر ضده وضد دولته وسلطته، بل واستطاع أن يحول كل ما ذكره رسول الله صلى الله عليه وآله في حقه من ذم ولعنات إلى فضائل، والناس اليوم تبع لكل ما ورد في كتابه المشؤوم.

ثم إن من جرائم معاوية ضد علي عليه السلام وشيعته قتل الصحابي الجليل حجر بن عدي الأنصاري وأصحابه الذين قال عنهم رسول الله صلى الله عليه

١٦٢
وآله (سيقتل بعذراء أناس، يغضب الله لهم وأهل السماء). رواه السيوطي وابن حجر.

وذنبهم أنهم رفضوا البراءة من علي بن أبي طالب عليه السلام، وكانوا من الثابتين على الوفاء بعهدهم بالتمسك بالكتاب والعترة الطاهرة، حتى أنهم كانوا يفضحون ويكشفون كل مخازي وانحرافات معاوية بن أبي سفيان وبطانته ومن والاه، لا يخشون في الله لومة لائم.

ومن جرائمه أيضا قتل عمرو بن الحمق ومحمد بن أبي بكر، وما كانت تهمتهم إلا مولاة أمير المؤمنين على بن أبي طالب عليه السلام، والثبات على ذلك طلبا لمرضاة الله تعالى.

وهكذا استمر معاوية في عمليات طمس معالم الدين المحمدي واستبداله بدينه الجديد، من خلال فصل الكتاب عن العترة أولا، ثم استبدال العترة الطاهرة بغيرهم على حسب مزاجه وهواه، ثم ترك الكتاب عن طريق تأويله بما يخالف مراد الله تعالى ويوافق أهواء السلطة الحاكمة، التي قامت وتأسست على بغض علي عليه السلام وملاحقة أهل البيت وشيعتهم وقتلهم وتشريدهم وظلمهم وأذاهم كما بينت ذلك كتب الحديث وكتب السير والتاريخ، وكذلك الروايات المتواترة المتعلقة بذلك التاريخ المخزي الذي يندى له الجبين.

وهكذا نسي الناس معالم الدين وأعلامه، وضاعت الأحكام، واختلفت العقائد، ومحيت السنة النبوية، وصار الحكم بالهوى. وانتشر الفسق والمجون وصار شرب الخمر مستباحا، بعد أن استبيحت أعراض المسلمين في حملات معاوية على أمصار المسلمين، لقتل وملاحقة أهل البيت وأتباعهم، راجع أخي المؤمن ماذا فعل بسر بن أرطأة في المدينة ومكة واليمن؟. وماذا فعل كل ولاة معاوية في بلاد المسلمين؟. ماذا فعل المغيرة بن شعبة، وعمرو بن العاص وأبو هريرة وزياد بن سمية وغيرهم من أعلام دين معاوية الجديد، الذين جعل معاوية سمعتهم في أعلى مرتبة ومنحهم الألقاب الرفيعة جزاءً لهم على مساعدته في وضع قواعد دين جديد يخلو من أي أثر أو دور لأهل البيت عليهم السلام فيه.

١٦٣
ثم من أجل تثبيت قواعد الدولة الأموية، وترسيخ ما بدأه أشياخ قريش واستكمله معاوية لفصل وعزل وطمس حقائق وحقوق أهل البيت عليهم السلام، واستمرارا في محاربة أحباب الله وأصفياءه من العترة الطاهرة، واستمرارا في محاربة الإرادة الإلهية، التي جعلت أهل البيت عليهم السلام هم الأئمة والقدوة الذين تجب على الناس مودتهم وموالاتهم وإتباعهم والإقتداء بهديهم، قام معاوية بن أبي سفيان وبعد أن دس السم للإمام الحسن بن علي عليهما السلام مما أدى إلى استشهاده، قام بنقض العهد الذي أبرمه مع الإمام الحسن عليه السلام في أن تكون الخلافة بعد معاوية للإمام الحسن أو الإمام الحسين عليهما السلام.

بيعة يزيد:

قام معاوية بن أبي سفيان وبتأييد من بطانته بدعوة المسلمين لبيعة ابنه يزيد، وكان ابتداء الأمر من الصحابي المغيرة بن شعبة، فأرسل معاوية إلى ولاته يحثهم على دعوة الناس لبيعة يزيد.

وقد كان تركيز معاوية وبطانته على انتزاع البيعة من الإمام الحسين عليه السلام، حيث وجه معاوية كتابا إلى واليه على المدينة مروان بن الحكم اللعين بن اللعين الوزغ بن الوزغ، يطلب منه انتزاع البيعة من الحسين عليه السلام وبأي وسيلة كانت حتى ولو أدى ذلك إلى قتله ومن معه، لكن الإمام الحسين عليه السلام رفض أن يعقد البيعة للفاسق يزيد، حتى لا تطمس البقية الباقية من دين الإسلام، وحتى لا تعتبر بيعته مصادقة من أهل البيت على دين معاوية الجديد وإقرارا به.

ثم إن يزيد بن معاوية أرسل إلى واليه في المدينة لينتزع البيعة من الحسين عليه السلام، لأنه بذلك يسهل عليه انتزاع البيعة من بقية الناس ولكن الإمام الحسين عليه السلام رفض، ورفض ذلك أيضا يوم الطف أن يتنازل عن موقفه، وخطبة الإمام الحسين عليه السلام المشهورة التي أعلن فيها موقفه صريحا بكل عزة وفخر قائلا (لا والله، لا أعطيكم بيدي إعطاء الذليل، ولا أقر إقرار

١٦٤
العبيد، ألا وأن الدعي بن الدعي، قد ركز بين اثنتين، بين السلة والذلة، وهيهات منا الذلة، يأبى الله لنا ذلك، ورسوله، والمؤمنون، وجدود طابت، وحجور طهرت، وأنوف حميّة، ونفوس أبية من أن نؤثر طاعة اللئام على مصارع الكرام).

هكذا كان موقف الإمام الحسين عليه السلام موقف العزة والإباء، موقف المؤتمن على المسلمين ودينهم، فعليك السلام يا أبا الأحرار يا أبا عبد الله، ونحن نرددها معك ونقول هيهات منا الذلة.

ماذا فعل يزيد لفصم عرى الدين؟.

ومات معاوية الذي خلف من بعده ابنه يزيد السكير الخمير الفاسق، وحكم دولة تسير على دين ونهج معاوية وأشياخه، وبدأ يزيد في تطبيق تعاليم والده، واستكمال الدور الرئيسي الذي قامت عليه دولتهم، وهو إقصاء أهل البيت عليهم السلام عن واقع الحياة بل والإنتقام منهم والتفاخر في ذلك.

ومن أعظم الرزايا وأشدها في تاريخ المسلمين التي قام بها يزيد لعنة الله عليه لمحو أي أثر لأهل البيت عليهم السلام، هي قتل أبي عبد الله الإمام الحسين بن علي عليه السلام وأهل بيته وأصحابه.

لقد فعل ذلك يزيد ليستكمل الأدوار التي انتهت إليه من أبيه وأشياخه القرشيين، الذين كان من أول أمرهم رفض الإرادة الإلهية الصريحة في إمامة أهل البيت عليهم السلام، وردوا على الله ورسوله بل إنهم حاربوا إرادة الله وحاربوا كل من التزم بها ولم يقف إلى جانبهم في دعوتهم تلك، فجاء دور اللعين يزيد ليستكمل الحرب على أهل البيت عليهم السلام ويُتِمَ القضاء على دين الإسلام ويمحوه من الوجود ليبقي على دين معاوية بين الناس.

وهكذا انتهى الأمر إلى أن ضاع الدين وطمست معالمه، ليحل محله دين جديد، لا يعرف الناس غيره، بحيث صار الخليفة الأموي يزيد اللعين هو أمير المؤمنين في نظر الناس وهو المشرع الذي على الأمة طاعته.

١٦٥

نهضة الإمام الحسين عليه السلام:

فلما وصلت الأمور إلى هذا الحد بل وربما أبعد منه، تحرك الإمام الحسين عليه السلام، لينهض بالأمة من أجل بعث الدين المحمدي من جديد، وليعيد رسم معالمه، وبيان عقائده وأحكامه، وليعيد الكتاب والعترة الطاهرة إلى الوجود، وليعيد معالم العروة الوثقى والصراط المستقيم من جديد، فهو الإمام الذي فرض الله طاعته على كل المسلمين، وهو الذي ورث من أخيه الإمام الحسن عليه السلام ومن أبيه الإمام أمير المؤمنين عليا عليه السلام عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كل معالم الدين وتفصيلاته كما أرادها الله سبحانه وتعالى، كيف لا وهو الذي قال عنه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (حسين مني وأنا من حسين، أحب الله من أحب حسينا).

هذا الحديث الذي روته كل صحاح ومسانيد المسلمين، يعتبر من أهم الوصايا النبوية الشريفة التي تركها رسول الله صلى الله عليه وآله للمسلمين من بعده حتى يلجأوا إليها إذا صار حال الأمة ضياعا، فقد جعل الله تعالى الإمام الحسين عليه السلام معلما من معالم الدين ومصباحا من مصابيح الهدى، ونورا يستضاء به إذا ما وقعت الفتن، وتاه الناس عن السبيل القويم والصراط المستقيم.

فهذا الحديث من الوصايا الهامة للمسلمين مثل حديث الثقلين وحديث السفينة أو مجموع الأحاديث التي تُنَوِهُ وتوضح حقيقة أهل البيت عليهم السلام وأحقيتهم، وأنهم هم علامات الحق وميزان الهدى في كل زمان ومكان، حتى يستطيع المسلمون أن يميزوا بين طريق الحق وبين طريق الضلال.

ولذلك كان رسول الله صلى الله عليه وآله لأنه رحمة للعالمين وعلى خلق عظيم وكلامه وحي وصدق وحق، يرسم خطا عاما وفي أغلب الأحيان مفصلا، لكل مرحلة من مراحل حياة المسلمين، وكان عليه وآله الصلاة والسلام يبين ويوضح لأمته ما يستطيعون من خلاله الوقوف على الحق واجتناب الضلال ودعاته، فقد كان كثيرا يحذر الناس من أئمة الجور والضلال قائلا (إن أخوف

١٦٦
ما أخاف عليكم، الأئمة المضلون) أي أنه صلى الله عليه وآله أقام حجة الله البالغة على الناس كافة في كل عصر وفي كل زمان ومكان.

ففي حديث الثقلين يبن صلى الله عليه وآله معالم طريق الهدى، التي من اتبعها فإنه لن يضل أبدا، وهذا يعنى أنه سيكون في الأمة ضلال كبير ودعاة كثر يروجون ذلك الضلال، فبين رسول الله صلى الله عليه وآله وفصل عن كيفية النجاة من ذلك الضلال والوقاية منه.

وكذلك عندما يرسم النبي الأكرم معالم ما يجب على الأمة التمسك به أي الكتاب والعترة وأنهما لن يتفرقا ولن يفترقا، وعندما يحذر من الضلال ويبين كيفية الخلاص منه، وعندما يتحدث عن إمامنا المهدي عجل الله فرجه الشريف وأنه سيملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا، فإن ذلك يعني أن الأمة سوف تترك التمسك بالكتاب وتترك الإعتصام بأهل البيت عليهم الصلاة والسلام، بل وأنه سوف تكون هناك المحاولات تلو المحاولات من أجل طمس هوية أهل البيت عليهم السلام، وعزلهم عن دورهم الذي اجتباهم الله له، في الأخذ بيد المستضعفين، وحماية المؤمنين، وتبيان خط الهداية والنجاة للأمة في حال حدوث الفتن، أو عند انفصال الناس عن إتباع خط الهداية وسقوطهم من سفينة النجاة سفينة أهل البيت عليهم السلام التي من ركبها فقد نجا ومن تخلف عنها فقد غرق وهلك.

وكذلك عندما نأتي إلى مرحلة يزيد بن معاوية وهي مرحلة من المراحل الخطيرة التي وصلت فيها الأمة إلى حالة خطيرة من الضياع والفتن، حيث لم يبق من الإسلام شيء، واستبدلت العقائد والأحكام بعقائد وأحكام جديدة، وسلك الناس فيها مسالك الضلال والإنحراف عن الصراط المستقيم، وتاهوا عن سفينة الناجين أهل البيت عليهم السلام.

فكان لابد من أن يتحدث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن تلك المرحلة ويبين خطورتها وشدة فتنها، وكان لابد له صلى الله عليه وآله أن يبين راية الهدى، ويوضح دور مَعلَم من أهم معالم الإيمان، ومصباحا من أهم مصابيح الهدى، وكان لابد له صلى الله عليه وآله أن يكشف عن ربان سفينة أهل البيت

١٦٧
عليهم السلام في تلك المرحلة الخطيرة وهو الإمام الثالث من أئمة أهل البيت عليهم السلام أبي عبد الله الحسين بن علي عليهما السلام.

فكان مما نبه عليه صلى الله عليه وآله وكشفه للناس وأوصاهم به أن قال في عشرات المرات على مرأى ومسمع كل المسلمين (حسين مني وأنا من حسين، أحب الله من أحب حسينا، حسين سبط من الأسباط).

أراد رسول الله أن يكون مع أمته في حال ضياعها ليأخذ بيدها ويأخذ بأيدي المسلمين والمستضعفين، إلى أن يكونوا مع الإمام الحسين عيه السلام، فأشار أن حسين مني محمدي المنشأ ولا يُبَلِغ عني إلا أنا أو رجل مني، ولا يستطيع أن يقود الأمة إلا أنا أو رجل مني، ولن تنجوا الأمة إلا بي أو برجل مني.

فها هو صلى الله عليه وآله يقول لهم حسين مني فهو حامل رسالتي وهو الذي يهديكم إلى رضى الله تعالى وإلى النجاة من عذابه، وهو الذي يجمع شملكم ويردكم إلى الصراط المستقيم إذا تفرقت الأمة عن أهل البيت عليهم السلام واقتدت بغيرهم ولم تتبعهم، بل وعادتهم وكفرت بحقوقهم وأحقيتهم، وإذا قفز الناس من سفينة الناجين وسقطوا في بحر الهالكين.

فإذا صرتم إلى ذلك الحال فها هو الإمام الحسين مني أي من رسول الله ولا يبلغ عني إلا أنا أو رجل مني.

ثم يضيف صلى الله عليه وآله فيقول وأنا من حسين، وهذا يعني أنه إذا تاه المسلمون عن دين الله وساروا على مناهج معاوية ويزيد، وإذا طمست معالم الدين الإسلامي وضاعت عقائده وأحكامه، فإن بعث دين محمد من جديد سوف يكون على يد الإمام الحسين عليه السلام. فهو الذي سوف يبعث ما محاه وطمسه معاوية وأشياخه من جديد، وهو الذي سوف يضرب على جثة الدين التي قتلها أعداء أهل البيت بجهاز الصعقة الكهربائية، الذي سيجعل قلب الأمة ينبض من جديد، ويعيد العقول إلى التفكير بالعروة الوثقى والصراط المستقيم، حتى يبدأ المؤمنون بركوب سفينة أهل البيت عليهم السلام من أجل أن توصلهم إلى بر الآمنين من الفزع الأكبر يوم الدين.

١٦٨
كتاب محورية حديث الثقلين في العقيدة والأحكام للدكتور صلاح الدين الحسيني (ص ١٦٩ - ص ١٧٧)

١٦٩
وهو مبغض لأهل بيت محمد دخل النار). رواه في كنز العمال ومجمع الزوائد والطبراني وبن حبان.

ولكن المسلمين اليوم لا يلتفتون إلى كل تلك الوصايا البينات الواضحات، التي بينها ووضحها رسول الله صلى الله عليه وآله الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، إذ أن المسلمين لا زالوا وحتى اليوم يخافون من معاوية ويزيد، ويخافون من ذكر علي وفاطمة والحسن والحسين عليهم الصلاة والسلام، فالكل طوع أمر معاوية ويزيد ولو أدى ذلك إلى معصية الله تعالى ومخالفة أمر رسول الله صلى الله عليه وآله.

ثم إن الأمة لا زالت وحتى اليوم تعادي أهل البيت وشيعتهم، وتظلمهم وتفتري عليهم، وتكفرهم وتستبيح دماءهم كما يجري اليوم في مناطق متعددة من العالم ضد أهل البيت وشيعتهم، وكل ذلك طاعة لمعاوية ويزيد، وكأن كتاب معاوية إلى أمصار الدولة الإسلامية والذي ذكرناه في البحث يتجدد في كل يوم، ويحفظه المسلمون ويطبقونه بحذافيره، وكأنه أمر إلهي ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

اللهم أني أبرأ إليك مما فعل معاوية ويزيد وأشياخهم وأتباعهم، اللهم إني أتقرب إليك بحب أهل بيت نبيك، وأتقرب إليك بموالاتهم واتباعهم والإقتداء بهديهم وطاعتهم كما أمرت أنت ياربنا ويا سيدنا ومولانا، اللهم إنني أوالي من والوا وأعادي من عادوا، وأنصر من نصرهم، وأُبغض من أبغضهم، فاجعلني والمؤمنين مع من نحب، وثبتنا على صراطك المستقيم، ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب.

لقد قام يزيد اللعين وبقرار منه وإقرار وبتنفيذ جيش الدولة الأموية، بقتل الإمام الحسين عليه السلام في سبعة عشر من أهل بيت رسول الله وثلة من صحابة الحسين عليهم رضوان الله تعالى، يوم عاشوراء على أرض كربلاء في حادثة الطف، التي تقشعر الأبدان عند سماعها فكيف بمن أبصرها وعاش أحداثها، حيث لم يرقب يزيد وشياطينه إلاً ولا ذمةً في الحسين وأهل بيته وأبنائه وأصحابه، الذين ما خرجوا إلا دفاعا عن دين الإسلام، دين المصطفى

١٧٠
صلى الله عليه وآله وسلم، خرجوا ليخرجوا الناس من الظلمات إلى النور، ويحرروا الناس من عبادة الجبت والطاغوت إلى عبادة الواحد الأحد.

يقول الإمام الحسين عليه السلام (لم أخرج أشرا ولا بطرا ولا مفسدا ولا ظالما، وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي، آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر، وأسير بسيرة جدي وأبي علي بن أبي طالب).

ويقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (من رأى سلطانا جائرا مستحلا لحرام الله، ناكثا عهده، مخالفا لسنة رسول الله، يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان، فلم يغير عليه بفعل ولا قول، كان حقا على الله أن يدخله مدخله).

لهذا نهض الحسين عليه السلام، لإصلاح ما قد فسد في الأمة، ولم يخرج من أجل دنيا أو منصب أو ساعيا وراء سمعة، وإنما خرج ونهض طلبا للإصلاح، كيف لا وقد قال عنه رسول الله صلى الله عليه وآله: (حسين مني وأنا من حسين).

لقد أجمع يزيد اللعين وجلاوزته على القضاء على الإمام الحسين عليه السلام وعلى نهضته، فحاصروه وقطعوا عنه الماء، وأرهبوا وقتلوا وسجنوا وآذوا من كان من أنصاره سلام الله تعالى عليه، ثم قاموا بمهاجمة معسكره واعتدوا على الأطفال والنساء، وقتلوا أصحابه واحدا بعد واحد، وقتلوا من كان معه من أبناءه ومن أبناء الإمام الحسن عليه السلام، وحتى الرضع منهم من خلال مشاهد لا يمكن لإنسان أن يتحملها حتى ولو كان كافرا، حتى أن الإمام الحسين عليه السلام بعد أن قتلوا من معه قال لشمر وعمر بن سعد بن أبي وقاص وبقية المجرمين الذين كانوا معهم قال لهم مخاطبا (إن لم يكن لكم دين، وكنتم لا تخافون المعاد، فكونوا أحرارا في دنياكم).

ولكن الطبيعة البهيمية الشيطانية التي كانت عند يزيد وشياطينه، فعلتها، وقاموا بقتل ابن بنت نبيهم في أبشع صورة من صور الإعتداء والإنتقام من رسول الله محمد وأهل بيته عليهم السلام، وداسوا على جسده الشريف بحوافر خيولهم، وقطعوا الرأس الشريف، وتركوا جسد الإمام الحسين في ساحة الجريمة، ثم حملوا الرأس الشريف والرؤوس المقطعة، وسبوا نساء أهل البيت

١٧١
بعد أن سرقوا ونهبوا كل ما كان في حوزتهم، وسار موكب الرأس الشريف ومعه السيدة زينب بنت أمير المؤمنين، وكذلك الإمام علي بن الحسين زين العابدين ومن بقي من النساء والأطفال، وطافوا بهم البلاد حتى وصلوا إلى دمشق عاصمة الأمويين، ووضع الرأس الشريف بين يدي اللعين يزيد، وأنشأ قائلا معبرا عن ما ورثه من حقد وبغض وضغينة للإسلام وأهل البيت عليهم السلام، متحديا إرادة الله تعالى، معلنا الحرب على الله ووحيه ورسوله وأهل البيت عليهم السلام، شامتا منتشيا، قائلا:


ليت أشياخي ببدر شهدواجزع الخزرج من وقع الأسل
لأهلوا واستهلوا فرحاثم قالوا يا يزيد لا تشل
لست من خندف إن لم أنتقممن بني أحمد ما كان فعل
لعبت هاشم بالملك فلاخبر جاء ولا وحي نزل

وهكذا فرح يزيد اللعين وشياطينه، بالجريمة التي اقترفوها، وأعلنوا ذلك اليوم يوم عاشوراء يوم مقتل إمام عظيم من أئمة أهل البيت عليهم السلام، وجعلوا ذلك اليوم عيدا يفرحون به، ويحتفلون بجريمتهم التي بكت عليها السماء والأرض، كما ورد في العديد من الروايات.

ولا زال الكثير من المسلمين وللأسف يحتفلون بذلك اليوم ويعتبرونه يوم فرح، حيث دفع الأمويون الأموال الطائلة لوضاعي الحديث، من أجل أن يضعوا لهم أحاديث مكذوبة تجعل من ذلك اليوم يوم عيد وفرح وسرور، ما عدا تلك الطائفة من المؤمنين شيعة أهل البيت عليهم السلام، الذين يحزنون أشد الحزن في يوم الذكرى الأليمة يوم استشهاد الإمام الحسين عليه السلام، ويعبرون عن حزنهم ومواساتهم لرسول الله صلى الله عليه وآله، الذي بكى الحسين يوم ولادته وأخبره جبريل عليه السلام بذلك، وخرج رسول الله باكيا مسمعا بكاءه ونشيجه لأصحابه، قائلا لهم أن الأمة ستفتن من بعده وأن الحسين مقتول، حيث بين رسول الله أن مقتل الحسين عليه السلام فتنة عظيمة للأمة في كل زمان ومكان.

١٧٢
إنني أدعوا نفسي وكل المسلمين أن يقرؤوا مقتل الحسين عليه السلام، والإستماع لقصة مقتله عليه السلام، فالإمكانيات موجودة من خلال المؤلفات الكثيرة وكذلك من خلال المحطات الفضائية، والحجة قائمة واضحة بينة، ولكنني أحب أن أَذكُرَ ببعض الأحاديث النبوية الشريفة الواردة في صحاح ومسانيد المسلمين، ليتعرف المسلم على ما أخبر به رسول الله صلى الله عليه وآله عن الحسين عليه السلام وقضيته التي يجهلها أغلب المسلمين وغيبت عنهم عن قصد متعمد وسابق إصرار، وما سأذكره من روايات هو للتعريف بالحسين وقضيته عليه السلام على شكل مختصر، وإلا فإن ما هو موجود في الحسين وأهل البيت عليهم السلام عموما أكثر بكثير، ولا يمكن لنا في هذا البحث الموضوعي أن نشير إلى جل روايات الحسين وسرد تفاصيل مقتله عليه السلام، ولكنني أشير وأذكر بمحطات هامة لكل قضية تتعلق بحديث الثقلين ولو على سبيل الإختصار.

روى العلامة المجلسي في بحار الأنوار قال، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (الحسين مصباح الهدى، وسفينة النجاة).

وروى أحمد وأبو يعلى وابن حبان والطبراني والحاكم والسيوطي والضياء، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة).

وروى البخاري في صحيحه أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال عن الحسن والحسين عليهما السلام (هما ريحانتاي من الدنيا).

وروى الطبراني وفي كنز العمال وغيرهما عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال (من أحب هذين، يعني الحسن والحسين، وأباهما وأمهما كان معي في درجتي يوم القيامة).

وروى السيوطي والديلمي عن أبي سعيد أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال (اشتد غضب الله على من آذاني في عترتي).

وقد مر من خلال البحث العديد من الروايات التي تأمر بمحبة أهل البيت عليهم السلام، والتحذير من ظلمهم وأذيتهم، ولكنني أضيف هنا ما يتعلق ببحثنا.

١٧٣
فقد روى المتقي الهندي في كنز العمال والبغوي وابن السكن والباوردي وابن منده وابن عساكر وابن حجر في الإصابة، عن أنس بن الحارث، قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول (إن ابني هذا يعني الحسين يقتل بأرض من أرض العراق، يقال لها كربلاء، فمن شهد ذلك منهم فلينصره).

وروى في كنز العمال وغيره كثير عن أم سلمة قالت: كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم جالسا ذات يوم في بيتي، فقال: لا يدخلن علي أحد، فانتظرت فدخل الحسين عليه السلام فسمعت نشيج النبي صلى الله عليه وسلم يبكي، فاطلعت فإذا الحسين في حجره أو إلى جنبه يمسح رأسه وهو يبكي، فقلت: والله! ما علمت به حتى دخل، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم (إن جبريل كان معنا في البيت فقال: أتحبه؟ فقلت: أما من حب الدنيا فنعم، فقال: إن أمتك ستقتل هذا بأرض يقال لها كربلاء، فتناول جبريل من ترابها، فأراه النبي صلى الله عليه وسلم، فلما أحيط بالحسين حين قتل قال: ما اسم هذه الأرض؟ قالوا: أرض كربلاء، قال: صدق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، أرض كرب وبلاء).

وروى أحمد وأبو يعلى والبزار والطبراني والهيثمي في مجمع الزوائد عن أنس بن مالك، قال: (أن ملك القطر استأذن ربه أن يأتي النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأذن له، فقال النبي لأم سلمة: املكي علينا الباب لا يدخل علينا أحد. قال: وجاء الحسين بن علي ليدخل فمنعته، فوثب فدخل، فجعل يقعد على ظهر النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعلى منكبه وعلى عاتقه، قال: فقال الملك للنبي صلى الله عليه وآله وسلم: أتحبه؟ قال: نعم. قال: إن أمتك ستقتله، وإن شئت أريتك المكان الذي يقتل به. فضرب بيده فجاء بطينة حمراء فأخذتها أم سلمة فصرتها في خمارها. قال ثابت: بلغنا أنها كربلاء).

وروى الطبراني والهيثمي في مجمع الزوائد عن عائشة قالت: دخل الحسين بن علي عليهما السلام على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو يوحى إليه، فنزا على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو منكب وهو على ظهره، فقال جبريل لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أتحبه يا محمد؟ قال: يا جبريل وما لي لا أحب ابني!. قال: فإن أمتك ستقتله من بعدك، فمد جبريل

١٧٤
عليه السلام يده فأتاه بتربة بيضاء، فقال: في هذه الأرض يقتل ابنك هذا واسمها الطف، فلما ذهب جبريل من عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، خرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والتزمه في يده يبكي، فقال: يا عائشة إن جبريل أخبرني أن ابني حسين مقتول في أرض الطف، وأن أمتي ستفتن بعدي. ثم خرج إلى أصحابه فيهم علي وأبو بكر وعمر وحذيفة وعمار وأبو ذر وهو يبكي فقالوا: ما يبكيك يا رسول الله؟ فقال: أخبرني جبريل عليه السلام أن ابني الحسين يقتل بعدي بأرض الطف، وجاءني بهذه التربة وأخبرني أن فيها مضجعه).

روى أحمد في المسند عن عبد الله بن يحيى، عن أبيه: أنه سار مع علي عليه السلام، وكان صاحب مطهرته، فلما جاؤوا نينوى وهو منطلق إلى صفين. فنادى علي عليه السلام: إصبر أبا عبد الله، إصبر أبا عبد الله، بشط الفرات. قلت: وماذا تريد؟

قال: دخلت على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذات يوم وعيناه تفيضان، فقلت: ما أبكاك يا رسول الله؟

قال: بلى، قام من عندي جبريل قبل، فحدثني أن الحسين يقتل بشط الفرات.

قال: فقال: هل لك أن أشمك من تربته؟

قال: فمد يده فقبض قبضة من تراب، فأعطانيها، فلم أملك عيني أن فاضتا.

وروى في كنز العمال وغيره كثير عن شيبان بن مخرم قال: إني لمع علي عليه السلام، إذ أتى كربلاء فقال (يقتل في هذا الموضع شهداء ليس مثلهم شهداء إلا شهداء بدر).

وروى بن كثير في البداية والنهاية، قال، روى محمد بن سعد وغيره من غير وجه عن علي بن أبي طالب عليه السلام (أنه مر بكربلاء عند أشجار الحنظل، وهو ذاهب إلى صفين، فسأل عن اسمها، فقيل: كربلاء. فقال: كربٌ وبلاء.

فنزل فصلى عند شجرة هناك ثم قال: يقتل ههنا شهداء هم خير الشهداء، يدخلون الجنة بغير حساب، وأشار إلى مكان هناك، فعلّموه بشيء فقتل فيه الحسين عليه السلام).

١٧٥
وروى الهيثمي في مجمع الزوائد والطبراني عن أبي هرثمة قال كنت مع علي رضي الله تعالى عنه بنهري كربلاء فمر بشجرة تحتها بعر غزلان فأخذ منه قبضة فشمها ثم قال (يحشر من هذا الظهر سبعون ألفا يدخلون الجنة بغير حساب).

وروى المناوي في فيض القدير وغيره كثير قال (ولما نزل الحسين عليه السلام بكربلاء سأل عن اسمها فقيل كربلاء، فقال كرب وبلاء فكان ما كان).

وروى في كنز العمال عن محمد بن عمرو بن حسين قال (كنا مع الحسين عليه السلام بنهر كربلاء، فنظر إلى شمر ذي الجوشن، فقال: صدق الله ورسوله!. قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: كأني أنظر إلى كلب أبقع يلغ في دماء أهل بيتي! وكان شمر أبرص).

وروى بن كثير في البداية والنهاية قال، وقد حكى أبو الجناب الكلبي وغيره، أن أهل كربلاء لا يزالون يسمعون نوح الجن على الحسين عليه السلام وهن يقلن:


مسح الرسول جبينهفله بريقٌ في الخدود
أبواه من عليا قريشٍجده خير الجدود

وروى بن كثير وابن عساكر (أن طائفة من الناس ذهبوا في غزوة إلى بلاد الروم، فوجدوا في كنسية مكتوباً:


أترجو أمةٌ قتلت حسيناًشفاعة جده يوم الحساب؟

فسألوهم من كتب هذا؟ فقالوا: إن هذا مكتوب ههنا من قبل مبعث نبيكم بثلاثمائة سنة).

وروي عن أكثر من مصدر من مصادر المسلمين، أن الذين قتلوه رجعوا فباتوا وهم يشربون الخمر والرأس معهم، فبرز لهم قلم من حديد فرسم لهم في الحائط بدم هذا البيت:


أترجو أمةٌ قتلت حسيناًشفاعة جده يوم الحساب؟.

وروى أحمد في المسند عن ابن عباس، قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام نصف النهار أشعث أغبر، معه قارورة فيها دم، فقلت: بأبي

١٧٦
وأمي يا رسول الله، ما هذا؟. قال: هذا دم الحسين وأصحابه لم أزل ألتقطه منذ اليوم.

قال عمار: فأحصينا ذلك اليوم فوجدناه قد قتل في ذلك اليوم.

وروى بن أبي الدنيا: استيقظ ابن عباس من نومه فاسترجع وقال: قتل الحسين والله، فقال له أصحابه: لِمَ يا ابن عباس؟.

فقال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومعه زجاجة من دم.

فقال: أتعلم ما صنعت أمتي من بعدي؟ قتلوا الحسين وهذا دمه ودم أصحابه أرفعهما إلى الله. فكتب ذلك اليوم الذي قال فيه، وتلك الساعة، فما لبثوا إلا أربعة وعشرين يوماً حتى جاءهم الخبر بالمدينة أنه قتل في ذلك اليوم وتلك الساعة.

وروى الترمذي عن سلمى قالت: دخلت على أم سلمة وهي تبكي فقلت: ما يبكيك؟ فقالت: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى رأسه ولحيته التراب. فقلت: ما لك يا رسول الله؟ قال: شهدت قتل الحسين آنفاً.

وروى بن كثير ومحمد بن سعد عن شهر بن حوشب قال (إنا لعند أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فسمعنا صارخةً، فأقبلت حتى انتهت إلى أم سلمة، فقالت: قتل الحسين. فقالت أم سلمة: قد فعلوها، ملأ الله قبورهم - أو بيوتهم -عليهم ناراً، ووقعت مغشياً عليها، وقمنا).

وروى أحمد بن حنبل في المسند عن عمار قال: سمعت أم سلمة قالت: (سمعت الجن يبكين على الحسين، وسمعت الجن تنوح على الحسين).

وروى أيضا عن هاشم بن هاشم، عن أمه، عن أم سلمة قالت: سمعت الجن ينحن على الحسين وهن يقلن:


أيها القاتلون جهلاً حسيناًأبشروا بالعذاب والتنكيل
كل أهل السماء يدعو عليكمونبي ومرسل وقبيل
قد لعنتم على لسان ابن داودوموسى وصاحب الإنجيل

١٧٧
كتاب محورية حديث الثقلين في العقيدة والأحكام للدكتور صلاح الدين الحسيني (ص ١٧٨ - ص ١٩٣)

١٧٨

ماذا فعل المسلمون بعد يزيد؟:

وأما ما قام به المسلمون بعد مرحلة يزيد من أفعال، إستكمالا لعملية فصل العروة الوثقى والإبقاء على ما وصل إليهم من السلطة الحاكمة، من خلال القواعد والأحكام الناتجة عن الحقد والضغينة لرسول الله وأهل بيته، ومن خلال كتاب معاوية إلى المسلمين، واستكمالا لمحاربة الإرادة الإلهية، يشكل الثمرة التي أراد المتآمرون على رسول الله ووصيه علي بن أبي طالب أن يصلوا إليها.

فقد قام الأمويون وبني مروان ومن والاهم وسار على خطاهم وانتهج نهجهم، بالبناء على ما أسس له معاوية ويزيد وأشياخهم، وقام الخلفاء من بني أمية وبني الحكم بعمليات عزل وفصل العترة الطاهرة عن الكتاب وعن المجتمع من خلال عمليات الملاحقة والقتل والتشريد لأئمة أهل البيت عليهم السلام وشيعتهم، وطمسوا أدوارهم الأساسية في نشر الدين والمحافظة على عقائده وأحكامه، ثم استكملت الأدوار من قبل العباسيين الذين كانوا أشد وأغلظ ممن سبقهم من الأمويين، الذين قتلوا وسجنوا وشردوا الأئمة من أهل البيت عليهم السلام وشيعتهم، بل إنهم قاموا بعدة محاولات لنبش وإزالة والإعتداء على مقام الإمام أمير المؤمنين عليه السلام ومقام الإمام الحسين عليه السلام وبقية الأئمة من أهل البيت، ومشهور في كتب التاريخ ما فعله العباسيون مع الإمام الكاظم عليه السلام والإمام الرضا عليه السلام إلى الإمام العسكري عليه السلام، ومذكور أيضا كيف عانى أتباعهم وشيعتهم من ظلم واضطهاد وقتل وتشريد استكمالا لما دعى إليه معاوية ويزيد في طمس حقيقة أهل البيت وأحقيتهم، ثم جاء بعدهم صلاح الدين الأيوبي الذي قام بقتل أربعين ألفا من أتباع أهل البيت في يوم واحد عندما دخل إلى مصر على أنقاض الدولة الفاطمية، وكذلك فعل من جاء بعدهم، كان دائما هدفهم الأول ليس التفريق بين الكتاب والعترة الطاهرة فقط، وإنما قمع أية محاولة للجمع بينهما من جديد كما أمر الله تعالى وأوصى رسوله الكريم.

ولا زالت قضية أهل البيت عليهم السلام وشيعتهم حتى اليوم ينظر إليها بنظرة معاوية ويزيد ومن كان قبلهم، فلا زال أهل السنة والجماعة يعملون على فصل

١٧٩
العروة الوثقى، ورفع شعار حسبنا كتاب الله، ومنع وقمع كل المحاولات للجمع بين الكتاب الكريم والعترة الطاهرة من أهل البيت عليهم السلام، ويحاربون محاولات الجمع تلك بكافة الوسائل المتاحة لهم والإمكانيات التي يسخرها الكفار والمشركين لهم، ولا زالوا ينظرون إلى أهل البيت وشيعتهم نظرة ريبة وتشكيك واستنكار، ولا زالوا ينظرون إليهم نظرة تكفير وتفسيق، ولا يجرؤ أحد منهم أن يبحث في أهل البيت ومظلوميتهم، أو في حقهم وأحقيتهم، وكأن أصحاب شعار حسبنا كتاب الله الذين ردوا على رسول الله، ورفضوا وصيته، وحاربوا إرادة الله تعالى، كأنهم موجودون وعلى رأس السلطة الحاكمة، يهددون ويحرقون وينتهكون الحرمات، ويبقرون بطون الحوامل، ويسجنون، ويختطفون، ويقتلون وينكلون بالمؤمنين والمؤمنات في كل مكان، بأبشع صور القتل والتنكيل، فها نحن نرى المجازر تلو المجازر ضد أهل البيت وأتباعهم وعلماءهم وشيعتهم ولا تجد منكرا ينكر على المسلم قتل أخيه المسلم، فهاهم العلماء يستحلون دماء المسلمين فالتاريخ يعيد نفسه، والجميع ساكتون عن الحق ومن لم يسكت يشمت، ومن يتكلم يُكَفِرُ ويفسق المسلمين، والحال هو هو نفسه، فكما تمت مهاجمة بيت أمير المؤمنين علي وفاطمة الزهراء بضعة النبي عليهما السلام، فها هي بيوت المؤمنين تهاجم في كل مكان في العراق وباكستان وأفغانستان وغيرها من دول العالم الإسلامي، وكما اغتصبت الحقوق وانتهكت الحرمات بالأمس فها هي تغتصب وتنتهك اليوم، وكما قتل الإمام علي عليه السلام ولاقى ذلك العمل المخزي التأييد والترحيب والقبول من طائفة كبيرة من المسلمين في ذلك الوقت، فإن علماء مدرسة أهل البيت عليهم السلام يقتلون اليوم بدم بارد، ويلقى ذلك العمل تأييدا واسعا من قبل المسلمين ولا ينكرونه، وكما قتل الإمام الحسين عليه السلام وقطعت رأسه وقتل أبناءه وأصحابه، يقتل المؤمنون اليوم كما الأمس، والمسلمون راضون بذلك، يتفرجون بعين الراضي والساكت، وبعين الشامت، وبعين اللامبالي الذي نسي الله تعالى فأنساه الله نفسه، فمعاوية ويزيد وأشياخهم وزبانيتهم وأتباعهم هم نفسهم اليوم وخوارج الأمس هم خوارج
١٨٠