×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

مساحة للحوار من أجل الوفاق ومعرفة الحقيقة / الصفحات: ١ - ٢٠

الصفحات: ١ - ٥ فارغة
كتاب مساحة للحوار للمحامي أحمد حسين يعقوب (ص ١ - ص ٢٨)
[image] - مركز الأبحاث العقائدية

كلمة المركز

في مساحة تتسع للأنا وللآخر المتعدد، يسعى الباحث أحمد حسين يعقوب إلى الحوار، وإن كان محاوره يقول: (وبالرغم من سعة صدري وتسامحي إلا أن مجرد ذكر كلمة (شيعة) كاف لإثارة حنقي ونفوري حتى لكأنني مسكون في لا شعوري بكراهية الشيعة والتشيع...).

يسعى الباحث إلى الحوار ممتلكاً عدة من سعة الإطلاع وحسن استيعاب الفكر السياسي: قديمه وحديثه، ورغبة في معرفة الحقيقة وجعلها بديلاً من الكره الكامن في اللاشعور وطريق هداية إلى الصواب في عالم معقد اختلطت فيه الأمور وضاع الهدى.

يتفق أحمد حسين يعقوب ومحاوره: صديقه المثقف السني أن يعقدا عدة جلسات يجريان فيها الحوار الفكري، فيقدم المحاور، في الجلسة الأولى سلسلة متماسكة من الأسئلة حول موضوع معين، فيحمل هذه الأسئلة، ليضع في مدة كافية إجابات موثقة عنها، ثم يقدم هذه الإجابات إلى محاوره، يقرأها هذا، ويعود ليقدم طائفة جديدة من الأسئلة، وهكذا دواليك إلى أن يتم الوفاق على أحد أمرين: إما أن يبقى الصديق أسيراً لما سماه (السكن اللاشعوري) أو تتغير نظرته ومشاعره فيجد في التشيع طريق الهدى.

وهذا ما كان، فتم الحوار...

صاغ الصديق أسئلة تتعلق بسبع قضايا أساسية هي:

١ - مفهوم الشيعة والتشيع ومسار تكونه التاريخي، وانتشاره.

٢ - الإمامة بعد وفاة النبي، وطبيعة الخلاف الذي حدث في هذا الصدد جعل المسلمين فرقاً، وحجج كل فريق النصية والاجتهادية.

٣ - مصادر التشريع، وما يتصل بها من جمع القرآن الكريم وذات رسول الله (ص) والأئمة (ع).

٦
٤ - نظرية عدالة الصحابة.

٥ - التقية والمتعة في الإسلام، وعند شيعة أهل بيت النبوة.

٦ - الاختلافات الفقهية بين شيعة أهل بيت النبوة وشيعة الخلفاء (أهل السنة).

٧ - الدعوة إلى وحدة المسلمين.

وقد أجاب الباحث عن هذه الأسئلة إجابات موثقة، وجرى حوار معمق بشأنها أدى إلى وفاق على أمر نترك للقارئ أن يتوصل إليه من خلال المشاركة في هذا الحوار الموضوعي المعمق الهادف إلى تحقيق وحدة أساسها المعرفة، فعسى أن يهدينا الله إلى ذلك، وهو نعم المولى ونعم النصير.

مركز الغدير للدراسات الإسلامية
بيروت           

٧

قصة تأليف الكتاب

شكوى صديق

قال صديقي: إنك تعلم أنني رجل من أهل السنة، وقد ورثت هذا التصنيف وراثة. وتعلم، أيضاً، أنني رجل منفتح الذهن والعقل، وقد اطلعت على الخطوط العريضة للفكرين: الرأسمالي التحرري والاشتراكي الشيوعي، وأحطت بنظرية الحكم في الإسلام حسب رأي أهل السنة. وتعلم كذلك أنني متسامح وديمقراطي أؤمن بالرأي والرأي المعارض، ويتسع صدري لتعدد الآراء، وتعدد الرسالات، فيمكنني التعايش مع المسلمين واليهود والنصارى والمجوس وأتباع الأحزاب الدينية والقومية وحتى الشيوعية. ولا أشعر بالغرابة لهذا التعدد الهائل في المجتمع نفسه، ولا ينتابني أي إحساس بالتعصب.

وبالرغم من سعة صدري وديمقراطيتي وتسامحي إلا أن مجرد ذكر كلمة (شيعة) كاف لإثارة استغرابي وحنقي ونفوري، حتى لكأنني مسكون في (لا شعوري) بكراهية الشيعة والتشيع!

الرغبة في المعرفة

ومضى صديقي يقول لي: وعند ما قرأت كتابكم القيم (نظرية عدالة الصحابة والمرجعية السياسية في الإسلام)، وكتابكم الآخر (النظام السياسي في الإسلام)، تكونت عندي رغبة جامحة في معرفة حقيقة الشيعة والتشيع، وأحسست بتأنيب الضمير، وتمنيت لو يرشدني الله تعالى إلى رجل خبير ب‍ (التسنن والتشيع) ليريح ضميري، ويشبع رغبتي في معرفة الحقائق. وعندما قرأت كتابكم (مرتكزات الفكر السياسي)، وتتبعت مقارناتك الموضوعية والفذة التي أجريتها بين الإسلام والرأسمالية والماركسية الشيوعية، وثقت بسعة اطلاعك وحسن استيعابك للفكر السياسي: قديمه وحديثه، فقدرت في ذهني أنك الأردني الوحيد القادر على إشباع

٨
رغبتي الجامحة في معرفة حقيقة الشيعة والتشيع، وتذكرت ما بيننا من الصداقة وأنك لن تحول بيني وبين الوقوف على الحقيقة المجردة ل‍ (الشيعة والتشيع)، لأن الوقوف على هذه الحقيقة مكسب ديني ودنيوي معاً، ومن الممكن أن يكون طريقه هداية وإرشاد إلى الصواب في عالم معقد ضاع فيه الهدى والصواب، واختلطت فيه الأوراق.

خطة الحوار

واتفقت مع صديقي المثقف السني على أن نقعد عدة جلسات نجري فيها الحوار الفكري البحث، فيقدم لي، في الجلسة الأولى، سلسلة متماسكة من الأسئلة حول موضوع معين فأحمل هذه الأسئلة وأنقطع عنه مدة كافية للإجابة عنها وتوثيق هذه الإجابة، حتى إذا ما فعلت ذلك اجتمعنا، فيقرأ إجاباتي عن أسئلته وتساؤلاته، ثم يسلمني طائفة جديدة من أسئلته لأتولى الإجابة عنها، وتقديمها له في جلسة لا حقة وهكذا دواليك حتى ينتهي صاحبنا من تساؤلاته!

واحتفظ صاحبي لنفسه بحق التعقيب على الأجوبة إن لم يكن مقتنعاً، وقدر أنه، من خلال الأسئلة والأجوبة سيقف في نهاية المطاف على حقيقة (التشيع) و (الشيعة) وماهية كل منهما، فيبقي أسيراً لما سماه (السكن اللاشعوري) أو ستتغير نظرته ومشاعره، فيجد في التشيع طريق الهدى.

وقد اقتصر دوري علي الإجابة عن أسئلة صديقي المركزة على موضوع الحوار.

الحوار في كتاب

واقترح صديقي، بعد انتهاء جلسات الحوار، أن تجمع تساؤلاته كما هي، وأجوبتي عنها من دون زيادة ولا نقصان، وتطبع في كتاب، اقترح أن نسميه: (ثم وقفت على حقيقة الشيعة) مع الإشارة إلى أن الكتاب كان ثمرة حوار بين صديقين أحدهما سني والآخر شيعي. وافقت على هذا الاقتراح. وبعد قرابة سنة، جاء صديقي السني وطلب جميع أوراق أسئلته فأعطيتها له، فوضع أجوبة كل طائفة من

٩
التساؤلات خلفها في مدة لا تزيد على ساعة من الزمن، ثم تناول ورقة بيضاء وكتب العنوان الذي اقترحه، وطلب مني أن أسلم هذا الكتاب لإحدى دور الطباعة والنشر. ثم تناول يدي وشد عليها وعيناه تفيضان بالدمع، وقال لي بصوت تخنقه العبرات: ليشهد الله وملائكته وأشهد على أنني مع أهل بيت النبوة، ومع بني هاشم. لقد اقتنعت بعدالة قضيتهم، وعرفت حجم الظلم الذي لحق بهم! وأتمنى لو كنت معهم في جميع المشاهد لأفدينهم بدمي وروحي. فقلت لصاحبي: لقد اهتديت حقاً، ومن دون إعداد جرى على لساني قوله تعالى: (ويزيد الله الذين اهتدوا هدى) [ مريم / ٧٦ ].

هذه هي القصة الكاملة لتأليف هذا الكتاب ومن خلال الأسئلة والأجوبة يمكنك حقاً أن تقف على حقيقة التشيع والشيعة.

وآخر دعوانا أن الحمد الله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على رسوله الأمين محمد وعلى آله الذين اصطفى من عباده.

المحامي               
أحمد حسين يعقوب         
جرش الأردن ١٥ رمضان ١٤١٧ هـ
٢٤ / كانون الأول / ١٩٩٧ م     

١٠
١١

الباب الأول
مفهوم الشيعة والتشيع

١٢

الطائفة الأولى من الأسئلة

قال صديقي السني: هل تبين معنى (الشيعة) و (التشيع) في اللغة وفي القرآن الكريم وفي السنة النبوية الشريفة ; وتطلعني على المفهوم التاريخي لمصطلح (الشيعة)، ثم تبين لي حقيقته وكيف انتشرت ظاهرة التشيع في المجتمعات البشرية بعامة والمجتمع الإسلامي بخاصة؟ وأريد أن تجذر لي هذا المصطلح في الواقع التاريخي. وهل لديك علم عن حكم النبي في هذا التجذير؟ وهل أخذت كلمة الشيعة معنى خاصاً ومتى؟ وما هو سبب النفور العام، لدى الأغلبية الساحقة من المسلمين، من كلمة شيعة؟ وهل للشيعة فرق كثيرة وما هي؟

طلب المهلة والموافقة

تسلمت ورقة الأسئلة من صاحبي، وطلبت منه أن يمهلني بضعة أشهر للإجابة عنها. ووعدته بتقديم الإجابات على شكل بحث فوافق. وبعد ثلاثة أشهر وضعت الأجوبة التالية بين يديه، وطلبت منه أن يقرأها وأن يعقب عليها إذا أراد، أو يقدم طائفة جديدة من تساؤلاته.

١٣

الفصل الأول
معنى كلمة شيعة

المعنى اللغوي

كلمة شيعة، لغة، وعلى العموم، تعني: الفرقة، أو الجماعة من الناس (١)، التي يجتمع أبناؤها على أمر واحد، ويتبع بعضهم رأي بعض (٢)، وهم متشابهون في آرائهم وأمورهم وموالاتهم (٣).

وإذا أضيفت كلمة (شيعة) لرجل كقولك: شيعة فلان، أو لرأي كقولك:

شيعة هذا الرأي فإنها تعني: الأصحاب أو الأتباع أو الأعوان أو الأنصار أو المؤيدين (٤).

فالشيعة، لغة: جماعة، أو فئة، من الناس متجانسة، ومتميزة عن غيرها، من جماعات المجتمع وفئاته بقيادتها وفكرها ورأيها وأسلوب عملها. وهي بمثابة الحزب الواحد، له هدف يسعى لتحقيقه وفكر يسعى إلى نشره وتعميمه.

المعنى في القرآن الكريم

نزل القرآن الكريم بلسان عربي مبين. وعند نزوله، كانت اللغة العربية هي اللغة السائدة في قاعدة الإسلام الأولى، وكانت معانيها قد استقرت. فاستعمل القرآن الكريم كلمات هذه اللغة لإيصال ما أراد إيصاله من المعاني والأفكار للناس. وكان رسول الله، بالضرورة والواقع، أفصح العرب، وأقدر من تكلم العربية، وقد تولى بنفسه قراءة القرآن الكريم وبيانه للناس. ولأن كلمة شيعة كانت

(١) راجع: المنجد في اللغة والمعجم الوسيط: مادة شيع.

(٢) راجع: لسان العرب لابن منظور، مادة شيع.

(٣) راجع: مختار الصحاح للرازي والمنجد، مادة شيع.

(٤) راجع: المعجم الوسيط. وتمعن في المراجع السابقة، وراجع كتابنا: (النظام السياسي في الإسلام)، ص ٢٩٨ وما بعدها.

١٤
مستقرة المعنى، فقد أرسلها القرآن الكريم إرسال المسلمات، وهكذا فعل الرسول لأنها في مرتبة من الوضوح لا تحتاج إلى توقف خاص وإيضاح.

وورد لفظ (شيعة) في القرآن الكريم مرة واحدة، ولفظ (شيعته) ثلاث مرات، ولفظ (شيع)، جمع شيعة، خمس مرات، ولفظ (أشياعكم) مرة واحدة، ولفظ (بأشياعهم) مرة واحدة. فيكون القرآن قد استعمل كلمة شيعة واشتقاقاتها المذكورة إحدى عشرة ومن خلال هذه الاستعمالات أبرز العناصر الأساسية لمعنى الكلمة لغة واصطلاحاً. وجاءت استعمالات القرآن الكريم لها بالمعنى الذي أراد تأكيداً على استقراره، وعلى الوحدة بين المعنيين اللغوي والاصطلاحي.

قال تعالى:

١ -... (ثم لننزعن من كل شيعة أيهم أشد على الرحمن عتياً) [ مريم / ٦٩ ].

وقد أجمع المفسرون على أن كلمة شيعة، الواردة في هذه الآية، تعني فئة، أو جماعة، أو حزباً أو فرقة أو طائفة من الناس شاع أمرها وتميزت من غيرها.

٢ - (... فوجد فيها رجلين يقتتلان هذا من (شيعته) وهذا من عدوه فاستغاثه الذي من شيعته...) [ القصص / ١٥ ] كان المجتمع المصري، في عهد فرعون، مجتمعاً واحداً شكلياً، ولكنه كان، واقعياً، منقسماً إلى مجموعة كبيرة من الفرق أو الجماعات أو الطوائف أو الأحزاب أو الشيع، بدليل قوله تعالى عن فرعون (وجعل أهلها شيعاً) [ القصص / ٤ ] فاستعمل القرآن الكريم كلمة (شيعته) للتعبير عن حالة بني إسرائيل في مصر، فقد كانوا شيعة أو فرقة متميزة من الفرق أو الشيع أو الجماعات أو الأحزاب الأخرى التي تكون المجتمع المصري. فأمر الإسرائيليين واحد، ورأيهم واحد ويتبع بعضهم بعضاً، ويوالي بعضهم بعضاً ولهم قيادة أو وجاهة واحدة ويواجهون معاً محنة واحدة. فعبر القرآن الكريم عن هذه الجماعة الإسرائيلية بكلمة (شيعة).

٣ - بعد أن استعرض القرآن الكريم ملامح المواجهة بين نوح وقومه وبين نهايتها. وربطاً للماضي بالحاضر قال تعالى: (... وإن من شيعته لإبراهيم)

١٥
[ الصافات / ٨٣ ] ومن معاني هذه الآية أن نوحاً عليه السلام، كان يقود فرقة أو جماعة أو حزباً أو شيعة (الشيعة المؤمنة) متميزة بفكرها وقيادتها وأمرها ورأيها من غيرها من فرق المجتمع الذي عايشه نوح وجماعته وأحزابه. ويعني أن إبراهيم آمن بفكر هذه الجماعة المؤمنة ورأيها، وسار في خطها ما جعله امتداداً لنوح، وجعل الجماعة أو الشيعة الإسرائيلية امتداداً لشيعته. لذلك فإن نوحاً ومن اتبعه وإبراهيم ومن اتبعه يشكلون، معاً، شيعة أو فرقة أو جماعة متميزة عن غيرها من فرق وجماعات أي مجتمع من المجتمعات، فطوال التاريخ البشري وجدت جماعة أو فرقة أو شيعة مؤمنة لها أمرها الإيماني المميز، يقودها بالتتابع رجال مميزون قاموا بأمر الله تعالى.

٤ - (... ولقد أرسلنا من قبلك في شيع الأولين وما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزؤون) [ الحجر / ١٠ و ١١ ].

لقد بين الله تعالى موقف المجتمعات البشرية من رسلها، ووصف تلك المجتمعات ب‍ (الشيع): جمع شيعة، لأن كل مجتمع من تلك المجتمعات كان في حقيقته منقسماً على ذاته، ومقسماً إلى مجموعة كبيرة من الفرق أو الجماعات أو الطوائف أو الأحزاب المتنافسة. وبالرغم من حالة التمزق والإختلاف التي ألقت أجرانها في كل مجتمع إلا أن (شيعة) قد أجمعت على تكذيب الرسل والاستهزاء بهم، لأن الرسل يملكون الحقيقة، والجواب اليقيني لكل سؤال، فإذا سطعت الحقيقة وعرفها الجميع، فستذوب تبعاً لذلك كيانات الشيع، وتخسر مكاسبها الناتجة عن التمزق والإختلاف، وهذا هو السر في وحدة طوائف (شيع) كل مجتمع من رسله.

٥ - (... أو يلبسكم شيعاً ويذيق بعضكم بأس بعض) [ الأنعام / ٦٥ ].

بين القرآن الكريم أن انقسام المجمتع الواحد إلى شيع متعددة تحت شعار البحث الزائف عن الحقيقة وبدافع خفي لتحقيق مصالح فردية أو فئوية، والإصرار على تجاهل الشيعة المؤمنة، وقيادتها الشرعية المميزة التي تملك الحقيقة، كل ذلك يشكل مظهراً من مظاهر الدمار، ونذير عذاب سيحل بالمجتمع عاجلاً أم

١٦
آجلاً. وقد تهلك شيع المجتمع بعضها بعضاً، عند ما يتوافر واقع (التلبيس) وبهلاك هذه الشيع تتم عملية التبديل الاجتماعي التي عبر عنها القرآن الكريم بقوله:

(يستبدل قوماً غيركم) [ التوبة / ٣٩ ].

٦ - (... إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً لست منهم في شئ) [ الأنعام / ١٥٩ ] إن انقسام المجتمع إلى شيع أو فرق أو جماعات أو أحزاب غير مقبول، إطلاقاً في الموازين الإلهية، لأنه يتناقض مع الأمر الإلهي، ومع الغاية من الاجتماع البشري ; والمنخرطون في صفوف الشيع، وقادتهم لا يلتقون مع الرسول أي رسول تحت أي شعار لأن نهجهم وخطهم مختلفان بالكامل عن منهج الرسول وخطه.

٧ - (... إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعاً) [ القصص / ٤ ] سلمت البشرية بسوء نمط حكم فرعون وبشاعة أساليبه، وأبرزها رعيته إلى مجموعة من الشيع أو الفرق أو الجماعات أو الأحزاب وتسليطه شيعة، أو مجموعة من الشيع، على شيعة أو مجموعة أخرى من الشيع، وأخذ يدير الصراع على طريقته.

٨ - (... ولا تكونوا من المشركين من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً كل حزب بما لديهم فرحون) [ الروم / ٣١ و ٣٢ ] تقسيم المجتمع إلى شيع أو جماعات، أو أحزاب متنافرة صفة بارزة من صفات المشركين، ونمط بارز من أنماط إدارتهم للمجتمع.

٩ - (ولقد أهلكنا أشياعكم فهل من مدكر) [ القمر / ٥١ ] الخطاب موجه إلى شيع مكة ومن حولهم من شيع القرى الذين أجمعوا على تكذيب رسول الله، تماماً كما فعلت شيع الجمتمعات البشرية السابقة مع رسلها.

١٠ - (وحيل بينهم وبين ما يشتهون كما فعل بأشياعهم من قبل...) [ سبأ / ٥٤ ] وشيع مكة، ومن حولها من شيع القرى، هم المعنيون بالخطاب، (كما فعل بأشياعهم)، أي بأمثالهم وأشباههم من شيع المجتمعات السابقة التي كذبت الرسل.

١٧

هل الشيع هي الأحزاب في القرآن الكريم؟

١ - نلاحظ أن ألفاظ (شيعه وشيعته وشيع وأشياعكم وبأشياعهم) قد وردت، في القرآن الكريم، إحدى عشرة مرة، وأن لفظ (الأحزاب) قد تكرر، في القرآن الكريم، إحدى عشرة مرة أيضاً. ومن المؤكد أن هذا التطابق العددي ليس مصادفة بل له دلالة.

٢ - ونلاحظ، أيضاً، أن الله، تعالى، قد عرف المجتمعات التي كذبت الرسل واستهزأت بهم ب‍ (الشيع) بقوله: (ولقد أرسلنا من قبلك في شيع الأولين) [ الحجر / ١٠ ] وعرف هذه الشيع بأنها أحزاب وأبرز وحدة العلة بقوله: (كذبت قبلهم قوم نوح وعاد وفرعون ذو الأوتاد وثمود وقوم لوط وأصحاب الأيكة أولئك الأحزاب إن كل إلا كذب الرسل فحق عقاب) [ ص / ١٢ و ١٣ و ١٤ ].

٣ - وقال تعالى، مخاطباً، شيع مكة ومن حولها من شيع العرب (ولقد أهلكنا أشياعكم فهل من مدكر) [ القمر / ٥١ ] فشيع العرب الذين كذبوا الرسول هم على شاكلة شيع الأولين، وعند ما وحدت الشيع العربية نفسها، وجيشت أكبر جيش لها، وغزت الرسول في غزوة الخندق، فوصفها الله تعالى بأنها أحزاب فقال: (ولما رأى المؤمنون الأحزاب...) [ الأحزاب / ٢٢ ] (يحسبون الأحزاب لم يذهبوا وإن يأت الأحزاب...) [ الأحزاب / ٢٠ ].

٤ - ثم إن الشيع العربية كانت من جملة المشركين الذين عناهم تعالى بقوله:

(ولا تكونوا من المشركين من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً كل حزب بما لديهم فرحون) [ الروم / ٣١ - ٣٢ ] وهذا يعني أن كل شيعة من هذه الشيع المتفرقة هي بمثابة حزب حقيقي له قناعاته وذاتيته التي تميزه عن غيره من الشيع أو الأحزاب ومن يتمعن في الآيات التي وردت فيها كلمة شيعة ومشتقاتها، وفي الآيات التي وردت فيها كلمة أحزاب يجد أن الفوارق بين مصطلحي الشيع والأحزاب تكاد تكون معدومة.

الشيعة المؤمنة في القرآن الكريم

أشار القرآن الكريم، بصراحة تامة، إلى وجود شيعة مؤمنة قادها نوح عليه السلام، ونص على أن إبراهيم الخليل كان من شيعة نوح. وباستقراء القرآن

١٨
الكريم تجد أن الشيعة المؤمنة كانت موجودة طوال التاريخ البشري، فلم يخل مجتمع بشري قط من شيعة مؤمنة بغض النظر عن القلة أو الكثرة. فقد كانت الشيعة المؤمنة، بالضرورة، متميزة، في كل مجتمع، بقيادتها وبفكرها الذي يمثل الأمر الإلهي. وكانت الشيعة المؤمنة، دائماً، هي الفرقة الناجية من العذاب الإلهي، والوارثة والقائمة بأمر الله تعالى، لقد جهر كل داع بدعوته في مجتمع منقسم على نفسه ومقسم إلى مجموعة من الفرق أو الجماعات أو الأحزاب أو الشيع لتتنافس في ما بينها. وبالرغم مما بين هذه الشيع من تناقضات، إلا أنها كانت تتخذ من رسولها موقفاً موحداً فتجمع على تكذيبه، باعتباره خطراً يهدد نظام المجتمع كله. ويغري موقف الشيع الموحد هذا أغلبية أفراد المجتمع فيؤيدونه، ويشاركون الشيع بتكذيب الرسول، ويتنافسون في إظهار العداوة له.

هذا شأن الأكثرية الساحقة من أبناء المجتمع. وتتبع الرسول أقلية قليلة من أبناء ذلك المجتمع فيؤمنون به كرسول وكولي لهم، ويتمسكون بالتعاليم الإلهية التي بشر بها، وهكذا يكون الرسول ومن اتبعه عملياً شيعة مؤمنة لها قيادتها وأمرها وفكرها وتتميز من غيرها لأن شيع المجتمع جميعها الأغلبية الساحقة من أفراده قد أجمعوا على تكذيب الرسول ومحاصرته، وأصروا على إجهاض دعوته وإفشالها.

لذلك وجدوا أن أتباع هذه الأقلية للرسول يشكل تحدياً لإرادة المجتمع وخروجاً صارخاً على نظامه ونواميسه، لذلك صب المجتمع جام غضبه على هذه الأقلية المؤمنة، وسخر وسائل إعلامه لتشويه سمعتها والتشنيع عليها، واختلاق الأكاذيب والتهم ضدها. وقد تتمادى قيادة المجتمع فتعذب أفراد الشيعة المؤمنة، أو تتخذ من الإجراءات ما يجعل حياة أفرادها في منتهى العسر والضيق. وهكذا يتمكن المجتمع، بقوته ونفوذه ووسائل إعلامه، من عزل الشيعة المؤمنة وقيادتها وتهميش دورها، وتجريدها من جميع الحقوق السياسية التي تتمتع بها بقية الشيع.

وينجح المجتمع في خلق رأي عام نافر من كل ما يتعلق بالشيعة المؤمنة، وتنفلق جميع قنوات الاتصال الاجتماعي والفكري معها، وينظر إلى أبنائها بوصفهم مجموعة من الأراذل الذين لا وزن لهم ولا قيمة. هذا هو وضع الشيعة المؤمنة في جميع المجتمعات التي كذبت الرسل

١٩

كلمة شيعة في السنة النبوية

استعمل الرسول الأعظم كلمة شيعة، في حديثه، لتدل على المعنى الذي حددت معالمه اللغة وأبرزه القرآن الكريم فقد نقل السيوطي عن ابن عساكر أن الرسول قال لأصحابه يوماً: (والذي نفسي بيده إن هذا - يعني علياً بن أبي طالب - وشيعته لهم الفائزون يوم القيامة) (١) ونقل السيوطي، في درره، عن ابن مردويه أن رسول الله فسر لعلي بن أبي طالب آية (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية) [ البينة / ٧ ] بقوله لعلي: (هم وأنت وشيعتك). وأخبر رسول الله علياً أمام الصحابة: (بأنه سيقدم على الله وشيعته راضيين مرضيين) (٢). وذكر ابن حجر في الصواعق: - ١ - أن رسول الله فسر آية (أولئك هم خير البرية) بعلي وشيعته (٣).

٢ - وقد استعمل الرسول كلمة (شيع) (جمع شيعة) فبعد أن بين لأصحابه بأن أمته ستقتل من بعده ابنه الإمام الحسين في كربلاء، حذرهم قائلاً: (والذي نفسي بيده لا تقتلوه بين ظهراني قوم لا يمنعونه إلا خالف الله بين صدورهم وقلوبهم، وسلط عليهم شرارهم وألبسهم شيعاً) (٤).

ونلاحظ أن الرسول الكريم قد بين لأصحابه بأنه ستكون لعلي بن أبي طالب شيعة خاصة به، وأن علياً وشيعته هم الفائزون يوم القيامة، ومع أنه صادق إلا أنه قد أقسم على صحة قوله ليكون اليقين في قلوب سامعيه. وفي موقف آخر، بين الرسول لأصحابه أن علياً بن أبي طالب وشيعته هم قطعاً ممن عناهم الله تعالى

(١) الدر المنثور، ٦ / ٣٧٩.

(٢) راجع: نور الأبصار للشبلنجي، ص ٨٠.

(٣) وحول هذه المعاني نفسها وتكرر ورود كلمة شيعة في حديث الرسول راجع: شواهد التنزيل للحاكم الحسكاني الحنفي، ٢ / ٣٥٦ - ٣٦٦، وكفاية الطالب للكنجي الشافعي، ص ٢٤٤ - ٢٤٦، والمناقب للخوارزمي الحنفي، ص ٦٢ و ١٨٧، والفصول لمهمة لابن الصباغ المالكي، ص ١٠٧، وينابيع المودة للقندوزي الحنفي ص ١٨، وفتح القدير للشوكاني، ٥ / ٤٧٧.

(٤) رواه الطبراني، راجع: معالم الفتن، ٢ / ٤٠٧.

٢٠