×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

مدافع الفقهاء / الصفحات: ١ - ٢٠

الصفحات: ١ - ٥ فارغة
كتاب مدافع الفقهاء للكاتب صالح الورداني (ص ١ - ص ٢٤)
[image] - مركز الأبحاث العقائدية

(و إذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بد نتبع ما ألفينا عليه آباءنا أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون)

البقرة / ١٧٠


هذا النص القرآني نقدمه لفقهاء السلف والخلف الذين يريدون تعبيد الأمة للروايات وأقول الرجال والذين سلطوا مدافعهم على المنادين بحرية الرأي واستخدام العقل والعودة إلى القرآن..

٦
٧

تقديم

عندما نتحدث عن مدافع الفقهاء فإننا نقصد أولئك الفقهاء الذين توجهوا بمدافعهم نحو الجماهير لا نحو الحكام ومقاومة الظلم والفساد...

نقصد أولئك الفقهاء الذين كانوا من صنع الحكام أو هم برزوا ونموا وترعرعوا بدعم منهم...

هؤلاء الفقهاء هم الذين حرفوا الإسلام وجعلوه في خدمة الحكام لا في خدمة الجماهير وهم الذين أورثونا ذلك التراث المتناقض المشوه الذي يكتظ بفتاواهم ورواياتهم التي أصبحت بدعم الحكام هي الإسلام، وسقط النص الشرعي ضحية هذا التراث وأصبح النقص هو ما ينطق به هؤلاء الفقهاء..

ومدافع الفقهاء التي نعرض لها في هذا الكتاب لم تطول الجماهير في زمانهم وتلحق بهم الخسائر الفادحة في عقائدهم ومواقفهم ودينهم وتحقق الأمن والسلام ورغد العيش للحكام فحسب وإنما امتدت لتصيب جماهير العصر الحاضر أيضا...

امتدت لتحلق بهم إصابات خطيرة في عقولهم ومواقفهم ودينهم بالكامل...

وذلك كله كان ببركات الحكام وعلى رأسهم آل سعود وأدواتهم من التيارات والرموز والمؤسسات الإسلامية التي أسهمت في بعث مدافع الفقهاء ودفع الجماهير نحو العيش بعقل الماضي...

من هنا فإن القضية المطروحة في هذا الكتاب لا ترتبط بالماضي وإنما هي ترتبط بالحاضر كما ترتبط بالمستقبل...

وإن ما نهدف إليه في دائرة هذا البحث هو التحرر من أغلال هؤلاء الفقهاء وكشف حقيقتهم ودورهم والتحرر من عقل الماضي وتحقيق الاعتدال في الفكر والتصور والسلوك.

وهو ما نهدف إليه في جمع كتاباتنا...

وما ندعوا إليه..

٨
أن الفقيه لا يجب أن يكون ضد الرعية وفي خدمة الحكام...

الفقيه يجب أن يكون في خدمة النص...

والنص إنما جاء لخدمة الجماهير...

وهذه هي حقيقة الإسلام...

صالح الورداني     
القاهرة         
ص ب: ١٦٣ / ١١٧٩٤
رمسيس         

٩

الفقهاء بين الدين والحكام

برزت طبقة الفقهاء على يد معاوية بن سفيان حين تحالف معه عدد من الصحابة وساروا

١٠
١١
في ركابه وعلى رأسهم المغيرة بن شعبة وعمرو بن العاص وعبد الله بن عمر وأبي هريرة ثم عائشة بنت أبي بكر...

وهؤلاء جميعا أسهموا في تكوين طبقة من التابعين سايرت خط معاوية وخط بني أمية من بعده وحملت هذه الطبقة على كاهلها وضع حجر الأساس لصرح الفقه الإسلامي الحكومي الذي تطور فيما بعد على يد فقهاء العصر العباسي وتمخض عما سمى بعقيدة أهل السنة والجماعة . تلك العقيدة التي برزت لحماية هذا الفقه وإضفاء المشروعية عليه وردع المخالفين له وتطويع الجماهير للحكام...

ولقد قام هذا الفقه وتأسست هذه العقيدة على روايات وفتاوى أبي هريرة وعائشة وابن عمر ومعاوية وعبد الله بن عمرو بن العاص وغيرهم من الصحابة الذين تحالفوا مع بني أمية ...

وقام الفقهاء الذين تربوا على هذه الفتاوى والروايات بتوجيه مدافعهم نحو خصومهم من التيارات الأخرى ونحو الجماهير لإرهابها وعزلها عن هذه التيارات وحصرها في دائرة الخط السائد خط الحكام الذين اعتبروا أئمة طاعتهم واجبة شرعا وعصيانهم حرام يؤدي إلى التهلكة حسب نصوص الفقهاء التي سوف نعرض لها فيما بعد...

- الفقهاء ويزيد بن معاوية:

يروي البخاري أن معاوية خطب في الناس يطلب البيعة لولده يزيد من بعده فبلغ الخبر ابن عمر فدخل على حفصة أخته فقال لها: قد كان من الأمر ما ترين. فلم يجعل لي من الأمر شئ، فقالت: الحق. فإنهم ينتظرونك. وأخشى أن يكون في احتباسك عنهم فرقة، فلم تدعه حتى ذهب، فلما تفرق الناس خطب معاوية فقال: من كان يريد أن يتكلم في هذا الأمر فليطلع لنا قرنه. فلنحن أحق به منه ومن أبيه. قال حبيب بن مسلمة لابن عمر: فهلا أجبته؟

قال ابن عمر: فحللت حبوتي. وهممت أن أقول: أحق بهذا الأمر منك من قاتلك وأباك على الإسلام. فخشيت أن أقول كلمة تفرق بين الجمع وتسفك الدم وتحمل عنى غير ذلك، فذكرت ما أعد الله في الجنان. فقال له حبيب: حفظت وعصمت.. (١)

(١) كتاب المغازي..
١٢
وهذه الرواية تكشف لنا موقف ابن عمر فقيه الصحابة من معاوية وولده يزيد فهو رغم علمه بحقيقة معاوية ومكانته المهزوزة في قلوب المسلمين وهو ما يتضح من قوله: أحق بهذا الأمر منك من قاتلك وأباك على الإسلام، لم يتراجع عن بيعته ولا عن بيعة ولده يزيد...

وحين ثار أهل المدينة على يزيد وخلعوه وأطاحوا بواليه فيها جمع ابن عمر حشمه وولده وقال: إني سمعت رسول الله (ص) يقول: ينصب لكل غادر لواء يوم القيامة، وإنا قد بايعنا هذا الرجل - يزيد - على بيع الله ورسوله. وإني لا أعلم غدرا أعظم من أن نبايع رجلا على بيع الله ورسوله ثم ننصب له القتال، وأني لا أعلم أحدا منكم خلعه ولا بايع في هذا الأمر إلا كنت الفيصل بيني وبينه.. (٢)

ويروى أن ابن عمر جاء إلى ابن مطيع داعية ابن الزبير الخارج على يزيد فقال: أتيتك لأحدثك سمعت رسول الله (ص) يقول: من خلع يدا من طاعة لقى الله يوم القيامة لا حجة له، ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية.. (٣)

وهاتين الروايتين يتبين منهما أن ابن عمر تجاوز حدود الموقف الشخصي بمبايعته يزيد إلى الدعوة لمناصرته ومعارضة الثورة عليه بل والعمل على إطفاء نار هذه الثورة بروايات منسوبة للرسول (ص).. (٤)

وقد استمر ابن عمر موقفه الموالي للحكام هذا حتى عصر الحجاج بن يوسف حيث بايع خليفته عبد الملك بن مروان ثم صلى وراء الحجاج وشاركه في الصلاة أنس بن مالك خادم الرسول.. (٥)

ومن خلال مواقف ابن عمر هذه والروايات المنسوبة للرسول الخاصة بالحكام. استنبط الفقهاء عقائد ومفاهيم وفقه خاص يلزم المسلمين بطاعة الحكام ولو كانوا فجارا والجهاد والحج من ورائهم...

وبرر الكثير من الفقهاء مواقف ابن عمر هذه ومواقف يزيد ودافعوا عنه ونفوا جميع الشبهات المثارة من حوله..

(٢) البخاري كتاب الفتن.

(٣) مسلم. كتاب الإمارة.

(٤) من الروايات المنسوبة للرسول بخصوص الحكام رواية تقول: تسمع وتطيع للأمير وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك فاسمع وأطع. ورواية تقول: من رأى من أميره شيئا يكرهه فليصبر فإنه من فارق الجماعة شبرا فمات فميتته جاهلية ورواية تقول: اسمعوا وأطيعوا فإنما عليهم ما حملوا وعليكم ما حملتم..

انظر مسلم كتاب المارة. والبخاري كتاب الأحكام.

(٥) أنظر تاريخ الطبري وترجمة ابن عمر وأنس في كتب التراجم وانظر الفصل القادم..

١٣
فقد روى ابن حنبل ليزيد رواية تقول: إذا مرض أحدكم مرضا فأشفي ثم تماثل فلينظر إلى أفضل عمل عنده فليلزمه، ولينظر إلى أسوا عمل عنده فليدعه.. (٦)

وقال أبو بكر بن العربي معلقا على هذه الرواية: وهذا يدل على عظيم منزلته عنده - أي منزلة يزيد عند ابن حنبل - حتى يدخله في جملة الزهاد ومن الصحابة والتابعين الذين يقتدى بقولهم ويرعون من وعظهم.. (٧)

ويقول ابن خلدون: والذي دعا معاوية لإيثار ابنه يزيد بالعهد دون سواه إنما هو مراعاة المصلحة في اجتماع واتفاق أهوائهم باتفاق أهل الحل والعقد عليه حينئذ من بني أمية. إذ بني أمية يومئذ لا يرضون سواهم، وهم عصابة من قريش وأهل الملة أجمع وأهل الغلب منهم.

فآثره بذلك ودون غيره فيظن أنه أولى بها. وعدل عن الفاضل إلى المفضول حرصا على الاتفاق واجتماع الأهواء الذي شأنه أهم عند الشارع، وإن كان لا يظن بمعاوية غير هذا لعدالته، وصحبته مانعة من سوى ذلك وحضور أكابر الصحابة لذلك وسكوتهم عنه دليل على انتفاء الريب فيه، فليسوا مما يأخذهم في الحق هوادة. وليس معاوية ممن تأخذه العزة في قبول الحق. فإنهم كلمهم أجل من ذلك وعدالتهم مانعة منه.. (٨)

وقال ابن تيمية مهاجما الحسين لخروجه على يزيد: إنه لم يكن في الخروج مصلحة لا في دين ولا في دنيا، وكان خروجه وقتله من الفساد ما لم يحصل لو قعد في بلده فإن ما قصده من تحصيل الخير ودفع الشر لم يحصل منه شئ بل زاد الشر بخروجه وقتله، ونقص الخير بذلك، وصار سببا لشر عظيم، وكان قتل الحسين مما أوجب الفتن.. (٩)

ويقول عن يزيد: إن الناس اختلفوا في أمره ثلاثة فرق:

الأولى: أنه كان كافرا منافقا...

والثانية: أنه كان ملكا رجلا صالحا وإمام عدل...

والثالثة: أنه كان ملكا من ملوك المسلمين له حسنات وسيئات ولم يكن كافرا. ولكن جرى بسببه ما جرى.

(٦) أنظر كتاب الزهد..

(٧) أنظر كتاب العواصم من القواصم. وهو كتاب ملئ با التبريرات والتأويلات التي تنفي الشبهات والاتهامات التي وجهت لعثمان ومعاوية ويزيد..

(٨) أنظر المقدمة وانظر العواصم من القواصم، والعقد الفريد ج‍ ٢ / ٣٧٨. والبداية والنهاية لابن كثير ج‍ ٨ / ١٤٣..

(٩) أنظر منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة والقدرية ج‍ ٢ / ٢٤١: ٢٤٢. وانظر المنتقى منه.

=>

١٤
وهذا قول أهل العقل والعلم والسنة والجماعة ثم افترقوا ثلاث فرق:

فرقة لعنته...

فرقة أحبته..

وفرقه لاتسبه لاتحبه..

وهذا المنصوص عليه عن الامام أحمد بن حنبل وعليه المعتضد من أصحابه وغيرهم.

وقد استدل القائلون بالمغفرة له بحديث مسلم عن ابن عمر أن رسول الله (ص) قال أول جيش يغزو القسطنطينية مغفور له. وأول جيش غزاها كان أميره يزيد.. (١٠)

وقال ابن تيمية: ان يزيد كان من شباب المسلمين ولا كان كافرا ولا زنديقا. وتولى بعد أبيه على كراهة من بعض المسلمين ورضى من بعضهم وكان فيه شجاعة وكرم ولم يك مظهرا للفواحش كما يحكى عنه بعض خصومه وجرت في جرت في إمارته أمور عظيمة أحدها مقتل الحسين وهو لم يأمر بقتله ولا أظهر الفرح بقتله ولا نكت بالقضيب على ثناياه ولا حمل رأس الحسين إلى الشام، لكن أمر بمنع الحسين وامساكه وبدفعه عن الأمر ولو كان بقتاله.. (١١)

وقال الشيخ الخضري: إن الحسين أخطأ خطأ عظيما في خروجه هذا الذي جر على الأمة وبال الفرقة والإختلاف وزعزع عماد ألفتها إلى يومنا هذا..

وغاية الأمر أن الرجل طلب أمرا يتهيأ له، ولم يعد له عدته فحيل بينه وبين ما يشتهى وقتل دونه، والحسين قد خالف يزيد وقد بايعه الناس، ولم يظهر عنه ذلك الجور ولا العسف عند إظهار الخلاف حتى يكون في الخروج عليه مصلحة للأمة.. (١٢)

- الفقهاء وعبد الملك بن مروان:

عبد الملك هو ابن مروان بن الحكم الذي هيمن على الحكم في عصر عثمان ابن عمه وكان السبب المباشر في الثورة عليه وقتله، وهو الذي قتل طلحة بن عبيد الله بسهم في ظهره فقتله وكان معه في جيش عائشة يوم الجمل (١٣)

<=

للذهبي والعواصم من القواصم

(١٠) أنظر الفتاوى الكبرى ج‍ / ٤ / ٤٨١ وما بعدها وانظر منها ج السنة..

(١١) الوصية الكبرى في عقيدة أهل السنة والفرقة الناجية..

(١٢) تاريخ الأمم الإسلامية ج‍ ٢.

(١٣) مروان بن الحكم طرده الرسول من المدينة ولعنه هو وأبيه الحكم بن العاص وقد أمنه عثمان وأدخله المدينة في حكمه عده بعض الفقهاء من الصحابة.

انظر دفاع ابن حجر العسقلاني عنه في هدى الساري.

=>

١٥
وكان عبد الملك وأبيه ضمن من أخرج من المدينة يوم الحرة حين خرجت المدينة على يزيد بن معاوية وطردت منها بنو أمية، وخاف أن تكون الغلبة لأهل المدينة، وحين دخلها جيش يزيد واستباحها ثلاثة أيام خر عبد الملك ساجدا وعاد إلى المدينة.. (١٤)

ويروى أن عبد الملك هو الذي دل جيش يزيد على عورات أهل المدينة وكيف يؤتون ومن أين يدخل عليهم وأين ينزل. (١٥)

وتمكن عبد الملك من قتل مصعب بن الزبير ثم قتل عبد الله بن الزبير وتدمير الكعبة على يد الحجاج وبذلك دانت له العراق والحجاز.

يروي: اجتمع الناس على عبد الملك بن مروان سنة ثلاث وسبعين، وكتب إليه ابن عمر بالبيعة وكتب إليه أبو سعيد الخدري وسلمة بن الأكوع بالبيعة.. (١٦)

وكتب ابن عمر إليه يقول: إني أقر بالسمع والطاعة لعبد الملك أمير المؤمنين على سنة الله وسنة رسوله ما استطعت، وأن بني قد أقروا بمثل ذلك.. (١٧)

ويروى أن عبد الملك بن مروان قد حفظ عن عثمان وسمع عن أبي هريرة وأبي سعيد الخدري وجابر بن عبد الله وغيرهم من أصحاب رسول الله (ص) وكان عابدا ناسكا قبل الخلافة.. (١٨)

ويروى عن نافع قوله: لقد رأيت عبد الملك بن مروان وما بالمدينة أشد تشميرا ولا أطلب للعلم منه، أحسبه قال: ولا أشد اجتهادا.. (١٩)

ويروى عن ابن جريح قال: سمعت ابن شهاب الزهري يسأل عن ربط الأسنان بالذهب. قال:

لا بأس به، ربط عبد الملك بن مروان أسنانه بالذهب.. (٢٠)

<=

مقدمة فتح الباري شرح البخاري. وانظر الإصابة في تمييز الصحابة له أيضا.. وانظر لنا كتاب السيف والسياسة. وتفاصيل وقعة الجمل في كتب التاريخ.

(١٤) أنظر طبقات ابن سعد ج‍ ٤ / ١٧٤. وتاريخ وقعة الحرة عام ٦٣ هـ‍ وصار عسكر يزيد بالمدينة ثلاثا يقتلون وينهبون ويهتكون أعراض نساء الأنصار وأبناء الرسول حتى حملت ألف امرأة سفاحا، وقد وقف الفقهاء من يزيد بعد هذه الحادثة موقف المتفرج رغم أن النصوص صريحة بحرمة المدينة وحصانتها.

أنظر نماذج من تلك النصوص في كتب السنن، وانظر تاريخ الخلفاء للسيوطي..

(١٥) كان أهل المدينة قد أخذوا علي بن أمية حين أخرجوهم العهود والمواثيق أن لا يدلوا على عورة لهم ولا يظاهروا عليهم عدوا - انظر ابن سعد ج‍ ٤ / ١٧٤.

(١٦) ابن سعد ج‍ ٤ / ١٧٧.

(١٧) البخاري كتاب الأحكام. وانظر البيهقي ج‍ ٨ / ١٤٧..

(١٨) ابن سعد ج ٤ / ١٨١..

١٦
ويروى أن عبد الملك بن مروان كان يلقب بحمامة المسجد، وقد سئل ابن عمر: أرأيت إذا تفانى أصحاب رسول الله (ص) من نسأل؟

فأجابهم: سلوا هذا الفتى: وأشار إلى عبد الملك.. (٢١)

ويروى عن أبي الزناد: فقهاء المدينة سعيد بن المسيب وعبد الملك بن مروان وعروة بن الزبير وقبيصة بن ذؤيب.. (٢٢)

وقال الشعبي: ما جالست أحدا إلا وجدت عليه الفضل إلا عبد الملك بن مروان فإني ما ذاكرته حديثا إلا وزادني فيه. ولا شعر إلا وزادني فيه.. (٢٣)

وكانت هناك علاقة صداقة بين ابن شهاب الزهري الذي يعد عالم السنة في عصره وحافظها وناقل رواياتها وبين عبد الملك بن مروان..

وكان عبد الملك هو الذي وجهه للقيام بهذا الدور ونشر الروايات المنسوبة للرسول (ص) بين الناس ثم ارتبط الزهري بعد ذلك بالقصر الأموي حتى تولى تربية أولاد هشام بن عبد الملك.

ثم تولى القضاء من بعد ليزيد الثاني.. (٢٤)

وكما أخذ ابن شهاب الزهري فتوى ربط الأسنان بالذهب عن عبد الملك بن مروان أخذ مالك أيضا بقضاء عبد الملك في امرأة مستكرهة بصداقها على من فعل ذلك بها وقد أكثر مالك في الاستدلال بقضاء مروان بن الحكم وولده عبد الملك في موطأة والعمل بفتاواه.. (٢٥)

وقد روى البخاري عن عبد الملك بن مروان، كما روى عنه الزهري وعروة بن الزبير وعدد من فقهاء التابعين وعبادهم مثل خالد بن معدان ورجاء بن حيوة.. (٢٦)

ومن هذه الروايات والشهادات التي عرضناها يتبين لنا أن الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان كان في منظور الصحابة عاصروه والفقهاء الذين برزوا في عصره فقيها ومحدثا ثقة وعابدا ورعا..

(١٩) المرجع السابق ص ١٨٢

(٢٠) المرجع السابق

(٢١) أنظر طبقات ابن سعد وانظر تاريخ الخلفاء للسيوطي ترجمة عبد الملك بن مروان..

(٢٢) أنظر العواصم من القواصم والبداية والنهاية ج‍ ٩ / ٦٢، وتاريخ الخلفاء.. وقد أصبح ابن ذؤيب المستشار الخاص لعبد الملك بعد توليه الخلافة..

(٢٣) أنظر المراجع السابقة

(٢٤) أنظر تاريخ الزهري في تذكرة الحفاظ للذهبي وكتب التراجم وطبقات ابن سعد وتاريخ ابن عساكر.

(٢٥) أنظر موطأ مالك كتاب المكاتب وكتاب العقول النكاح ولمروان وولده عبد الملك روايات

=>

١٧
ولقد تجاوز الفقهاء حدود هذا الحكم إلى تناول الدين منه والأخذ بفتاواه..

إلا أننا سوف نعرض هنا لعدد من الروايات التي تكشف الوجه الآخر لعبد الملك بن مروان وتكشف لنا من جانب أخر كيف سقط الفقهاء ضحية السياسة والحكام وأخضعوا الدين لهم، وأن لسان حالهم ينطق بلسان الحكام لا بلسان الدين..

يروى السيوطي عن ابن أبي عائشة قال: أفضى الأمر - الحكم - إلى عبد الملك بن مروان والمصحف في حجره فأطبقه وقال: هذا آخر العهد بك.. (٢٧)

ويروى أن عبد الملك أول من غدر في الإسلام، وأول من نهى عن الكلام بحضرة الخلفاء وأول من نهى عن الأمر بالمعروف.. وأول خليفة بخل في الإسلام.. (٢٨)

ويروى أنه خطب عبد الملك بن مروان بالمدينة بعد قتل ابن الزبير عام حج سنة خمس وسبعين فقال: أما بعد. فلست بالخليفة المستضعف - يعني عثمان - ولا الخليفة المداهن - يعني معاوية - ولا الخليفة المأفون - يعني يزيد - ألا وإن من كان قبلي من الخلفاء كانوا يأكلون ويطعمون من هذه الأموال. ألا وإني لا أداوى أدواء هذه الأمة إلا بالسيف حتى تستقيم لي قناتكم. تكلفوننا أعمال المهاجرين ولا تعملون مثل أعمالهم فلن تزدادوا إلا عقوبة حتى يحكم السيف بيننا وبينكم.. ألا وإنا نحمل لكم كل شئ إلا وثوبا على أمير أو نصب راية والله لا يفعل أحد فعلة إلا جعلتها في عنقه. والله لا يأمرني أحد بتقوى الله بعد مقامي هذا إلا ضربت عنقه.. (٢٩)

ويروى أن عبد الملك كان إذا قعد للحكم خيم على رأسه بالسيوف.. (٣٠)

هذا الشاعر يقول في بني مروان:

يا قوم لا تغلبوا عن رأيكم فلقد * جربتم الغدر من أبناء مروانا
أمسوا وقد قتلوا عمرا وما رشدوا * يدعون غدرا بعهد الله كيانا
ويقتلون الرجال البزل ضاحية * لكي يولوا أمور الناس ولدانا
تلاعبوا بكتاب الله فاتخذوا * هواهم في معاصي الله قربانا (٣١)

<=

أخري في كتب السنن المتداولة بين المسلمين..

(٢٦) أنظر البخاري كتاب الأدب المفرد. وانظر العواصم من القواصم والبداية والنهاية

(٢٧) تاريخ الخلفاء..

(٢٨) المرجع السابق..

١٨
وهذا الوجه الذي تبرزه هذه الروايات لعبد الملك بن مروان إنما يتناقض مع ذلك الوجه الذي يحاول إبرازه الفقهاء جعلوا أنفسهم سدنه له وسخروا الدين في خدمة بني أمية..

ومثل هذه المواقف التي تبناها الفقهاء من معاوية ويزيد وعبد الملك بن مروان هي التي تأسس عليها موقف الفقهاء من بني العباسي فيما بعد وسلسلة الحكام من بعدهم حتى يومنا هذا..

- الفقهاء والمنصور العباسي:

تولى أبو جعفر المنصور الخلافة سنة سبع وثلاثين ومائة بعد وفاة أخيه أبو العباس السفاح بمرض الجدري وكان جبارا جماعا للمال تاركا للهو واللعب قتل خلقا كثيرا حتى استقام ملكه في غاية الحرص والبخل..

وفي عصره شرع الفقهاء في تدوين الحديث والفقه والتفسير..

فصنف مالك الموطأ في المدينة.

والأوزاعي الفقه بالشام...

وسفيان الثوري بالكوفة...

وصنف أبو حنيفة الفقه والرأي...

وصنف ابن إسحاق المغازي...

ويروى أن أبا جعفر المنصور كان يرحل في طلب العلم قبل الخلافة.. (٣٢)

وروي عن الإفريقي: كنت أطلب العلم مع أبي جعفر المنصور قبل الخلافة.. (٣٣)

وقال الصولي: كان المنصور أعلم الناس بالحديث والأنساب مشهورا بطلبه.. (٣٤)

وقد روى الفقهاء عن المنصور الكثير من الروايات المنسوبة للرسول نقل السيوطي عن ابن عساكر بعض منها:

(٢٩) المرجع السابق..

(٣٠) المرجع السابق..

(٣١) المرجع السابق..

١٩
عن المنصور عن أبيه عن جده عن عبد الله بن عباس أن النبي (ص) كان يتختم في يمينه.. (٣٥)

وروى عن المنصور قال رسول الله (ص) مثل أهل بيتي مثل سفينة نوح من ركب فيها نجا ومن تأخر عنها هلك.. (٣٦)

وروى عنه قال رسول الله (ص): إذا أمرنا أميرا وفرضنا له فرضا فما أصاب من شئ فهو غلول.. (٣٧)

وروى عنه عن الرسول (ص): كل سبب ونسب ينقطع يوم القيامة إلا سببي ونسي.. (٣٨)

وروى عنه (ص): وعزتي وجلالي لأنتقمن من الظالم في عاجلة وآجله ولأنتقمن ممن رأى مظلوما يقدر أن ينصره فلم يفعل.. (٣٩)

ويبدوا من خلال هذه الروايات أن الفقهاء قد وضعوا المنصور في مصاف المحدثين من أهل العلم الذين يتحدثون بلسان الرسول (ص) كما وضعوا عبد الملك بن مروان من قبل إلا أن حقيقة المنصور وتاريخه ومواقفه تؤكد لنا أنه غير هذه الصورة وأن ما يروى عنه مجرد اختلاق بهدف تلميعه والتغطية على مساوئه وانحرافاته..

يروى أن المنصور هو أول خليفة قرب المنجمين وعمل بأحكام النجوم، وهو أول من استعمل مواليه على الأعمال وقدمهم على العرب وكثر ذلك بعده حتى زالت رئاسة العرب وقيادتها..

وهو أول من أوقع الفرقة بين ولد العباس وولد على وكان قبل ذلك أمرهم واحد.. (٤٠)

ويروى أن عبد الصمد بن علي قال للمنصور: لقد هجمت بالعقوبة حتى كأنك لم تسمع بالعفو؟ قال: لأن بني مروان لم تبل رممهم وآل أبي طالب لم تغمد سيوفهم. ونحن بين قوم قد رأونا أمس سوقة واليوم خلفاء، فليس تتمهد هيبتنا في صدورهم إلا بنسيان العفو واستعمال العقوبة.. (٤١)

(٣٢) المرجع السابق. ترجمة أبو جعفر المنصور..

(٣٣) المرجع السابق..

(٣٤) المرجع السابق..

(٣٥) المرجع السابق..

(٣٦) المرجع السابق..

(٣٧) المرجع السابق..

(٣٨) المرجع السابق..

٢٠