×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

مدافع الفقهاء / الصفحات: ١٨١ - ٢٠٠

أخبرنا أسد أخبرنا مؤمل بن إسماعيل عن حماد بن زيد عن أيوب قال: دخل على محمد بن سيرين يوما رجل فقال: يا أبا بكر أقرأ عليك آية من كتاب الله لا أزيد على أن اقرأها ثم أخرج، فوضع إصبعيه في أذنيه ثم قال: أخرج عليه إن كنت مسلما لما خرجت من بيتي، قال فقال يا أبا بكر لا أزيد على أن أقر ثم أخرج، فقام: بإزاره يشد عليه وتهيأ للقيام قال:

فأقبلنا على الرجل فقلنا قد حرج عليك إلا خرجت. أفيحل لك أن تخرج رجلا من بيته قال:

فخرج، فقلنا يا أبا بكر ما عليك لو قرأ آية ثم خرج، قال إني والله لو ظننت أن قلبي يثبت على ما هو عليه ما باليت أن يقرأ ولكن خفت أن يلقي في قلبي شيئا أجهد أن أخرجه من قلبي فلا أستطيع.

أخبرنا أسد قال: أخبرنا ضمرة عن سودة قال: سمعت عبد الله بن القاسم وهو يقول ما كان عبد على هوى فتركه إلا آل إلى ما هو شر منه.

قال: فذكرت ذلك لبعض أصحابنا فقال: تصديقه في حديث عن النبي (ص) يمرقون من الإسلام مروق السهم من الرمية ثم لا يرجعون حتى يرجع السهم إلي فوقه.

أخبرنا أسد قال: أخبرنا موسى بن إسماعيل عن حماد بن زيد عن أيوب قال: كان رجل يرى رأيا فرجع عنه فأتيت محمدا فرحا بذلك فأخبرته، فقلت أشعرت أن فلانا ترك رأيه الذي كان يرى فقال: انظروا إلى ما يتحول، إن آخر الحديث أشد عليهم من أوله يمرقون من الإسلام لا يعودن إليه.

ثم روى بإسناده عن حذيفة أنه أخذ حصاه بيضاء فوضعها في كفه، ثم قال: إن هذا الدين قد استضاء هذه الحصاة ثم أخذ كفا من تراب فجعل يذره على الحصاة حتى واراها ثم قال:

والذي نفسي بيده ليجيئن أقوام يدفنون الدين كما دفنت هذه الحصاة.

أخبرنا محمد بن سعيد بإسناده عن أبي الدرداء قال: لو خرج رسول الله (ص) اليوم إليكم ما عرف شيئا مما كان عليه هو وأصحابه إلا الصلاة..

قال: الأوزاعي فكيف لو كان اليوم قال عيسى يعني الراوي عن الأوزاعي فكيف لو أدرك الأوزاعي هذا الزمان، أخبرنا سليمان بن محمد بإسناده عن علي أنه قال: تعلموا العلم تعرفون به، واعملوا به تكونوا من أهله فإنه سيأتي بعدكم زمان ينكر الحق فيه تسعة أعشارهم.

١٨١
أخبرنا يحيى بإسناده عن أبي سهل بن مالك عن أبيه أنه قال: ما عرف منكم شيئا مما أدركت عليه الناس إلا النداء بالصلاة.

حدثني إبراهيم بن محمد بإسناده عن أنس قال: ما أعرف منكم شيئا كنت أعهده على عهد رسول الله (ص) ليس قولكم لا إله إلا الله.

أخبرنا أسد بإسناده عن الحسن قال: لو أن رجلا أدرك السلف الأول، ثم بعث اليوم ما عرف من الإسلام شيئا قال: ووضع يده على خده ثم قال: إلا هذه الصلاة، ثم قال: أما والله لمن عاش في هذه النكرا؟؟؟ ولم يدرك هذا السلف الصالح فرأى مبتدعا يدعو إلى بدعته ورأى صاحب دنيا يدعوا إلى دنياه فعصمة الله عن ذلك وجعل قلبه يحن إلى قلبه يحن إلى ذكر هذا السلف الصالح ويقتص آثارهم ويتبع سبيلهم ليعوض أجرا عظيما فكذلك كونوا إن شاء الله تعالى.

حدثني محمد بن عبد الله بن محمد بإسناده عن ميمون بن مهران قال: لو أن رجلا نشر فيكم من السلف ما عرف فيكم غير هذه القبلة.

أخبرنا محمد بن قدامة بإسناده عن أم الدرداء قالت دخل على أبو الدرداء مغضبا فقلت له ما أغضبك فقال: والله ما أعرف فيهم من أمر محمد (ص) إلا أنهم يصلون جميعا.

وفي لفظ: لو أن رجلا تعلم الإسلام وأهمله ثم تفقده ما عرف منه شيئا.

حدثني إبراهيم بإسناده عن عبد الله بن عمرو قال: لو أن رجلين من أوائل هذه الأمة خليا بمصحفيهما في بعض هذه الأودية لأتيا الناس اليوم ولا يعرفان شيئا مما كانا عليه.

قال مالك: وبلغني أن أبا هريرة تلى (إذا جاء نصر الله والفتح، ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا) فقال: والذي نفسي بيده أن الناس ليخرجون اليوم من دينهم أفواجا كما دخلوا فيه أفواجا.

قف تأمل رحمك الله إذا كان هذا في زمن التابعين بحضرة أواخر الصحابة، فكيف يغتر المسلم بالكثرة أو تشكل عليه ولا يستدل بها على الباطل.

ثم روى ابن وضاح بإسناده عن أبي أمية قال: أتيت أبا ثعلبة الخشني فقلت يا أبا ثعلبة كيف تصنع في هذه الآية؟ قال أية آية؟ قلت قول الله تعالى (لا يضركم من ضل إذا اهتديتم)

قال أما والله لقد سألت عنها خبيرا سئلت عنها رسول الله (ص) فقال بل ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر حتى إذا رأيت شحا مطاعا، و هوى متبعا، ودنيا مؤثرة، وإعجاب كل ذي

١٨٢
رأى برأيه، فعليك بنفسك ودع عنك أمر العوام، فإن من ورائكم أيام الصبر فيهن مثل القبض على الجمر للعامل فيهن مثل أجر خمسين رجلا يعملون مثل عمله قيل يا رسول الله أجر خمسين منهم قال أجر خمسين منكم.

ثم روى بإسناده عن عبد الله بن عمرو أن النبي (ص) قال: طوبى للغرباء ثلاثا قالوا يا رسول الله ومن الغرباء؟ قال: ناس صالحون قليل في أناس سوء كثير من يبغضهم أكثر ممن يحبهم.

أخبرنا أسد بإسناده عن عبد الله أنه سمع رسول الله يقول أن السلام بدأ غريبا وسيعود غريبا كما بدا فطوبى للغرباء قيل ومن الغرباء يا رسول الله قال الذين يصلحون إذا فسد الناس، هذا آخر ما نقلته من كتاب البدع والحوادث للإمام الحافظ محمد بن وضاح.

فتأمل رحمك الله أحاديث الغربة وبعضها في الصحيح مع كثرتها وشهرتها.

وتأمل إجماع العلماء كلهم أن هذا قد وضع في زمن طويل حتى قال ابن القيم: الإسلام في زماننا أغرب منه في أول ظهوره.

فتأمل هذا تأملا جيدا لعلك أن تسلم من هذه الهوة الكبيرة التي هلك فيها أكثر الناس وهي الاقتداء بالكثرة والسواد الأكبر والنفرة من الأقل فما أقل من سلم منها ما أقله..

ولنختم ذلك بالحديث الصحيح الذي أخرجه مسلم في صحيحه عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله (ص) قال: ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته ويعتقدون بأمره (وفي رواية يهتدون بهدية) ويستنون بسنته، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل. (٣)

(٣) مفيد المستفيد في كفر تارك التوحيد.
١٨٣

المنكرات من الأعيان
والصور وأدوات اللهو

١٨٤
١٨٥
المنكرات من الأعيان والصور، يجوز إتلاف محلها تبعا لها، مثل الأصنام المعبودة من دون الله، لما كانت صورها منكرة: جاز إتلاف مادتها، فإذا كانت حجرا أو خشبا ونحو ذلك:

جاز تكسيرها وتحريقها وكذلك آلات الملاهي - كالطنبور - يجوز إتلافها عند أكثر الفقهاء وهو مذهب مالك، وأشهر الروايتين عن أحمد.

قال الأثرم: سمعت أبا عبد الله يسأل عن رجل كسر عودا كان مع أمه لإنسان، فهل يغرمه، أو يصلحه؟ قال: لا أرى عليه بأسا أن يكسره، ولا يغرمه ولا يصلحه قيل له:

فطاعتها؟ قال ليس لها طاعة في هذا.

وقال أبو داود: سمعت أحمد يسأل عن قوم يلعبون بالشطرنج فنهاهم فلم ينتهوا، فأخذ الشطرنج فرمى به؟ قال: قد أحسن. قيل: فليس عليه شئ؟ قال: لا. قيل له: كذلك إن كسر عودا أو طنبورا؟ قال: نعم.

قال عبد الله: سمعت أبي - في رجل يرى مثل الطنبور أو الطبل، أو ما أشبه هذا - ما يصنع به؟ قال: إذا كان مكشوفا فاكسره.

وقال يوسف بن موسى، وأحمد بن الحسن: أن عبد الله سئل عن الرجل يرى الطنبور والمنكر: أيكسره؟ قال: لا بأس.

وقال أبو الصقر: سألت أبا عبد الله عن رجل رأى عودا أو طنبورا فكسره، ما عليه؟

قال: قد أحسن، وليس عليه في كسره شئ.

وقال جعفر بن محمد سألت أبا عبد الله عمن كسر الطنبور والعود فلم ير عليه شيئا.

وقال إسحاق بن إبراهيم: سئل أحمد عن الرجل يرى الطنبور أو طبلا مغطى: أيكسره؟

قال: إذا تبين أنه طنبور أو طبل كسره.

وقال أيضا: سألت أبا عبد الله عن الرجل يكسر الطنبور، أو الطبل: عليه في ذلك شئ؟

قال يكسر هذا كله، وليس يلزمه شئ.

وقال المروذي: سألت أبا عبد الله عن كسر الطنبور الصغير يكون مع الصبي؟ قال: يكسر أيضا، قلت: أمر في السوق فأرى الطنبور يباع: أأكسره؟ قال: ما أراك تقوى، إن قويت - أي فافعل - قلت: أدعى لغسل الميت، فأسمع صوت الطبل؟ قال: إن قدرت على كسره وإلا فاخرج.

١٨٦
وقال في رواية إسحاق بن منصور - في الرجل يرى الطنبور والطبل والقنينة - قال: إذا كان طنبور أو طبل، وفي القنينة مسكر: اكسره.

وفي مسائل صالح، قال أبي: يقتل الخنزير، ويفسد الخمر، ويكسر الصليب.

وهذا قول أبي يوسف، ومحمد بن الحسن، وإسحاق بن راهويه، وأهل الظاهر، وطائفة من أهل الحديث، وجماعة من السلف، وهو قول قضاة العدل.

قال أبو حصين: كسر رجل طنبورا، فخاصمه إلى شريح، فلم يضمنه شيئا.

وقال أصحاب الشافعي: يضمن ما بينه وبين الحد المبطل للصورة وما دون ذلك: فغير مضمون، لأنه مستحق الإزالة، وما فوقه فقابل للتمول: لتأتي الانتفاع به، والمنكر إنما هو الهيئة المخصوصة، فيزول بزوالها، ولهذا أوجبنا الضمان في الصائل بما زاد على قدر الحاجة في الدفع، وكذا الحكم في البغاة في اتباع مدبرهم، والاجهاز على جريحهم، والميتة: في حال المخمصة، لا يزاد على قدر الحاجة في ذلك كله.

حرق العجل المعبود:

قال أصحاب القول الأول: قد أخبر الله سبحانه عن كليمه موسى عليه السلام: أنه أحرق العجل الذي عبد من دون الله، ونسفه في اليم، وكان من ذهب وفضة، وذلك محق له بالكلية، وقال عن خليله إبراهيم عليه السلام: (فجعلهم جذاذا) وهو الفتات، وذلك نص في الاستئصال، وروى أحمد في مسنده والطبراني في المعجم من حديث الفرج بن فضالة عن علي بن يزيد عن القاسم عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إن الله بعثني رحمة للعالمين، وهدى للعالمين، وأمرني ربي بمحق المعازف والمزامير والأوثان، والصليب، وأمر الجاهلية ".

وأيضا: فالقياس يقتضي ذلك، لأن محل الضمان: هو ما قبل المعاوضة، وما نحن فيه لا يقبلها البتة، فلا يكون مضمونا، وإنما قلنا: لا يقبل المعارضة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إن الله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام " وهذا نص، وقال " إن الله إذا حرم شيئا ثمنه " والملاهي محرمات بالنص، فحرم بيعها.

وأما قبول ما فوق الحد المبطل للصورة لجعله آنية: فلا يثبت به وجوب الضمان، لسقوط

١٨٧
حرمته، حيث صار جزء المحرم، أو ظرفا له، كما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم من كسر دنان الخمر، وشق ظروفها، فلا ريب أن للمجاورة تأثيرا في الامتهان والإكرام، وقد قال تعالى: (وقد نزل عليكم في الكتاب: أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره. إنكم إذا مثلهم)

وسئل النبي صلى الله عليه وسلم عن القوم: يكونون بين المشركين يؤاكلونهم ويشاربونهم؟

فقال: هم منهم هذا لفظه أو معناه.

فإذا كان هذا في المجاورة المنفصلة فكيف بالمجاورة التي صارت جزءا من أجزاء المحرم، أو لصيقة به؟ وتأثير الجوار ثابت عقلا وشرعا وعرفا.

والمقصود: أن إتلاف المال - على وجه التعزير والعقوبة - ليس بمنسوخ، وقد قال أبو الهياج الأسدي: قال لي علي بن أبي طالب " ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ألا أدع تمثالا إلا طمسته ولا قبرا مشرفا إلا سويته وهذا يدل على طمس الصور في أي شئ كانت، وهدم القبور المشرفة، وإن كانت من حجارة أو آجر أو لبن.

محو التصاوير:

قال المروذي: قلت لأحمد: الرجل يكتري البيت، فيرى فيه تصاوير ترى أن يحكها؟

قال: نعم، وحجته: هذا الحديث الصحيح.

وروى البخاري في صحيحه عن ابن عباس رضي الله عنه " أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أرى الصور في البيت لم يدخل حتى أمر بها فمحيت.

وفي الصحيحين: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب ولا صورة ".

وفي صحيح البخاري عن عائشة: " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا يترك في بيته شيئا فيه تصليب إلا قصة ".

وفي الصحيحين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكما عدلا، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية.

فهؤلاء رسل الله، صلوات الله وسلامه عليهم - إبراهيم وموسى وعيسى وخاتم المرسلين

١٨٨
محمد صلى الله عليه وسلم - كلهم على محق المحرم وإتلافه بالكلية، وكذلك الصحابة رضي الله عنهم، فلا التفات لي من خالف ذلك.

كسر آنية الفضة:

وقد قال المروذي: قلت لأبي عبد الله: دفع إلي إبريق فضة لأبيعه، أترى أن أكسره، أو أبيعه كما هو؟ قال: اكسره.

وقال: قيل لأبي عبد الله: أن رجلا دعا قوما، فجيئ بطست فضة وإبريق فضة، فكسره، فأعجب أبا عبد الله كسره.

وقال: بعثني أبو عبد الله إلى رجل بشئ، فدخلت عليه، فأتى بمكحلة رأسها مفضض، فقطعتها، فأعجبه ذلك، وتبسم.

ووجه ذلك: أن الصناعة محرمة، فلا قيمة لها ولا حرمة.

وأيضا: فتعطيل هذه الهيئة مطلوب، فهو بذلك محسن، وما على المحسنين من سبيل.

حرق الكتب المظلة وإتلافها:

وكذلك لا ضمان في تحريق الكتب المضلة وإتلافها.

قال المروذي: قلت لأحمد: استعرت كتابا فيه أشياء رديئة، ترى أن أخرقه أو أحرقه؟

قال: نعم، وقد " رأى النبي صلى الله عليه وسلم بيد عمر كتابا اكتتبه من التوراة، وأعجبه موافقته للقرآن، فتمعر وجه النبي صلى الله عليه وسلم، حتى ذهب به عمر إلى التنور فألقا فيه ".

فكيف لو رأى النبي (ص) ما صنف بعده من الكتب يعارض بها ما في القرآن والسنة؟ والله المستعان، وقد " أمر النبي (ص) من كتب عنه شيئا غير القرآن أن يمحوه " ثم " أذن في كتابة سنته " ولم يأذن في غير ذلك.

وكل هذه الكتب المتضمنة لمخالفة السنة: غير مأذون فيها، بل مأذون في محقها وإتلافها، وما على الأمة أضر منها، وقد حرق الصحابة جميع المصاحف المخالفة لمصحف عثمان، لما خافوا على الأمة من الاختلاف، فكيف لو رأوا هذه الكتب التي أوقعت الخلاف والتفرق بين الأمة؟

١٨٩
وقال الخلال: أخبرني محمد بن أبي هارون: أن أبا الحادث حدثهم قال: قال أبو عبد الله:

أهلكهم وضع الكتب، تركوا آثار رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأقبلوا على الكلام.

القرآن والحديث لا الرأي:

وقال: أخبرني محمد بن أحمد بن واصل المقري قال: سمعت أبا عبد الله - وسئل عن الرأي؟ فرفع صوته، وقال: لا يثبت شئ من الرأي عليكم بالقرآن والحديث والآثار.

وقال في رواية ابن مشيش: إن أبا عبد الله سأله رجل، فقال: اكتب الرأي؟ فقال: ما تصنع بالرأي؟ عليك بالسنن فتعلمها، وعليك بالأحاديث المعروفة.

وقال عبد الله بن أحمد: سمعت أبي يقول: هذه الكتب بدعة وضعها وقال إسحاق بن منصور: سمعت أبا عبد الله يقول: لا يعجبني شئ من وضع الكتب، من وضع شيئا من الكتب فهو مبتدع.

وقال المروذي: حدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي حدثنا حماد بن زيد قال: قال لي ابن عون: يا حماد، هذه الكتب تضل.

وقال الميموني: ذاكرت أبا عبد الله خطأ الناس في العلم، فقال: وأي الناس لا يخطئ؟

لا سيما من وضع الكتب، فهو أكثر خطأ.

وقال إسحاق: سمعت أبا عبد الله - وسأله قوم من أردبيل عن رجل يقال له: عبد الرحيم، وضع كتابا - فقال أبو عبد الله: هل أحد من أصحاب رسول (ص) فعل ذا؟ أو أحد من التابعين؟ و أغلظ وشدد في أمره، وقال: انهوا الناس عنه، وعليكم بالحديث.

وقال في رواية أبي الحارث: ما كتبت من هذه الكتب الموضوعة شيئا قط.

وقال محمد بن زيد المستملي: سأل أحمد رجل، فقال: اكتب كتب الرأي؟ قال لا تفعل ، عليك بالحديث والآثار، فقال له السائل: إن ابن المبارك قد كتبها، فقال له أحمد: ابن المبارك لم ينزل من السماء، وإنما أمرنا أن نأخذ العلم من فوق.

وقال عبد الله بن أحمد: سمعت أبي - وذكر وضع الكتب - فقال: أكرهها، هذا أبو فلان وضع كتاب، فجاء أبو فلان فوضع كتاب، وجاء فلان فوضع كتابا، فهذا لا انقضاء له، كلما جاء رجل وضع كتابا، وهذه الكتب وضعها بدعة، كلما جاء رجل وضع كتابا، ترك حديث رسول (ص) وأصحابه، وعاب وضع الكتب، وكرهه كراهة شديدة

١٩٠

البدع في الكتب:

وقال المروذي في موضع آخر: قال أبو عبد الله: يضعون البدع في كتبهم، إنما أحذر عنها أشد التحذير، قلت: إنهم يحتجون بمالك: أنه وضع كتابا؟ فقال أبو عبد الله: هذا ابن عون والتيمي ويونس وأيوب: هل وضعوا كتابا؟ هل كان في الدنيا مثل هؤلاء؟ وكان ابن سيرين وأصحابه لا يكتبون الحديث، فكيف الرأي؟

وكلام أحمد في هذا كثير جدا، قد ذكره الخلال في كتاب العلم.

المحظور من الكتب:

ومسألة وضع الكتب: فيها تفصيل، ليس هذا موضعه، وإنما كره أحمد ذلك، ومنع منه لما فيه من الاشتغال به، والإعراض عن القرآن والسنة، والذب عنهما، وأما كتب إبطال الآراء، والمذاهب المخالفة لهما فلا بأس، وقد تكون واجبة ومستحبة ومباحة، بحسب اقتضاء الحال والله أعلم.

والمقصود: أن هذه الكتب المشتملة على الكذب والبدعة يجب إتلافها وإعدامها، وهي أولى بذلك من إتلاف آلات اللهو والمعازف، وإتلاف آنية الخمر، فإن ضررها أعظم من ضرر هذه، ولا ضمان فيها، كما لا ضمان في كسر أواني الخمر وشق زقاقها (٤)

(٤) الطرق الحكمية في السياسة الشرعية لابن قيم الجوزية..
١٩١

مذاهب السلف
في
قبول شهادة المخالف

١٩٢
١٩٣
قالوا: شروط قبول شهادتهم في ذلك كونهم يعقلون الشهادة في ذلك، وأن يكونوا ذكورا أحرارا، محكوما لهم بحكم الإسلام، اثنين فصاعدا، متفقين غير مختلفين، ويكون ذلك قبل تفرقهم وتخبيهم، ويكون ذلك لبعضهم على بعض، ويكون في القتل والجرح خاصة، ولا يقبل شهادتهم على كبير: أنه قتل صغيرا، ولا على صغير: أنه قتل كبيرا.

قالوا: ولوا شهدوا، ثم رجعوا عن شهادتهم: أخذ بالشهادة الأولى ولم يلتفت إلى ما رجعوا إليه.

قالوا: ولا خلاف عندنا أنه لا يعتبر فيهم تعديل ولا تجريح.

قالوا: واختلف أصحابنا في العداوة والقرابة: هل تقدح في شهادتهم؟ على قولين، واختلفوا في جريان هذا الحكم في إناثهم، أم هو مختص بالذكور، فلا تقبل فيه شهادة الإناث؟

على قولين.

الحكم بشهادة الفساق:

وذلك في صور:

إحداهما: الفاسق باعتقاده إذا كان متحفظا في دينه فإن شهادته مقبولة، وإن حكمنا بفسقه، كأهل البدع والأهواء الذين لا نكفرهم، كالرافضة والخوارج والمعتزلة، ونحوهم، هذا منصوص الأئمة.

قال الشافعي: أقبل شهادة أهل الأهواء بعضهم على بعض، إلا الخطابية فإنهم يتدينون بالشهادة لموافقيهم على مخالفيهم.

ولا ريب أن شهادة من يكفر بالذنب ولا يتعمد الكذب أولى بالقبول ممن ليس كذلك، ولم يزل السلف والخلف على قبول شهادة هؤلاء وروايتهم.

شهادة معلن البدعة:

وإنما منع الأئمة - كالإمام أحمد ابن حنبل وأمثاله - قبول رواية الداعي المعلن ببدعته وشهادته، والصلاة خلفه: هجرا له، وزجرا لينكف ضرر بدعته عن المسلمين، ففي قبول شهادته وروايته، والصلاة خلفه، واستقضائه وتنفيذ أحكامه: رضى ببدعته، وإقرار له عليها، وتعريض لقبولها منه.

١٩٤

شهادة القدرية والرافضة:

قال حرب: قال أحمد: لا تجوز شهادة القدرية والرافضة وكل من دعاء إلى بدعة ويخاصم عليها. وقال الميموني: قال أبو عبد الله في الرافضة - لعنهم الله - لا تقبل شهادتهم ولا كرامة لهم.

وقال إسحاق بن منصور، قلت لأحمد، كان ابن أبي ليلى يجيز شهادة كل صاحب بدعة إذا كان فيهم عدلا، لا يستحل شهادة الزور..

قال أحمد: ما تعجبني شهادة الجهمية والرافضة والقدرية والمعلنة.

وقال الميموني: سمعت أبا عبد الله يقول: من أخاف عليه الكفر - مثل الروافض والجهمية - لا تقبل شهادتهم ولا كرامة لهم.

وقال في رواية يعقوب بن بختان: إذا كان القاضي جهميا لا نشهد عنده..

وقال أحمد بن الحسن الترمذي: قدمت على أبي عبد الله، فقال: ما حال قاضيكم؟ لقد مد له في عمره.

فقلت له: إن للناس عندي شهادات، فإذا صرت إلى البلاد لا آمن إذا أشهد عنده أن يفضحني..

قال: لا تشهد عنده..

قلت: يسألني من له عندي شهادة؟

قال: لك ألا تشهد عنده.

قلت: من كفر بمذهبه - كمن ينكر حدوث العالم، وحشر الأجساد، وعلم الرب تعالى بجميع الكائنات، وأنه فاعل بمشيئته وإرادته - فلا تقبل شهادته، لأنه على غير الإسلام وأما أهل البدع الموافقون لأهل الإسلام، ولكهنهم مخالفون في بعض الأصول - كالرافضة والقدرية والجهمية وغلاة المرجئة ونحوهم - فهؤلاء أقسام:

أحدها: الجاهل المقلد الذي لا بصيرة له، فهذا لا يكفر ولا يفسق ولا ترد شهادته، إذا لم يكن قادرا على تعلم الهدى، وحكمه حكم المستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا، فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم، وكان الله عفوا غفورا.

القسم الثاني: المتمكن من السؤال وطلب الهداية، ومعرفة الحق ولكن يترك ذلك اشتغالا

١٩٥
بدنياه ورياسته، ولذته ومعاشه وغير ذلك فهذا مفرط مستحق للوعيد، آثم بترك ما وجب عليه من تقوى الله بحسب استطاعته، فهذا حكمه حكم أمثاله من تاركي بعض الواجبات، فإن غلب ما فيه من البدعة والهوى على ما فيه من السنة والهدى: ردت شهادته وإن غلب ما فيه من السنة والهدى: قبلت شهادته.

القسم الثالث: أن يسأل ويطلب، ويتبين له الهدى، ويتركه تقليدا وتعصبا، أو بغضا أو معاداة لأصحابه، فهذا أقل درجاته: أن يكون فاسقا، وتكفيره محل اجتهاد وتفصيل، فإن كان معلنا داعية ردت شهادته وفتاويه وأحكامه، مع القدرة على ذلك، ولم تقبل له شهادة، ولا فتوى ولا حكم، إلا عند الضرورة، كحال غلبة هؤلاء واستيلائهم، وكون القضاة والمفتين والشهود منهم، ففي رد شهادتهم وأحكامهم إذ ذاك فساد كثير، ولا يمكن ذلك، فتقبل للضرورة.

مذهب مالك:

وقد نص مالك على أن شهادة أهل البدع - كالقدرية والرافضة ونحوهم - لا تقبل، وإن صلوا صلاتنا، واستقبلوا قبلتنا.

قال اللخمي: وذلك لفسقهم، قال: ولو كان ذلك عن تأويل غلطوا فيه.

فإذا كان هذا ردهم لشهادة القدرية - وغلطهم إنما هو من تأويل القرآن كالخوارج - فما الظن بالجهمية الذين أخرجهم كثير من السلف من الثنتين والسبعين فرقة؟

وعلى هذا: فإذا كان الناس فساقا كلهم إلا القليل النادر: قبلت شهادة بعضهم على بعض، ويحكم بشهادة الأمثل فالأمثل، هذا هو الصواب الذي عليه العمل، وإن أنكره كثير من الفقهاء بألسنتهم، كما أن العمل على صحة ولاية الفاسق، ونفوذ أحكامه، وإن أنكروه بألسنتهم، وكذلك العمل على صحة كون الفاسق وليا في النكاح ووصيا في المال.

والعجب ممن يسلبه ذلك ويرد الولاية إلى فاسق مثله، أو أفسق منه، فإن العدل الذي تنتقل إليه الولاية قد تعذر وجوده، وامتاز الفاسق القريب بشفقة القرابة، والوصي باختيار الموصى له وإيثاره على غيره، ففاسق عينه الموصي، أو امتاز بالقرابة: أولى من فاسق ليس كذلك، على أنه إذا غلب على الظن صدق الفاسق قبلت شهادته وحكم بها، والله سبحانه لم يأمر برد خبر الفاسق، فلا يجوز رده مطلقا، بل يتثبت فيه حتى يتبين: هل هو صادق أو كاذب؟ فإن كان صادقا: قبل قوله وعمل به، وفسقه عليه، وكان كاذبا: رد خبره ولم يلتفت إليه.

١٩٦

رد شهادة الفاسق:

ولرد خبر الفاسق وشهادته مأخذان:

أحدهما: عدم الوثوق به، إذ تحمله قلة مبالاته بدينه، ونقصان وقار الله في قلبه - على تعمد الكذب.

الثاني: هجرة على إعلانه بفسقة ومجاهرته به.

فقبول شهادته إبطال لهذا الغر ض المطلوب شرعا.

من كان فسقه بغير الكذب:

فإذا علم صدق لهجة الفاسق، وأنه أصدق الناس - وإن كان فسقه بغير الكذب - فلا وجه لرد شهادته، وقد استأجر النبي (ص) هاديا يدله على طريق المدينة، وهو مشرك على دين قومه، ولكن لما وثق بقوله أمنه، ودفع إليه راحلته، وقبل دلالته.

وقد قال أصبح بن الفرج: إذا شهد الفاسق عند الحاكم وجب عليه التوقف في القضية، وقد يحتج له بقوله تعالى: (إن جاء كم فاسق بنبأ فتبينوا)

وحرف المسألة: أن مدار قبول الشهادة وردها، على غلبه ظن الصدق وعدمه. (٥)

(٥) المرجع السابق..
١٩٧