×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

مساحة للحوار من أجل الوفاق ومعرفة الحقيقة / الصفحات: ٢١ - ٤٠

بقوله (أولئك هم خير البرية) [ البينة / ٧ ]. وفي موقف ثالث أكد الرسول لعلي بن أبي طالب بأنه سيقدم على الله وشيعته راضين مرضيين. وقد تلفظ الرسول بذلك قبل وقوع تلك الأحداث، وقبل أن يزداد أعداء علي بن أبي طالب.

وقد روى هذه الأحاديث رجال كثيرون من كبار علماء أهل السنة وليسوا من شيعة الإمام، في وقت كانت فيه محبة الإمام أو رواية أي فضيلة من فضائله أو فضائل أهل بيت النبوة تعد من جرائم الخيانة العظمى في نظر الدولة التاريخية التي كانت تحكم المسلمين باسم الإسلام. وقد اقتنع الرواة بصحة صدور هذه الأحاديث عن الرسول، وإلا لما تجشموا عناء روايتها.

وما يعنينا هو أن الرسول الأعظم قصد بشيعة علي أعوانه ومؤيديه والقائلين بولايته، وعدهم بمثابة فرقة أو جماعة من الناس متميزة من غيرها من الفرق والجماعات. وهذا المعنى اللغوي والاصطلاحي عينه الذي أبرزه القرآن الكريم.

وفي المثال الثاني المتعلق بالحسين استعمل رسول الله كلمة (شيع) لتدل على المعنى عينه الذي أبرزه القرآن الكريم عند استعماله لكلمة (شيع) وهو الحالة التي ينقسم المجتمع فيها على نفسه وينقسم إلى مجموعة من الأحزاب أو الجماعات أو الفئات المتناقضة والمتصارعة.

* * *
٢١

الفصل الثاني
معنى كلمة شيعة في السياق التاريخي

١ - أقدم نص عثرت عليه، في التاريخ السياسي الإسلامي، تضمن كلمة (شيعة) ينسب للخليفة الثاني عمر بن الخطاب، فمن المعروف أن هذا الخليفة عارض بشدة صلح الحديبية الذي ارتضاه الله للمسلمين ووقعه رسوله. وكان يرى أن هذا الصلح (دنية في الدين)، حاول جهده لإلغاء تلك المعاهدة حتى لا يعطي (الدنية في دينه)، ولكن محاولاته لم تنجح. وفي ما بعد عبر عن ذلك بقوله: (لو وجدت ذلك اليوم شيعة تخرج عنهم رغبة بالقضية لخرجت) (١) وفي رواية ثانية ذكرها ابن أبي الحديد: (أن عمر قد قام مغضباً وقال: لو أجد أعواناً ما أعطيت الدنية أبداً) (٢) وما يعنينا أن عمر بن الخطاب استعمل كلمة (شيعة) وقصد بها جماعة ترى رأيه وتسعى معه لتحقيق هدف مشترك. وبعبارة أخرى إن عمر قد عنى بكلمة (الشيعة) معناها اللغوي المستقر لغة والمتفق مع خطاب القرآن وخطاب الرسول.

٢ - واستعملت كلمة (شيعة) في صك التحكيم الذي كتب بين الإمام علي بن أبي طالب وبين معاوية بن أبي سفيان. وقد وردت لتدل دلالة كاملة على المعنى اللغوي المستقر في اللغة والمعبر عنه في القرآن والحديث. وجاء في هذا الصك:

(هذا ما تقاضى عليه علي بن أبي طالب... ومن كان معه من شيعته قاض معاوية بن أبي سفيان... ومن كان معه من شيعته) كما قال نصر بن مزاحم برواية محمد بن علي بن الحسين والشعبي، وروى جابر عن زيد بن الحسين رواية أخرى، ولكنها تتفق مع الأولى بذكر (ومن كان معه من شيعته عند ذكرها للإمام علي، وعند ذكرها لمعاوية (٣).

(١) راجع: المغازي للواقدي، ٢ / ٦٠٧.

(٢) راجع: شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، تحقيق حسن تميم، ٣ / ٧٩٠.

(٣) راجع: شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، تحقيق حسن تميم ١ / ٤٣٧.

٢٢
٣ - قال الإمام علي في إحدى خطبه (١) (... حتى يكون بعضكم أئمة لأهل الضلالة وشيعة لأهل الجهالة). وقال عن أهل البصرة (... وأفسدوا علي جماعتي ووثبوا على شيعتي) (٢).

٤ - زار معاوية بعد أن استبد بالحكم، بيت عثمان بن عفان، ولما رأته عائشة ابنة عثمان صاحت وندبت أباها، كأنها تقول لمعاوية: (إن معاقبة قتلة عثمان كان هو الشعار الذي رفعته للخروج على الإمام علي بن أبي طالب، وها أنت قد قبضت على مقاليد الأمور فما الذي يمنعك من معاقبة قتلة أبي! (وفهم معاوية المغزى، فقال لها: (يا بنت أخي إن الناس أعطونا سلطاننا فأظهرنا لهم حلماً تحته غضب، وأظهروا لنا طاعة تحتها حقد..). إلى أن قال: (ومع كل إنسان منهم شيعة، فإن نكثناهم نكثوا بنا..) (٣).

فمعاوية يعبر عن واقع الحال المتمثل بانقسام المجتمع إلى شيع، ويستعمل كلمة شيعة لتدل على معناها اللغوي والاصطلاحي والتاريخي. كما جاء في القرآن الكريم.

٥ - وبعد انتصار معاوية ومبايعته ليكون خليفة، أو ملكاً، على المسلمين استهل عهده بسلسلة من المراسيم الملكية التي وجهها لعماله، وجاء في بعضها:

(لا تجيزوا لأحد من شيعة علي وأهل بيته شهادة وجاء في آخر: (أن انظروا من قبلكم من شيعة عثمان ومحبيه وأهل ولايته) (٤).

٦ - قال معاوية للحسين بن علي عليه السلام يوماً: (يا أبا عبد الله، أعلمت أنا قتلنا شيعة أبيك فحنطناهم وكفناهم وصلينا عليهم ودفناهم؟ فقال الحسين: لكنا والله إن قتلنا شيعتك ما كفناهم ولا حنطناهم ولا صلينا عليهم ولا دفناهم) (٥).

(١) راجع نهج البلاغة خطبة ١٣٩.

(٢) راجع: المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة، دار الأضواء بيروت ص ٧٦٧.

(٣) راجع البداية والنهاية لابن الأثير، ٨ / ١٣٣ نقلاً عن معالم الفتن، ٢ / ١٨٨.

(٤) راجع شرح نهج البلاغة لعلامة المعتزلة ابن أبي الحديد، ٣ / ٥٩٥، كما نقلها عن المدائني في كتابة الأحداث.

(٥) راجع الكامل لابن الأثير، ٢ / ٢٣١.

٢٣
٧ - كتب معاوية إلى واليه على الكوفة، المغيرة بن شعبة، يوصيه بشتم علي بن أبي طالب وذمه والعيب على أصحابه، وإقصائهم وعدم الاستماع إليهم إلى أن قال: (وبإطراء شيعة عثمان...) (١).

٨ - كتب يزيد بن معاوية إلى واليه عبيد الله بن زياد: (أما بعد فقد كتب إلي شيعتي من أهل الكوفة يخبرونني أن ابن عقيل يجمع الجموع..) (٢).

٩ - وقال اليعقوبي في تاريخه: (فقام جماعة من شيعة مروان فقالوا: لتقومن إلى المنبر أو لنضربن عنقك) (٣).

١٠ - أحضر زياد ابن أبيه قوماً (بلغه أنهم شيعة لعلي ليدعوهم إلى لعن علي) (٤).

١١ - وصف الإمام أبو جعفر محمد بن علي الباقر عليه السلام ملخص ما أصاب أهل بيت النبوة إلى أن قال: (وكان عظم ذلك وكبره زمن معاوية بعد موت الحسن عليه السلام، فقتلت شيعتنا بكل بلدة، وقطعت الأيدي والأرجل على الظنة، وكل من يذكر بحبنا والانقطاع إلينا سجن أو نهب ماله، أو هدمت داره..) إلى أن قال: (حتى أن الرجل ليقال له زنديق أو كافر أحب إليه من أن يقال شيعة على...) (٥).

شيعة وتشيع: لغة واصطلاحاً

الفقرات التي أوردناها في مقدمة الفصل الثاني نماذج مختارة من الاستعمالات التاريخية لكملة شيعة، فإذا أضيفت إلى ما سقناه من النصوص الشرعية الواردة في القرآن والسنة التي اشتملت على كلمة شيعة وشيع، وتبينا

(١) راجع تاريخ الطبري، ٤ / ١٨٨، حوادث سنة ٥١ ه‍.

(٢) المصدر نفسه.

(٣) تاريخ اليعقوبي ٢ / ٢٥٨.

(٤) راجع الكامل لابن الأثير، ٣ / ٤٧٧ - ٤٧٨.

(٥) راجع شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ٣ / ٥٩٥ تحقيق حسن تميم.

٢٤
المعنى ; لا يبقى لدينا أدنى شك في أن كلمة شيعة تعني، لغة واصطلاحاً، فرقة أو جماعة من الناس متجانسة ومتميزة عن غيرها من الفرق والجماعات، بأساليبها ورأيها وفكرها الخاص بها الذي تسعى إلى تعميمه، وبهدفها الذي تسعى إلى تحقيقه. وتلتف، بالضرورة حول، قائد مميز بفكره أو برأيه أو بقدرته أو بموقعه أو بما يرتجى منه حسب مقاييس أفراد تلك الفرقة أو الجماعة، وقائد هذه الجماعة مع فكرها يشكلان نقطة جذب واستقطاب وتجمع، ومن الطبيعي أن يتناصر أفراد هذه الجماعة وأن يوالي بعضهم بعضاً، ويتبع بعضهم بعضاً وأن يكون لهم موقف موحد وأمر واحد ما دامت هذه الفرقة أو الجماعة قائمة. والفرقة التي تتصف بهذه الصفات تعرف باسم (شيعة)، ويسمى التفافها حول فكرها وقيادتها وموالاتها لهما التفاف أفراد هذه الشيعة التشيع لغة واصطلاحاً. وسنرى كيف استقر معنى كلمة (شيعة) ليدل على فئة أو جماعة أو فرقة أو شيعة معينة من دون غيرها من الفرق أو الجماعات أو الشيع، وهي شيعة أهل النبوة.

ظاهرة الشيع وتعددها في كل مجتمع

نشوء الشيع (جمع شيعة)، أي الفرق أو الجماعات أو الأحزاب، وتعددها ظاهرة بشرية عامة وشاملة لم يخل منها مجتمع بشري قط، قديماً وحديثاً. وقد تزامن قيام الشيع وتعددها مع نشوء ظاهرة السلطة بمعناها الواسع وقيامها، فوجدت الظاهرتان معاً، وصارتا من الصفات المميزة لأي مجتمع بشري. والسبب في ذلك أن الوصول إلى السلطة عزيرة المنال، ويستحيل إدراكها بالجهد الفردي، ولا يمكن أن تنال إلا عن طريق الغلبة والتغلب، سواء بالقهر والقوة (نحن مع من غلب) أو عن طريق الانتخاب. وتظهر الشيع بوصفها وسائل رئيسية موثرة لتحقيق الغلبة والتغلب بشقيها آنفي الذكر. أما تعدد الشيع فيعود إلى تضارب مصالح الأفراد والجماعات، واختلاف الآراء والأفكار والوسائل والتفاوت في الثقافات واليقين، وما في النفس من نوازع الحسد والرغبة بالتسلط، وممارسة الشر، ومن تقديم العاجلة على الآجلة، ومن الإصرار على تجاهل الأمر الإلهي، وإرغام أنف الشيعة المؤمنة

٢٥
القائمة عليه، ومن نفور الشيع من فكرة الجزم واليقين التي تنادي بها قيادة الشيعة المؤمنة، وارتياحها لفكرة الظن والتخمين المنبع الوحيد لتصوراتها وعقائدها.

ويمكن القول، وبكل ارتياح، إن ظاهرة الشيع وتعددها تعطي معنى ظاهرة الحزبية لتشابه التركيبة والأهداف والبنى. وقد لا نعدو الحقيقة إذا قلنا إن التاريخ السياسي البشري ما هو إلا ثمرة الصراع بين الشيع، وكل الشيع تطمع في الاستيلاء على السلطة وحيازتها لهم هذا الصراع لصالحها، ولم ينته هذا الصراع طوال التاريخ ولم يبرح المجتمع مكانه، فكأنه يدور في حلقة مفرغة لا تشهد إلا نشوء الشيع وقيامها وتبعثرها وتعاقبها على السلطة. وإصرارها على استبعاد الشيعة المؤمنة التي تمثل الخط الإلهي، والتي لم يخل منها مجتمع قط عبر التاريخ بغض النظر عن القلة والكثرة.

الشيع في المجتمع الإسلامي

نشأ المجتمع الإسلامي وأخذ صورته النهائية عندما نجح الرسول في توحيد العرب سياسياً لأول مرة في التاريخ، ونقلهم من دوائر الشرك وأديانه إلى دائرة التوحيد ودينها الإسلام، وقيادتهم.

والمجتمع الإسلامي لم يكن أبداً بمنجاة من ظاهرة الشيع وإن كان جميع أفراد المجتمع الإسلامي قد ادعوا أنهم شيعة الرسول فإن الواقع يتناقض مع شمول هذا الادعاء.

لقد واجه الرسول مجتمعاً جاهلياً يتكون من عدد لا حصر له من الشيع أو الجماعات. ففي مكة، على سبيل المثال، كانت تسكن عدة قبائل، منها قبيلة قريش الكبيرة، وكانت قريش تتكون من ٢٥ بطناً، وكل بطن من هذه البطون يشكل شيعة حقيقة متميزة عن غيرها. وعملاً بالنهج التاريخي لشيع المجتمعات البشرية فقد تحالفت شيع بطون قريش ال‍ ٢٣ ووقفت وقفة رجل واحد ضد النبي وضد البطنين الهاشمي والمطلبي اللذان اختارا بأن يكونا شيعة للنبي. ووقفت مع شيع قريش الأكثرية الساحقة من شيع العرب طوال الثلاث عشرة سنة التي أمضاها النبي في مكة قبل الهجرة. وبعد الهجرة جيشت شيع البطون الجيوش، بمساعدة شيع

٢٦
العرب، ودخلت مع النبي وشيعته في حرب مسلحة ضروس استمرت زهاء ثماني سنين. ثم هزمت شيع البطون، وفوجئت قيادة هذه الشيع بجيش النبي يدخل عاصمتها دخول الفاتحين، فاستسلمت، وعندما رأت جميع الأبواب مغلقة في وجهها أسلمت كارهة. وباستسلامها وإسلامها استسلمت وأسلمت شيع العرب المتحالفة معها ولم ينقب النبي الكريم عن ما في القلوب وإنما اكتفى بالظواهر، ولم يعاقب شيع العرب عامة وشيع البطون خاصة على جرائمهم السابقة وإنما عفا عنهم قائلاً: (اذهبوا فأنتم الطلقاء)، ووسعهم بحلمه وقلبه الكبير وسماحته، ولاح لغير المتبصر أن شيع العرب قد تفككت وتبعثرت وانتهت بالفصل، ولم يتصور العامة أن شيع العرب في حالة الهدوء الذي يسبق العاصفة، وأن شيع العرب سرعان ما تعود إلى ممارسة الدور التاريخي الذي مارسته شيع الأمم السابقة!

عودة الشيع العربية، ولكن بعمائم الإسلام

قبيل وفاة النبي الكريم بأشهر، كان المجتمع الإسلامي مجتمعاً واحداً في الظاهر. يوالي النبي، ويعلن التزامه بأحكام الدين، ولكن بذور مجموعة هائلة من الأخطار والكوارث كانت قد نبتت وترعرعت واشتد ساعدها بعيداً عن الأنظار وتحت السطح تماماً:

١ - فالمنافقون الذين مردوا على النفاق يجوبون العاصمة، وقد أظهروا الإيمان وأبطنوا الكفر والحقد على محمد وآله.

٢ - وقسم كبير من الأعراب، من حول المدينة، منافقون لم تتوقف اتصالاتهم قط مع مردة النفاق في المدينة.

٣ - يليهم مرتزقة من الأعراب لا يعرفون من الدين إلا اسمه ولا مطمع لهم إلا الكسب والغنيمة، وهم على استعداد للتحالف مع من يدفع لهم حتى ولو كان الشيطان نفسه.

ولا تتوقف هذه الفئات عن التلفظ بالشهادتين والقيام بمظاهر الدين، ولا يعرف الفوارق بينهم وبين غيرهم من المسلمين إلا من عمر الله قلبه بالإيمان.

٢٧
٤ - وبعد أن جاء نصر الله والفتح، ودانت بلاد العرب بالولاء والطاعة لقيادة الرسول، التأم شمل قبيلة قريش وتألق نجمها لأنها عشيرة النبي.

وتكاتف مهاجرو هذه العشيرة وطلقاؤها، وتوطدت أواصر العلاقة من جديد بين شيع البطون ال‍ ٢٣، وصار لها موقف موحد من الأمور العامة، يمكنها أن تجهر به حتى أمام الرسول نفسه. والدليل القاطع على ذلك أنه عند ما مرض الرسول مرضه الذي مات منه أراد أن يلخص الموقف لأمته وأن يكتب لها توجيهاته النهائية، وضرب النبي موعداً لكتابتها، وأحست شيع البطون أن هذه التوجيهات تمس مصالحها وتوجهاتها، وفي الوقت المحدد وما أن قال الرسول: (قربوا أكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعده أبداً) حتى قال قائل شيع البطون: (إن الرسول قد اشتد به الوجع وهو يهجر، ولا حاجة لنا بكتابه ولا بوصيته لأن القرآن عندنا وهو يكفينا) (١). وما أن أتم قائل البطون كلامه حتى قالت البطون بصوت واحد: (القول ما قاله فلان إن النبي يهجر، ولا حاجة لنا بكتاب النبي لأن القرآن وحده يكفينا)، واحتج الحاضرون من غير أبناء البطون، وتشاد الطرفان واختصما، وكان واضحاً أن أفراد شيع البطون هم الأكثرية، فصرف النبي النظر عن كتابة ما أراد، لأنه لو أصر على الكتابة لأصرت البطون على هجره مع ما يستتبع ذلك من آثار مدمرة على الدين كله) (٢).

٥ - وقد طورت الشيع القريشية ال‍ ٢٣ المتحالفة مفهوماً جديداً للقيادة من بعد النبي، فرأت أنه ليس من الإنصاف أن يكون النبي من بني هاشم وأن

(١) راجع: تذكرة الخواص لابن الجوزي ص ٦٢، وسر العالمين وكشف ما في الدارين لأبي حامد الغزالي، ص ٢١.

(٢) راجع، على سبيل المثال: صحيح البخاري، ٧ / ٩، وصحيح مسلم، ٥ / ٧٥. وصحيح مسلم بشرح النووي، ١١ / ٩٥. ومسند الإمام أحمد، ٤ / ٣٥٦. وكتابنا نظرية عدالة الصحابة ص ٢٨٧. وما بعدها لتقف على تفاصيل مواجهة شيع البطون مع النبي نفسه، ولتتأكد من حجم تأثيرها على الأحداث

٢٨
كتاب مساحة للحوار للمحامي أحمد حسين يعقوب (ص ٢٩ - ص ٥٠)
٢٩

٨ - لقد صار مصطلح (مسلم) هوية لكل أفراد المجتمع الإسلامي والأخطر أن الجميع تقريباً صاروا صحابة، وأحيطوا عملياً بالهالة نفسها من التقديس والاحترام من دون فرق يذكر بين مهاجر وطليق ومؤمن ومنافق، وبين من قاتل مع النبي أو قاتل ضده، فقد أسلم الجميع بالنتيجة!! وصحبوا النبي وعفا الله عما مضى.

٩ - في هذا المناخ استذكر المجمتع مواقف شخصيات بارزة، من حول الرسول، فصار لكل واحد منها شيعة خاصة به، فنشأت شيعة لأبي بكر وأخرى لعمر، ثالثة لعثمان، ورابعة لطلحة... الخ. وكل شيعة تنادي بتميز صاحبها، وتفتحت أشداق المطامع وتهيأ المناخ لعودة الشيع الجاهلية ولكن معممة بعمامة الإسلام.

١٠ - والأخطر أن شيعة النبي المخلصة التي قامت الدولة على أكتافها أصبحت كالشعرة البيضاء في جلد ثور أسود.

وكان واضحاً أن كفة تحالف شيع البطون هي الراجحة، وهي المرشحة القوية لقيادة عصر ما بعد النبوة، فأقبل المنافقون وطلاب الدين والراغبون في السلامة على هذا التحالف. وتشابكت أيدي الشيع، فتشكل واقعياً بدون إعلان، أكبر تحالف للشيع في التاريخ الإسلامي كله، وأخذت الشيع تتربص وتنتظر موت الرسول الأعظم لتقتسم الغنيمة!

* * *
٣٠
٣١

الفصل الثالث
تدبير النبي وتدبير الشيع العربية

علم النبي اليقيني بما تدبره الشيع العربية

كان النبي الكريم على علم يقيني بكليات ما يجري في الخفاء وتفاصيله وبتوجهات الحركة العامة للأحداث. فقد وضع الله تعالى أمام نبيه صورة متكاملة للماضي والحاضر والمستقبل، وقد حوت هذه الصورة أدق التفاصيل. كان النبي يعلم أن الشيع وفتنتها المظلمة تنتظر موته لتبطش بطشتها الكبرى، فتعيد ترتيب كل شئ حسب سيرته الجاهلية الأولى، ولكن بلباس الإسلام. وكان يعلم أن النوايا الجرمية قد تشكلت بالفعل، وأخذت صورتها النهائية في قلوب قادة الشيع وضمائرهم، وهو يعلم حجم تأثيرها على سير الأحداث، لأن هذه الشيع شكلت الأكثرية الساحقة من أفراد المجتمع الإسلامي. ومما زاد الأمر تعقيداً أن هذه الأكثرية تتلفظ بالشهادتين، وتقوم ظاهرياً بكل ما يطلبه الإسلام منها، وتظهر الرضي بقيادة النبي وولايته وقبولهما، وتتظاهر بالالتزام التام بكل أوامره وتوجيهاته في الوقت الذي تخفي فيه نواياها الجرمية، وتخفي فيه الحقد على محمد وآل محمد، والكفر بكل ما جاء به وما يرمز إليه. ولكن هذا العلم اليقيني الدقيق لم يتأت للنبي نتيجة تحليله الشخصي الدقيق للموقف فحسب، وإنما هو علم إلهي سابق لوقوع الأحداث اختص الله به تعالى نبيه، ما يجعل استعمال القوة - على فرض وجودها - غير مسوغ وفق قواعد العدل الإلهي، فكيف يعاقب النبي على نوايا جرمية!؟ صحيح أن هذه النوايا قد أخذت صورتها النهائية، ولكنها ما زالت مخفية في قلوب أصحابها! وكيف يعاقب النبي الشيع على أفعال لم تدخل حيز التنفيذ ولم تقع بعد!؟ وهذا أمر لا يتفق مع طبيعة العدل الإلهي، ولا مع طبيعة شخصية الرسول، وطبيعة الدولة التي يقودها.

النبي يكشف مؤامرة الشيع ويفضح أهدافها وقياداتها

كشف الرسول لأمته وجود مؤامرة على الشرعية الإلهية، وأن المتآمرين ينتظرون موته لينقضوا الإسلام عروة عروة بدءاً من نظام الحكم وانتهاء بالصلاة.

٣٢
كما روى ذلك ابن حنبل وابن حيان في صحيحه والحاكم (١). والأهم من ذلك أن رسول الله كشف الانقلابيين وسمى قادة الفتن من بعد وفاته وحتى قيام الساعة، كما روى حذيفة برواية ابن أبي شيبة وأبي نعيم (٢). وأعلن النبي أنه في حالة نجاح المؤامرة فإن النفاق سيظهر، وترتفع الأمانة وتقبض الرحمة، ويتهم الأمين، ويؤتمن غير الأمين (٣). وسيبتلى المؤمنون حتى أن المؤمن لا يستطيع أن يصلي إلا سراً (٤).

ومع هذا فإذا صلى المؤمن وحده يصلي وهو خائف (٥) وأن الإسلام سيعود غريباً (٦).

وسيكون هنا لك كفر بعد إيمان (٧). وإذا نجحت المؤامرة فإن قيادة الأمة ستؤول إلى أشد الناس بغضاً لمحمد وآل محمد (٨) وأنهم سيفتكون بآل محمد فتكاً ذريعاً.

وبالإيجاز، فإن الرسول الله لم يترك أمراً سيفعله المتآمرون، إن نجحوا في مؤامرتهم، إلا وبينة وكشفه للأمة. لقد استبق رسول الله الأفعال قبل وقوعها وحذر الأمة منها، لقد تركهم على المحجة البيضاء، وهذا أقصى ما يستطيع الوالد أن يفعله لأولاده والولي لمواليه والقائد لأتباعه. إنه يكشف لهم بدقة المناطق الملغومة، ويقسم لهم بأغلظ الأيمان أنه قد حدد المنطقة الملغومة وشاهد بأم عينيه كافة الألغام، وأنه مشفق وحريص ومحب لذلك كله حذرهم، ولكن ليس بوسعه إجبارهم على تجنب المنطقة الملغومة أو على الابتعاد عن تلك الألغام. لأنه لا يستطيع ذلك، فضلاً عن أنه لن يكون موجوداً معهم. ولأن الأحداث لم تقع، كان عسيراً على الناس أن يستوعبوا تحذيرات الرسول. وعلى أي حال، لقد بين الرسول أن نجاح المتآمرون سيكون بمثابة طوفان حقيقي يجتاح المجتمع

(١) راجع: كنز العمال، ١ / ٢٣٨.

(٢) راجع كنز العمال، ١١ / ٢١٦ ومعالم الفتن، ١ / ٤٠٦.

(٣) رواه الحاكم والطبراني والبيهقي، راجع كنز العمال، ١١ / ١٢٧ - ١٢٨، ومعالم الفتن، ١ / ٤٠٨.

(٤) راجع: صحيح مسلم، ٢ / ٢٧٩.

(٥) راجع: صحيح البخاري، ٢ / ١٨٠.

(٦) رواه مسلم وابن ماجة والطبراني، راجع: كنز العمال، ٢ / ١٧٧، ومعالم الفتن ١ / ٤٧٠.

(٧) راجع: صحيح البخاري، ٤ / ٢٣٠.

(٨) رواه الحاكم، وأبو نعيم، راجع: كنز العمال، ١١ / ١٦٩.

٣٣
الإسلامي، ويعمل فيه يد التبديل والتعديل والتحريف في كل ما هو إسلامي وسيؤدي إلى فتنة عمياء مظلمة إذا أخرج المؤمن يده فيها لم يكد يراها.

الخطة الإلهية لإفشال مؤامرة الشيع

التمسك بالثقلين

بعد أن كشف النبي مؤامرة الشيع وفضح قياداتها وبين حقيقة أهدافها أكد، للمؤمنين بخاصة وللمسلمين بعامة، أن الخطة الإلهية لمنع حدوث انقلاب الشيع وإفشاله إفشال غيره إذا وقع. ولتمييز المؤمن من سواه، ولإدراك الهدى وتجنب الضلالة، وضمان قيادة الشيعة المؤمنة للمجتمع تتمثل في التمسك بالثقلين، وهما:

كتاب الله وعترة النبي أهل بيته. ثم بين الرسول هذين الثقلين لن يفترقا إلى يوم القيامة.

من صيغ حديث الثقلين

١ - (كأني قد دعيت فأجبت، وإني قد تركت فيكم الثقلين أحدهما أكبر من الآخر كتاب الله وعترتي) (١).

٢ - (يا أيها الناس، إني قد تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا: كتاب الله وعترتي أهل بيتي) (٢).

٣ - (إني تارك فيكم خليفتين: كتاب الله... وعترتي أهل بيتي) (٣).

٤ - (إني تارك فيكم الثقلين: كتاب الله وأهل بيتي) (٤).

٥ - (يا أيها الناس، فإنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب وإني تارك فيكم الثقلين: كتاب الله.. وأهل بيتي) (٥).

(٦) - (ألا وإني تارك فيكم الثقلين: أحدهما كتاب الله عز وجل وعترتي أهل بيتي) (٦).

(١) راجع: الخصائص للنسائي، ص ٢١ و ٩٣.

(٢) راجع: صحيح الترمذي، ٥ / ٣٢٨.

(٣) راجع: الدر المنثور للسيوطي، ٢ / ٦٠.

(٤) راجع: المناقب للخوارزمي الحنفي، ص ٢٣.

(٥) راجع: صحيح مسلم، ٢ / ٣٦٢ و ١٥ / ١٧٩ - ١٨٠ بشرح النووي.

(٦) راجع: صحيح مسلم، ٢ / ٣٦٢ و ١٥ / ١٨١ بشرح النووي.

٣٤
وقوم ابن حجر حديث الثقلين فقال (١): (ثم اعلم أن لحديث التمسك بالثقلين طرقاً كثيرة وردت عن نيف وعشرين صحابياً) (٢).

وحديث الثقلين هو مقطع من خطبة الرسول التي ألقاها في غدير خم أمام مئة ألف مسلم على الأقل بعد عودته من حجة الوداع. وقد ورد في هذا المقطع بعد قرار تنصيب الإمام علي بن أبي طالب أميراً للمؤمنين وولياً للمسلمين من بعد النبي.

الربط المحكم بين ولاية النبي وبين التمسك بالقرآن والتمسك بأهل بيت النبوة

في غدير خم، سأل رسول الله الجمع الحاشد الذي ضم أكثرية المسلمين:

١ - (ألستم تعلمون أني أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ قال المسلمون: بلى).

٢ - قال: (ألستم تعلمون أني أولى بكل مؤمن من نفسه؟ قال المسلمون: بلى).

٣ - قال: (أيها الناس إني وليكم. قال المسلمون: صدقت).

٤ -: (أيها الناس، من وليكم؟ قال المسلمون، ثلاثاً: الله ورسوله).

بعد هذا كله أخذ الرسول بيد علي بن أبي طالب ثم قال:

١ - (من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه).

٢ - (هذا وليي وأنا موال من والاه ومعاد من عاداه).

٣ - (من كان الله ورسوله وليه فهذا علي وليه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه).

٤ - (أيها الناس، إن الله مولاي وأنا ولي المؤمنين، وأنا أولى بهم من أنفسهم، فمن كنت مولاه فهذا علي مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه) (٣).

بعد إعلان تنصيب الإمام علي مباشرة جاء مقطع حديث الثقلين، وتلاحظ

(١) الصواعق المحرقة، ص ١٤٨.

(٢) راجع: ينابيع المودة للقندوزي، ص ٢٩٦.

(٣) راجع: بالترتيب، وعلى سبيل المثال: الرياض النضرة للطبري، ٢ / ٢٣، وخصائص أمير المؤمنين للنسائي، ص ٢١ و ٩٣، والفصول المهمة لابن الصباغ المالكي ص ٢٤، والحاوي للفتاوي للسيوطي، ١ / ٢٢، والبداية والنهاية لابن الأثير، ٥ / ٢١٢، وينابيع المودة للقندوزي الحنفي، ص ٣٧.

٣٥
أن الرسول الله ربط ولاية علي بولايته، وربط ولايته بولاية الله فمن يوالي علياً بعد وفاة النبي فقد والى النبي، ومن والى النبي فقد والى الله. ومن رفض ولاية علي، فقد رفض ولاية رسول الله، من رفض ولاية رسول الله فهو كافر كائناً من كان.

كذلك ربط الولاء للثقلين معاً، فالقرآن ثقل وأهل بيت النبوة ثقل آخر، فالتمسك بالقرآن وحده لا يكفي، فالقرآن له وجوه متعددة، وأئمة أهل بيت النبوة هم وحدهم الذي يعلمون علم اليقين الوجه المطلوب. ومن جهة ثانية، فإن القرآن شريعة وأهل البيت قيادة وعلم ونقطة تجمع للشيعة المؤمنة، والقيادة لا تغني عن الشريعة، والشريعة لا تغني عن القيادة، فأحدهما يكمل الآخر.

تجذير حديث الثقلين

دين الإسلام كله يقوم على ثقلين: الأول رسول الله والثاني كتاب الله.

فليس مسلماً من يؤمن بالرسول ولا يؤمن بالقرآن، وليس مسلماً من يؤمن بالقرآن ولا يؤمن بالرسول فحتى يستقيم إسلام أي شخص مسلم وإيمانه يتوجب عليه أن يؤمن بالاثنين معاً، أي بالقرآن الكريم شريعة أو قانوناً نافذاً، وبمحمد رسولاً ومبلغاً لهذه الشريعة وإماماً وولياً وقائداً له ولجميع المسلمين، فإن لم يؤمن بذلك فإنه ليس مسلماً. فلو قال أحد المسلمين إنه مؤمن بالقرآن، ولكنه لا يؤمن بمحمد فهو كافر، ولو قال أنه مؤمن بمحمد ولكنه لا يؤمن بأن القرآن من عند الله فهو كافر بلا خلاف ولو قال إنه مؤمن بالقرآن، ومؤمن بمحمد رسولاً، ولكنه لا يقبل أن يكون محمد أمامه وقائده ووليه، وهو يفضل ولاية أبي بكر أو عمر أو عثمان أو أبي سفيان على ولاية الرسول فهو كافر أيضاً. فالإسلام الحقيقي يقوم على ركنين:

الركن الشخصي المتمثل بالقيادة أو الإمامة أو الولاية، ويمثلها الرسول حال حياته والقائم الشرعي مقامه بعد وفاته. ومبدأ الثقلين مبدأ عام يشكل امتداداً لمبدأ الرسالة. فكل رسول من الرسل كان في زمانه ثقلاً، وشكلت التعليمات الإلهية الثقل الآخر، وأتباعه المخلصون هم الشيعة المؤمنة. وقد اكتسبوا صفة الشيعة المؤمنة لأنهم آمنوا بالثقلين (أي رسول ذلك الزمان والتعليمات الإلهية) والإسلام الذي جاء به رسول الله محمد يقوم على ثقلين أيضاً: الثقل الشخصي المتمثل برسول الله والثقل التشريعي المتمثل بالتعليمات الإلهية أي القرآن الكريم. وفي كل

٣٦
زمان يوجد الثقلان معاً، ولا غنى لأحدهما عن الآخر فهما متكاملان. فلا بد من وجود شخص يقوم مقام النبي لإمامة الشيعة المؤمنة - التي لم يخل مجتمع منها قط - وقيادتها وولايتها بغض النظر عن القلة أو الكثرة، فيكون هذا الشخص بمثابة علم للهدى ونقطة تجمع واستقطاب لمعتنقيه وطلابه، ورمز لطاعة الله فتكون طاعته كطاعة الله، ومعصية كمعصية (من يطع الرسول فقد أطاع الله) [ النساء / ٨٠ ] ويكون هو القائم بأمر الله، وقائد الدعوة إليه، والإمام أو الولي أو رئيس الدولة إن تمخضت الدعوة عن دولة. والأهم من ذلك أن هذا الشخص (الرسول أو القائم الشرعي مقامه) هو وحده الذي يفهم التعليمات الإلهية فهماً قائماً على الجزم واليقين، وهو المؤتمن على هذه التعليمات ودقة فهمها وتبليغها، وسياسية الشيعة المؤمنة وفق أحكامها. وبالضرورة فإن هذا الشخص أو (الثقل) (أي الرسول أو القائم الشرعي مقامه) يجب أن يكون الأعلم بالتعليمات الإلهية، في زمانه، والأقرب إلى الله، وأصلح الموجودين وأفضلهم في ذلك الزمان، ليكون جديراً بالإمامة والقيادة ومؤتمناً على الأمر الإلهي. وبتعبير أدق (يجب أن يكون معداً ومؤهلاً إلهياً) للقيام بما هو منوط به. وهذه المؤهلات توافرت في جميع الرسل السابقين وتوافرت في أوصيائهم. وهي متوافرة، بالضرورة، في رسول الله خاتم الرسل وفي وصيه علي بن أبي طالب، والأوصياء الأحد عشر (الأئمة من بعده).

هذا هو الثقل الشخصي في دين الإسلام عبر تاريخه الطويل من لدن آدم عليه السلام إلى يومنا هذا. أما الثقل الآخر وهو التشريعي المتمثل بالتعليمات الإلهية (يهدون بأمرنا) [ الأنبياء / ٧٣ ] فقد استقر بصورة نهائية في القرآن الكريم.

الثقل الشخصي من بعد الرسول: اثنا عشر إماماً

لقد رأينا أن رسول الله قد أعلن، في غدير خم وأمام جمع من المسلمين لا يقل عن مئة ألف مسلم، أن علياً بن أبي طالب هو الولي من بعد النبي، لأن الله سبحانه وتعالى قد اختاره وأهله وأعده ليكون ولي المؤمنين وأميرهم وإمامهم وقائدهم وسيدهم والمبين لما اختلفوا فيه من بعد النبي، وبالتالي فإنه لن يؤدي عن النبي إلا النبي أو علي كما سنثبت ذلك. ولأن رسول الله آخر الرسل ورسالته آخر

٣٧
الرسالات، ولأنه لا ينبغي أن تخلو الأرض من قائم بأمر الله، وقائد للشيعة المؤمنة فقد بين رسول الله أن الأئمة من بعده اثنا عشر إماماً، أولهم علي بن أبي طالب وآخرهم محمد بن الحسن المهدي المنتظر، وجميعهم من ذرية النبي ومن صلب علي وقد اختارهم الله، تعالى، وأعدهم وأهلهم للإمامة والولاية، بحيث يكون كل واحد منهم هو الأوحد في زمانه (أي الأعلم والأفهم والأتقى والأقرب لله ولرسوله وأفضل أهل زمانه). وأمر الله رسوله أن يبين للمسلمين أنه أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وأن علياً بن أبي طالب بعد وفاة الرسول هو الأولى بالمؤمنين من أنفسهم، وأن الحسن من بعد وفاة علي، هو أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وأن الحسين من بعد وفاة الحسن هو الأولى بالمؤمنين من أنفسهم، وأن كل واهد من التسعة الآخرين هو الأولى بالمؤمنين من أنفسهم وأن كل واحد منهم هو أحد الثقلين في زمانه، فلا تدرك الهدى إلا به وبالقرآن معاً، ولا تتجنب الضلالة إلا به وبالقرآن معاً، وإن التمسك بالاثنين معاً فرض عين على كل مؤمن ومؤمنة. ولا يلزم بموالاتهم إلا المؤمنون، فموالاتهم هي مقياس الإيمان والدليل عليه، وأتباعهم هم الشيعة المؤمنة حقاً ومعاداتهم هي مقياس الفسوق والعصيان، وأعداؤهم امتداد لشيع الأولين.

الإجماع على صحة عدد الأئمة

لقد أجمع أهل الملة على أن عدد الأئمة من بعد النبي هو اثنا عشر إماماً ولا خلاف عند شيعة أهل بيت النبوة في صحة هذا العدد وصحة صدوره عن رسول الله، فالشيعة ترسله إرسال المسلمات، كذلك فإن الشيع أو أهل السنة يؤكدون صحة هذا العدد، ويؤكدون صدور الحديث عن رسول الله (١).

لم ينجح أهل السنة في ترويض هذا النص أو تطبيقه على الواقع التاريخي.

أما شيعة أهل بيت النبوة فقد جزموا بأن الأئمة الاثنى عشر الذين عناهم رسول الله هم:

(١) راجع: صحيح البخاري، ٦ / ٢٦٤ ح ٢٧٦٩، وصحيح الترمذي، ٤ / ٤٢٤، وسنن أبي داود، ٤ / ١٠٦ ح ٤٢٧٩، وكنز العمال، ١٢ / ٢٤ ح ٢٣٨٦١.
٣٨
١ - علي بن أبي طالب.

٢ - ابنه الحسن.

٣ - وابنه الحسين.

٤ - وابنه علي.

٥ - وابنه محمد.

٦ - وابنه جعفر.

٧ - وابنه موسى.

٨ - وابنه علي.

٩ - وابنه محمد.

١٠ - وابنه علي.

١١ - وابنه الحسن.

١٢ - وابنه محمد بن الحسن المهدي عليهم السلام. وهم يرون أن كل إمام قد تعين بنص ممن سبقه حسب توجيه رسول الله وأوامره، وأن كل واحد منهم هو الثقل الأصغر في زمانه ولكل واحد منهم قد انتهى علم النبوة.

لقد روى عبد الله بن عباس وأسامة بن زيد وعبد الله بن جعفر أن رسول الله قال: (أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وأخي علي أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فإذا استشهد فابني الحسن أولى بالمؤمنين من أنفسهم ثم ابني الحسين أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فإذا استشهد فابنه علي بن الحسين أولى بالمؤمنين من أنفسهم وستدركهم يا علي، ثم ابني محمد بن علي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وستدركه يا حسين) (١).

ولا خلاف عند شيعة أهل بيت النبوة من صحة حديث ابن عباس التالي:

(سمعت رسول الله يقول: (أنا وعلي والحسن والحسين وتسعة من ولد الحسين

(١) راجع: إثبات الوصية للمسعودي، ص ١٩٠، وأعلام الورى بأعلام الهدى للطبرسي ص ٢٧، وسيرة الرسول وأهل بيته لمؤسسة البلاغ، ٢ / ١٩١.
٣٩
مطهرون معصومون) (١). قال جابر بن عبد الله الأنصاري: (لما أنزل الله على نبيه (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم) [ النساء / ٥٩ ] قلت: يا رسول الله، عرفنا الله ورسوله فمن هم أولي الأمر الذين قرن الله طاعتهم بطاعتك؟ فقال الرسول: هم خلفائي يا جابر وأئمة المسلمين من بعدي، أولهم علي بن أبي طالب، ثم الحسن بن علي، ثم الحسين بن علي، ثم علي بن الحسين، ثم محمد بن علي، ثم جعفر بن محمد، ثم موسى بن جعفر، ثم علي بن موسى، ثم محمد بن علي، ثم علي بن محمد، ثم الحسن بن علي، ثم محمد بن الحسن المهدي) (٢).

أهل بيت النبوة هم الثقل الأصغر

أولئك هم ذرية النبي من صلب علي والنبي أبوهم (٣)، وهم أولاد النبي (٤)، وهم سادة أهل بيت النبوة الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً، كما هو ثابت في آية التطهير [ الأحزاب / ٣٣ ]، وهم أبناء النبي وأحفاده الذين عناهم تعالى في آية المباهلة [ آل عمران / ٦١ ]، وهم ذووا القربى الذين عناهم الله في آية المودة [ الشورى / ٢٣ ] وآية الأنفال [ الأنفال / ٤١ ]. وهم الذين أمر الله عباده بأن لا يتقدموهم فيهلكوا ولا يتأخروا عنه فيهلكوا (٥). وهم في الأمة كسفينة نوح في قومه (٦). وهم

(١) راجع: ينابيع المودة للقندوزي الحنفي، ٢ / ٤٤٥، وكفاية الأثر للرازي ص ١٩، وعيون الأخبار ص ٣٨، وسيرة الرسول وأهل بيته، ٢ / ١٨٩.

(٢) راجع كفاية الأثر للقمي الرازي ص ٧، وسيرة الرسول وأهل بيته (لمؤسسة البلاغ) ٢ / ١٩٠ - ١٩١، وأعلام الوري بإعلام الهدى للطبري ص ٢٧، وكتابنا الوجيز في الإمامة والولاية، ص ٢١٤.

(٣) راجع كنز العمال، ١ / ١٥٢، ح ٥٢١٠ (أخرجه الطبراني)، والصواعق المحرقة لابن حجر، ص ١١٢، والمستدرك للحاكم، ٣ / ١٦٤.

(٤) راجع المناقب للخوارزمي الحنفي.

(٥) راجع الصواعق المحرقة لابن حجر، ١٤٨ و ٢٢٦، ومجمع الزوائد، ٩ / ١٦٣، والدر المنثور للسيوطي ٢ / ٦٠، وكنز العمال، ١ / ١٦٨.

(٦) راجع تلخيص المستدرك للذهبي بذيل المستدرك والصواعق المحرقة لابن حجر ص ١٨٤ و ٢٣٤، وتاريخ الخلفاء للسيوطي، والمعجم الصغير للطبراني، ٢ / ٢٢، وحلية الأولياء لأبي =

٤٠