×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

مساحة للحوار من أجل الوفاق ومعرفة الحقيقة / الصفحات: ٢٤١ - ٢٦٠

تتعبدون بروايات غيرهم بحجة الصحبة وتقتدون به بحجة الصحبة، وتتركون أهل بيت النبوة وهم سادات الصحابة، وتاج القرابة، إن هذا لأمر عجاب!

٤ - لم الإعراض عن قيادة أهل بيت النبوة؟

لقد رفضت بطون قريش قيادة أهل بيت النبوة حسداً للبطن الهاشمي، ولأن أهل بيت النبوة والهاشميين قتلوا سادات بطون قريش على الإسلام فهل تحسدون أنتم أيضاً أهل بين النبوة!؟ وهل قتلوا ساداتكم على الإسلام؟

كانت بطون قريش مستعدة لأن تبايع رجلاً من الأنصار أو من الموالي وتقبل بقيادته، ولكنها كانت مستعدة للقتال لتحول بين أهل بيت النبوة وبين حقهم بالقيادة! وأنتم تحذون الآن حذو بطون قريش! كانت بطون قريش تقدم كل متأخر على أهل بيت النبوة وتنفخ كل أجوف لتقدمه عليهم وأنتم الآن تفعلون الأمر نفسه، لماذا؟ اقتداء بخلفاء البطون!؟ الله ورسوله قدما أهل بيت النبوة وبطون قريش وخلفاؤها أخروهم، فبأي منطق تتركون الله ورسوله وتقتدون ببطون قريش وخلفائها؟ بئس للظالمين بدلاً! لو كان أبو بكر وعمر وعثمان ومعاوية وابنه يزيد ومروان بن الحكم وذريته التي لعنها الله ورسوله أحياء لما لمناكم لو تركتم أهل بيت النبوة واتبعتم أبناء البطون وقادتها. ولو كان أحفادهم أحياء لما لمناكم لو اتبعتم أحفاد قادة البطون وتركتم سادات أهل بيت النبوة وأبناء النبي وأحفاده! أنتم ترقصون لأي قائد يظهر على الساحة وتقتدون بهم وتديرون ظهوركم وتتجاهلون بالكامل قادة أهل بيت النبوة وعلماءهم!! وتعادون عداء صارخاً كل من يذكر أهل بيت النبوة بخير أو يواليهم! عجيبة هذه المشاعر! كيف تفلحون وأنتم تسيرون في الخط المعارض لله ولرسوله؟! فهل يمكنكم أن تتخلوا عن مشاعركم نحو أهل بيت النبوة وتقدموهم كما قدمهم الله ورسوله؟! خاصة وأن معاوية بن أبي سفيان قد مات وهو تراب الآن وليست هنالك خشية من أن يعاقبكم ولا يملك أن يمحوا اسم أي واحد منكم من ديوان العطاء، أو يجرده من حقوقه المدينة فلا يقبل شهادته أو يقتله ويهدم داره بجرم محبة أهل بيت النبوة وموالاتهم! أو يفرض عليكم لعن علي بن أبي طالب بالعشي والإبكار! لو كان معاوية حياً لما لمتكم!. ولكن قد هلك، فما

٢٤١
هو مسوغ مواقفكم السلبية من أهل بيت النبوة؟ لو كان يزيد بن معاوية حياً وقد أرسل الجيش الإسلامي لقتل ابن الرسول وأحفاد الرسول وأبناء عمومة الرسول في كربلاء وجندلهم كالضحايا وأنتم تتفرجون لما لمناكم، ولقلنا إن أمير المؤمنين يزيد على رأس الجيش الإسلامي العرموم ولا طاقة لكم به، ولا تثريب عليكم لو تفرجتم على يزيد وهو يذبح أولاد محمد رسول الله وبني عمومته كما يذبح الأضاحي! ولكن يزيد قد مات وهلك وهو تراب الآن! هل شبح الرعب والخوف مقيم في نفوسكم؟ أليست هنالك إمكانية لطرد هذه الأشباح من نفوسكم؟ فإذا أردتم وحدة المسلمين حقاً فقد آن الأوان لوضع أهل بيت النبوة في المكان الذي وضعهم الله به وتسليمهم القيادة وإعطائهم القيادة ليجمعوكم على الحق بعد طول فرقة، وليوصلوكم إلى شاطئ النجاة بعد أن ينقذوكم من الغرق. وقد آن الأوان لتتوقفوا عن الحقد على من والى أهل بيت النبوة وعن الموت والهلاك حباً لمن عاداهم، فإن فعلتم ذلك فقد اهتديتم، وإن أبيتم، فعليكم وزر الذين أظللتم عن ذكر الله الحقيقي.

* * *
٢٤٢
٢٤٣

الفصل الثاني
منهاج دولة البطون التربوي والتعليمي

أسس المنهاج المخترع

إخترعت دولة بطون قريش منهاجاً تربوياً وتعليمياً يقوم على إنكار كل فضيلة لأهل بيت النبوة، وتسويتهم بعامة الناس، وعزلهم عن الأمة وعزل الأمة عنهم، وتنفير الناس منهم، ومحاصرة من يواليهم ومطاردته، والإلقاء في روع العامة أنهم، ومن يواليهم، الخطر الحقيقي الذي يهدد وحدة الأمة ويزعزع دينها واستقرارها ويقوم هذا المنهاج على اختراع مرجعيات بديلة لتحل محل المرجعية الإلهية المتمثلة بأهل بيت النبوة.

وحشدت دولة البطون وخلفاؤها وأولياؤها آلاف الرواة، وأغدقت عليهم العطايا والهبات ليرووا لها روايات عن رسول الله تؤيد هذا المنهاج التربوي والتعليمي الذي اخترعته. ونتيجة هذا الجهد جمعت مئات الآلاف من هذه الروايات، فوثقتها وكتبتها في الوقت الذي كانت فيه رواية أحاديث الرسول وكتابتها محظورتين.

وجعلت دولة البطون من هذا التوجه ومن تلك الروايات، المختلفة في أكثرها، منهاجاً تربوياً وتعليمياً فرضته على الأمة، وألزمتها بحفظه واستيعابه والعمل به. وصار الإيمان به واتباعه مقياس الخطوة عند الخلفاء. وقد سخرت البطون ودولتها جميع موارد الدولة ونفوذها وإعلامها وطاقاتها لترسيخ هذا المنهاج وتثبيته. وخلال عشرات السنين عملت الأمة به، وتقدم المتقدمون بموجبه ثم ماتت الأجيال، وتوارثته الأجيال اللاحقة وألقي في روع الأجيال اللاحقة أنه ثمرة إجماع الأمة، فعضت عليه بالنواجذ وتمسكت به ظانة أنه الحق المبين! وعدته مقياساً لما يعرض عليها من فكر وعلم وثقافة، فما وافقه هو الحق، وما خالفه هو الباطل الصراح!

ومن أبرز معالم ذلك المنهاج اعتبار خلفاء دولة البطون وأولياءهم حائزين للحق والحقيقة وممثلين شرعيين للأمة المسلمة وما عداهم أهل ضلالة وبدعة.

وخلال الصراع الطويل بين الحق وبين هذا المنهاج انقسمت الأمة إلى قسمين:

٢٤٤
١ - الخلفاء وأولياؤهم، وهم شيعة البطون أو أهل السنة.

٢ - أهل بيت النبوة وأولياؤهم، وهم شيعة أهل البيت أو الشيعة إطلاقاً.

وحسب المنهاج التربوي والتعليمي الذي غذت دولة البطون عامة الأمة به، فإن الخلفاء وأولياءهم، ومن سار على دربهم، هم المهتدون، وهم الفئة الناجية، وهم أهل الوفاق والاتفاق، وهم أصحاب الجنة الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون!

أما أهل بيت النبوة ومن شايعهم (أهل الشيعة) فهم شذاذ ومذاهبهم مبتدعة لا أصل لها في الدين، ولا في العقل.

وفي الفصل الذي عقده ابن خلدون لعلم الفقه وتناول فيه المذاهب الإسلامية، عبر عن حقيقة هذا الاعتقاد بقوله حرفياً: (وشذ أهل بيت النبوة بمذاهب ابتدعوها، وفقه انفردوا به، بنوه على مذهبهم في تناول بعض الصحابة بالقدح، وعلى قولهم بعصمة الأئمة ورفع الخلاف عن أقوالهم وهي كلها أصول واهية. وشذ بمثل ذلك الخوارج، ولم يحفل الجمهور بمذاهبهم، بل أوسعوها جانب الإنكار والقدح) (١). فأهل بيت النبوة ومن شايعهم شواذ كالخوارج عند ابن خلدون وكل مذاهبهم مبتدعة، وكافة الأصول التي بنيت عليها تلك المذاهب واهية! هذا كلام ابن خلدون وتلك شهادته وهي تعبر عن حقيقة اعتقاد الخلفاء وشيعتهم بعقيدة أهل بيت النبوة وشيعتهم! وربما وصل ابن خلدون إلى مرتبة علمية عالية، وأحيطت مؤلفاته بعناية أعلام دولة البطون بسبب عقيدته تلك بأهل بيت النبوة ومن شايعهم! وإذا كانت هذه حقيقة نظرة كبار علماء شيعة دولة البطون فكيف تكون بربك حقيقة نظرة العامة منهم؟ وإنها بعض الآثار المدمرة للمنهاج التربوي والتعليمي الذي فرضته دولة الخلافة ورعته!

وبعد أن خفت قبضة دولة البطون، وترعرعت نباتات شوك برنامجها التربوي والتعليمي، وصارت عادة ومعتقداً لدى الرعية، وبعد أن كشف النقاب عن

(١) مقدمة ابن خلدون، بيروت الأعلمي، ص ٤٤٦.
٢٤٥
بعض فضائل أهل بيت النبوة، وعرفها العامة والخاصة، صار الدفاع عن معتقد شيعة الخلفاء في أهل بيت النبوة وشيعتهم من أصعب الأمور. لذلك فصل علماء شيعة الخلفاء أهل بيت النبوة عن شيعتهم، فقالوا بفضائلهم بألسنتهم، وبقيت عقيدتهم بشيعتهم كما هي، بمعنى أنهم أعلنوا احترامهم ومحبتهم لأهل البيت من دون تفصيل، وأبقوا حقدهم وكراهيتهم لشيعتهم ولكافة معتقداتها تلك أمر ثمرات المنهاج الذي ألقى أجرانه في النفوس عبر تاريخ تلك الدولة! وكخطوة على طريق وحدة المسلمين يتوجب على شيعة الخلفاء ومن دون إبطاء إعادة دراسة هذا المنهاج وتطهير النفوس من كراهية أهل بيت النبوة وشيعتهم، والاستفادة من علومهم ومن تجربة شيعتهم. ويتوجب الاقتناع بأن مذهبهم على الأقل مذهب إسلامي شأنه شأن مذهب أبي حنيفة والشافعي وغيره وأن شيعتهم فرقة مسلمة كغيرها من الفرق الإسلامية، وأن الاختلاف بالرأي والنظرة الفقهية لا يوجب إدخال الجحيم! فأي منصف وعاقل في الدنيا كلها يمكن أن يصدق ابن خلدون بأن أهل بيت النبوة شذاذ ومبتدعة، وأن مذهبهم مخترع وأصله واه. في الوقت الذي يؤكد فيه النبي بإجماع شيعة الخلفاء أن أهل بيت النبوة هم أحد الثقلين، وأن الهدى لا يدرك إلا بهما والضلالة لا يمكن تجنبها إلا بالاثنين معاً، وأن أهل بيت النبوة في الأمة كسفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق، وأنهم نجوم الهدى حزبهم حزب الله، وأعداؤهم حزب الشيطان! إن أي عاقل يرى أن ابن خلدون وشيعة الخلفاء باعتقادهم هذا يضعون أنفسهم في موضع المعارض والمعاند لله ولرسوله! نحن لا نطلب من شيعة الخلفاء أن يعتقدوا بتميز أهل بيت النبوة وصدق مواليهم، ولكننا نطالبهم بأن يعدوا أهل بيت النبوة وشيعتهم على الأقل من المسلمين الذين يخالفونهم في الاجتهاد. وهذا مطلب بسيط يعد خطوة أولى في طريق تحقيق وحدة المسلمين.

الحكم والمعارضة

عظمة نظام الحكم - أي حكم - تقاس بموقفه من المعارضة، فكلما اتسع صدر النظام لها سما قدره وتألق نجمه. وهذه القاعدة تنطبق على أنظمة الحكم

٢٤٦
الإلهية والوضعية على السواء. فعندما تسلم رسول الله قيادة دولة الإيمان عاشت المعارضة أسعد أيامها. فعبد الله بن أبي، زعيم المنافقين، يعلن نواياه بكل حرية وصراحة، فيقول: (لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل)، وهو يقصد نفسه بكلمة الأعز، ويقصد رسول الله بكلمة الأذل! فماذا فعل به الرسول، وبماذا عاقبة؟ لقد اقتصر رد فعل الرسول على توبيخ ابن أبي ورهطه من دون الإشارة إليهم بأسمائهم حتى لا يحرجهم ولا يغلق أمامهم درب الرجوع إلى الصواب، إنما توعد المنافقين إن مضوا في غيهم، ووبختهم على سوء نواياها! هذا نموذج لتعامل نظام حكم النبوة مع المعارضة الموسومة إلهياً بالنفاق!

في صلح الحديبية، وبتوجيه إلهي، خطوة بعد خطوة، عقد النبي صلحاً مع بطون قريش بعد مقاومة وقطيعة وحرب دموية دامت ٢١ عاماً، وحقق الرسول بهذا الصلح كل ما حارب من أجله، وما كان يطمع بتحقيقه، وكان الصلح كما وصفه الله تعالى فتحاً مبيناً، إلا أن هذا الفتح المبين لم يرق لعمر بن الخطاب، واعتبره (دنية في الدين) واستعمل جميع الأساليب لتخريب الصلح وإلغاء المعاهدة ولكن جهوده باءت بالفشل، وأتم الله كلماته. ولما عجز عمر عن تحقيق ما أراد، صرح علناً وعلى مسمع من الرسول بأنه لو وجد شيعة تناصره لما (أعطى الدنية في دينه)!، ولألغى بالقوة الصلح الذي أمر الله رسوله بتوقيعه وإبرامه! وهذا عمر نفسه الذي كلفه الرسول بأن ينقل رسالة شفهية إلى بطون قريش، قبل الصلح، فاعتذر وقال للرسول: إني أخشى قريشاً على نفسي وليس لي فيها من يحميني! ماذا فعل الرسول للمعارض الذي توعد باستعمال القوة وبماذا عاقبة؟ لقد قال له الرسول:

(إني عبد الله ورسوله ولن يضيعني). ولما توالت حملاته الكلامية ذكره الرسول بفرار المسلمين يوم معركة أحد، ولم يقل له: أنت فررت في ذلك اليوم. علماً أنه فر وحاول أن يرتب الأمور مع عبد الله بن أبي ليتوسط له عند أبي سفيان حتى لا يقتله! هذا كل ما فعله الرسول مع المعارضة الموسومة بوسم الإسلام (١).

(١) راجع المغازي للواقدي - صلح الحديبية، وكتابنا المواجهة.
٢٤٧
وماذا فعل الرسول بالمسلمين الذين تأمروا على قتله بعد عودته من غزوة تبوك؟ وماذا فعل ببطون قريش عندما دخل عاصمة الشرك فاتحاً؟ وماذا فعل لعمر بن الخطاب وزعماء بطون قريش عندما دخلوا عليه داره وحالوا بينه وبين كتابة ما يريد، وقالوا له: أنت تهجر ولا حاجة لنا بوصيتك، لأن القرآن يكفينا؟ هذه بعض مواقف نظام حكم النبي من المعارضة (١).

وماذا فعل الإمام علي بالخوارج؟ كانوا يشتمونه ويتهمونه بالكفر، ويتحرشون به. وكان أصحاب الإمام يتميزون غضباً من تصرفاتهم، ولكن الإمام اتسع بهم، وأمر أصحابه بأن يتركوهم ليقولوا ما يشاؤون، حتى إذا أفسدوا في الأرض أو قاتلوا تحرك الإمام ليوقف فسادهم، وليضع حداً لقتالهم. لهم يقاتلهم لأنهم يعارضونه، إنما قاتلهم لأنهم تجاوزوا منطق المعارضة إلى منطق الإفساد، لم يحاربهم انتقاماً إنما حاربهم استصلاحاً لهم. وماذا فعل الإمام علي بعائشة وطلحة والزبير؟ لقد أعاد عائشة معززة مكرمة وحتى لا يردعها أمر النساء بأن تلبس لباس العسكر وترافق أم المؤمنين الخارجة عليه إلى مقر إقامتها في المدينة، وأرسل معها أخاها محمداً بن أبي بكر! وماذا فعل الإمام علي للأمويين الذين انخرطوا في جيش عائشة وطلحة والزبير، ألم يكن مروان بن الحكم أحد قادة هذا الجيش؟ لقد تركه الإمام وعاش مروان حتى تسلم الخلافة وجعلها ملكاً له ولعقبه من بعده!

هذه مواقف من دولة الإيمان مع المعارضة، وصور تعامل الحكم الإسلامي معها.

موقف خلفاء البطون من المعارضة

بالقوة والتغلب والقهر قبضت بطون قريش وحلفاؤها على منصب الخلافة وكان النبي على فراش الموت، وطلبت من الناس أن يبايعوا الخليفة الذي اختارته البطون. لم يكن أمام الناس من خيار سوى المبايعة أو الموت! إما المبايعة أو غضب السلطة وجبروتها لما علم الإمام علي بما فعلت البطون احتج عليهم بالدين

(١) وقد وثقنا ذلك في كتابنا المواجهة.
٢٤٨
والمنطق واللسان فقال: (نحن أولى بالنبي حياً وميتاً، لقد احتججتم على الأنصار بالقرابة من رسول الله وأنا أحتج عليكم بمثل ما احتججتم به على الأنصار؟! فماذا كان جواب البطون؟ قالوا: بايع. فقال: إن لم أفعل فمه؟ قالوا: إذاً والله الذي لا إله إلا هو نضرب عنقك؟ فدهش الإمام، وقال: تقتلون عبد الله وأخا رسوله؟

فكرروا تهديدهم. فالتحق الإمام بقبر النبي شاكياً بشكوى هارون: (قال ابن أم إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني) [ الأعراف / ١٥٠ ]. والتحق الإمام علي ببيته، وبينما كان يجلس ومعه زوجته، ابنة النبي فاطمة الزهراء، وابناه، سبطا النبي الحسن والحسين، فوجئوا بسرية من جيش الخليفة تحيط بالبيت المبارك إحاطة السوار بالمعصم وتجمع الحطب لتحرقه على من فيه وهم أحياء! وفيه علي ولي الله بالنص! وفيه فاطمة سيد نساء العالمين بالنص! وفيه الحسن والحسين سبطا النبي والإمامان وسيدا شباب أهل الجنة بالنص!

وصاح عمر بن الخطاب: اخرجوا وبايعوا وإلا حرقنا عليكم داركم! إذا كانت هذه هي معاملة دولة البطون لابن عم النبي ولابنته ولسبطيه فكيف تكون معاملتها للأشخاص العاديين من المسلمين!؟ إذا كانت هذه هي معاملتها للمعارضة في العصر الذهبي فكيف تكون معاملتها للمعارضة في عصرها الحجري!؟ أين سعد بن عبادة؟ ومن قتله؟ أين مالك بن نويرة؟ ومن قتله؟ أليس سعد هو سيد الخزرج وحامل لواء الأنصار في كل زحف؟ أليس هو الصحابي الجليل الذي لم يخذل رسول الله قط؟ أليس مالك بن نويرة هو الأمير الذي عينه الرسول على قومه، ومات هو على إمارته وهو الصحابي الجليل؟ لماذا قتل سعد، ولماذا قتل مالك؟ قتلا لأنهما معارضة تلكأت عن بيعة خليفة البطون! وفي عهد معاوية فرض على رعيته مسبة علي بن أبي طالب وحكم بالموت وهدم دار من أحبه أو والاه، وفي عهد يزيد ابنه هدم الكعبة التي التجأت إليها المعارضة، وفي زمن المتوكل على الله حرم على الناس أن يعينوا أهل بيت محمد، وحرم على أهل بيت محمد أن يتسولوا. يريدهم أن يموتوا جوعاً لأنهم معارضة. وأعظم من ذلك فإن الخليفة المتوكل هدم ضريح الحسين لأنه معارضة!

٢٤٩

الحكم والمعارضة في الأنظمة الرأسمالية

في النظام الرأسمالي تقف المعارضة على قدم المساواة مع الحكم. صحيح أن الأكثرية تحكم والأقلية تعارض، لكن حق المعارضة حق دستوري ثابت لا يملك الحكم مصادرته، بمعنى أن الأنظمة الرأسمالية والتحررية تحترم المعارضة، وتصغي لقولها، وتتقبل انتقاداتها، فمطلب الحكم هو الوقوف على الحقيقة، وقد تكون الحقيقة مع المعارضة، لذلك وجدت منابر للحكم، ومنابر للمعارضة وصحف للحكم وصحف للمعارضة، فالمعارضة واجب وطني يهدف إلى تسليط الضوء على عمل الحكم أو السلطة ليبقى هذا العمل في إطار الشرعية الوضعية والمشروعية بمعنى أن المعارضة ليست جرماً، والمعارضون ليسوا أشراراً، فكما يتسلح الحكم بالمشروعية الدستورية والقانون فإن المعارضة تتسلح بالسلاح نفسه، وكما يسمع الشعب أو الأمة رأي السلطة وصوتها يسمع رأي المعارضة وصوتها، وهذا حق للسلطة وللمعارضة وللشعب. وبعد أن يسمع الشعب هذه الآراء والأصوات يحكم عليها وفق مقاييس القانون السائد أو العقل أو المنطق ولا يملك أحد أن يتهم الآخر بالكفر أو الزندقة أو الخيانة... الخ لأن الأصل أن المعارضة والحكم يبحثان عن الأصوب والأقوم، ويخدمان أمة واحدة ويجتهدان في نصحها وخدمتها!

السؤال المطروح على شيعة الخلفاء

إذا كان عسيراً عليكم أن تقتدوا برسول الله، وتلتزموا بالأحكام الشرعية التي تنظم العلاقة بين الحكم والمعارضة وتعالج الاختلاف في الرأي بين أتباع الدين الواحد فهل يمكن أن تتعلموا بعض أخلاقيات الأنظمة الرأسمالية والديمقراطية المعاصرة والتي تسمونها أنظمة كفر؟ إن التزمتم الأحكام الشرعية أو تعلمتم تقاليد الأنظمة الديمقراطية يكن واجباً عليكم أن تعاملوا أهل بيت النبوة وشيعتهم معاملة أخوة لكم في الدين اختلفوا معكم بالرأي! فإذا أردتم وحدة المسلمين حقاً فلنعد نظام الخلافة التاريخي كان حكماً وسلطة وأن أهل بيت النبوة كانوا معارضة، وأن الحكم والمعارضة قد اختلفوا في الاجتهاد، فالاختلاف المعارضة مع حكم الخلفاء

٢٥٠
لا يعني أن المعارضة رافضة كافرة أو فاسقة.. الخ. من تلك الأوصاف التي تلصقونها بهم في حالات غضبكم ورضاكم! كأنكم تفعلون ذلك ليرضى عنكم الخلفاء، ولتضمنوا استمرار الرزق والعطاء!

إن الخلفاء قد ماتوا جميعاً، وأن نظام الخلافة كله قد سقط وانتهى وأنتم في عصر جديد! نرجوكم، أيها السادة، استفيقوا على هذه الحقائق، ولكن إن سقط نظام الخلافة فإن الدين لم ولن يسقط بإذن الله لأنه دين الله، وليس مرتبطاً بأشخاص الخلفاء، ولا بنظام الخلافة فهو سابق للخلفاء، وسابق لنظامهم، وهو دين الله وصراطه المستقيم، ومهمة المسلمين أن يتحدوا ويوحدوا جهودهم ويعتصموا بالله، ويقدموا هذا الدين للعالم كحل أوحد لمشكلاته، بالحكمة والبرهان والموعظة الحسنة. وإذا نجحنا بأخوتنا في ظلال هذا الدين فإن العالم كله سيدخل في دين الله، ويتم الوعد الحق بالاستخلاف الإلهي في الأرض.

نقطتا الارتكاز: القانون والقيادة

في مسيرة المسلمين لتحقيق الوحدة، ولمحاكاة النموذج الأمثل: دولة النبوة، نحتاج إلى ثقلين متكاملين لا غنى لأحدهما عن الآخر، وحتى نبتعد عن الظن الذي أوردنا موارد الهلاك والردى، وندخل في دائرة الجزم واليقين لا بد من الأخذ بهذين الثقلين، وهما: كتاب الله وبيان النبي لهذا الكتاب، هذا هو الثقل الأول والأساس الأول للوحدة والتوفيق، وهو بمثابة القانون النافذ أو المنظومة الحقوقية للأمة. وثاني الثقلين هو عترة النبي، أهل بيته، وهم بمثابة القيادة السياسية والمرجعية المؤهلة لهذا المنصب. لقد بين الرسول أن الأمة لن تدرك الهدى، ولن تتجنب الضلالة إلا إذا تمسكت بالثقلين معاً وعلى هذا أجمعت الأمة!

وقد أجمعت الأمة واتفقت على الثقل الأول، كتاب الله وبيان النبي لهذا الكتاب، فالخلفاء وشيعتهم وأهل بيت النبوة وشيعتهم متفقون تماماً على الثقل الأول. واختلفت الأمة في صدد الثقل الثاني فالخلفاء وشيعتهم لا يسلمون بحق أهل بيت النبوة في قيادة الأمة، ويرون أن ذلك حق خالص لبطون قريش فهم يريدون رجلاً منها لعدة أسباب: ١ - قول الرسول: الأئمة من قريش. ٢ - لأن

٢٥١
قريشاً عشيرة النبي. وحجة الخلفاء وشيعتهم منقوضة لأن بني هاشم وأهل بيت النبوة بالذات هم ذؤابة قريش في الجاهلية والإسلام وهم أقرب للنبي من البطون وأولى منها به.

السبب الحقيقي لرفض شيعة الخلفاء قيادة أهل بيت النبوة!

تعتقد شيعة الخلفاء أنها إذا سلمت الآن بحق أهل بيت النبوة بقيادة الأمة فإنها ضمناً تعيب على الخلفاء وتخطئهم، وإذا كان خلفاء البطون على الخطأ فمعنى ذلك عدم شرعية حكمهم، ومعناه أن التاريخ السياسي الإسلامي قد انهار تماماً، وانهياره يعني انهيار كافة البنى والمعتقدات السياسية لشيعة خلفاء البطون! وبانهيار هذه المعتقدات السياسية ينهار الإسلام الذي ربطوه بالتاريخ وحرصوا على تسويق الاثنين معاً لأنهما - حسب قناعاتهم - وجهان لعملة واحدة! ثم كيف يقبلون أمراً رفضه خلفاء البطون، وهم من قريش وأقرباء الرسول؟! هذا هو السبب الحقيقي الذي يدعو شيعة الخلفاء لمقاومة قيادة أهل بيت النبوة! ومن جهة ثانية، فإنهم يخافون على مكتسباتهم فقد تولوا توجيه الأكثرية الساحقة من المجتمع الإسلامي على هدى المعتقدات السابقة، فإذا تبنوا قيادة أهل بيت النبوة للأمة فإن عليهم ترك مركز توجيه المجتمع! ومن جهة ثالثة فإنهم يخشون من الإقرار بوقوع آبائهم وأجدادهم بهذا الخطأ الشنيع والحكم بإدانتهم، والإنسان بفطرته يكره ما يدينه ويحب البراءة!

من القدوة والمثل الأعلى؟

تعتقد شيعة الخلفاء أن أفضل المسلمين، على الإطلاق، بعد النبي هم الخلفاء، وبالتحديد الخلفاء الأربعة: أبو بكر وعمر وعثمان، ثم ألحقوا بهم علياً بن أبي طالب بعد أن شتموه وسبوه وفرضوا ذلك على الرعية قرابة ألف شهر، ولم يدرج علي في قائمة (أفضل المسلمين) لا لأنه من أهل بيت النبوة! ولا لأنه مولى وولي من كان النبي وليه! ولا لأنه فارس الإسلام ومستودع علم النبوة! ولا لأنه ابن عم النبي ومن تربي في حجره أو زوج ابنته ووالد سبطيه!! كل ذلك لم يكن وارداً.

٢٥٢
لكن علياً ألحق بقائمة (أفضل المسلمين) صار خليفة بمواصفات الخلفاء الثلاثة الأول أغلقت دائرة الفضل العليا. لذلك سموا مرحلة حكم هؤلاء الخلفاء الأربعة بالخلافة الراشدة. ما يعني ضمناً أن خلافة الخلفاء اللاحقين لم تكن راشدة. هذه حقيقة ما وصلوا إليه، وإن لم يصرحوا بعدم رشد الخلافة اللاحقة.

والخلاصة أن تصرفات الخلفاء وبخاصة الأول والثاني صارت بمثابة سوابق دستورية أو أعراف واجبة الإتباع، أو سنن تقف على قدم المساواة مع سنة الرسول! فولاية العهد سنها أبو بكر، فصارت سنة لكل الخلفاء، واختيار أو ترشيح سنة سنها عمر، وتقسيم الأموال بين الناس حسب منازلهم عند الخليفة سنة سنها عمر، وهي مناقضة لسنة الرسول الذي كان يوزع المال بين الناس بالسوية، فماتت سنة الرسول وعاشت سنة عمر وقد قالت شيعة الخلفاء إن هذا من قبيل الاجتهاد، فالرسول مجتهد وعمر مجتهد، ومن حق المجتهد أن يخالف مجتهداً آخر، وصلاة التراويح سنة سنها عمر ولم يسنها رسول الله، ومع هذا فشيعة الخلفاء تلتزم بها بدقة.

الاعتقاد بمرجعية جميع الصحابة

يعتقد شيعة الخلفاء أن الصحابة جميعاً، وعلى رأسهم الخلفاء الثلاثة الأول، مراجع من بعد النبي! بمعنى أن مراجع المسلمين من بعد النبي بعدد أفراد الصحابة، فإذا كان الصحابة مليون صحابي فمعنى ذلك أن المسلمين من بعد النبي مليون مرجع، وبوسع المسلم أن يأخذ أحكام دينه من أي مرجع منهم!! وبالتالي فإن أهل بيت النبوة ليسوا المرجع الوحيد، فما هم وفي أحسن الأحوال إلا بضعة عشر صحابياً من جملة مليون صحابي!

قال أبو حنيفة: (إن لم أجد في كتاب الله ولا في سنة رسول الله أخذت بقول أصحابه، فإذا اختلفت آراؤهم في حكم الواقعة آخذ بقول من شئت وأدع من شئت...) (١).

وجاء في أعلام الموقعين لابن القيم الجوزية: (أن أصول الأحكام عند

(١) راجع أبا حنيفة للشيخ أبي زهرة ص ٣٠٤، والإمام زيد لأبي زهرة ص ٤١٨.
٢٥٣
الإمام أحمد خمسة: الأول النص، والثاني فتوى الصحابة، وأن الأحناف قد ذهبوا إلى تخصيص كتاب الله بعمل الصحابي لأن عمل الصحابي كقوله) (١).

عدالة الصحابة وقداستهم وطهارة أهل بيت النبوة

تعتقد شيعة الخلفاء أن كل من شاهد الرسول أو سمع منه أو جالسه عادل وصادق، ومن المستحيل أن يكذب أو يعصي أو يخطئ. قال ابن حجر العسقلاني، في ترجمة مروان: (إذا ثبتت صحبته لم يؤثر الطعن فيه). فكل طعن بأي صحابي على الإطلاق مردود لأنه محصن إلهياً ضد الطعن، ومن يطعن بأي صحابي لا يجوز للمسلمين مؤاكلته أو مشاربته، ولا يجوز لهم أن يدفنوه في مقابر المسلمين (٢)! ومع أن أهل بيت النبوة صحابة، بالمعنى الذي يقصده الخلفاء وشيعتهم، فإنه، من الناحية العملية، لم تكن لصحبتهم قيمة تذكر. ولم تكن لرواياتهم قيمة خاصة تصل إلى مستوى قيمة روايات بقية الصحابة! إلا إذا كانت هذه الروايات تدعم هذا الخليفة أو ذاك، أو تسوغ بعض أعماله! حتى أن بعض الخلفاء لم يجدوا حرجاً ولا غضاضة في أن يفرضوا على الرعية مسبة عميد أهل بيت النبوة علي بن أبي طالب وتكذيبه ولعنه مع أنه - على الأقل - صحابي! ورأت الأكثرية الساحقة من الرعية أن من واجبها تنفيذ أمر الخليفة، وبالفعل لعنت الإمام علي بالعشي والإبكار، وبقيت ملتزمة بذلك حتى أمر عمر بن عبد العزيز بوقف ذلك. فباركت الرعية هذا القرار وعدته في غاية الحكمة!

موالاة الخلفاء وموالاة أهل بيت النبوة

صارت موالاة الخلفاء وأعوانهم واجباً مفروضاً على كل مسلم بحكم الدين، وذلك لأن الخليفة هو ولي الأمر واقعياً، ولا ينبغي أن يعلو على صوته صوت، أو أن يعكر الولاء له معكر! فكل الولاءات يتوجب أن تصب بالولاء للخليفة وأعوانه، وأن تمر من خلاله! وهذه القاعدة حاكمة على كل القواعد! ومن

(١) راجع المدخل إلى علم أصول الفقه للدواليبي.

(٢) وقد عالجنا ذلك بتوسع في كتابنا نظرية عدالة الصحابة فارجع إليه إن شئت.

٢٥٤
هنا لم يكن مشروعاً تولي أهل بيت النبوة وموالاتهم، واعتبر بعض الخلفاء هذا التولي والموالاة جريمة من جرائم الخيانة العظمى يعاقب مرتكبها بالموت حتى ولو كان صحابياً، فهذا حجر بن عدي وجماعته من كبار الصحابة، وهذا عمرو بن الحمق من شيوخ الصحابة، ومع هذا قتلهم الخليفة معاوية بتهمة موالاة أهل بيت النبوة! حتى أن حب أهل بيت النبوة كان من جرائم الخيانة العظمى، يعاقب مرتكبها بالموت، وهدم الدار وشطب الاسم من ديوان العطاء والأرزاق، تجريده من حقوقه المدنية! بحيث لا تقبل شهادة أبداً (١). وذلك في الوقت الذي كان يتمتع فيه موالي الخليفة ومحبيه بكل أنواع الحرية والنعيم! ففكرة عدالة الصحابة كانت ستاراً لإكفاء إناء أهل بيت النبوة، وللقضاء على منزلتهم الدينية، ولتمييع مرجعيتهم، وتجييرها للخليفة الغالب ولتوطيد سلطانه. ألم تر أن علياً بن أبي طالب كان صحابياً، ومع هذا كانت لعنته واجباً دينياً فرضه الخليفة على كل أفراد رعيته وجماعاتها! ثم قتل الصحابي علي! ألم يكن حجر بن عدي صحابياً ومن أجلاء الصحابة؟! ألم يكن أصحابه كذلك؟! ألم يكن عمرو بن الحمق صحابياً؟

لقد كانوا، ولكنهم قتلوا بجرم عدم موالاة الخليفة وموالاة آل محمد!

فمن لا يوالي الخليفة الغالب - أياً كان - (ليس له بر يقيه ولا بحر) ومصيره الموت حتى لو التجأ إلى الكعبة! ألم يهدم الخليفة يزيد بن معاوية الكعبة على رؤوس معارضيه الذين احتموا بها؟! ألم يهدم عبد الملك بن مروان الكعبة، أيضاً، على رؤوس الذين عارضوه واستجاروا بها؟! ألم يربط مسلم بن عقبة خيله في مسجد الرسول نفسه!؟ ألم يستبح مدينة الرسول ثلاثاً، ويولد جيشه ألف عذراء من غير زواج؟! ألم يختم أعناق الصحابة، ويأخذ منهم البيعة على أنهم خول وعبيد لأمير المؤمنين يزيد بن معاوية؟! وهذا معنى أن الولاء للخليفة وعدم الولاء لغيره - أهل البيت أو سواهم - يشكل القاعدة الحاكمة بجميع القواعد النافذة في مجتمع دولة الخلافة. وأي مكانة مقدسة لا تنجي أياً كان، فلا شئ يمنع من سم الحسن سبط الرسول ومن قتل الحسين سبط الرسول، ومن قتل أبناء الرسول وأحفاده،

(١) وقد وثقنا ذلك في كتابنا المواجهة.
٢٥٥
ومن سبي بنات الرسول، إذا وجد الظن بعدم موالاتهم أو خطرهم على نظام الخليفة! تلك حقائق من الوضوح بحيث يتعذر إنكارها أو الإعتذار عنها.

من الثقة عند الخلفاء؟

حجر بن عدي وأصحابه صحابة، وعمرو بن الحمق من الصحابة، ومن المفترض حسب القواعد التي وضعها الخلفاء وأعوانهم أن يكونوا عدولاً وثقة!

وأن يروي الناس عنهم أحكام دينهم. وسعد بن عبادة سيد الخزرج وحامل لواء الأنصار، في كل المواقع من سادات الصحابة، ومالك بن نويرة صحابي جليل وأحد الأمراء الذي عينهم النبي ومات النبي وهو على ولايته ومع هذا لا أحد من شيعة الخلفاء يروي عن هؤلاء الصحابة الكرام. لقد قتلوا جميعاً بجرم الخيانة العظمى - عدم موالاة الخليفة - أو بتعبير أدق: موالاة أهل بيت النبوة، لم يقتصر هذا الأمر على عهد الصحابة، فالإمام الشافعي كان يحب أهل بيت النبوة، ويتستر على هذا الحب، وعندما اكتشف ذلك بعض أئمة الجرح والتعديل قالوا: إن الشافعي ليس بثقة! قال ابن عبد البر: روينا عن محمد بن وضاح قال: سألت يحيى بن معن عن الشافعي فقال: (ليس بثقة). ويحيى بن معين هذا من كبار رجال الجرح والتعديل الذي اعتبر قوله بالرجال حجة قاطعة. قال يحيى بن معين أن سعيد بن خالد البجلي ثقة! فقال له بعض أصحابه: إن خالداً هذا من موالي أهل بيت النبوة وشيعتهم! فدهش يحيي بن معين وقال مستغرباً: (وشيعي ثقة)! فعلم الرجال لم يكن يعلم أن رجلاً من شيعة أهل بيت النبوة يمكن أن يكون ثقة! فكل قناعاته منصبة على أن كافة موالي أهل بيت النبوة غير ثقة! أما إذا كان الرجل يوالي الخلفاء فهو ثقة، فالوليد بن عقبة ثقة مع أنه الفاسق بنص القرآن، ومع أنه شارب للخمر، وقد صلى وهو سكران بإجماع المؤرخين! ومروان بن الحكم ثقة مع أنه الملعون ابن الملعون كما ذكر رسول الله! وعمر بن سعد بن أبي وقاص ثقة مع أنه قتل الحسين وأحفاد الرسول في كربلاء. وباختصار هم يروون ويعتمدون جميع الروايات التي يرويها الذين يوالون الخلفاء أو يقال إنهم من موالي الخلفاء ويروون عمن لا يعرف له حال، وعمن لا يعرف له عين، ولكنهم لا يروون عن أهل بيت

٢٥٦
النبوة، أو عن أناس يوالون أهل البيت إلا إذا كانت هذه الروايات تخدم منهاجهم التربوي والتعليمي!

الطريقان الأيسر والأصعب واختيار الأصعب!

كان الإمام جعفر الصادق (ابن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (يقول: (حديثي حديث أبي، وحديث أبي حديث جدي وحديث جدي حديث رسول الله، وحديث رسول الله قول الله). كان يقول ذلك علناً وعلى رؤوس الأشهاد، وقد سماه أهل زمانه بالصادق لأنه لم يكذب قط! فمن الذي منع الخلفاء وعلماءهم من أن يأخذوا دينهم عن هذا الرجل الإمام طالما أن طريقه هو الطريق الموثوق والسهل! لكن الخلفاء كرهوا طريق أهل بيت النبوة وسلكوا الطريق الصعب، فقالوا عن فلان من أهل البادية، عن علامة من أهل مكة، عن زيد من الطائف، عن عمرو من الحديبية عن فلان من أهل المدينة، عن كعب الأحبار يهودي قد أسلم ولم يصحب الرسول أنه قال، سمعت أبا هريرة يقول قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كذا وكذا... قولوا بربكم أي الطريقين أسلم وأوثق وأضمن، طريق الإمام جعفر الصادق أو الطريق التي اخترعها الخلفاء وأولياؤهم!؟

* * *
٢٥٧

الفصل الثالث
من هم المراجع بعد الصحابة وسقوط دولة البطون؟

عودة الحق أمر طبيعي

على فرض إمكانية تعدد المراجع في الدين الإسلامي مع أن هذا الفرض ساقط، فلم يكن للمسلمين أثناء حياة الرسول إلا مرجع واحد وهو الرسول، إذ لو تعددت المراجع لاختلفت الآراء وتعددت، وادعى كل مرجع بصواب ما ذهب إليه، مع ما تجره هذه الادعاءات من اختلاف كلمة الأمة وتشتتها وانقسامها إلى شيع وأحزاب، تناصر كل شيعة من هذه الشيع مرجعاً من المراجع الموجودة على الساحة!! وعلى فرض أن هذه المرجعيات مشروعة، وأن كل واحد من الصحابة يشكل مرجعاً كما أشيع (وبأيهم اهتديتم اقتديتم)! فالسؤال الذي يطرح نفسه هو:

بعد موت الصحابة، من هو المرجع، أو من هم المراجع؟ وبتعبير أدق هل يسترد أهل بيت النبوة حقهم بالقيادة والمرجعية من بعد موت جميع الصحابة؟ أو بمعنى آخر: إذا كان ليس من حق أهل بيت النبوة أن يكونوا مرجعاً وقيادة للأمة مع وجود الصحابة أفليس من حقهم أن يتولوا المرجعية والقيادة بعد موت الصحابة؟

أهل بيت النبوة يرون أن طالما أن بطون قريش قد اتحدت، خلال حياة الصحابة الكرام، للحيلولة بينهم وبين حقهم بالقيادة والمرجعية، وطالما أنهم قد قبلوا بالواقع المفروض عليهم حرصاً منهم على مصلحة الإسلام، فمن الطبيعي أن يعود لهم حقهم بالقيادة والمرجعية بعد موت الصحابة لأنهم الجامع المشترك بين جميع المسلمين، وهم الرمز الشخصي لامتداد الوجود المحمدي، فضلاً عن مئات النصوص الصريحة الواردة في القرآن والسنة والتي أعطتهم مكانة مميزة وخاصة فضلاً عن الممارسات التعبدية لكل مسلم، فيومياً، وفي كل صلاة، يتوجب على المسلم أن يصلي على محمد وعلى آل محمد (أهل البيت)، وإن لم يفعل فصلاته غير جائزة! فلو صلى أبو بكر أو عمر أو عثمان أو معاوية أو السلطان

٢٥٨
كتاب مساحة للحوار للمحامي أحمد حسين يعقوب (ص ٢٥٩ - ص ٢٨٣)
٢٥٩
اقتلاعه إلا بعملية (جراحية)، بمعنى أن المنهاج التربوي والتعليمي الذي فرضته البطون بقوة دولتها ونفوذها كان بمثابة عملية (غسل دماغ) استمرت قرابة ألف عام. والقيام بعملية (غسل دماغ مضادة) تحتاج إلى جهد استثنائي، لا طاقة لأي فرد أو جماعة عليه!

ويمكنك القول إن إعادة حق القيادة والمرجعية لأهل بيت النبوة يعني مخالفة لسنة خلفاء الدولة التاريخية الإسلامية، تلك السنة التي دامت ألف عام على الأقل، وهي تعمل وتترسخ في النفوس، ومن جهة ثانية، فأن إعادة حق أهل بيت النبوة بالقيادة والمرجعية يتعارض مع أهواء الطامعين بهذه القيادة والمرجعية ويتعارض مع ميول أصحاب الثروة والطبقات المترفة التي تخشى العدل الإلهي المتمثل بقيادة أهل بيت النبوة ومرجعيتهم! فعلى سبيل المثال، كان خلفاء البطون يعطون الناس بنسب متفاوتة وحسب منازلهم عندهم، وحسب ولائهم لنظام الخلافة وتوجهاته، أي أنهم كانوا لا يساوون بين الناس بالعطاء كما قضت سنة النبي!

بل كانوا يعطون القرشي أكثر من غيره، ويعطون العربي أكثر من المولى، حتى زوجات الرجل الواحد كانوا لا يساوون بينهم في العطاء، فكان عمر يعطي كل واحدة من زوجات الرسول عشرة آلاف ويعطي كلا من عائشة وحفصة اثني عشر ألفاً.

وعند ما آلت الخلافة إلى علي بن أبي طالب، وفق النمط الذي اخترعه الخلفاء، أعاد سنة الرسول، فكان يعطي الناس بالسوية لا فرق بين عربي وعجمي. وكان يأخذ عطاءه مثل أي واحد من الناس! هذه السياسة العادلة التي اتبعها الإمام أكدت وساوس الطبقة المترفة وشكوكها، ووجاهة تحالفها مع قادة بطون قريش. وبينت أن قيادة أهل بيت النبوة ومرجعيتهم ليست لمصلحة التحالف الحاكم بل هي لمصلحة الأغلبية الساحقة من أفراد الأمة!

وبما أن خلفاء البطون وقادتها، وأبناء الطبقة الفنية المترفة كانوا يشكلون فريقاً واحداً يملك السلطة والمال والإعلام فقد كرسوا، بشكل نهائي، وبوسائل

٢٦٠