×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

مساحة للحوار من أجل الوفاق ومعرفة الحقيقة / الصفحات: ٤١ - ٦٠

من وصفهم رسول الله بأنهم أمان للأمة من الاختلاف. ومن يخالفهم يصبح آلياً من حزب إبليس (١)، وهم الذين اختارهم الله للفضل والشرف والرئاسة (٢). وقد بين الرسول أن مكانهم في الأمة مكان الرأس من الجسد، ومكان العينين من الرأس ولا يهتدي الرأس إلا بالعينين (٣). وقد جعل الله الصلاة عليهم جزءاً لا يتجزأ من الصلاة المفروضة على العباد، فحتى تتم الصلاة يتوجب على المصلي أن يصلي على محمد وعلى آل. فإن لم يكن الأئمة الأطهار من آل محمد فمن يكون إذاً!

* * *

= نعيم ٤ / ٣٠٦، ومقتل الحسين للخوارزمي ص ١٠٤.

(١) راجع الصواعق المحرقة لابن حجر، ص ٩١، وينابيع المودة للقندوزي ص ٢٩٨.

(٢) راجع الصواعق المحرقة لابن حجر، ص ١٤٧، وينابيع المودة ص ١٦٩ و ٣٠٧.

(٣) راجع الفصول المهمة لابن الصباغ المالكي ص ٨، ومجمع الزوائد للهيثمي، ٩ / ١٧٢.

٤١

الفصل الرابع
شيعة أهل بيت النبوة: تكون وفرق

الدعوة الإلهية إلى التشيع

أعطى القرآن الكريم أهل بيت النبوة مكانة متميزة لم يعطها لأهل بيت قط، فهم المعنيون بآيات التطهير والمباهلة والمودة في القربى حتى أن الله تعالى حرم عليهم الصدقة، وخصص لهم جزءاً من الأفعال. وهم المبشرون بالجنة (وجزاهم بما صبروا جنة وحريراً) [ الإنسان / ١٢ ] قبل أن يبشر بها أحد. ومن الطبيعي أن فاطمة وعلي والحسن والحسين هم سادة أهل بيت النبوة بلا خلاف. فهم أقرب الناس للنبي، وهم أول المعنيين بالآيات التي أشرنا إليها. ثم إن النبي ركز تركيزاً مكثفاً على أهل بيت النبوة بعامة وعلى علي بن أبي طالب والحسن والحسين بخاصة.

وأبرز علياً بن أبي طالب، فقال إنه خليفته وإنه الولي من بعده بل وولي كل مؤمن ومؤمنة، وأنه الإمام، وأنه المبين، وأنه الهادي، ولا أحد يؤدي عن النبي إلا النبي نفسه أو علي، وأن علي من بعد النبي هو أولى بكل مؤمن من نفسه، ومن بعد علي الحسن، ومن بعد الحسن الحسين إلى أن يتم العدد اثنى عشر إماماً بالمهدي المنتظر. والأهم من ذلك أن رسول الله عد القرآن الكريم ثقلاً، واعتبر هؤلاء الأطهار ثقلاً آخر، وجزم رسول الله بأن الهدي لا يدرك إلا بالتمسك بهذين الثقلين معاً، وأن الضلالة لا يمكن تجنبهما إلا بالتمسك بهما معاً. ما يجعل التشيع لأهل بيت النبوة، في هذا المفهوم والتمسك بهم، معادلاً للتشيع للقرآن الكريم والتمسك به لأنهما خلاصة الدين وعنوانه وضمان وجوده واستمراره. والتشيع، في هذا المفهوم، عمل تعبدي من جميع الوجوه خاصة وأن رسول الله لم يأمر بذلك من تلقاء نفسه ولا بمبادرة شخصية منه، بل كان يبين القرآن ويتبع بدقة متناهية ما يوحى إليه (إن أتبع إلا ما يوحى إلي) [ الأنعام / ٥٠ ]. ومن جهة ثانية، فإن علياً بن أبي طالب لم يكن شخصاً مغموراً، فأبوه عبد مناف بن عبد المطلب (أبو طالب) شيخ البطاح، تعرفه جميع العرب. ثم إن النبي قد ربي علياً، وأتبعه علي

٤٢
أتباع الفصل لأثر أمة، فما رؤي النبي إلا ومعه علي، ثم إنه ابن عم النبي الشقيق وزوج ابنته البتول فاطمة، ووالد سبطيه الحسن والحسين ولا عقب للنبي غير هما، ثم إن علياً هو فارس العرب أجمعين الذي قتل سادات البطون يوم بدر، وقتل حملة ألويتها يوم أحد، وبارز عمرو بن ود يوم الخندق وقتله أمام العرب جميعهم، وهو الذي هزم اليهود في خيبر، ثم إن علياً باب الحكمة والعلم اللدني، لقد اجتمعت له من أسباب المجد والشهرة ما لم تجتمع لأحد من بعد النبي قط فمن الطبيعي جداً أن يحب المؤمنون، الصادقون في حب رسول الله، هذا الرجل العظيم وأن يتشيعوا له لأهل بيته، وأن يعدوا الآيات القرآنية والسنة النبوية الواردة فيهم بمثابة دعوة إلهية لموالاة أهل بيت النبوة والتشيع لهم. وأن التشيع لهم بمثابة تشيع للنبي نفسه، وللدين الذي جاء به، وإلا فما هو المقصود من حديث الثقلين!؟ وليعتبروا التشيع طريق الفوز والعلو والجنة وإلا فكيف يفسرون قول النبي (إن هذا وشيعته لهم الفائزون يوم القيامة)، أو بيان النبي لآية (أولئك هم خير البرية) [ البينة / ٦ ] (بأنهم علي وشيعته) وقد وثقنا ذلك في الصفحات السابقة!

كلمة شيعة تأخذ معنى خاصاً

رأينا أن كلمة شيعة عنت، لغة واصطلاحاً، وفي القرآن الكريم والسنة والاستعمالات التاريخية فئة أو جماعة، أو طائفة أو أتباع حزب أو شخص ومؤيديه. ولما تكونت شيعة أهل بيت النبوة وشاع أمرها وظهرت حجتها، ونتيجة تضافر الحكام وشيع المجتمع الإسلامي عليها، تكون رأي عام إسلامي مشبع بالنفور والاستياء من شيعة أهل بيت النبوة، وخلصوا إلى نتيجة مفادها أن هؤلاء خطر مشترك يهدد الجميع، فاتحدت الشيع الإسلامية في مواجهة شيعة أهل بيت النبوة، تماماً كما اتحدت شيع المجتمعات السابقة للإسلام في مواجهة الأنبياء وشيعتهم المؤمنة، وضمن سلسلة من الإجراءات الطويلة أقلع الحكام وشيع المجتمع الإسلامي نهائياً عن استعمال كلمة شيعة وتشيع، وتم تخصيص هذه الكلمة لتدل بإطلاقها على شيعة علي وأهل بيت النبوة مثلما تدل بتخصيصها بعدما تكون رأي إسلامي عام صار معه التشيع في هذا المفهوم جريمة وصارت تهمة

٤٣
الكفر والزندقة أخف وطأة على الأسماع والقلوب من تهمة التشيع لأهل بيت النبوة. وما يعنينا أن معنى كلمة شيعة قد تخصص نهائياً بشيعة أهل بيت النبوة، ومن النصوص التي تنير ذلك نقرأ:

قال ابن منظور: (وقد غلب هذا الاسم على من يتوالى علياً وأهل بيته، رضوان الله عليهم أجمعين، حتى صار لهم اسماً خاصاً، فإذا قيل: فلان من الشيعة عرف أنه منهم، وفي مذهب الشيعة كذا أي عندهم، وأصل ذلك من المشايعة وهي المتابعة والمطاوعة) (١).

قال الأزهري: (والشيعة قوم يهوون هوى عترة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ويوالونهم) (٢).

قال الشيخ أبو محمد الحسن بن موسى النوبختي، في كتابه الفرق والمقالات: (الشيعة هم فرقة علي بن أبي طالب المسمون بشيعة علي في زمن النبي وبعده، معروفون بانقطاعهم إليه والقول بإمامته من بعد الرسول).

وقال أبو حاتم السجستاني (٣): (إن لفظ الشيعة كان على عهد الرسول) (٤).

وباختصار، فإن كلمة الشيعة، إطلاقاً، أو شيعة أهل بيت النبوة، إضافة، صارت تطلق على أولئك الذين يقولون بوجود نص شرعي على خلافة علي بن أبي طالب بالذات والأئمة من ولده من بعد النبي، ويقولون بإمامتهم وولايتهم ويتبعونهم ويقتدون بهم ولا يقتدون بغيرهم، ولا يقرون لأحد غيرهم بالإمامة والولاية.

ومن الغريب والمدهش حقاً أن كافة الفرق والجماعات الإسلامية سلمت لشيعة أهل بيت النبوة ب‍ (مصطلح شيعة) ورضيت بتخصيصه لهم، وتوقفت عن إطلاق لفظ شيعة على غير هم من الفرق والجماعات!

وحتى نبقى ضمن إطار البحث، وبغض النظر عن صحة مقولات شيعة أهل

(١) لسان العرب، مادة (شيع).

(٢) المصدر نفسه.

(٣) في ج ٣، من كتابه الزينة.

(٤) راجع: معالم الفلسفة محمد جواد مغنية ص ٦٤، والتشيع والتصوف لهاشم معروف الحسني ص ٩٧٥، وكتابنا النظام السياسي في الإسلام ص ٢٩٩ - ٣٠٠.

٤٤
بيت النبوة أو عدم صحتها، فإن لهذه الشيعة أمرها الواحد، وقيادتها الواحدة، وفكرها الخاص بها الذي تسعى لنشره وتعميمه، وهدفها الوحيد الذي تسعى إلى تحقيقه، ولها ثقافتها وآلياتها الثقافية الخاصة بها. كل هذا يجعلها جماعة أو فئة أو حزباً متميزاً بالكامل من غيره من الأحزاب والفرق والجماعات الإسلامية. وبالرغم من هذا التخصيص (العرفي) لكلمة شيعة فإننا نجد أنفسنا وجهاً لوجه أمام المعنى اللغوي والاصطلاحي المستقر في اللغة والقرآن والسنة والتاريخ، وإن تخصص (عرفياً).

التشيع للأشخاص والأفكار من سنن المجتمعات البشرية

التشيع وقيام الشيع، وفق مفهومها اللغوي والاصطلاحي، كان الصفات البارزة التي ميزت المجتمعات البشرية طوال التاريخ. ووجود الشيع الكثيرة مظهر من المظاهر الدائمة لكل مجتمع. والمجتمع الإسلامي لم يشذ عن هذه القاعدة، فقد تكونت للرسول نفسه شيعة أخذت تنمو وتكبر حتى انضم لها أفراد المجتمع كله، فقد تشيع الجميع لرسول الله أو تظاهروا بذلك، وآمنوا بما جاء به، حتى بدا المجتمع الإسلامي شيعة واحدة متميزاً باعتقاداته وقيادته عن غيره من المجتمعات المعاصرة له. وبعد انتقال الرسول إلى جوار ربه تشيع فريق من المسلمين لأبي بكر وفريق آخر لعمر، وثالث لعثمان، ورابع لطلحة وخامس للزبير.. وسادس لمعاوية، وسابع لمروان بن الحكم، وثامن ليزيد بن معاوية... الخ. وكان لكل واحد من أولئك الشخصيات شيعته الخاصة به التي ترى رأيه، ولم يقل أحد من الناس أن التشيع لهذه الشخصية البارزة أو تلك جريمة، ولم تحاصر شيع المجتمع الإسلامي شيع أولئك الشخصيات البارزة بل كان الناس يعدون التشيع لهم أمراً عادياً جداً مألوفاً.

فمعاوية، مثلاً، وأبوه قادا الأحزاب وحاربا رسول الله بجميع وسائل الحرب، وقاوما بجميع فنون المقاومة، ولم يدخلا الإسلام إلا بعد ثلاثة وعشرين عاماً من العناد، وبعد أن أحيط بهم، ومع هذا فلم تر جموع المسلمين غضاضة ولا حرجاً من وجود شيعة لمعاوية، ومن التشيع له مع أنه طليق ومن المؤلفة قلوبهم.

ويزيد بن معاوية، مثال ثان، قتل ابن الرسول في كربلاء وسبعة عشر رجلاً

٤٥
من أهل بيت النبوة، وساق بنات الرسول سبايا من كربلاء في العراق إلى دمشق من دون مسوغ لهذا كله. وهدم الكعبة وهي قبلة المسلمين، واستباح مدينة الرسول، وقتل عشرة آلاف مسلم في يوم واحد وهو يوم الحرة، وحبل جيشة ألف عذراء من بنات مدينة الرسول بالقوة. ومع هذا لم تر جموع المسلمين غضاضة ولا حرجاً في أن تكون له شيعة.

ومثال ثالث، مروان بن الحكم لعنه رسول الله، ولعن أباه، ونفاه من المدينة، وحرم عليه أن يساكنه فيها، وكان من المعروفين بعداوتهم لرسول الله.

ومع هذا كانت له شيعة ترى رأيه ولم تتعجب جموع المسلمين من وجود شيعة له ولم تتعجب لأنه صار خليفة بل ووالد جميع خلفاء بني أمية المروانيين وجدهم.

وليس لدى الجموع المسلة ما يمنع من أن تكون للأمويين شيعة وقد كانت بالفعل، أو لبني تيم أو لبني عدي أو لأي بطن من بطون قريش أو من بطون قبائل العرب، وقد كانت بالفعل، فليس في ذلك ما يدعو إلى الاستغراب وما يخرج عن المألوف! ولكن ما يثير دهشة الجموع المسلمة وحنقها واستغرابها هو وجود شيعة لأهل بيت النبوة أو وجود من يتشيع لهم. هذا ما يقيم الدنيا ولا يقعدها! قد تتقبل الجموع المسلمة فكرة وجود جماعة شيوعية ينكرون وجود الله! وتتقبل وجود يهود ونصارى ولكنها لا تتقبل وجود شيعة أو حزب يؤيد أهل بيت النبوة! فما هو السبب في هذا النفور العجيب؟ وما هو سر هذه العقيدة؟ إنها ثقافة التاريخ ورواسب الماضي المناقضة تماماً للثقافة القرآنية.

الثقافة المناقضة للثقافة القرآنية

الشيع تنفض وتتبعثر عادة بموت قادتها، أو إفلاس فكرها، أو فشل تجربتها، لتقوم على أنقاضها شيع جديدة بقيادات جديدة وفكر جديد أو معدل تعديلاً جذرياً. هذه قاعدة عامة لم تشذ عنها إلا شيعة أهل بيت النبوة. فقد بقيت هذه الشيعة ثابتة ولم تنقرض، وبقي فكرها كما هو لم يتزعزع ولم يتبدل. فمنذ وفاة النبي وحتى الآن وشيعة أهل بيت النبوة ترى أن ولاية الأمة وإمامتها وقيادتها من بعد النبي وحتى قيام الساعة هي حق شرعي ثابت لعلي بن أبي طالب ولأبنائه

٤٦
وأحفاده الأئمة من بعده، وأنهم قد غصبوا هذا الحق ظلماً. ثم إن هذه الشيعة تزيد ولا تنقص. لقد شعر الحكام بخطورة هذه الحركة على نظم حكمهم وعلى الصيغة الجديدة التي طرحوها للإسلام. وشعرت الشيع الإسلامية جميعها بهذه الخطورة واستاء العامة فالشيعة يخطئون صراحة، أو ضمناً أعداداً كبيرة من الصحابة، ويقولون بكل صراحة إن علياً بن أبي طالب كان أولى بالخلافة من أبي بكر وعمر وعثمان، لهؤلاء الثلاثة في نفوس المسلمين مرتبة من القداسة والتقديس تفوق التصور. فشعرت العامة أن شيعة أهل بيت النبوة تهز عقيدتهم بقداسة هؤلاء الثلاثة، ما أثار سخطها وشعورها البالغ بالاستياء، لأن هؤلاء الثلاثة فوق الشبهات فهم أعمدة الحكم التاريخي من بعد النبي، وعصورهم هي العصور الذهبية في الإسلام. والتشكيك بنزاهتهم تشكيك بالدين نفسه، وهدم العصور الذهبية! ومن جهة ثانية، فإن هؤلاء الثلاثة، كما ترى الشيع، أجل وأرفع من أن يعرفوا حق علي والأئمة من أهل بيت النبوة بالإمامة والولاية ثم يغصبوه منهم. ورسخ هذه العقيدة وزاد من خطورتها أن الأمويين الذين طبعوا الدولة الإسلامية التاريخية بطابع المؤسسية والاستقرار التنظيمي وبخاصة معاوية بن أبي سفيان موتورون وحاقدون على آل محمد بعامة وعلى علي بن أبي طالب وذريته بخاصة، فقد قتل علي حنظلة شقيق معاوية واشترك مع الحمزة في مقتل عتبة جد معاوية، والوليد ابن خاله وشيبة شقيق جده وتسعة من شيوخ بني أمية، ومعاوية والأمويون بشر، وتلفظهم بالشهادتين لا يخرج الحقد من قلوبهم وعندما ملك معاوية زمام الأمور، ودانت له البلاد الإسلامية بالطاعة رغبة أو رهبة استغل خليفة العامة وسخر جميع موارد دولته وإعلامها لتثبيت قواعد الملك الأموي، وتقليم أظافر أهل بيت النبوة والتنكيل بهم وبشيعتهم، ليكونوا مجرد رعايا منبوذين لا معين لهم ولا ناصر، فيقضي على أية مخاطر محتملة منهم على ملكه بخاصة وعلى ملك الأمويين بعامة. فما أن استقر عرش معاوية حتى أصدر سلسة من (المراسيم الملكية)، وطلب من جميع عماله في أرجاء الدولة أن ينفذوها بدقة بالغة، وأن يأخذوا الناس بها. ومن أهم هذه (المراسيم).

١ - (برئت الذمة ممن روى شيئاً من فضل أبي تراب وأهل البيت).

٤٧
وعملاً، بهذا (المرسوم) فمن يروي حديث الثقلين، أو حديث (من كنت مولاه فهذا علي مولاه ووليه) أو أي حديث آخر مهدور الدم ويمكن لأي شخص أن يتولي إعدامه في الشارع العام ومن دون محاكمة!

٢ - طلب معاوية جميع عماله (أن لا يجيزوا لأحد من شيعة علي بن أبي طالب وأهل بيت النبوة شهادة) وبناء على هذا (المرسوم) لو حضر الحسين ابن رسول الله عقداً من العقود لما جاز له أن يشهد على هذا العقد، ولا يجوز لأي من موالي أهل بيت النبوة شهادة أيضاً. فهم رسمياً محرومون من كافة الحقوق المدينة والسياسية حسب قوانين دولة معاوية (ومراسيمها) التشريعية.

٣ - قال معاوية لعماله: (انظروا من قامت عليه البينة أنه يجب علياً بن أبي طالب وأهل البيت فامحوه من الديوان وأسقطوا عطاءه ورزقه) ونتصور خطورة هذا القرار إذا عرفنا أن العطاء كان هو المصدر الوحيد لرزق أكثرية رعايا الدولة الإسلامية آنذاك.

٤ - وقال معاوية لعماله: (من اتهمتموه بموالاة علي بن أبي طالب وأهل بيت النبوة فنكلوا به واهدموا داره) فصار بإمكان الوالي، في أي بلد أو كورة، أن يهدم دار أي مسلم بجرم موالاة علي بن أبي طالب أو أهل بيت النبوة.

٥ - أمر معاوية عماله: (لا تتركوا خبراً رواه أحد من المسلمين في أبي تراب إلا وتأتوني بمناقض له في الصحابة، فإن هذا أحب إلي وأقر إلى عيني وأدحض لحجة أبي تراب وشيعته)!

وبناء على هذا (المرسوم) يتولى عمال معاوية، إذا شاع قول الرسول لعلي:

(أنت ولي كل مؤمن ومؤمنة من بعدي)، على سبيل المثال، إيجاد المحدثين الذين يتولون اختلاق حديث عن رسول الله ينفي الحديث السابق، ويعطي مزاياه لصحابي آخر.

فقرأت كتب معاوية (ومراسيمه) على الناس في كل كورة فقام الخطباء، وعلى كل منبر، يلعنون علياً بن أبي طالب ويقعون فيه وفي أهل بيت النبوة (١).

(١) راجع: شرح نهج البلاغة لعلامة المعتزلة ابن أبي الحديد، ٣ / ٥٩٥، تحقيق حسن =
٤٨
ومع ضغط الدولة، ووسائل إعلامها تكون رأي عام يرى أن الزندقة والكفر أخف جرماً من التشيع لأهل بيت النبوة أو من موالاتهم. وبالفعل، فإن الزنادقة والكفار والمنافقين لم يتعرضوا لعشر معشار ما تعرض له أهل بيت النبوة وشيعتهم. قال المدائني: (ثم تفاقم الأمر بعد قتل الحسين، وولي عبد الملك بن مروان فاشتد على الشيعة وولى عليهم الحجاج بن يوسف الثقفي، فتقرب إليه أهل النسك والصلاح والدين ببغض علي وموالاة أعدائه، وموالاة من يدعي أنهم من أعدائه) (١).

لم تتوقف الدولة الأموية عن التنقيب المستمر لإيجاد شخصيات إسلامية تأخذ الفضل من علي، أو تسبقه في هذا الفضل، وعن إيجاد جماعات إسلامية تقف على قدم المساواة مع أهل بيت النبوة وتسبقهم، فاخترع الأمويون وأشياعهم " (نظرية عدالة الصحابة) بثوبها الفضفاض، ونسبوا للصحابة جميعاً من الفضائل ما لم يخطر على البال لا حباً بالصحابة، ولكن إرغاماً لأنوف أهل بيت النبوة ومواليهم!

قال ابن عرفة، المعروف بنفطويه، وهو من أكابر المحدثين وأعلامهم، في تاريخه: (إن أكثر الأحاديث الموضوعة في فضائل الصحابة افتعلت في أيام بني أمية تقرباً إليهم بما يظنون أنهم يرغمون به أنوف بني هاشم) (٢).

واستغل العباسيون حالة التعاطف مع قضية أهل بيت النبوة، وشكلا شيعة خاصة بهم، وغلب العباسيون بني أمية فحكموا، وكان المفترض أن تخف الوطأة عن أهل بيت النبوة وشيعتهم بسقوط الحكم الأموي وقيام حكم بني العباس أبناء عمومة الإمام علي، ولكن حكم بني العباس لم يقل وطأه على أهل البيت وشيعتهم من الحكم الأموي. وغلب العثمانيون بني العباس وأقاموا دولتهم الجديدة على أنقاض الدولة العباسية. وبقيت شيعة أهل بيت النبوة هاجس الدولة التاريخية، وبقي الحصار مفروضاً عليها. ومع أن دولة الخلافة التاريخية قد سقطت رسمياً

= تميم كما نقله عن المدائني في كتابه الأحداث.

(١) المصدر نفسه: ٣ / ٥٩٥ - ٥٩٦.

(٢) المصدر السابق: ٣ / ٥٩٧.

٤٩
بسقوط آخر سلاطين بني عثمان ; إلا أن الثقافة التي زرعتها في نفوس العامة عن الشيعة والتشيع، بمعناه (العرفي) الجديد، لم تسقط بعد، بل ما زالت ضاربة الجذور في نفوس العامة عموماً والحركة الوهابية خصوصاً، وبقيت هذه الثقافة، جزءاً لا يتجزأ من معتقدات العامة. وهذا يتعارض مع توجه الأمة لتوحيد كلمتها وجهدها في مواجهة أعدائها!

إنه لمن المدهش حقاً أن يتمكن أهل بيت النبوة من المحافظة على تواصل بقائهم في هذا المناخ العاصف.

ومن المثير للدهشة، أيضاً، أن يبقي لأهل بيت النبوة شيعة تتبنى قضيتهم وتقول بحقهم بالإمامة والولاية والقيادة أمام هذه الأمواج العاتية من العداء في الوقت الذي تتبعثر فيه كل الشيع ويتحول فكرها وقادتها إلى مجرد كلمات مختصرة في صفحات التاريخ.

صفوة المجتمع

والخلاصة أن التشيع يعني موالاة القيادة الإلهية، أي الصفوة، وأن الشيعة هم قمة الوعي وهم الصفوة والنماذج الإسلامية المتحركة، وبهذا وصفهم الإمام محمد الباقر عليه السلام بقوله: (ما شيعتنا إلا من أتقى الله وأطاعه، وما كانوا يعرفون إلا بالتواضع والتخشع، وأداء الأمانة، وكثرة ذكر الله، والصوم والصلاة، والبر بالوالدين، وتعهد الجيران من الفقراء وذوي المسكنة والغارمين والأيتام، وصدق الحديث وتلاوة القرآن، وكف الألسن عن الناس إلا من خير، وكانوا أمناء عشائرهم في الأشياء) (١).

فرق الشيعة

استقر معنى كلمة (الشيعة) للدلالة على كل أولئك الذين يؤمنون بحق أهل بيت النبوة بالإمامة أو القيادة أو الولاية أو المرجعية من بعد النبي، بغض النظر عن درجات هذا الإيمان ودوافعه. والشيعة متفاوتون في هذا الإيمان. وهذا التفاوت

(١) راجع: تحف العقول للحراني، حكم ومواعظ للإمام الباقر عليه السلام ص ٢١٥.
٥٠
كتاب مساحة للحوار للمحامي أحمد حسين يعقوب (ص ٥١ - ص ٧٣)
٥١
النبي أن الإسلام كله من بعد النبي يتألف من ثقلين: أحدهما كتاب الله وهو بمثابة القانون النافذ للدولة، وثانيهما عترة النبي أهل بيته. وأقسم للحاضرين بأن الهدى لا يمكن أن يدرك إلا بالثقلين معاً، وأن الضلالة لا يمكن تجنبها إطلاقاً إلا بالثقلين معاً. وزيادة في الإيضاح أكد النبي أن علياً بن أبي طالب وشيعته هم الذين عناهم الله بقوله (أولئك هم خير البرية) [ البينة / ٦ ] وأن علياً وشيعته سيدخلون الجنة غراً محجلين، وأنه لا مكان في الجنة لمن لا يوالون علياً وأهل بيت النبي! وهكذا قاد الرسول بنفسه الدعوة للتشيع إلى علي وأهل بيت النبوة لأنه أراد أن تكون الأمة المؤمنة حزباً واحداً (شيعة) تقف من وراء علي وأهل بيت النبوة طوعاً ومن دون إكراه، وأراد أن يمزج التدين بالتشيع، وأن يربط القرآن بأهل البيت، وأهل البيت بالقرآن وأن يجعل من هذه الوحدة الطريق الفرد للهدى، والواقي المنيع من الضلالة، ومن الطبيعي أن الرسول قد فعل ذلك كله بأمر من ربه.

أثبت الإمام علي بن أبي طالب، خلال مرحلتي الدعوة والدولة، تميزه وأهليته بجميع المراتب التي اختصه الله تعالى بها وأعلنها نبيه للمسلمين، فكان واضحاً للقاصي والداني، للعدو والصديق أن علياً هو الأقرب للنبي فهو ابن عمه الشقيق، وقد حضنه النبي ورباه في حجره كابنه، وهو زوج ابنته البتول، ووالد سبطيه وابن عمه أبو طالب الذي احتضن النبي صغيراً ورباه ثم حماه بنفوذه عندما أعلن نبوته، وهو ابن المرأة الفاضلة التي احتضنته وعاملته كأم وأحبته أكثر من أولادها. ثم إنه الأعلم بالدين والأفهم والأتقى، والأشجع والأفضل لقد كان فارس الإسلام، وأوحد زمانه، لذلك كان خليقاً بكل المراتب التي أعلنها النبي، وكفاه فخراً أن الله تعالى قد اختاره لذلك وأهله وأعده.

ومن هنا كان التشيع للإمام علي بن أبي طالب ولأهل بيت النبوة منهجاً رسمياً للدولة النبوية باعتباره إعداداً لمرحلة ما بعد النبوة.

فكان التشيع لعلي بن أبي طالب جزءاً لا يتجزأ من الدين، فمن والاه وأطاعه فقد والى النبي وأطاعه، ومن رفض ولايته وعصاه فقد رفض ولاية النبي وعصاه، ومن سبه أو آذاه فقد سب النبي وآذاه. لقد صار الإمام علماً للهدى فلا يحبه

٥٢
إلا مؤمن ولا يبغضه إلا منافق. ومن هنا فقد قبلت الأمة الإسلامية ذلك، فأظهرت أو تظاهرت بالتشيع لعلي وأهل بيت النبوة، لأنه بغير هذا لن يكتمل الإيمان.

يقول معاوية بن أبي سفيان، وهو عدو الإمام اللدود، في رسالة وجهها لمحمد بن أبي بكر بالحرف: (وقد كنا، وأبوك معنا، في حياة من نبينا نرى حق ابن أبي طالب لازماً لنا، وفضله مبرزاً علينا، فلما اختار الله لنبيه ما عنده.. فكان أبوك وفاروقه أول من ابتزه وخالفه على ذلك اتفقا واتسقا...) (١).

تدل هذ الرسالة على أن الجميع كانوا يتشيعون للإمام علي أو يتظاهرون بذلك. إذا كانت هذه حقيقة نظر معاوية للإمام علي الذي قتل أخاه، وجده وشقيق جده وخاله وابن خاله وتسعة من أبناء عمومته فمن باب أولى أن تكون الرعية كلها مثله. لقد قبل المسلمون إمامة الإمام علي واعتبروه قدراً مقدوراً، كالنبوة وقبلوا قيادة أهل بيت النبوة المستمرة للمجتمع الإسلامي، ولولا الانقلاب الذي قادة قادة بطون قريش، لأسباب بعضها قبلي ; لما اختلف على التشيع للإمام ولأهل بيته اثنان، ولسارت أمور الأمة سجحاً إلى القيامة.

والذي يعنينا هنا أن التشيع لعلي بن أبي طالب والقول بإمامته وبحق أهل بيت النبوة بالإمامة والولاية والقيادة من بعد النبي كان خطا عاما مسلما من الجميع، أو هكذا تظاهر الجميع من دون إكراه. ومن هنا كان الناس جميعهم شيعة، وكانت الشيعة فرقة واحدة، واندمجت فكرة التشيع مع الدين، وصارت وجها من وجوهه، وامتازت عقيدة التشيع في تلك المرحلة بالبساطة والوضوح، وتلخصت في أمرين:

١ - قانون نافذ يتكون من القرآن الكريم وبيان النبي لهذا القرآن.

٢ - قيادة سياسية منحصرة بعمادة أهل بيت النبوة، وأول العمداء علي بن أبي طالب.

(١) راجع مروج الذهب للمسعودي، ٣ / ١١، ووقعة صفين لنصر بن مزاحم ص ١١٨ - ١١٩، وكتابنا المواجهة ص ٤٧٢.
٥٣

التشيع في عهد الخلفاء الثلاثة

لما أراد النبي أن يكتب توجيهاته النهائية، وهو على فراش الموت وجد نفسه وجهاً لوجه أمام بطون قريش: مهاجرها وطليقها، ومن خلف البطون المنافقون والمرتزقة من الأعراب! وجد نفسه أمام حزب منظم وقوي يقوده صهره عمر بن الخطاب، فما أن قال النبي: قربوا أكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعده أبداً، حتى قال عمر بن الخطاب: إن النبي يهجر، حسبنا كتاب الله! وعلى الفور رددت البطون وحلفاؤها: القول ما قال عمر! إن النبي يهجر! ونجحوا في الحيلولة بين النبي وبين كتابة ما أراد. لقد تيقن النبي والقلة المؤمنة التي اصطفاها لتشهد كتابة توجيهاته النهائية. إنهم أمام الفتنة بعينها، وإن بطون قريش التي هزمها النبي، وهي على الشرك، جاءت لتهزم النبي تحت مظلة الإسلام! وإنها تهدف إلى هدم كافة الترتيبات الإلهية المتعلقة بالإمامة والقيادة والولاية من بعد النبي، وإنها تستعد لغصب حق أهل بيت النبوة الشرعي في القيادة، والاستيلاء عليها بالقوة والتغلب والقهر، وتقديم الدين على طريقة البطون. لقد قدرت البطون ودبرت فأحكمت التدبير، فلو أصر النبي علي كتابة توجيهاته لأصرت البطون وحلفاؤها على هجر النبي ; وفي ذلك هدم للدين وإبقائه طريقاً لملك البطون، وقدر النبي أن عهوده ومواثيقه اللفظية وتأكيداته التي تكررت تكفي المؤمنين ليحموا الشرعية الإلهية بسواعدهم، فإن تخاذلوا عن حمايتها فسيذلوا ويحرموا نعمة هذه الشرعية الإلهية، وسيتفرقوا. وإن تفرقوا لن يجتمعوا إلا بالعودة إلى هذه الشرعية بعد أن يمسهم الشيطان بنصب وعذاب. وخرجت البطون من بيت النبي منتصرة، واغتنمت فرصة انشغال أهل بيته بتجهيزه وتكفينه، ونصبت خليفة، وبايعته بطون قريش، وبايعه المنافقون والمرتزقة من الأعراب، وأصحاب المصالح من الأنصار، وعزل أهل بيت النبوة وبنو هاشم والقلة المؤمنة وصاروا أقلة كما كان وضعهم في مكة قبل الهجرة.

وواجه الإمام علي وأهل البيت والفئة المؤمنة واقعاً سياسياً لا طاقة لهم بمواجهته (١).

(١) راجع كتابينا: نظرية عدالة الصحابة، ص ٢٨٦ وما بعدها، والمواجهة مع رسول الله وآله، ص ٣٦٠ فتجد التفصيل ومئات المراجع المعتمدة عند أهل السنة.
٥٤

إلغاء النهج العام للتشيع وتجميده

عند ما نجحت بطون قريش في انقلابها الذي قاده صهرا النبي، واستولت بالقوة والتغلب والقهر على منصب الخلافة اتخذت سلسة من التدابير والقرارات المؤلمة، نجحت، من خلالها، بإلغاء النهج العام الذي رسمه النبي للتشيع لعلي بن أبي طالب بخاصة وأهل بيت النبوة بعامة، فبدلت رسمياً واجب الولاء لأهل بيت النبوة بالولاء لقريش، وجعلت الولاء لخليفة البطون بديلاً من الولاء لعلي بن أبي طالب، وجمدت التشيع تجميداً كاملاً من عدة طرق هي:

١ - منع رواية الأحاديث النبوية المتعلقة بالتشيع لأهل بيت النبوة بعامة ولعلي بخاصة وكتابتها، وحرق المكتوب منها.

٢ - تحطيم الرموز التي ينبغي شرعاً على الناس أن يوالوها. فقد جر الخليفة الإمام علي بن أبي طالب جراً، وهدد بالقتل إن لم يبايع، وشرع جيش الخليفة في حرق بيت فاطمة بنت الرسول محمد على من فيه، وفيه فاطمة والحسن والحسين سبطا الرسول.

٣ - حرمان أهل بيت النبوة من حقهم في ميراث النبي، ومصادرة المنح التي أعطاها لهم النبي حال حياته! وحرمانهم من حقهم في الخمس الوارد في آية محكمة.

٤ - حرمان أهل بيت النبوة من تولي الوظائف العامة وأوضحت البطون لهم بأنه إذا ما أرادوا العيش فإن عليهم أن يقفوا أذلة أمام بيت الخليفة ليأخذوا حاجتهم من المأكل والمشرب! واستعملت سلطات الدولة ونفوذها لصد الناس عن موالاة علي وأهل بيت النبوة ونجحت في ذلك.

ومن خلال هذه التدابير المؤلمة استطاعت دولة البطون أن تعزل علياً وأهل بيت النبوة اجتماعياً وسياسياً واقتصادياً، وأن تذلهم إذلالاً بالغاً، وأن تظهرهم في مظهر الذين لا حول لهم ولا قوة. وما يعنينا أن دولة البطون ألفت، رسمياً وعملياً، النهج العام للتشيع الذي رسمه النبي، وجمدت التشيع تجميداً تاماً، والقلة التي اختارت الوفاء بعهد الله رسوله، والبقاء على ولائها وتشيعها لعلي خاصة وأهل

٥٥
بيت النبوة عامة كتمت ولاءها وتشيعها، وتظاهرت بتقبل ما حدث حفظاً لحياتها ومصالحها، وبقيت عقيدتها بالتشيع على بساطتها التي كانت سائدة في زمن الرسول، فهي تؤمن بالقرآن وبيان النبي لهذا القرآن قانوناً أبدياً للأمة، وتؤمن بعلي بن أبي طالب وأئمة أهل بيت النبوة قيادة أبدية للأمة من بعد النبي، ولكنها اضطرت لإخفاء هذا الإيمان. بمعنى أنه لم يكن للشيعة فرق في هذا العهد إنما كانوا فرقة واحدة.

عودة النهج العام للتشيع

بعد مقتل خليفة بطون قريش الثالث عثمان، وتسلم الإمام علي منصب الخلافة، رفع جميع القيود التي وضعها الخلفاء الثلاثة، وأخذ يكشف النقاب ويذكر الأمة بالنصوص الشرعية التي عالجت منصب القيادة من بعد النبي. ولم تمض آونة بسيطة على حكمه حتى أدركت الأكثرية الساحقة من المسلمين، أن المياه قد عادت إلى مجاريها، وأن الحق قد عاد إلى صاحبه، وشعرت كأنها استفاقت من حلم، وأعلنت الفئة المؤمنة حقيقة إيمانها وفتح الإمام بعض مغاليق علمه بالقدر الذي تتحمله العامة، وعادت سيرة البطل لتشق طريقها إلى الأسماع من دون قيود، وبهر الجميع بمسلك الإمام الشخصي وعدله وجلال قدره، فالتفت حوله قلوب المخلصين فتشيعوا له ولأهل بيته، وتشيعت البقية أو تظاهرت بالتشيع. وصار التشيع لأهل بيت النبوة النهج العام للمجتمع، بعد القضاء على حزب عائشة وطلحة والزبير، ودانت البلاد الإسلامية لحكم الإمام وقيادته ولم تبق إلا ولاية الشام التي أعلنت عصيانها له بقيادة معاوية بن أبي سفيان. خلال هذه الحقبة كانت الشيعة فرقة واحدة ولعقيدتها البساطة التي كانت سائدة في عهد النبي و تقوم هذه العقيدة على حديث الثقلين الذي يؤكد أن قيادة الأمة حق خالص لأئمة أهل بيت النبوة.

الاختلاف ونشوء الفرق

وقف الصحابة المخلصون جميعهم مع الإمام علي في سلمه وحربه ومعهم عامة المسلمين، ووقفت بطون قريش ومعها المنافقون والمرتزقة من الأعراب

٥٦
وأهل الشام مع معاوية، الذي استعد لهذه المواجهة طوال مدة حكمه لولايته الشام التي امتدت قرابة عشرين عاماً. كانت مواجهة بين القوة والشرعية، لقد أنهكت الحرب معسكر الإمام وحدثت معركة صفين، ورجحت كفة الإمام ومعسكره، ولا حت بوادر هزيمة معاوية وجيشه فاخترع معاوية وابن العاص خدعة رفع المصاحف على الرماح، وشعار (هذا كتاب الله بينا وبينكم)، ودب الخلاف في معسكر الإمام، فمنهم من يقول: هذا كتاب الله، ومنهم من يقول: تلك خدعة من رجلين لا يعرفان كتاب الله. وتوقف القتال، واشتد الخلاف في معسكر الإمام، وصار الإمام نفسه مأموراً بعد أن كان آمراً، ووجدت الأكثرية فرصة للقعود والدعة، وتهيأ المناخ لنشوء الفرق والأحزاب، الفئة المؤمنة، وهي قلة بقيت على ولائها للحق لم تتزعزع، والأكثرية الساحقة فتحت آذانها لما يقال وهو كثير، وفتحت قلوبها للهوى الذي انفلت من حواجزه، وتبعثرت وتشرذمت الكثرة طرائق بدداً. كان هم الإمام أن يعيد الكثرة إلى خط القلة المؤمنة، وكانت المهمة عسيرة إن لم تكن مستحيلة، فقد ألقى الخلاف أجرانه في معسكر الإمام وأفلتت أزمة الأمور من يده، وعبر عن واقع الحال بقوله: (لا رأي لمن لا يطاع). وأخيراً صمم الإمام أن يدعو على أولئك الذين رفضوا طاعته، وأن يخرج وأهل بيته والقلة المؤمنة التي أطاعته إلى حرب معاوية. في قمة هذا التصميم، وبينما كان الإمام يستعد لأداء الصلاة في صبيحة أحد أيام شهر رمضان كان السيف الغدر، بيد أشقاها ابن ملجم، وما أن دلف الإمام إلى المسجد حتى هوى السيف على رأس أتقاها، ومات أفضل المسلمين بعد النبي، وبايعت القلة المؤمنة الحسن، وتبعهم الذين بايعوا أباه. وجهز الإمام علي الفور جيشاً لمقاتلة معاوية، وسار الجيش بقيادة عبيد الله بن العباس، ومن دون علم الإمام جرت مفاوضات بين معاوية وبين عبيد الله أسفرت عن حصول الأخير على رشوة كبيرة من معاوية فالتحق ومعه ثلث الجيش بمعاوية. لم يستسلم الإمام إنما خرج ومعه فئة من المؤمنين لينضموا إلى ما تبقى من الجيش، وليقاتلوا معاوية، وفجع قلب الإمام الشريف عندما اكتشف أن فرقة ممن تبقى من جيشه كانت تخطط للقبض عليه وتسليمه حياً لمعاوية مقابل مبلغ من النقود، وأن هذه الفرقة قد شرعت في ذلك وطعنته وهجمت على فسطاطه ونهبته!

٥٧
عندئذ تيقن الإمام أن الاستمرار في مواجهة معاوية عسكرياً في هذه الظروف انتحار حقيقي سيؤدي حتماً إلى إبادة الفئة المؤمنة إبادة تامة، وخلو الساحة من المؤمنين، وهذا ما يتمناه معاوية وبطون قريش، وبالنتيجة سينتصر معاوية. لذلك، وحرصاً من الإمام علي ما تبقى من الفئة المؤمنة ومن أهل بيت النبوة، قرر أن يتنازل لمعاوية عن الخلافة بشروط، حتى لا يضطر يوماً إلى التنازل عنها من دون شروط، وجرت مفاوضات، وقبل معاوية بشروط الإمام، ووقع على التزامه بها، وتنازل الإمام رسمياً، وصار معاوية بالقوة والقهر خليفة جميع المسلمين. وبعد أن تم له ما أراد، لم يف بعهد الله، ولم يحترم توقيعه على شروط الحسن. وظهر معاوية على حقيقة ملكاً لا مطمع له إلا الملك، وما كانت الشعارات التي رفعها سوى ستار يخفي تحته أطماعه. وبعد أن استهل معاوية عهده الجديد، أخذ الناس يقارنون بين عهده وعهد علي، وسيرته وسيرة علي، وعدله وعدل علي، وعلمه وعلم علي، وأصله وأصل علي، فندموا وتباكوا على الإمام وعلى كل ما كان يرمز له (ولات حين مندم) واضطروا إلى مواجهة عسف الملك الذي أقاموا ملكه بأيديهم وأعمالهم!

الفئة التي تشيعت لله ولرسوله ولأهل بيته بقيت على عهد الله لم تتغير، ولم تهتز قناعاتها بأن القيادة والمرجعية حق خالص لأهل بيت النبوة، ولكنها اضطرت أن تخفي هذه القناعات تماماً كما أخفتها في عهد الخلفاء الثلاثة حرصاً منها على حياتها ومصالحها الهزيلة. وهؤلاء الباقون على عهد الله هم الشيعة.

والفئات التي تباكت من ظلم معاوية وولاته وفقدت عدل الإمام وسيرته، بدأت من الصفر وأخذت تكون لنفسها قناعات مختلطة تتضمن نوعاً من الموالاة لأهل بيت النبوة، ولكنها ليست الموالاة الشرعية إنما هي تعبير عن المعاناة، أولئك ليسوا شيعة.

التشيع، من منظور السلطان، جريمة تفوق جريمة الكفر

بعد أن استقام الأمر لمعاوية ولبطون قريش، وأنشبوا أظفارهم في أعناق المسلمين وقلوبهم لم يكتفوا بإلغاء النهج العام للتشيع الذي كان سائداً زمن النبي،

٥٨
وزمن علي، ولم يكتفوا بطمس النصوص الشرعية التي تبرز علياً وأهل بيت النبوة وتؤكد حقهم في القيادة والمرجعية، بل سخروا كل إمكانيات الدولة وطاقاتها الهائلة للتشكيك في هذه النصوص الشرعية، ولاختلاق فضائل ونصوص نبوية لمعاوية وقادة البطون ما أنزل الله بها من سلطان، وفرض هذه الفضائل والنصوص المختلفة على الناس وجعلها منهاجاً تربوياً وتعليمياً لرعايا دولة معاوية. وأبعد من ذلك فإن معاوية وقادة البطون صوروا علياً بن أبي طالب في صورة الشيطان (حاشاه) وفرضوا على الرعية لعنه وسبه والتبرؤ منه ومن أهل بيت النبوة. وأصدر معاوية، بوصفه سلطان المسلمين، سلسلة من (المراسيم الملكية) عممت على كافة ولاته، وفي كل أقاليم دولته، أمرهم فيها بأن يمحوا من ديوان العطاء كل من يشتبهوا بموالاته لعلي بن أبي طالب وأهل بيت النبوة، وألا يقبلوا له شهادة، وإن ظنوا بأن أحداً من المسلمين يحب علياً وأهل بيت النبوة فعليهم أن يهدموا داره وأن يقتلوه على الفور. فصارت كلمتا الكفر والزندقة أخف بمليون مرة من كلمة التشيع، وصار الكفرة والزنادقة ملوكاً إذا ما قيسوا بالشيعة، وصارت الانتماء إلى الشيعة من الجرائم الكبرى التي تعرض مرتكبها للقتل من دون محاكمة، وعلى الشبهة!

وصارت هذه (المراسيم) جزءاً من المنهاج التربوي والتعليمي للدولة يتناقلها الناس، جيلاً بعد جيل. وما يعنينا أن الفئة المؤمنة بحق أهل بيت النبوة بقيادة الأمة بقيت على إيمانها، ولكنها أخفت هذا الإيمان في حرز منيع، وكان هم الشيعة منصباً بالدرجة الأولى والأخيرة على المحافظة على الحياة. فلم يعد بوسع أحد منهم أن يقول لخادمه بأنه من الشيعة. كم كان الواحد منهم يتستر على إيمانه تماماً كتستر مؤمن آل فرعون بل وأشد تستراً، لأن البديل الآخر هو الموت. وتركت الساحة لمعاوية ولبطون قريش لينجحوا في تحريف الحقائق بقوة الدولة وسلطانها!

لذلك تشبثت الشيعة بالحياة لا حرصاً عليها، ولكن طمعاً بنقل الحقيقة من جيل إلى جيل وبيانها للناس، وفاء بما أخذه الله على العلماء.

المذبحة الكبرى

لما شعر معاوية بدنو أجله، وليتم بالصالحات أعماله، أخذ يعد العدة ليستخلف ابنه يزيد من بعده، وشجعه على ذلك تأييد البطون والمنافقين والمرتزقة

٥٩
وجند الشام المجندة تحت أمرته، وخيراتها المكنوزة لحاجاته الشخصية. ويزيد هذا شاب سكير مشهور بخلاعته وقلة دينه ومجونه وتفاهته. ولكن، وكما فرض نفسه على الأمة بالتغلب والقهر، أراد أن يورثها لابنه باعتبارها جزءاً من ممتلكاته الخاصة، وقدر معاوية أن أهل المدينة الذين يعرفون يزيداً لن يقبلوه، وبالتالي فستكون الفرصة ذهبية للقضاء التام على ما تبقى من المؤمنين. وبعد أن استخلف يزيد وعهد إليه ; أوصاه بأن يرسل مسلم بن عقبة إلى المدينة إذا ثار أهلها، ويبدو واضحاً أن معاوية قد تفاهم مع مسلم بن عقبة على ما ينبغي فعله بأهل المدينة.

مات معاوية، وجرت (مراسيم) بيعة الخليفة الجديد يزيد مع مراسيم العزاء بموت الخليفة القديم معاوية، وطلب من الحسين بن علي بن أبي طالب سبط النبي، وابن علي، أن يبايع يزيد ليكون حاكمه وإمامه وقائده! وأهل المدينة يتفرجون لا يدفعون هذا الحرج عن سبط النبي لا بيد ولا بلسان، فوعد الإمام أن ينظر في الطلب، ولما أرخى الليل سدوله ودع الحسين جده، وخرج بأهله ومن اتبعه من ذرية أخية وأبناء عمومته خائفاً، وتوجه إلى مكة. وأحيط أهل مكة علماً بقدوم الحسين وأهله، وبإصرار ولاة يزيد على أخذ البيعة منه فلم يحركوا ساكناً، بل نظروا إليه كزائر من زوار بيت الله الحرام، وأمضى الحسين أياماً في مكة ثم توجه إلى العراق. وفي كربلاء كان جيش يزيد بانتظاره هو وأهل بيته، كان جيش (الخلافة) قد تلقى أمراً حاسماً بالحيلولة بين الحسين وأهل بيته ومن معه وبين الماء حتى يموتوا جميعاً عطشاً تماماً وولاة العراق، وقادة جيش الخلافة الذي نهد ليذبح سبط النبي وأهل بيت النبوة أقل وأذل من أن يصدروا أمراً بهذه الخطورة وأن ينفذوه على مسؤوليتهم، بمعنى أن الخليفة الجديد ضالع من المؤامرة والمذبحة مثلها كان أبوه ضالعاً بها وشارك فيها الذين كتبوا للحسين!

وما يدل ذلك أنه لم تكن هنا لك ضرورة عسكرية للقتال، فيمكن لجيش قوامه عشرون ألف مقاتل، أو أربعة آلاف مقاتل، أن يأسر، وبكل سهولة، رجلاً ومعه اثنان وسبعون شخصاً من أهل بيته وشيعته. لكن الوالي والجيش والخليفة الجديد والقديم ضالعون بالمذبحة، وقد اتخذوا قرارها، وهم ينفذونها فصلاً فصلاً. وبعد حصار طويل وبعد أن أشرف الحسين وأهل بيت النبوة وأطفال

٦٠