×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

مدافع الفقهاء / الصفحات: ٢١ - ٤٠

ومثل هذه المساوئ والتجاوزات التي تبرزها هذه الروايات أنما تكشف الوجه الآخر للمنصور وهو وجه يتناقص كما هو واضح مع الصورة التي يحاول إبرازها الفقهاء من خلال وضع المنصور في موضع المحدثين وأهل العلم...

وكما ألبس الفقهاء هذا الثوب للمنصور ألبسوه أيضا لولده المهدي من بعده حيث وضعوه في مصاف المحدثين ورووا عنه..

يقول السيوطي: المهدي أبو عبد الله محمد بن المنصور. كان جوادا ممدحا مليح الشكل محببا للرعية حسن الاعتقاد تتبع الزنادقة وأفنى منهم خلقا كثيرا وهو أول من أمر بتصنيف كتب الجدل في الرد على الزنادقة والملحدين، روى الحديث عن أبيه.. (٤٢)

وقال الذهبي: ما علمت فيه - أي في المهدي - جرحا ولا تعديلا.. (٤٣)

وروى الفقهاء في المهدي رواية منسوبة للرسول تقول: المهدي يواطئ اسمه اسمى واسم أبيه اسم أبي..

وهي رواية خاصة بالمهدي المنتظر الذي بشر به الرسول في آخر الزمان وقد طبقها الفقهاء على المهدي العباسي..

وكان المهدي يقتل على التهمة ومن أشهر قتلاه الشاعر صالح بن عبد القدوس.. (٤٤)

ويروى أن المهدي كان يحب الحمام فدخل عليه المحدث غياث بن إبراهيم فقال له رواية منسوبة إلى الرسول (ص) في الحمام، فأمر له المهدي بعشرة آلاف درهم.. (٤٥)

وروى أن شريكا دخل على المهدي. فقال له المهدي: لا بد من ثلاث.. إما أن تلي القضاء أو تؤدب ولدي وتحدثهم أو تأكل عندي أكله. ففكر ساعة ثم قال: الأكلة أخف على، فأكل ألوان من الطعام ثم حدثهم بعد ذلك وعلمهم العلم وولى القضاء لهم.. (٤٦)

(٣٩) المرجع السابق..

(٤٠) المرجع السابق. ترجمة المهدي وانظر كتب التاريخ..

(٤١) المرجع السابق..

(٤٢) المرجع السابق

(٤٣) المرجع السابق. وهذا يعني أن الذهبي متوقف فيه. فيمكن قبول روايته ويمكن رفضها انظر تاريخ الإسلام للذهبي..

٢١

- الفقهاء وهارون الرشيد:

يروي السيوطي وغيره أن هارون الرشيد كان يصلي في خلافته في كل يوم مائة ركعة إلى أن مات لا يتركها إلا لعلة. وكان يحب أهل العلم ويعظم حرمات الإسلام، وكان يبكي على نفسه وعلى إسرافه وذنوبه سيما إذا وعظ.. (٤٧)

وقال الفضيل بن عياض عن هارون: الناس يكرهون هذا - أي هارون - وما في الأرض أعز علي منه لو مات لرأيت أمورا عظاما.. (٤٨)

ويروى أن الرشيد كان يقتفي آثار جده المنصور إلا في الحرص فإنه لم ير خليفة قبله أعطى منه. أعطى مرة سفيان بن عيينة مائة ألف. وأجاز السحاق الموصلي مرة بمائتي ألف. وأجاز مروان بن أبي حفصة على قصيدة خمسة آلاف دينار.. (٤٩)

وقال الذهبي: أخبار الرشيد يطول شرحها ومحاسنه جمة وله أخبار في اللهو واللذات المحظورة والغناء سامحه الله.. (٥٠)

وكان أبو يوسف صاحب أبي حنيفة قاضيا لهارون ونديما يفتي له في كل نازلة ويسخر الدين لهواه وملذاته وقد كتب له كتاب الخراج وقال في مقدمته: أطال الله بقاء أمير المؤمنين، وأدام له العز في تمام من النعمة، ودوام من الكرامة، وجعل ما أنعم به عليه موصولا بنعيم الآخرة الذي لا ينفذ ولا يزول، ومرافقة النبي (ص)..

وقد حشد أبو يوسف في كتابه هذا عشرات الروايات التي تحض على طاعة الحكام ولزوم الجماعة والصبر على الظلم وعدم سب الأمراء وعصيانهم ووجوب الصلاة من خلفهم... (٥١)

يروى أن هارون وقعت في نفسه جارية من جواري أبيه المهدي فراودها عن نفسه.

فقالت لا أصلح لك إن أباك قد طاف بي، فشغف بها وأرسل إلى أبي يوسف فسأله أعندك في هذا شئ؟

(٤٤) تاريخ الخلفاء وانظر كتب التاريخ، وانظر لنا قصة صالح بن عبد القدوس مع المهدي في كتابنا الكلمة والسيف، وقد قتل المهدي من قتله بتحريض من الفقهاء الذين ألبسوا مخالفيهم تهمة الزندقة..

(٤٥) تاريخ الخلفاء..

(٤٦) المرجع السابق..

(٤٧) المرجع السابق ترجمة هارون الرشيد..

٢٢
فقال: يا أمير المؤمنين أو كلما ادعت أمة شيئا ينبغي أن تصدق، لا تصدقها فإنها ليست بمأمونة.. (٥٢)

قال ابن المبارك: فلم أدر ممن أعجب من هذا الذي قد وضع يده في دماء المسلمين وأموالهم يتحرج عن حرمة أبيه، أو من هذه الأمة التي رغبت بنفسها عن أمير المؤمنين، أو من هذا فقيه الأرض وقاضيها، قال: اهتك حرمة أبيك واقض شهوتك وصيره في رقبتي (٥٣)

ويروى أن الرشيد اشترى جارية وأراد أن يطأها قبل الاستبراء، فقال لأبي يوسف: هل عندك حيلة؟ فقال: نعم. تهبها لبعض ولدك ثم تتزوجها. (٥٤)

ويروى أن الرشيد دعا أبو يوسف ليلا فأفتاه فأمر له بمائة ألف درهم.

فقال أبو يوسف: إن رأى أمير المؤمنين أمر بتعجيلها قبل الصبح..

فقال: عجلوها..

فقال بعض من عنده: إن لخازن في بيته والأبواب مغلقة..

فقال أبو يوسف: فقد كانت الأبواب مغلقة حين دعاني ففتحت.. (٥٥)

ويروى أن القاضي الفاضل قال: ما أعلم أن لملك رحلة قط في طلب العلم إلا للرشيد فإنه رحل بولديه الأمين والمأمون لسماع الموطأ على مالك.. (٥٦)

ويروى أن الرشيد أول خليفة لعب بالشطرنج من بني العباس، وقال الصولى: هو أول من جعل للمغنين مراتب وطبقات.. (٥٧)

ومن شعر الرشيد يرثي جاريته هيلانه:

قاسيت أوجاعا وأحزانا * لما استخص الموت هيلانا
فارقت عيش حين فارقتها * فما أبالي كيف ما كانا
كانت هي الدنيا فلما ثوت * في قبرها فارقت دنيانا

(٤٨) المرجع السابق..

(٤٩) المرجع السابق وانظر سيرة هارون الرشيد في كتب التاريخ - وسفيان بن عيينة أحد الفقهاء ورجال الحديث أما إسحاق فهو مغني الرشيد..

(٥٠) تاريخ الإسلام، وانظر المرجع السابق..

(٥١) أنظر مقدمة كتاب الخراج..

(٥٢) تاريخ الخلفاء..

٢٣
قد كثر الناس ولكنني * لست أرى بعدك إنسانا
والله لا أنساك ما حركت * ريح بأعلى نجد أغصانا

ويروى: سمع الرشيد يخطب فقال في خطبته: حدثني مبارك ابن فضالة عن الحسن عن أنس قال. قال رسول الله (ص): اتقوا النار ولو بشق تمرة.. (٥٨)

ويروى عنه قول الرسول (ص): نظفوا أفواهكم فإنها طرق القرآن.. (٥٩)

- الفقهاء والمأمون:

تنامت حركة نقل الروايات و تدوينها في عصر المنصور والرشيد كما تنامت حركة تدوين الفقه ونقله فكثرت المدراس وكثر الفقهاء وتباينت الآراء...

وحقق المعتزلة ولأول مرة في تاريخهم قفزة سياسية كبيرة باستقطابهم الخليفة المأمون إلى صفهم وتبنيه لأفكارهم ومتعتقداتهم.. (٦٠)

وكان أن درات الدائرة على الفقهاء الذين نموا وترعرعوا في ظل الروايات والفتاوى المأثورة عن الصحابة والتابعين و مباركة الحكام السابقين..

وانقسم الفقهاء في مواجهة المأمون وخط المعتزلة المناهض لهم:

فمنهم من وقف على الحياد..

ومنهم من أعلن عدائه لهذا الخط ورفض الانصياع له..

وقد تزعم الاتجاه الأخير أحمد بن حنبل بفرقته التي كانت في طور التأسيس، ودخل في صدام مع المأمون والمعتزلة..

إلا أن هذا الصدام لم يكن صداما سياسيا يقوم على أساس عدم الاعتراف بشرعية حكم المأمون وإنما كان صداما فقهيا ينحصر في محيط قضية كلامية ليست من صلب العقيدة وهي قضية خلق القرآن.. (٦١)

(٥٣) المرجع السابق..

(٥٤) المرجع السابق..

(٥٥) المرجع السابق..

(٥٦) المرجع السابق..

(٥٧) المرجع السابق..

(٥٨) المرجع السابق..

(٥٩) المرجع السابق..

٢٤
كتاب مدافع الفقهاء للكاتب صالح الورداني (ص ٢٥ - ص ٤٠)
٢٥
إن المأمون هو الحاكم الوحيد في تاريخ المسلمين الذي حاز على غضب الفقهاء ونقمتهم ليس لأسباب دينية أو سياسية ولكن لأسباب مذهبية. حيث أنه خالف نهجهم ومال لأصحاب العقل والرأي مما هدد نفوذ الفقهاء وأفكارهم ومعتقداتهم التي فرضوها على الأمة بدعم من الحكام السابقين بالزوال..

يروي المؤرخون أنه لما جاء المتوكل أعلن سنة (٢٣٤ هـ‍) إبطال القول بخلق القرآن، وأظهر الميل للمحدثين ووقف بجانبهم واستقدمهم إلى سامراء وأجزل عطاياهم وأكرمهم وأمرهم بأن يحدثوا بأحاديث الصفات وأحاديث رؤية الله..

وجلس أبو بكر بن أبي شيبة في جامع الرصافة فاجتمع إليه نحو من ثلاثين ألف نفس وجلس أخوه في جامع المنصور فاجتمع إليه مثل هذا العدد، وكثر الدعاء للمتوكل وبالغ الفقهاء في الثناء عليه والتعظيم له واغتفروا له سوء فعاله.. (٦٦)

ويبدو لنا من خلال هذا أن فقهاء أهل السنة قد أخذوا الدفعة الكبرى التي أتاحت لهم الشيوع والانتشار والسيادة على الآخرين بالإضافة إلى نشر رواياتهم من المتوكل العباسي.

وأنه لولا هذه الدفعة لكان فقهاء أهل السنة ورواياتهم في ذمة التاريخ..

يروي السيوطي عن أحمد بن حنبل قوله: سهرت ثم نمت فرأيت في نومي كأن رجلا يعرج إلى السماء وقائلا يقول:

ملك يقاد إلى مليك عادل * متفضل في العفو ليس بجائر

ثم أصبحنا فجاء نعي المتوكل من سر من رأى (سامراء) إلى بغداد.. (٦٧)

وروى أيضا عن عمرو بن شيبان قال: رأيت في الليلة التي قتل فيها المتوكل في المنام قائلا يقول:

<=

عام ٣٩٨ ه في تاريخ الإسلام للذهبي. وحوادث عام ٤٧٥ هـ‍..

(٦٣) العواصم من القواصم. ونقد المنطق..

(٦٤) المرجع السابق وانظر الاعتصام للشاطبي والعقيدة الواسطة لابن تيمية وشرح أصول الاعتقاد للالكائي وشرف أصحاب الحديث للخطيب. وانظر لنا أهل السنة شعب الله المختار..

(٦٥) العواصم. وانظر سيرة ابن حنبل في تاريخ الإسلام للذهبي وطبقات الحنابلة. والفقهاء الذين يقفون هذا لموقف من المأمون هم الحنابلة..

(٦٦) أنظر كتب التاريخ فترة عصر المتوكل. وانظر تاريخ الخلفاء للسيوطي..

=>

٢٦
يا نائم العين في أوطار جسمان * أفض دموعك يا عمرو بن شيبان
أما ترى الفئة الأرجاس ما فعلوا * بالهاشمي وبالفتح بن خاقان
وافى إلى الله مظلوما تضج له * أهل السماوات من مثنى ووحدان
وسوف يأتيكموا أخرى مسمومة * توقعوها لها شأن من الشأن
فابكوا على جعفر وارثوا خليفتكم * فقد بكاه جميع الإنس والجان

ثم رأيت المتوكل في النوم بعد أشهر فقلت: ما فعل الله بك؟

قال: غفر لي بقليل من السنة أحييتها.. (٦٨)

ويروي الفقهاء عن المتوكل عدة روايات منسوبة للرسول (ص) منها:

يروي السيوطي: سمعت المتوكل يحدث عن يحى بن أكثم عن محمد بن عبد الوهاب عن سفيان الثوري عن الأعمش أن رسول الله قال: من حرم الرفق حرم الخير.. (٦٩)

وروى ابن عساكر عن علي بن الجهم قال: كنت عند المتوكل فتذاكروا عنده الجمال. فقال:

إن حسن الشعر لمن الجمال: (٧٠)

ويروى عن المتوكل عن المعتصم عن المأمون عن الرشيد عن المهدى عن المنصور عن أبيه عن جده عن ابن عباس قال: كانت لرسول الله (ص) جمة إلى شحمة أذنيه كأنها نظام اللؤلؤ.. (٧١)

وقال علي بن الجهم: كان للمتوكل جمة إلى شحمة أذنية.. (٧٢)

وبداية من عصر المتوكل حصل فقهاء الرواية من الحنابلة وغيرهم على الحرية والدعم من حكام بني العباس فانطلقوا يجمعون الروايات وينشرونها ويرهبون بها المخالفين..

<=

ويروي السيوطي في تاريخ الخلفاء قول أحد الفقهاء: الخلفاء ثلاثة: أبو بكر في قتل أهل الردة، وعمر بن عبد العزيز في رد المظالم، والمتوكل في إحياء السنة وإماتة التجهم.

ويقصد بالتجهم تيار الجهمية المنسوب إلى الجهة بن صفوان الذي قتله ابن الأحوز عام (١٢١ هـ‍)

وهو تيار يتبنى المجاز والتأويل فيما يتعلق بصفات الله سبحانه وهي نفس رؤية الشيعة والمعتزلة وفقهاء الحنابلة يطلقون على كل من يتبنى المجاز جهمي. انظر الرد على الجهمية والزنادقة لابن حنبل

(٦٧) تاريخ الخلفاء للسيوطي. وقد مات ابن حنبل في أيام المتوكل سنة (٢٤١ هـ‍)..

(٦٨) المرجع السابق. والهاشمي نسبة إلى هاشم ويقصد به المتوكل أما الفتح بن خاقان فهو وزيره الذي قتل معه.

وكان قتل المتوكل في مجلس لهوه ومعه وزيره سنة ٢٤٧ هـ‍.

(٦٩) تاريخ الخلفاء. والحديث رواه الطبراني في معجمه. وتأمل المتوكل يروي عن الرسول (ص) حديث

=>

٢٧
فظهر إسحاق بن راهويه والدارقطني وعلي بن المديني ويحيى بن معين وغيرهم الذين تتلمذ عليهم جامعو الأحاديث وأخذوا عنهم ووثقوهم ونقلوا الروايات عن طريقهم وعلى رأس هؤلاء البخاري وأبو داود والنسائي والدرامي والترمذي وابن ماجه والبيهقي ومسلم وابن حبان والحاكم وغيرهم.. (٧٣)

وقدم كتاب البخاري على هذه الكتب جميعا واعتبر أصح الكتب بعد كتاب الله لخلوه من الروايات التي تدعم الاتجاهات الأخرى خاصة الشيعة المنافس الدائم للفقهاء والحكام على مر تاريخ المسلمين..

واعتبر كتاب مسلم في الدرجة الثانية بعد البخاري بينما اختلف في كتب الآخرين وفي رواياتهم التي دخلت في دائرة القبول والرفض.. (٧٤)

وكان الفضل في انتشار البخاري وتقديمه يعود إلى الحكام وفقهاء السلاطين كذلك الحال بالنسبة لمسلم.. (٧٥)

من جهة أخرى حصل فقهاء الأحكام والعقائد على دعم الحكام وحمايتهم فدونوا كتب الفقه وكتب العقائد وتصدوا للتيارات المخالفة والمناهضة للوضع القائم ورموها بالزندقة والضلال وبدا أثر السياسة واضحا على نتاجاتهم الفقهية والعقائدية...

وأمسك الحكام بزمام الدين وأصبحوا يولون الفقهاء مناصب القضاء ويدعمون المذاهب الفقهية ويتغاضون عن اتجار الفقهاء بالدين مقابل سكوت الفقهاء عنهم ومباركتهم لمواقفهم و ممارساتهم..

وكان الفقهاء يسهمون بدور فاعل في اختيار الخلفاء وإضفاء المشروعية عليهم..

يروي السيوطي أنه لما ثار الترك على المستعين بالله وقبضوا عليه وضربوه وطالبوه بأن يخلع نفسه أحضروا القاضي ابن أبي الشوارب والشهود من الفقهاء وخلعوه (٧٦)

<=

الرفق بينما هو كان جبارا باطشا بالرعية متعصبا ضج الناس من ظلمه وكتب أهل بغداد شتمه على الحيطان والمساجد وهجاه الشعراء، انظر كتب التاريخ.

(٧٠) تاريخ الخلفاء. وانظر تاريخ دمشق لابن عساكر.

(٧١) تاريخ الخلفاء والجمة يقصد بها شعر الرأس المجتمع. وهي إشارة إلى أن شعره كان طويلا ويصل إلى شحمة أذنيه..

(٧٢) المرجع السابق..

(٧٣) أنظر تراجم هؤلاء في كتب الرجال وكتب الأحاديث وهي تراجم تضفي عليهم القدسية والمثالية الفائقة. انظر لنا النص والسياسة..

(٧٤) أطلق على البخاري ومسلم لفظ الصحيحين. بينما أطلق على الكتب الأخرى اسم كتب السنن..

٢٨
ولما قرر المهتدي بالله خلع المعتز جيئ بالشهود من الفقهاء وغيرهم من الأعيان فشهدوا على المعتز أنه عاجز عن الخلافة فاعترف بذلك ومد يده فبايع المهتدي.. (٧٧)

ولما حجر على الخليفة المعتمد جمع الفقهاء والقضاة والأعيان وطلب منهم أن يخلعوه فخلعوه كذلك حين خلع القاهر أقر الفقهاء ثورة الجند عليه وولوا الراضي بالله وطلبوا من القاهر أن يخلع نفسه فأبى فقبض عليه الجند وقتلوه.. (٧٨)

ومن الطريف أن الفقهاء المساجد كانوا يراقبون هذه الصراعات ويبادرون على الفور برفع اسم الخليفة المخلوع أو المقتول من الخطبة ويضعون اسم الخليفة الجديد وهو في أحيان كثيرة يكون صبيا لم يبلغ الحلم.. (٧٩)

ويروي السيوطي لما خلع المقتدر بالله وتولى الخلافة عبد الله بن المعتز ولقب بالغالب بالله وباركه الفقهاء. جمع المقتدر خواصه ولبسوا السلاح فلما رآهم ابن المعتز من حوله فر منهزما ومعه وزيره وقاضيه بلا قتال، وقبض المقتدر على الفقهاء والأمراء الذين خلعوه وسلموا إلى يونس الخادم فقتلهم.. (٨٠)

وفي زمن المقتدر حوكم الحلاج من قبل الفقهاء وحكموا بقتله بعد أن اتهموه بادعاء الألوهية والدعوة إلى القرامطة.. (٨١)

ويروى عن الخليفة القادر أنه كان من الديانة والسيادة وإدامة التهجد بالليل وكثرة البر والصدقات وحسن الطريقة على صفة اشتهرت عنه وعرف بها كل أحد مع حسن المذهب وصحة الاعتقاد. تفقه على يد أبي بشر الهروي الشافعي، وقد صنف كتابا في الأصول ذكر فيه فضائل الصحابة على ترتيب مذهب أصحاب الحديث وأورد في كتابه فضائل عمر بن عبد العزيز وإكفار المعتزلة والقائلين بخلق القرآن وكان ذلك الكتاب يقرأ في كل جمعة في حلقة أصحاب الحديث بجامع المهدي ويحضره الناس، وترجم له ابن الصلاح في طبقات الشافعية (٨٢)

(٧٥) مسلم هو تلميذ البخاري، وقد حملت لواء الدعوة لهذين الكتابين الدول التي قامت في المشرق مثل الدولة الغزنوية والسلجوقية بحكم انتماء البخاري ومسلم إلى نيسابور وهما مدينتان واقعتان في دائرة نفوذهما، والملفت للنظر أن البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي والترمذي وسائر أصحاب السنن الذين تصدوا لجمع الروايات ينتمون لمنطقة واحدة وهي بلاد فارس وما وراء النهر بينما لا يوجد سوى عربي واحد تصدى لعملية الجمع قبل هؤلاء وهو أحمد بن حنبل وكتب مسنده الكبير إلا أنه لم يحظى بشهرة هذه الكتب ولم يعتمده الفقهاء كما اعتمدوا الكتب السابقة..

(٧٦) تاريخ الخلفاء.

٢٩
ولما هيمن السلاجقة على بغداد في عهد الخليفة القائم وظهر الوزير الفقيه نظام الملك وزير ألب أرسلان أبطل ما كان عليه الحال من قبل الوزير عميد الملك من سب الأشاعرة والتعصب للحنابلة وانتصر للشافعية وأعلى من قدر الأشاعرة وأكرم إمامهم الجويني إمام الحرمين وأبا القاسم القشيري وبنى المدرسة النظامية وهي أول مدرسة بنيت للفقهاء.. (٨٣)

وتولى الخلافة بعد القائم بأمر الله المقتدي بأمر الله وكان عمره تسعة عشر عاما وأتم بيعته من الفقهاء أبي إسحاق الشيرازي وابن الصباغ والدامغاني. وقام المقتدي بعزل فخر الدولة بن جهير من الوزارة لكونه شذ عن الحنابلة.. (٨٤)

ويروي السيوطي أن السلطان السلجوقي ملك شاه ضيق الخناق على المقتدر فدعا عليه فاستجاب الله دعائه ومات ملك شاه فعد الفقهاء ذلك من كرامات المقتدر.. (٨٥)

ويروى عن الخليفة المسترشد بالله أنه سمع الحديث عن فقهاء الحديث وذكره ابن الصلاح في طبقات الشافعية. وهو الذي صنف له الفقيه أبو بكر الشاشي كتابه العمدة في الفقه وبلقبه اشتهر الكتاب فإنه كان حنيئذ يلقب عمدة الدنيا والدين وذكره ابن السبكي في طبقات الشافعية.. (٨٦)

وتولى بعد المسترشد ولده الراشد فأراد السلطان مسعود السلجوقي خلعه فجمع الفقهاء وكتب محضرا فيه شهادة طائفة بما جرى من الراشد من الظلم وأخذ الأموال وسفك الدماء وشرب الخمر، واستفتاهم فيمن فعل ذلك هل تصح إمامته؟

فأفتى الفقهاء بجواز خلعه، وحكم بخلعه، وبايعوا عمه محمد بن المستظهر ولقب المقتفي لأمر الله، وقتل الراشد بعد ذلك كما قتل أبيه من قبل.. (٨٧)

ويروي الفقهاء عن المقتفي قول الرسول (ص): لا يزداد الأمراء إلا شدة ولا الناس إلا شحا ولا تقوم الساعة إلا على شرار الناس.. (٨٨)

(٧٧) المرجع السابق..

(٧٨) المرجع السابق وانظر شذرات الذهب في أخبار من ذهب لابن العماد الحنبلي ج‍ / ٢ / ٢٩٢ أحداث عام ٣٢٢ هـ‍.

(٧٩) أنظر المرجعين السابقين وكتب التاريخ.

(٨٠) تاريخ الخلفاء.

(٨١) المرجع السابق. وانظر لنا الكلمة والسيف، وقد قتل الحلاج عام ٣٠٩ هـ‍.

(٨٢) أنظر تاريخ بغداد لابن الخطيب، وتاريخ السيوطي وكتب التاريخ.

٣٠
ويقول ابن الجوزي عن الخليفة المستضئ بأمر الله: وفي خلافته انقضت دولة بني عبيد - الدولة الفاطمية - وخطب له بمصر وضربت السكة باسمه وجاء البشير بذلك فغلقت الأسواق في بغداد وعملت القباب، وصنفت كتابا سميته (النصر على مصر).. (٨٩)

وقال الذهبي: في أيامه ضعف الرفض - التشيع - ببغداد ووهى، وأمن الناس، ورزق سعادة عظيمة في خلافته، وخطب له باليمن وبرقة ومصر إلى أسوان ودانت الملوك بطاعته وذلك سنة سبع وستين وخمسمائة.. (٩٠)

وقال العماد الكاتب: استفتح السلطان صلاح الدين سنة سبع وستين وخمسمائة بإقامة الخطبة في الجمعة الأولى منها بمصر لبني العباس وعفت البدعة وصفت الشرعة.. (٩١)

ويروى عن الخليفة المستنصر بالله أنه أنشأ المدرسة المستنصرية ورتب فيها الرواتب الحسنة لأهل العلم على المذاهب الأربعة. كما رتب فيها مطبخا للفقهاء بالإضافة إلى البسط والحصر لبيوتهم والزيت والورق والحبر وغير ذلك وجعل لهم فوق ذلك في الشهر دينارا ونقل إليها الكتب النفيسة.. (٩٢)

ويروى عن المستعصم بالله: كان متدينا متمسكا بالسنة وخرج له الفقهاء أربعين حديثا، قال السيوطي: رأيتها بخطة.. (٩٣)

وقد استخدم حكام بني العباسي الفقهاء في محاربة الدولة الفاطمية في مصر والتي ضمت إليها الشام وأصبحت تهدد الخلافة العباسية في بغداد..

ومن صور هذه الحرب حملات التشكيك التي شنها الفقهاء حول نسب الفاطميين إلى بيت الرسول (ص) ومحاولاتهم ربط نسب الفاطميين باليهود.. وقد كتب الفقهاء محضرا في بغداد يطعن في نسب الفاطميين هذا نصه:

(٨٣) أنظر تاريخ الخلفاء والمراجع التاريخية التي ترصد فترة ظهور السلاجقة. وانظر ترجمة ألب أرسلان، والوزير نظام الملك في وفيات الأعيان لابن خلكان ج‍ ٥ / ٦٩١ وج‍ ١ / ١٧٩..

(٨٤) تاريخ الخلفاء وتاريخ الإسلام للذهبي..

(٨٥) تاريخ الخلفاء

(٨٦) المرجع السابق..

(٨٧) المرجع السابق..

(٨٨) المرجع السابق..

(٨٩) السابق. وانظر بدائع الزهور في وقائع الدهور لابن إياس الحموي، والنجوم الزاهرة لابن تغرى بردى والسلوك في معرفة دول الملوك للمقريزي والبداية والنهاية لابن كثير أحداث عام ٥٦٧ هـ‍، وهذه

=>

٣١
هذا ما شهد به الشهود أن معد بن إسماعيل المستولي على مصر، هو معد بن إسماعيل بن عبد الرحمن بن سعيد، وأنهم منتسبون إلى ديصان بن سعد الدين ينتسب إليه الديصانية، وأن سعيد المذكور صار إلى المغرب وسمي بعبيد الله ولقب بالمهدي وأن هذا الناجم الحاكم بمصر هو منصور الملقب بالحاكم - حكم الله عليه بالبوار والدمار - ابن نزار بن معد بن إسماعيل بن عبد الرحمن بن سعيد، وأن من تقدمه من سلفه الأرجاس الأنجاس - عليهم لعنة الله ولعنة اللاعنين - أدعياء خوارج لا نسب لهم في ولد علي بن أبي طالب - رضوان الله عليه - ولا يتعلقون منه بنسب، وأن ما ادعوه من الانتساب إليه باطل وزور، لم يتوقف أحد من أهل بيوتات الظالمين من إطلاق القول في هؤلاء لأنهم خوارج أدعياء، وأن هذا الإنكار لباطلهم كان سابقا بالحرمين وفي أول أمرهم بالمغرب انتشر انتشارا عظيما، وأن هذا الناجم بمصر هو وسلفه كفار وفساق وزنادقة ملحدون معطلون وللإسلام حاجزون ولمذهب الثنوية والمجوسية معتقدون. عطلوا الحدود وأباحوا الفروج وأحلوا الخمور وسفكوا الدماء وسبوا الأنبياء وادعوا الربوبية وكتب ذلك في ربيع الآخر سنة اثنتين وأربعمائة، وشهد بذلك من العلويين الشرفاء: المرتضى والرضي الموسويان، وجماعة منهم، وشهد من الفقهاء المعتبرين الشيخ أبو حامد الاسفرايني، وأبو الحسن القدوري، وقاضي القضاة محمد بن أحمد، وأبو عبد الله البيضاوي.. (٩٤)

وقد انساق الفقهاء والمؤرخون وراء هذه الدعوى دون تدبر باستثناء المقريزي الذي انتقد هذا المحضر واعتبروا ما يقال في الفاطميين إنما هو من صنع خلفاء بني العباس وهو من قبيل الموضوعات.. (٩٥)

<=

المراجع وغيرها تشهد بمدى الفرحة والشماتة التي أظهرها الفقهاء لسقوط الدولة الفاطمية الشيعية في مصر والتي كانت مناسبة ليقدم هؤلاء الفقهاء قرابين الطاعة والولاء لخلفاء بني العباس. انظر لنا كتاب الشيعة في مصر..

(٩٠) أنظر تاريخ الإسلام. وتاريخ الخلفاء، وتأمل قول الذهبي الذي ربط الأمن والسلام بذهاب التشيع معتبرا اتساع ملك المستضئ علامات الرضى والسعادة..

(٩١) تاريخ الخلفاء.

(٩٢) المرجع السابق.

(٩٣) المرجع السابق...

٣٢

- الفقهاء والأيوبيين:

كان صلاح الدين شافعيا أشعريا متعصبا وعندما جاء إلى مصر مع أسد الدين شيركوه بأمر نور الدين محمود لدعم مصر في مواجهة الفرنجة. أكرمه الخليفة الفاطمي العاضد ووزره بعد وفاة شيركوه، فما أن تمكن صلاح الدين حتى دبر للعاضد فلم يزل أمره في ازدياد وأمر العاضد في نقصان.. (٩٦)

وعندما سقطت الدولة الفاطمية بعد وفاة العاضد سيرت الخلع من بغداد إلى نور الدين وصلاح الدين وللخطباء بالديار المصرية وأرسلت معهم الرايات السود رايات العباسيين (٩٧)

وأخذت بطانة الفقهاء المحيطة بصلاح الدين تحرضه على الشيعة فقام بصرف قضاة مصر الشيعة وفرض المذهب الشافعي وحمل الكافة على عقيدة الأشعري في مصر وبلاد الشام ومنها إلى أرض الحجاز واليمن وبلاد المغرب حتى أصبح الاعتقاد السائد الممثل لأهل السنة في سائر هذه البلاد ومن خالف عن ذلك ضرب عنقه.. (٩٨)

وولى صلاح دين صدر الدين عبد الملك بن درباس الكردي قضاء القاهرة.. (٩٩)

وقبض على أولاد العاضد وحبسهم واستولى على ما كان بالقصور من أموال وفرق بين الرجال والنساء ليكون ذلك أسرع إلى انقراضهم..

يقول ابن خلكان القاضي معبرا عن فرحته بما فعل صلاح الدين وشماتته بالفاطميين:

وكانت هذه الفعلة من أشرف فعاله فلنعم ما فعل، فإن هؤلاء كانوا باطنيين زنادقة وأضحى الدين واحد بعد أن كان أديانا والبدعة خاشعة، والجمعة جامعة، والمذلة في شيع الضلالة شائعة، وحقت عليهم الكلمة تشريدا وقتلا (وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا) (١٠٠)

وقام صلاح الدين بإحراق نفائس الكتب التي حوتها دار الحكمة بالقاهرة ودار العلم الفاطميتين وأغلق جامع الأزهر وأبطل الخطبة فيه فلم يزل معطلا عن إقامة الجمعة فيه مائة عام حتى عصر السلطان الظاهر بيبرس... (١٠١)

(٩٦) أنظر خطط المقريزي ج‍ ٢. والنجوم الزاهرة ترجمة العاضد ج‍ ٥ / ٣٣٤..

(٩٧) أنظر المرجعين السابقين. والكامل لابن الأثير ج‍ ٩ / ١١١.

(٩٨) خطط المقريزي.

(٩٩) النجوم الزاهرة.

(١٠٠) وفيات الأعيان ج‍ ٥ / ٣٤١..

٣٣
وكان نجم الدين الخبوشانى الفقيه الشافعي نديم صلاح الدين يحرضه على الشيعة ويفتيه بوجوب استئصالها، وكان محل ثقته ورضاه، ولما مات وجد لديه ألوف الدنانير قد جمعها بغير الحق ولم يصرفها في وجوهها المشروعة وأسف عليه صلاح الدين وخاب ظنه فيه.. (١٠٢)

وكان نور الدين محمود يجمع الفقهاء من حوله ويستقدمهم من بلاد شتى ويعظمهم ويكرمهم وقد عهد للفقيه عماد الدين عمر بن حمويه بولاية خوانق دمشق وكان من المقربين إليه وأطلق عليه لقب شيخ الشيوخ، ثم بعد وفاته عهد صلاح الدين الذي كان قد تولى السلطنة بعد وفاة نور الدين - إلى صدر الدين محمد بن عماد الدين عمر بن حمويه بولاية مشيخة دمشق وقام بنقله بعد ذلك إلى مصر ليتولى أمر المدرسة الصالحية وهى مدرسة خاصة تدرس المذاهب الأربعة وذلك بهدف تطويق المذهب الشيعي هناك والقضاء على آثاره وهذه المدرسة كان يدرس بها الحنبوشاني قبل وفاته (١٠٣)

وتجاوز صدر الدين هذا الدور في ظل الدولة الايوبية إلى القيام بدور سياسي إذ كان رسول العادل الايوبى إلى الخليفة العباسي الناصر لدين الله، وكان رسول الملك الكامل محمد نائب السلطنة بمصر إلى والده السلطان العادل بدمشق، ورسوله إلى بغداد... (١٠٤)

وقد لعب أولاد صدر الدين الأربعة وهم عماد الدين، وكمال الدين ومعين الدين وفخر الدين دورا بارزا في مساندة الحكم الأيوبي حتى سقوطه، وتولى عماد الدين التدريس مكان والده في المدرسة الصلاحية وبالمشهد الحسيني وكان ملازما للملك الكامل وقد جمع له بين رياسة العلم والقلم... (١٠٥)

وبعد مقتل عماد الدين تولى مكانه شقيقة كمال الدين واستعان به الملك الكامل في حسم الصراع مع إخوته على السلطة، ثم ولاه بعد ذلك الوزارة في الديار المصرية في آخر عام (٦٢٧ هـ‍) وحصل على لقب شيخ الشيوخ، واعتمد عليه الملك الصالح نجم الدين أيوب بعد ذلك في مواجهة منافسيه والخارجين عليه من الأمراء.. (١٠٦)

(١٠١) خطط المقريزي ج‍ ٣.

(١٠٢) النجوم الزاهرة ج‍ ٦ / ١١٦.

(١٠٣) أنظر مفرج االكروب في أخبار بني أيوب ج‍ ١. وتاريخ. ابن خلدون ج‍ ٥، وخطط المقريزي ح‍ ٣ والخوانق جمع خانقاه وهي كلمة فارسية معناها بيت وهي هنا يقصد بها خلوة الصوفية وطلبة العلم.

(١٠٤) أنظر المراجع السابقة. وحسن المحاضرة في تاريخ مصر والقاهرة ج‍ ٢.

(١٠٥) أنظر المراجع السابقة..

(١٠٦) قتل عماد الدين في ظروف مشبوهة وأتهم بقتله أحد أمراء الأيوبيين. أنظر المراجع السابقة وانظر شذرات الذهب في أخبار من ذهب لابن العماد الحنبلي ج‍ ٥ والنجوم الزاهرة في محاسن ملوك.

=>

٣٤
ونفس الدور قام به بع وفاته شقيقه الثالث معين الدين الذي كان رسول الملك الكامل محمد إلى الخليفة المستنصر في بغداد وألقى أمامه كلمة تقول: عبد الدولة المقدسة المستنصرية يقبل القباب التي يستشفى بتقبيل ثراها ويستكفى بتمسكه من عبوديتها بأوثق عراها، ويوالي شكر الله تعالى على إماطة ليل العزاء الذي عم مصابه بصبح الهناء الذي تم نصابه حتى تزحزح عن شمس الهدى شفق الاشفاق فجعل كلمتها العليا وكلمة معاديها السفلى وزادها شرفا في الآخرة والأولى، ثم تولى الوزارة من قبل نجم الدين... (١٠٧)

أما الشقيق الأصغر فخر الدين فقد خلع العمامة ولبس زي الأمراء ونادم الملك الكامل وتخلى عن دوره الفقهي... (١٠٨)

- الفقهاء والمماليك:

ورث المماليك عن الأيوبيين مذهب الأشعري في العقيدة والشافعي في الفقه الذي فرضهما السلطان صلاح الدين على المصريين بعد تصفية الوجود الشيعي فيها... (١٠٩)

وفي سنة (٦٦٥ هـ‍) أصدر الملك الظاهر بيبرس مرسوما بقصر التعامل في مجال الفتوى على أحد المذاهب الأربعة وفي مجال العقيدة على مذهب الأشعري.. (١١٠)

ولما كان حكام المماليك أصولهم من الرقيق كانت حاجتهم إلى الشرعية أشد من حاجة غيرهم من الحكام فمن ثم قد احتضنوا الفقهاء وقربوهم وأنعموا عليهم بالمناصب والعطاء فأصبحوا ظلهم الدائم لا يقطعوا أمرا دونهم..

وكان فقهاء الشافعية هم الأقراب دوما من السلطان وأكثر المتولين لمناصب القضاء على مستوى مصر والشام دائرة حكم المماليك..

وكان حكام المماليك يمارسون سنة الأيوبيين والعباسيين من قبلهم في اختيار السلطان ومبايعته بشهادة الفقهاء ومباركتهم..

<=

مصر والقاهرة لأبي المحاسن ج‍ ٦، وخطط المقريزي ج‍ ٢.

(١٠٧) أنظر الفخري في الآداب السلطانية وخطط المقريزي ج‍ ٢، والسلوك في معركة دول الملوك ج‍ ٢.

(١٠٨) أنظر مفرج الكروب ج‍ ٥ والسلوك ج‍ ١.

(١٠٩) أصدر صلاح الدين من قبل قراره بوجوب اعتناق مذهب الشافعي في الفقه والأشعري في

=>

٣٥
ويحدثنا التاريخ أن الفقهاء وحكام المماليك كانوا في حالة وئام وتعايش ولم تبرز حالة صدام واحدة بين الطرفين رغم وجود شبهات شرعية حول تولي الرقيق أمر المسلمين ورغم أن الطرف الحاكم كان شديد التعسف والظلم للرعية.. (١١١)

وحين سقطت الدولة العباسية على يد التتار عمل الظاهر بيبرس على إحياء الخلافة العباسية في مصر فاستقدم أحد أبناء العباسيين وهو أحمد بن الخليفة الظاهر بن الخليفة الناصر والذي كان قد فر هاربا من وجه التتر...

وخرج الظاهر بنفسه ومعه وزيره وقاضي القضاء تاج الدين بن بنت الأعز والفقهاء والأمراء لإستقباله وأسكنه قلعة الجبل ثم أشهد قاضي القضاة والفقهاء بأن نسبه يتصل بالعباس بن عبد المطلب وأقر بذلك القضاة والفقهاء، فقام السلطان بيبرس فبايعه وتبعه القضاة والفقهاء ولقب بالمستنصر بالله.. (١١٢)

ولم تكن فكرة نقل الخلافة العباسية إلى مصر سوى واجهة لحكام المماليك يستمدون منها الشرعية التي افتقدوها بسبب انتسابهم إلى الرق.

ففي نفس العام الذي وصل فيه المستنصر العباسي إلى مصر وهو عام (٦٥٩ هـ‍) قام بيبرس بجمع القضاة والفقهاء وجاء بالمستنصر ليخلع عليه خلعة السلطنة ويقلده حكم البلاد وتم ذلك في حفل كبير.. (١١٣)

وكان الخليفة العباسي في ظل حكم المماليك لا يملك من الأمر شئ فهو ليس إلا مجرد صورة وتنحصر مهمته في تقليد سلاطين المماليك وتفويضهم لحكم البلاد، وإذا ما بدرت منه بادرة أثارت ريب السلطان فإنه لا يتردد في عزله وحبسه أو قتله وتولية الخلافة لمن يشاء من أبناء العباسيين في مصر.. (١١٤)

وقد عايش الفقهاء هذا الوضع المتناقض والمخالف لقواعد الفقه والاعتقاد التي ورثوها عن طريق السلف والروايات.. (١١٥)

<=

العقيدة وأن من لا يلتزم بذلك حل دمه. انظر خطط المقريزي. وانظر لنا الشيعة في مصر..

(١١٠) أنظر خطط المقريزي.

(١١١) طال هذا الظلم والتعسف الفقهاء أنفسهم. ويذكر أن هناك حالة واحدة لصدام وقع بين الفقهاء وحكام المماليك وهي حالة سلطان العلماء الشيخ العز بن عبد السلام وتصديه للرسوم المالية التي كان يفرضها المماليك على الناس كما طالب ببيع المماليك في الأسواق ثم تحريرهم..

(١١٢) أنظر تاريخ ابن خلدون ج‍ ٣، والمقريزي السلوك ج‍ ١ وبدائع الزهور والنجوم الزاهرة

(١١٣) أنظر المراجع السابقة وتاريخ الخلفاء...

٣٦
وحين برز ابن تيمية واصطدم بفقهاء عصره بسب أفكاره الشاذة في مسألة صفات الله وزيارة القبور والطلاق وغيرها من المسائل انحاز إليه بعض أمراء المماليك وعاداة الطرف الآخر، ورغم العلاقة التي كانت تربطه بالسلطان محمد بن قلاوون إلا أنه ضحى به في النهاية تحت ضغط الفقهاء والقضاة وحبسه حتى مات في الحبس.. (١١٦)

وفي عصر السلطان الناصر فرج الذي حفل بالمظالم والاضطربات وسفك الدماء دخل فرج في صدامات مع الأمراء الخارجين عليه في الشام ولحقت به الهزيمة النكراء فاستدعى الفقهاء والقضاة وحثهم على نصرته والقيام معه فأجابوه.. (١١٧)

وحين أطيح بالناصر واستبد الأمراء بالحكم تحت ستار الخليفة المستعين، وعاد فرج للمطالبة بالحكم بقوة عسكرية. كتب المستعين والقضاة والفقهاء محضرا يحكمون بمقتضاه على الناصر فرج بالخروج عن الدين واستباحة دمه.. (١١٨)

ولما سقط الناصر فرج في قبضة الأمراء اجتمع المستعين والفقهاء من مصر والشام وقرروا جميعا الحكم بإراقة دمه، فقتل في صفر عام (٨١٥ هـ‍).. (١١٩)

ثم أن القضاة الأربعة - الحنفي والمالكي والشافعي والحنبلي - اجتمعوا بعد ذلك بإشارة من كاتب سر السلطان المؤيد شيخ واتفقوا على خلع الخليفة المستعين.. (١٢٠)

وكان حكام المماليك إذا ما خرجوا للحرب يأخذون الفقهاء معهم ضمن عناصر الجيش (١٢١)

وقد عبر ابن حجر العسقلاني عن سعادته بانتصار المستعين على المماليك واسترداده لسلطاته قبل أن يطاح به من جديد - بقصيدة طويلة تقول:

الملك فينا ثابت الأساس * بالمستعين العادل العباسي
رجعت مكانة آل عم المصطفى * لمحلها من بعد طول تناسى

(١١٤) أنظر المراجع السابقة وكتب التاريخ التي ترصد العصر المملوكي..

(١١٥) تنص عقيدة الفقهاء وقواعد الفقه على أن الخليفة يجب أن يكون قرشيا وهو ما أشارت به الروايات..

(١١٦) أنظر ترجمة ابن تيمية في الدور الكامنة.. وانظر تفصيل هذا الأمر في فصل مدافع ابن تيمية

(١١٧) أنظر النجوم الزاهرة ج‍ ١٣ والمقريزي وكتب التاريخ.

(١١٨) أنظر المراجع السابقة، وحسن المحاضرة للسيوطي ج‍ ٢، ويذكر أن المستعين قام بعزل جلال الدين البلقيني قاضي الشافعية لتحالفه مع الناصر فرج. وكان للبلقيني دور بعد ذلك في التآمر على

=>

٣٧
فرع نما من هاشم في روضة * زاكي المنابت طيب الأغراس
من أسرة أسروا الخطوب وطهروا * مما يغيرهم من الأدناس
مثل الكوكب نوره ما بينهم * كالبدر أشرق في دجى الأغلاس
فالحمد الله المعز لدينه * من بعد ما قد كان من إبلاس
ومناقب العباسي لم تجمع سوى * لحفيده ملك الورى العباسي
لا تنكروا للمستعين رئاسة * في الملك من بعد الجحود الناس
مولاي عبدك قد أتى لك راجيا * منك القبول فلا يرى من بأس
فأدام رب الناس عزك دائما * بالحق محروسا برب الناس. (١٢٢)

ويقول السيوطي مباركا هذه الفترة: واعلم أن مصر حين صارت دار الخلافة عظم أمرها وكثرت شعائر الإسلام فيها، وعلت فيها السنة، وعفت عنها البدعة، وصارت محل سكن العلماء ومحط رحال الفضلاء، وهذا سر من أسرار الله أودعه في الخلافة النبوية حيث ما كانت يكون معها الإيمان والكتاب.. (١٢٣)

- الفقهاء والعثمانيين:

وضع العثمانيون حجر الأساس لأول مؤسسة دينية حكومية تخضع لإشراف الحكم في تاريخ المسلمين، وقبلهم كان الحكام يتعاملون مع الفقهاء وفق الحاجة والمصلحة.

فتارة يقربون الشافعية..

وتارة ينقمون عليهم..

وتارة يقربون المالكية..

وتارة ينقمون عليهم..

وكان من الممكن للحاكم أن يتعامل مع فقهاء المذاهب الأربعة في وقت واحد. كما كان الفقهاء والقضاة يدينون بالطاعة والولاء للحاكم ولكهنم لم يكونوا ينطقون جميعهم بلسانه

<=

المستعين..

(١١٩) أنظر المرجعين السابقين وتاريخ الخلفاء..

(١٢٠) أنظر بدائع الزهور ج‍ ١ وخطط المقريزي ج‍ ٢ والنجوم ج‍ ١٣. وانظر تاريخ الخلفاء..

(١٢١) أنظر المراجع السابقة..

٣٨
ويعتمدون في أرزاقهم عليه..

إلا أن العثمانيين بإعلانهم مؤسسة شيخ الإسلام قد حكروا الدين في دائرة هذه المؤسسة التي منحت الشرعية وفق مذهب الأحناف الذي تبنته الدولة العثمانية بينما أخرجت المذاهب والاتجاهات الأخرى من دائرة الحماية الحكومية لتتحول إلى أنشطة فقيهة أهلية لا تملك القدرة على التأثير في الجماهير والانتشار على ساحة الواقع بل أصبحت محل رصد السلطة وتحيط بها الشبهات وتوضع أمامها العراقيل.. (١٢٤)

وتحول الفقهاء إلى موظفين في الدولة فأصبحوا ينتظرون تعليماتها وينطقون بلسانها ويفتون لصالحها..

ومن باب حماية هذه المراكز الوظيفية والامتيازات التي ترتبط بها اتخذ فقهاء الدولة موقف العداء الصريح من الفقهاء والأنشطة والتيارات التي لا تخضع لهم وتنازعهم دورهم وتهدد نفوذهم وتوقع بينهم وبين الحاكم...

وبداية من هذه الفترة ظهرت طبقتان من الفقهاء:

طبقة حكومية.

وطبقة شعبية.

وبين الطبقتين صراع قائم ومستمر كثيرا ما يسهم الحاكم في زيادة حدته من باب سياسة فرق تسد ومن باب شغل الجميع ببعضهم..

ولقد استقبل الفقهاء العثمانيين كفاتحين مسلمين جاءوا لتحريرهم من استعمار المماليك واعترفوا بهم كخلفاء شرعيين.

يقول ابن العماد عن سليم الأول العثماني: هو من بيت رفع الله على قواعده فسطاط السلطنة الإسلامية، ومن قوم أبرز الله تعالى لهم ما ادخره من الاستيلاء على المدائن الايمانية رفعوا عماد الإسلام وأعلوا مناره وتواصوا باتباع السنة المطهرة وعرفوا للشرع الشريف مقداره وصاحب الترجمة منهم - أي سليم - هو الذي ملك بلاد العرب واستخلصها من أيدي

(١٢٢) تاريخ الخلفاء. وابن حجر من أعيان القرن التاسع ومن كبار فقهاء أهل السنة وهو الذي تصدى لشرح البخاري بكتاب أسماه فتح الباري شرح صحيح البخاري وضع له مقدمة طويلة تحت عنوان هدى الساري دافع فيها عن الطعون التي وجهت للبخاري والقصيدة تزيد على الأربعين بيتا وقد اخترنا منها هذه الأبيات العشرة..
٣٩
الجراكسة - المماليك - بعد ما شتت جمعهم... (١٢٥)

ويقول الشيخ مرعي الحنبلي مثنيا على سليم الأول لتصديه لإسماعيل الصفوي الشيعي مؤسس الدولة الصفوية في إيران: وفي أيامه تزايد ظهور شأن إسماعيل شاه واستولى على سائر ملوك العجم وقتل العلماء وأحرق كتبهم ونبش قبور المشايخ من أهل السنة، فلما بلغ السلطان سليم ذلك تحركت همته لقتاله وعد ذلك من أفضل الجهاد.. (١٢٦)

وعندما دخل سليم الأول حلب وحضر صلاة الجمعة فيها خطب الخطيب باسمه ونعته بخادم الحرمين الشريفين فسجد لله شكرا ثم ارتحل إلى الشام وأمر بعمارة قبة على الشيخ محي الدين بن عربي بصالحية دمشق.. (١٢٧)

وعندما دخل سليم الأول مصر ودانت له استقبله الفقهاء والقضاة فقام بتولية الأربع وهم كمال الدين الشافعي ونور الدين علي الطرابلسي الحنفي والدميري المالكي وشهاب الدين بن النجار الحنبلي... (١٢٨)

وكان القاضي بن ظهيره الشافعي قاضي مكة قد حبس بمصر بأمر من السلطان الغوري ثم أطلقه طومان باى بعد مصرع الغوري في وقعة مرج دابق، ولما جاء سليم الأول مصر جاء إليه بن ظهيره فأكرمه وعظمه وخلع عليه وجهزه إلى مكة معززا مكرما مع الإحسان إليه وجعله نائبه في تفريق الصدقات السليمية.. (١٢٩)

ولما دخل السلطان سليم الأول إلي مدينة تبريز لقتال شاه إسماعيل الصفوي أخذ معه إلى بلاد الروم الفقيه ظهير الدين الأردبيلي الحنفي الشهير بقاضي زاده وعين له كل يوم ثمانين درهما.. (١٣٠)

وفي سنة (٩٥٦ هـ‍) جلس المولى عبد الكريم الملقب بمفتي شيخ الرومي الحنفي بقسطنطينية مشتغلا بالارشاد والفقه حتى أتقن مسائلة وعين له السلطان سليمان كل يوم مائة عثماني

(١٢٣) حسن المحاضرة..

(١٢٤) تحقق للمذهب الحنفي أول انتشار عالمي في تاريخه على أيدي العثمانيين إذ أصبح المذهب الرسمي لكثير من الدول حتى اليوم، ولا زال المذهب الرسمي للأزهر.

(١٢٥) شذرات الذهب في أخبار من ذهب لابن العماد الحنبلي ج‍ ٨ / ١٤٣ أحداث عام ٩٢٦ هـ‍..

(١٢٦) شذرات الذهب ج‍ ٨ / ١٤٤. أحداث عام ٩٢٦ هـ‍..

(١٢٧) المراجع السابق ص‍ ١٤٥.. ويذكر أن سليم الأول كان قد استصدر فتوى من الفقهاء تبيح له غزو مصر ومحاربة المسلمين. كما أن سليم الثاني استصدر فتوى عام ١٥٧٠ م تبيح له نقض العهود والمواثيق مع أهل البندقية والعدوان عليهم..

٤٠