×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

مساحة للحوار من أجل الوفاق ومعرفة الحقيقة / الصفحات: ٦١ - ٨٠

النبي وبنانه على الموت عطشاً، شن عمر بن سعد بن أبي وقاص هجوماً شاملاً وانجلى الهجوم عن قتل الحسين وأهل بيت النبوة وأسر بنات النبي وأطفاله. ولم يكتف ابن سعد بذلك بل أمر كوكبة من خيالته بأن يطأوا بخيولهم جثة الحسين وجثث أهل بيت النبوة ومن معهم، وأن يقطعوا رؤوس القتلى ويحملوها على الرماح حتى يرى والي العراق والخليفة أفعال عمر بن سعد وبلاءه المجيد في سبيل عرش معاوية وابنه! ورفعت الرؤوس، وسيقت بنات النبي، ولم تقع المذبحة إلا بعد أن أقام الحسين الحجة على القوم وبان لكل ذي عقل أن القوم أسفل من الكفرة، وأنها أحقاد على محمد وعلي وبني هاشم وعملية ثأر لقتلى الأمويين في معركة بدر، ولكن تحت خيمة الإسلام. وصدم العالم الإسلامي من هول ما جرى في كربلاء، وانزعج أهل المدينة، وتمردوا على يزيد. وعملا بوصية معاوية، جهز الخليفة جيشاً من أهل الشام وسلم قيادته لمسلم بن عقبة، وصل مسلم إلى المدينة، وفي يوم واحد، هو (يوم الحرة) قتل عشرة آلاف مسلم وأباح المدينة ثلاثة أيام لجيشه وربط خيوله في مسجد النبي، وختم أعناق الصحابة، وأخذ البيعة ممن تبقى من أهل المدينة على أنهم قول لأمير المؤمنين يزيد يتصرف بهم كما يتصرف السيد بعبيده، إن شاء باعهم، وإن شاء استخدمهم وإن شاء قتلهم، يفعل بهم ما يشاء! استسلمت الأمة لآل أبي سفيان بخاصة ولبني أمية بعامة، وذاقت وبال أمرها بمعصيتها لنبيها وخذلانها أهل بيته الذين أمرها الله بتقديمهم فذبح الطغاة ساداتها، ثم ذبحوا عامتها. ودخل حفيد أبي سفيان المدينة رداً على دخول محمد لمكة، ولكن تحت مظلة الإسلام!

نهج التشيع النهائي، والفرقة الناجية

بعد المحن التي تعرض لها أهل بيت النبوة، والتي جاوزت المدى في مذبحة كربلاء، انسحب الإمام علي بن الحسين زين العابدين من الحياة السياسية وشكا بثه وحزنه لله تعالى بأدعية تهز مشاعر النفس البشرية، وركز في الحياة العامة على العلم وتعليم الناس وإيصالهم إلى نبع علم النبوة الحقيقي. لقد تيقن الإمام أن وصول أهل بيت النبوة إلى منصب القيادة لا يحل مشاكل المسلمين الناجمة عن

٦١
تغيير دولة البطون لكافة الترتيبات الإلهية المتعلقة بالقيادة، والحل الوحيد لمشاكل الأمة تتمثل في تحصين الأمة ضد الإنحراف وإعادة بنائها من جديد فرداً فرداً، وعلى هذا اتفق أئمة أهل بيت النبوة واتسقوا، فانصب جهدهم على نشر علم النبوة النقي في جميع أوساط المسلمين، واتخاذ التدابير التي تؤدي إلى بقاء الفئة المؤمنة التي التزمت بموالاتهم (الشيعة) وتنظيم هذه الفئة تنظيماً يضمن استمرار وجودها، وتثقيفها تثقيفاً معمقاً بثقافة أهل بيت النبوة التي تمثل الثقافة الإسلامية في أنقى صورها وأروعها، بما في ذلك إيجاد النظام التكافلي الاقتصادي الذي يغني أفرادها عن الحاجة إلى دولة البطون.

ومضمون التشيع في نهجه الجديد لا يختلف عن مضمونه في عهد النبوة، فالمطلوب من الشيعي أن يلتزم بمبدأين: أولهما القرآن الكريم وبيان النبي لهذا القرآن، وثانيهما الإيمان بأن قيادة الأمة ومرجعيتها حق خالص لأهل بيت النبوة، وبالتحديد لأئمة أهل بيت النبوة الإثنى عشر الذين سماهم رسول الله، أولهم علي وثانيهم الحسن وثالثهم الحسين، ثم تسعة من ولد الحسين آخرهم المهدي المنتظر محمد بن الحسن، فمن آمن بذلك فهو شيعي، ومن الفرقة الناجية، ومن لم يؤمن بذلك فأمره متروك لله. فالمضمون ثابت لم يتغير والذي تغير هو (التكتيك) والتنظيم، وإعاة الترتيب لمواجهة الواقع السياسي وثمرات النهج التربوي والتعليمي التي أوجدتها دولة البطون، وهذه الفرقة من الشيعة هي الإمامية الاثني عشرية، وهي الفرقة الناجية، إذ لا خلاف بين المسلمين على أن الأئمة الشرعيين من بعد النبي هم اثنا عشر إماماً، وقد أخفقت دولة البطون على الرغم من إمكانياتها الضخمة طوال التاريخ في بيان أولئك الأئمة الاثني عشر ما يجعل إجماع أهل بيت النبوة علي أسمائهم وترتيب أزمانهم الحجة الوحيدة المؤهلة للبقاء. والمنتمون إلى هذه الفرقة يشكلون الأكثرية الساحقة من المؤمنين الموسومين بالتشيع، وقد التزمت هذه الفرقة بالخط العرفاني السلمي، فلم تلجأ للعنف، ولم تشترك عملياً في الثورات، لأن الأئمة كانوا يعرفون سلفاً نتائج هذه الثورات إنما كان جهدها منصباً بالدرجة الأولى على معرفة الحقائق الشرعية وتوسيع قاعدتها الشعبية (إعادة بناء الأمة) وتحصين هذه القاعدة من الإنحراف، وصار لها مذهب معروف يسمى

٦٢
بالمذهب الجعفري نسبة إلى الإمام جعفر (الصادق) بن محمد (الباقر) بن علي (زين العابدين) بن الحسين بن علي بن أبي طالب. وسمي المذهب باسم جعفر لأنه عاصر إصرار دولة البطون على حصر المذاهب الإسلامية بأربعة: الحنفي والشافعي والمالكي والحنبلي نسبة إلى أسماء مؤسسي هذه المذاهب، فسمي مذهب أهل البيت بالمذهب الجعفري، وأصحاب المذاهب الأربعة كانوا تلاميذ الإمام جعفر الصادق، فهو أستاذهم باعترافهم. أما سبب عدم انتشار هذا المذهب في أوساط العامة فيعود إلى حساسية دولة البطون من أئمة أهل البيت النبوة ومن إصرار هذه الدولة على طمس وجودهم وأوليائهم، ومن مناهجها التعليمية والتربوية التي غرست في أذهان العامة مع التكرار والوراثة، وصورت أهل بيت النبوة في الشواذ المبتدعة كما يقول ابن خلدون. وصورت أولياءهم في صورة الخارجين على الجماعة الشاقين لعصا الطاعة. وجاءت الأجيال المسلمة اللاحقة فصدقت تلك المقولات واستبعدت أن يكذب السلف الصالح الذي فتح بدينه مشارق الأرض ومغاربها، فحتى الكثير من علماء أهل السنة لا يعرفون جعفر الصادق ولا يدركون فضله ويعتقدون أن أتباعه كفار! وما ذلك إلا من ثمرات المناهج التربوية والتعليمية التي أشاعها معاوية بخاصة وخلفاء البطون بعامة.

فرق محسوبة على الشيعة

١ - الزيدية: هم أصحاب زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب، وأصحاب زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، ومنهم تفرعت صنوف الزيدية، ساقوا الإمامة بعد هذين في أولاد فاطمة شورى بين أولادهما، فمن خرج منهم مستحقاً للإمامة فهو الإمام. ولذلك تبع بعضهم زيداً بن علي وبعضهم زيداً بن الحسن، وقالت الزيدية بإمامة المفضول مع وجود الأفضل (١).

ويلاحظ أن الزيدين قد خرجا على خليفة دولة البطون وكلاهما بطل، ولم يقل أحد منهما بأنه إمام شرعي معين من الله ورسوله، ولم يدع أحد منهما أن له فقه

(١) راجع: أصل الشيعة وأصولها للإمام محمد حسين آل كاشف الغطاء، ص ١٣٥ - ١٣٦.
٦٣
خاص به ومستقل عن فقه أهل بيت النبوة، ولم يدع أحد منهما أنه أعلم من الإمام الشرعي الذي كان معروفاً في زمانه كل ما في الأمر أن الرجلين كرها ظلم خليفة البطون وظلم دولته، وتعجلا الشهادة فنالاها، ولأنهما من أهل بيت النبوة، ولأنهما اعتبرا رمزاً للشجاعة والتضحية في زمانهما قال أتباعهما بإمامتهما بعد موتهما، وأن كلمة إمام صارت تطلق على من هو أقل من الرجلين الشريفين شأناً فسمي أصحاب المذاهب الأربعة بالأئمة، وسمي أصحاب الصحاح الستة بالأئمة، وسمي كبار المفسرين بالأئمة، وقد شجعت دولة البطون هذا التوجه لتسحب تمييز إمام أهل البيت النبوة وتعممه على أكبر عدد ممكن، وصولاً إلى إبطال مفاعيله تماماً كما عممت فكرة العدالة على جمع الصحابة، وصولاً إلى إبطال مرجعية أهل بيت النبوة وطهارتهم، فقيل عن كل من الزيدين إمام مع أنة لم يقل هذا عن نفسه.

وليس من المستعبد أن تكون دولة البطون قد شجعت هذا التوجه لتظهر أهل بيت النبوة في مظهر المختلفين اللاهثين وراء الإمامة بمعناها الشرعي واللغوي.

ويبدو أن أنصار الإمامين (الزيديين) في أكثريتهم من أهل السنة الذين كرهوا الظلم وأحبوا البطولة، وليس أدل على ذلك من قولهم بإمامة المفضول مع وجود الأفضل، ليجوزوا إمامة أبي بكر وعمر وعثمان مع وجود علي، وهو الأفضل برأيهم. والدليل الثاني أن أحكامهم السياسية توفيقية، بمعنى أنها لا تريد إثارة العامة، وتضحي بالنص طلباً للسلامة والوفاق الوطني! ثم إنه ليس للزيديين فقه خاص بهم ما جعلهم عالة على الفقه الحنفي لأن أبا حنيفة كان يتعاطف مع زيد بن علي ويقول بشرعية ثورته. ويلوح لي أن أكثر أتباعه أصناف قد التزموا بالفقه الحنفي وإن خلعوا عليه رداء أهل بيت النبوة وعباءتهم للتبرك!

٢ - الإسماعيلية: وهم أصحاب إسماعيل بن جعفر الصادق الذين أنكروا موته في حياة أبيه، وزعموا أنه لا يموت حتى يملك الأرض، فيقوم بأمر الناس، وأنه هو القائم لأن أباه أشار إليه بالإمامة (١).

(١) راجع: أصل الشيعة وأصولها للإمام الشيخ محمد حسين آل كاشف الغطاء، ص ١٣٦.
٦٤
من المؤكد أن الإسماعيلية يقولون بإمامة علي والحسن والحسين وعلي بن الحسين ومحمد الباقر وجعفر الصادق، ويبدو أنهم فقدوا الاتصال بحلقة الأئمة فظنوا أن الإمام من بعد جعفر الصادق هو ابنه الكبير إسماعيل، وعندما قيل لهم:

إن إسماعيل قد مات حال حياة والده أنكروا ذلك. وقد صوروا إسماعيل في صورة المهدي المنتظر، فالإسماعيلية كانت منقطعة عن المصدر اليقيني للمعلومات وهو الإمام، وربما كان الدعاة بعيدين عنه، ولم يجالسوه، لأن مجالسة الإمام وبحث هكذا أمور في غاية العسر والشدة، فعيون دولة البطون تجوب دوماً حول الإمام وتحصي عليه حركاته وسكناته، وحركات الذين يتصلون وسكناتهم لتتأكد من طبيعة هذه الإتصالات كل ذلك يدفعنا إلى الاعتقاد أن إمامة إسماعيل اجتهادية كان القصد منها إقامة علم لأتباع أهل البيت والمتعاطفين معهم في منطقة معينة، وإضفاء الشرعية على سادة هذه الحركة وقادتها.

ومن المؤكد، أيضاً، أن (التكتيك) قد اختلط عندهم بالأصول وأن كثيراً من معارفهم وتوجهاتهم لا تمت لأهل البيت بصلة، بمعنى أنهم لم يعلموها لأعضاء الفرقة الإسماعيلية إنما هي من قبيل الافتراض، أو من اجتهاد قادة هذه الحركة.

وليس من المستبعد أن تكون عواطفهم صادقة نحو أهل بيت النبوة، ولكنها كانت بحاجة إلى التوجيه المباشر من الأئمة، وهذا ما افتقرت إليه الحركة الإسماعيلية، بمعنى أن أمرها لم يكن بيد الأئمة، وأنها فقدت الاتصال بهم وعوض القائمون عليها عن ذلك بالافتراض أو الاجتهاد.

٣ - الواقفية: تطلق هذه التسمية على غير فرقة من فرق الشيعة، وتتمثل في من قال بإمامة أحد الأئمة ووقف بعد موته، وقال: إنه القائم المنتظر. فالإسماعيلية من الواقفية وبعض أتباع موسى بن جعفر من الواقفية، وتعزى ظاهرة الواقفية إلى فقدان الصلة بين الأتباع وبين إمام زمانهم، وعدم القدرة على الاختلاط به والاستماع إليه ومعرفة حقيقة الحال، ووراء هذه الظاهرة أحياناً استبداد القائمين على هذه الجماعة أو تلك ورغبتهم الجامحة في الاستيلاء على ما في أيديهم من أموال جمعت باسم الإمام.

٦٥

إدعاء التشيع

كانت طريقة اتصالات الأئمة مع شيعتهم تحير دولة البطون وتربكها، لذلك دست عيونها وجواسيسها من حول الإمام، فادعوا التشيع، وهم ليسوا شيعة، وغايتهم منصبة على معرفة تحركات إمام الزمان وأعوانه، وعلى تحريف ما يسمعونه منه وتشويهه ونشره بين الناس ليكرهوا المسلمين بأئمة أهل بيت النبوة وبأهل البيت، وليوحوا لهم بأن الأئمة وأولياءهم أعداء للإسلام، وأن الخليفة وبطانته هم حماة الإسلام الحقيقي، ومن هذا الفرق اللعينة التي كانت تتلقى دعماً من دولة البطون لتظهر التشيع والموالاة ولتتقول على الأئمة وتشوه سمعتهم وأولياءهم الفرق التالية:

١ - الفرقة الخطابية وتضم أصحاب أبي الخطاب، محمد بن أبي زينب الأجدع الأسدي. وقد كشف الإمام جعفر أمر هذا الرجل فلعنه وتبرأ منه، وحذر الشيعة من شروره. فأعلن أبو الخطاب كذبه علناً، وادعى أن جعفر بن محمد جعله وصياً وقيماً له، ثم ادعى النبوة والرسالة. وهذه الفرقة تقول بالرجعة والتناسخ (١).

والدليل على أن هذه الفرقة مجموعة من عيون دولة البطون امتهنت الظهور بالتشيع والتقول على الأئمة أن أبا الخطاب وأعوانه كانوا يمارسون نشاطاتهم علناً.

٢ - الفرقة الغرابية: وتضم مجموعة من عيون دولة البطون وجواسيسها ادعت التشيع لتشويه معناه وتنفير الناس منه ومن أهل البيت وأئمتهم، فقالت هذه الفرقة: أن الله قد أرسل جبريل إلى علي، فأخطأ وذهب إلى النبي لأنه كان يشبهه، وقالوا أنه كان أشبه من الغراب بالغراب والذباب بالذباب (٢). وكانت هذه الفرقة تمارس نشاطها بعلم دولة البطون ومن دون أن تتعرض لأية معادلة. وهذا يؤكد أن أفرادها موظفون في دولة البطون غايتهم تنفير الناس من التشيع ومن موالاة أهل بيت النبوة.

(١) راجع: فرق الشيعة للنوبختي ص ٣٩ و ٤٢.

(٢) راجع: أصل الشيعة وأصولها للإمام الشيخ محمد حسين آل كاشف الغطاء ص ١١٠.

٦٦
٣ - الفرقة العلباوية: وتضم أصحاب العلباء بن ذراع الدوسي الذي ادعى التشيع، وخرج بتقليعة جديدة مفادها أن علياً أفضل من النبي، وأن علياً بعث محمداً ليدعو إليه فدعا لنفسه، وجماعة من هذه الفرقة قالوا بألوهية أشخاص أصحاب الكساء وقالوا: خمسة في شئ واحد!

الجامع المشترك بين فرق الضلالة

لا أحد في الدنيا ينكر أن معاوية وأركان دولة البطون عدوا التشيع من جرائم الخيانة العظمى التي يعاقب صاحبها بالموت من دون سؤال أو محاكمة، وعدوا التشيع عملياً جريمة أشد خطورة من جريمة الكفر والزندقة. وقد ذكرنا أن معاوية أصدر لولاته سلسلة من (المراسيم) طلب فيها منهم أن يمحوا من ديوان العطاء والأرزاق كل من يشتبهون بموالاته لعلي وأهل بيت النبوة وأن لا يجيزوا لأحد منهم شهادة، وأن يهدموا بيت من يشتبهون بحبه لعلي وأهل بيته ثم يقتلوه.

والسؤال هو: كيف استطاعت هذه الفرق أن تدعي التشيع علناً في هذه الظروف؟ ولماذا لم تطبق عليها (المراسيم) معاوية، بل أعطيت كل الحرية لنشر أكاذيبها؟ واختلافاتها؟ والأهم أن أسماءها لم تمح من ديوان عطاء الخليفة بل زادت أرزاقها!

كل هذا يؤكد أن قادة هذه الفرق وأعضاءها ما هم إلا عيون دولة البطون أو جواسيسها ومهمتهم التجسس على الأئمة وشيعتهم واختلاق الأكاذيب والأخبار الشاذة لتغيير الناس من أئمة أهل بيت النبوة وشيعتهم، ومن التشيع باعتبار أن حركة التشيع وقيادتها هما الخطر الحقيقي الذي يهدد مستقبل دولة البطون.

ولغايات إجهاض الحركة العلمية الدينية التي قادها الأئمة لتقديم الإسلام للأمة بصورته النقية التي تلقوها من جدهم رسول الله، لقد كانت هذه الفرق مجرد دوائر حكومية تتقاضى راتبها من دولة البطون للغاية المحددة التي وجدت من أجلها.

ثم إن معاوية قد أصدر (مرسوماً) لكافة ولاته في جميع أقاليم مملكته أمرهم

٦٧
فيه ألا يدعو فضيلة لأبي تراب إلا وجاءوا بمناقض لها في الصحابة، فهذه الأخبار التي اختلقتها الفرق الضالة تصب في مصب (مرسوم) معاوية. لقد فشلت جهود معاوية وأوليائه في طمس البيان النبوي المتعلق بفضل علي وأهل بيت النبوة، ففرعوا من مخططهم شعبة لهذه الاختلاقات.

الشيعة الإمامية والفرق الضالة

إن الشيعة الإمامية هي الفرقة الناجية لأنها والت الأئمة الاثني عشر، وتتلمذت عليهم، وبالتالي تلقت الإسلام من أنقى مصادره، ترى أن مقولات الفرق الضالة وأشباهها تناقض الإسلام مناقضة تامة. لذلك لعن الأئمة الكرام هذه الفرق وتبرأوا منها وكشفوا حقيقتها وضلالتها للناس، وعزلوها عزلاً علمياً تاماً.

وبفضل الله ومنته، فإن هذه الفرق قد اندثرت مع سقوط دولة البطون وانهيار دوائر تلك الدولة وانقطاع عطائها عن دعاتها ولم يبق من هذه الفرق نافخ نار وقيل:

بعداً للقوم الظالمين. ٩٥ % من الشيعة الآن إمامية.

ادعاء التشيع والسعي إلى الجاه والسلطان

هزت المحن التي تعرض لها أهل بيت النبوة وجدان الأمة هزاً عنيفاً، وأدركت الأمة أن لأهل بيت النبوة قضية عادلة، فتعاطفت قلبياً معهم، والفظائع التي ارتكبها خلفاء البطون أثارت استياء الأمة جلياً. ولكن الأمة كانت معقدة تماماً لا ترى لنفسها حولاً ولا قوة، فالثروة قد تكدست عند فئة قليلة، والأغلبية الساحقة تعاني الجوع والحرمان وتعتمد في حياتها على الرزق أو العطاء الشهري الذي يقدمه الخليفة وأعوانه، وليس من مصلحة أحد من هذه الأغلبية أن يغامر بعطائه ورزقه، وأن يدخل في معركة فاشلة مع الخليفة وأعوانه! لذلك استمرأت الأمة القعود وسوغت ذلها وعجزها عن مواجهة الطغاة، فعند ما حدثت مذبحة كربلاء بكت عيون الأمة حسيناً بدموع من دم، وأدركت أن الساحة قد خلت نهائياً من فارسها المرتجى، وأدركت أكثرية الأمة أو هكذا أقنعت نفسها بأنها لا تملك إلا البكاء بصوت منخفض حتى لا يسمعها خليفة البطون وأعوانه فيغضبون ويقطعون

٦٨
الرزق والعطاء فلا أحد يثق بأحد، ولا أحد ينجد أحداً، وكل واحد مرتبط بنفسه.

لقد ماتت الأحاسيس تماماً.

ولكن الأمة لم تخل من أبطال، لقد هال زيد بن الحسن الظلم فخرج، وقتل وصار بطلاً، تقر بذلك العيون والقلوب والعقول، ولكن الأصابع لم تكن تقوى على الإرشاد إليه، فكيف بالسيوف؟ وخرج الحسين بن علي ثائراً على الظلم، واستشهد هو وأصحابه، وتعدد الخارجون على الظلم وتتابعت قوافل الشهادة وهذا الطراز لم يكن له مطمع إلا تحدي الظالمين والشهادة والدعوة لمن يرتضيه الناس من آل محمد.

وهنا لك رجال مغامرون أدركوا أن الخليفة قد وصل إلى منصب الخلافة بالقوة والتغلب والقهر وجمع الأتباع، وها هو الخليفة ورجاله يتنعمون بما لذ لهم وطاب، ويرقصون فوق الجماجم والأشلاء، في الوقت الذي تشقى فيه الغالية من الناس، فما الذي يمنع أولئك المغامرين من أن يجمعوا الأتباع كما جمع الخلفاء ويعدوا القوة كما أعد الخلفاء، ويغصبوا منصب الخلافة كما غصبه الخلفاء، ثم يتنعمون بخيرات الدنيا كما تنعم الخلفاء!؟

من أجل هذا رفعوا شعار التشيع لأهل بيت النبوة لغايات استقطاب الناس حولهم، ورفعوا شعار مقاومة الظالمين وشرعية الخروج عليهم، مع أنهم لا يعرفون التشيع، ولا يؤمنون به، ولا يدرون تفاصيل قضية أهل بيت النبوة، ولا مطمع لهم إلا الملك بغض النظر عن الوسيلة التي يلجؤونها للوصول إليه، حتى إذا قبضوا على الخلافة صاروا أشد على أهل بيت النبوة من أسلافهم الذين سبقوهم إلى النار. أولئك مغامرون وجائعو سلطة، أرادوا المناجرة بكل ما يثير عطف الأمة، ويستقطبها من حولهم، وهم على استعداد لرفع أي شعار يحقق لهم هذا المطلب، سواء أكان التشيع لعلي أم التشيع لخليفة البطون.

* * *
٦٩

الباب الثاني
الإمامة بعد وفاة النبي

٧٠

طائفة جديدة من الأسئلة

بعد ثلاثة أشهر هاتفني صديقي السني، وحددنا موعداً لجلستنا الثانية، أقبل الرجل بوجه طلق بشوش، فعانقني بحرارة بالغة، مبدياً أصدق العواطف، ثم جلسنا فقال صديقي:

لقد قرأت بتمعن ومرتين أجوبتكم عن كافة تساؤلاتي، وتفهمت الآن وبعمق مفهوم الشيعة والتشيع وأشهد أن أجوبتكم التي جاءت تحت عنوان (مفهوم الشيعة والتشيع) تصلح أن تكون بحثاً مستقلاً وقائماً بذاته، لقد استوعبت هذا المفهوم تماماً، وأصبحت مهيأً لهجر الأفكار الخاطئة والخرافات التي كانت عالقة بذهني عن الشيعة والتشيع وقد جئت طبقاً لاتفاقنا بطائفة جديدة من الأسئلة آمل أن تتلطفوا بالإجابة عنها. وناولني ورقة كتب عليها الطائفة الثانية من أسئلته وهي:

يبدو واضحاً أن منصب الإمامة أو الولاية أو القيادة أو الرئاسة العامة للمسلمين، من بعد النبي، كان السبب في حدوث أول خلاف بين المسلمين وأهمه. وربما كان السبب في تفريق الأمة إلى فرق شتى أهمها السنة والشيعة. فهل تتفضل فتبين لي كيف عالجت الشريعة الإسلامية قضية تولي هذا المنصب بعد وفاة النبي؟، وهل هنا لك نصوص تبين من يتولاه وكيفية انتقاله من شخص إلى آخر، وهل استبعدت هذه النصوص، ولماذا؟ وكيف أمكن التغطية على استبعاد نصوص شرعية عممت على المسلمين؟ وكيف أجمعت الأمة على إنكار هذه النصوص، ثم التنكر لها؟ وما هي أهم نقاط الخلاف والاختلاف بين شيعة أهل بيت النبوة وغيرهم من الشيع الإسلامية؟ راجياً أن توضح هذه النقاط - إن وجدت - توضيحاً كاملاً، مبيناً أدلة كل فريق من الفريقين، وهل هنالك تشابه بين نظام الخلفاء التاريخي، ونظام الأئمة الشرعي، وأرجو أن تكون الأجوبة موثقة بما أمكن من الإيجاز، ويمكنك عند الاقتضاء الإشارة إلى مرجع يتضمن هذه النصوص، وسأتولى بنفسي الرجوع إليه. وبتعبير جامع، ما هي عقيدة الشيعة في الإمامة أو القيادة أو الولاية بعد وفاة النبي، مستذكراً ما ورد تحت عنوان مفهوم الشيعة والتشيع؟

٧١
قلت لصديقي السني: سأجيب، إن شاء الله، عن كل تساؤلاتك، ولكن ليس وفق الترتيب الذي ذكرته، لأنه ترتيب نظري يتجاهل مجريات الواقع التاريخي، وستكون إجاباتي تحت عنوان (الإمامة أو الولاية، أو القيادة من بعد النبي) من دون الإشارة إلى تساؤلاتكم، حتى إذا تسلمت أجوبتني تأكدت ساعتها بأنني قد أجبت عنها جميعها، تاركاً الحكم لك على الأجوبة. ويهمني جداً أن أسمع رأيك، أو أقف على الأثر الذي ستتركه تلك الأجوبة عليك.

* * *
٧٢
٧٣
كتاب مساحة للحوار للمحامي أحمد حسين يعقوب (ص ٧٤ - ص ٩٤)
٧٤
مؤسسة الإمامة أو الولاية أو القيادة في الإسلام، ونمت تلك البذرة في ما بعد فتمسك فريق من المسلمين بالنص وهم (الشيعة) وتمسك الأكثرية بالاجتهاد أو الشورى أو الاختيار أو التخلية، وهم أهل السنة، ولأنهم هم الذين حكموا الدولة التاريخية الإسلامية، فقد سخروا مواردها ونفوذها وإعلامها الهائل لدعم نظرية الاجتهاد (الشورى، أو الاختيار، أو التخلية) وإثبات شرعيتها وسدادها وصوابها، فعلا شأن هذه النظرية وألقت في الأرض أجرانها وأصبحت العمود الفقري لعقائد الأكثرية الساحقة من المسلمين، بل وقدموها للعالم بوصفها قاعدة النظام السياسي الإسلامي، وعودي دعاة النص، واعتبروا شذاذاً ومبتدعة وخارجين على الجماعة الإسلامية!

أسباب استبعاد هذه النصوص

يعود استبعاد هذه النصوص إلى أسباب كثيرة منها:

النصوص الشرعية النبوية منصبة بالكامل على حصر منصب الإمام بعد وفاة النبي في شخصيات مؤهلة من أهل بيت النبوة وهذه النصوص منصبة على إعطاء دور مميز لأهل بيت النبوة بقيادة الأمة من بعد النبي ما يعني أن لا حظ لشيع البطون في هذه (المكاسب جميعها) فاعتقدت أن هذه النصوص ما هي إلا ثمرة (اجتهادات) شخصية من الرسول الذي اختص ذريته بهذا الفضل كله، ولا علاقة للوحي بهذه (الاجتهادات النبوية)! ثم إن الرسول يتكلم بالغضب والرضى فهو بشر، ولا ينبغي أن يحمل كلامه كله على محمل الجد! ولا ينبغي أن ينفذ (١).

وعلى هذا الأساس لم تر شيع بطون قريش حرجاً ولا غضاضة من ترك كلام النبي وحديثه والاجتهاد في ما يهمها من أمور سبق للنبي الكريم وعالجها وبينها، ثم إنه لا علم لشيع بطون قريش، كما تزعم، بأن القرآن الكريم قد تطرق لمثل هذه الأمور، وإلا لما كان بالإمكان الاجتهاد في مورد النص القرآني!

(١) راجع: سنن الدارمي ١ / ١٢٥، وسنن أبي داود ٢ / ١٢٦، ومسند أحمد ٢ / ١٦٢ و ٢٠٧ و ٢١٦، ومستدرك الحاكم ١ / ١٠٥ و ١٠٦.
٧٥

بين النص والاجتهادات الشخصية

ولتضفي شيع البطون الشرعية الدينية على اجتهاداتها وقناعاتها رفعت شعار (حسبنا كتاب الله) أي أن كتاب الله يغني عن حديث النبي، ويغني عن وصيته، ويغني عن النبي نفسه عند الاقتضاء. فطالما أن كتاب الله موجود فهو يكفي، ولا حاجة لسواه. وقد رفعت شيع البطون هذا الشعار في مواجهة النبي نفسه، فعندما أراد الرسول في أثناء مرضه أن يكتب توجيهاته النهائية للأمة، قال قائل البطون:

(إن النبي يهجر، حسبنا كتاب الله) (١). وما أن أتم قائل شيع البطون قوله حتى قال من حضر من الشيع: (القول ما قال فلان، إن النبي يهجر حسبنا كتاب الله) (٢).

وهكذا صدمت شيع البطون خاطر النبي الشريف فصرف النظر عن كتابة توجيهاته النهائية، لأن الكتابة في ذلك الجو صارت بمثابة باب من أبواب الفتنة.

ولما تسلم أبو بكر الخلافة جمع الناس وخطبهم قائلاً: (إنكم تحدثون أحاديثاً تختلفون فيها، والناس بعدكم أشد اختلافاً، فلا تحدثوا عن الرسول الله شيئاً، فمن سألكم فقولوا: بيننا وبينكم كتاب الله) (٣)، وليسد أبو بكر باب الاختلاف الذي ينتج عن أحاديث رسول الله نهائياً، وليضمن وحدة الأمة خلف قرآنها بات يتقلب ليلة كما تروي ابنته السيدة عائشة. وعندما أصبح الصباح، قام أبو بكر بحرق الأحاديث التي سمعها شخصياً من رسول الله، وقام بكتابتها بنفسه.

وهكذا ينقطع دابر الخلاف والاختلاف ويصبح كتاب الله وحده هو الحاكم والحكم!

وعند ما آلت الخلافة إلى عمر بن الخطاب كان أول مشاريعه أن طلب من الناس وناشدهم ليأتوه بأحاديث الرسول التي كتبوها، وظن الناس أن عمر يريد أن

(١) راجع: تذكرة الخواص لابن الجوزي ص ٦٢، وسر العالمين وكشف ما في الدارين لأبي حامد الغزالي ص ٢١.

(٢) راجع صحيح البخاري ١ / ٣٧ و ٢ / ١٣٢، و ٤ / ٣١ و ٧ / ٩، وصحيح مسلم ٢ / ١٦ و ٥ / ٧٥، وصحيح مسلم بشرح النووي ١١ / ٩٤ - ٩٥، وتاريخ الطبري ٢ / ١٩٢، والكامل لابن الأثير ٢ / ٣٢٠، ومسند الإمام أحمد ١ / ٢ و ٣ / ٢٨٦.

(٣) راجع تذكرة الحفاظ للذهبي ١ / ٢ - ٣.

٧٦
يجمع أحاديث رسول الله فأتوه بها، فلما وضعت بين يديه أمر بتحريقها جميعاً.

وحرقت بالفعل (١).

جاء في كنز العمال (٢) ومنتخب الكنز: (٣) (أنه ما مات عمر حتى بعث إلى أصحاب رسول الله فجمعهم من الآفاق: عبد الله بن حذيفة وأبا الدرداء وأبا ذر وعقبة بن عامر وقال لهم: ما هذه الأحاديث التي أفشيتم عن رسول الله؟. وروى الذهبي في تذكرة الحفاظ (٤) في ترجمة أبي بكر أن عمر حبس ثلاثة بتهمة أنهم أكثروا الحديث عن الرسول الله، ولقد نهى عمر جيوشه عن التحديث عن رسول الله حتى لا يصد الناس عن القرآن (٥). ويجدر بالذكر أن عمر بن الخطاب كان أول من رفع شعار: (حسبنا كتاب الله). وقد رفع هذا الشعار أمام الرسول نفسه.

وتولى عثمان الخلافة، من بعد عمر، وكان أول مشاريعه إصدار أمر بعدم جواز رواية أي حديث لم يسمع به في عهدي أبي بكر وعمر (٦). ولما قبض معاوية على مقاليد الأمور أعلن بصراحة تامة: (أن برئت الذمة ممن روى شيئاً من فضل أبي تراب أو أهل البيت) (٧). وهكذا أحكم الطوق ولم يتسرب رسمياً أي نص من النصوص المتعلقة بالإمامة أو الولاية أو القيادة من بعد النبي. وقد جاء في تعليل ذلك بأنه لا ينبغي أن يكون هنا لك مع كتاب الله، أو حتى لا يختلط الحديث مع القرآن، أو حتى لا يكون حديث الرسول سبباً في اختلاف الأمة، وتفرق كلمتها بعد الاجتماع.

(١) راجع الطبقات لابن سعد ٥ / ١٤٠.

(٢) ٥ / ٢٣٩، حديث رقم ٤٨٦٥.

(٣) ٤ / ٦١.

(٤) ١ / ٢ - ٣.

(٥) راجع بيان العلم وفضله لابن عبد البر ٢ / ١٤٧، وتذكرة الحفاظ للذهبي ١ / ٤ - ٥.

(٦) راجع منتخب الكنز بهامش مسند الإمام أحمد ٤ / ٦٤.

(٧) راجع شرح النهج، ٣ / ٥٩٥ - ٥٩٧، تحقيق حسن تميم.

٧٧

١٣٩٤ عاماً مقابل ٢٣ عاماً

كانت حياة النبي، بعد البعثة، ٢٣ عاماً في أرجح الأقوال، منها ١٥ عاماً قبل الهجرة وثمانية أعوام بعد الهجرة بمعنى أن الرسول قد قاد الدعوة ١٥ سنة، وقاد الدعوة والدولة ثماني سنين فيكون مجموع مدة عهده المبارك ٢٣ عاماً، بينما استمر حكم الدولة التاريخية الإسلامية وأشياعها ١٣٩٤ عاماً حتى الآن، وطوال عهود الدولة التاريخية الإسلامية، وهي تتنكر بكل نفوذها ووسائل إعلامها لأي نص نبوي يقول: إن الإمامة أو القيادة أو الولاية من بعد النبي هي حق خالص لشخصيات معينة من ذرية النبي أو لعلي وأولاد علي بخاصة، وأن صوتها هو المدوي والمعلن والمعمم بكل وسائل التعميم والنشر، وصوت معارضيها غير مسموع إلا نطاق ضيق، ومحاصر ومحاط به تماماً.

من التنكر للنصوص إلى إنكارها

اجتهدت شيع البطون وتنكرت بالكامل لجميع النصوص النبوية التي نصت على إمامة علي بن أبي طالب وأحد عشر إماماً من بعد النبي، وفرضت حصاراً رهيباً على أحاديث النبي جميعها وصولاً إلى منع تداول الأحاديث التي عالجت الإمامة والقيادة من بعد النبي وبينتها بياناً يرفع الخلاف والإختلاف.

وقدرت شيع البطون أن مصلحة المسلمين ووحدتهم تقتضي بذلك للأسباب التي ذكرناها آنفاً. ثم وجدت نفسها في الحكم بجميع مزاياه وامتيازاته، فمضت في تنكرها قدماً، فالاعتراف يعني سحب بساط الشرعية من تحت أقدامها، وخسارتها للتميز والامتيازات. ومع الأيام واقتناع العامة، صار التنكر إنكاراً، وجهر القائمون على الأمر بإنكارهم فأعلنوا، بكل صراحة، أن النبي الكريم قد أغفل هذه الناحية تماماً، وأنه قد ترك أمته ولا راعي لها، أو بتعبيرهم قد (خلى على الناس أمرهم) ولم يستخلف أحداً قط، ولم يبين من هو الإمام أو الولي أو القائد من بعده ولا بين أسلوب تنصيبه. والقرآن الكريم لم يتطرق لهاتين الناحيتين تفصيلاً. وفي هذه الحالة وجدت الأمة نفسها مضطرة لاختيار خليفة للنبي، ولإيجاد أسلوب أو أساليب تعيين وتنصيب هذا الخليفة وآلية انتقال منصب

٧٨
الخلافة، مستعينة بالمبادئ العامة الواردة في القرآن والسنة كمبدأ الشورى، ومبدأ حرية الاختيار، ومبدأ القوي الأمين.. إلخ، بالإضافة إلى مبادئ اخترعتها بنفسها لجلب المصالح، كتقديم المفضول على الأفضل! ولم يقل أحد بأن الأمة كلها قد قامت بذلك إنما قامت به جماعة، ورضيت أكثرية الأمة، بما فعلت تلك الجماعة.

ولم يشذ عن هذا الإجماع إلا أهل بيت النبوة وحفنة من الناس تشيعت لهم! حيث تمسكوا بوجود النصوص الشرعية التي بينت من هم الأئمة، وبينت أسلوب تنصيبهم، وطريقة انتقال منصب الإمامة من إمام إلى إمام، وقدرت الفئة المتغلبة أن معارضة أهل بيت النبوة ومن تشيع لهم لا تخدش إجماع الأمة، واعتبرت أهل بيت النبوة وشيعتهم خارجة من الجماعة الإسلامية وشذاذاً ومبتدعة على حد تعبير ابن خلدون في مقدمته الشهيرة ; حيث قال بالحرف (وشذ أهل بيت النبوة بمذاهب (ابتدعوها) وفقه تفردوا به... وهي كلها أصول واهية) وتابع ابن خلدون قوله:

(وشذ بمثل ذلك الخوارج) (١).

نقطتا الخلاف والاختلاف

١ - النقطة الرئيسية الأولى: شيعة أهل بيت النبوة يؤمنون إيماناً مطلقاً بأن الله تعالى قد اختار علياً بن أبي طالب ليكون أول إمام وولي وقائد للأمة من بعد النبي، وأنه تعالى قد اختار من ذرية النبي وأولاد علي أحد عشر إماماً ليقودوا الأمة بالتتابع والتعاقب يعين كل واحد منهم بنص ممن سبقه، وقد أمر الله رسوله أن يعلن هذا الاختيار ويبينه للناس، فصدع رسول الله بما أمر فأعلن ذلك مراراً وتكراراً، وسمى رسول الله الأئمة بأسمائهم، وكان تسعة منهم لم يولدوا بعد، وأعلن أن كل واحد من الأئمة الاثني عشر في زمانه هو الأولى بالمؤمنين من أنفسهم، وأن ولاية هذا الإمام كولاية الرسول، وولاية الرسول كولاية الله، وطاعة هذا الإمام كطاعة الرسول وطاعة الرسول كطاعة الله، ومعصية هذا الإمام كمعصية الرسول ومعصية الرسول هي معصية الله، وأن الأمة لن تهتدي إطلاقاً إلا إذا تمسكت بالثقلين، فالقرآن ثقل وأهل البيت وعلى رأسهم إمام الزمان الثقل الآخر، ويستحيل على

(١) راجع النص والاجتهاد، ص ٥٣٩ للإمام السيد عبد الحسين شرف الدين.
٧٩
الأمة أن تتجنب الضلالة إلا إذا تمسكت بالثقلين معاً، وكان آخر الإعلانات العامة في (غدير خم). وأحيط الجميع علماً بذلك وفهم الناس ذلك كله، حتى الطلقاء، وقدم الجميع التهاني لأمير المؤمنين، وكان من جملة المهنئين عمر بن الخطاب وأبو بكر، وما أن نزل الرسول من مكانه الذي أعلن منه النبأ، حتى نزل قوله تعالى: (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً [ المائدة / ٣ ] وعلى هذا كله أجمع أهل بيت النبوة بلا خلاف، وأجمعت شيعتهم تبعاً لإجماعهم بلا خلاف. وإجماع أهل بيت النبوة حجة، لأنهم أحد الثقلين، ويكفيهم شرفاً أن الصلاة عليهم ركن من أركان الصلوات المفروضة على العباد.

٢ - النقطة الرئيسة الثانية: تؤمن شيعة أهل بيت النبوة إيماناً مطلقاً بأن كل واحد من الأئمة الاثني عشر معد ومؤهل تأهيلاً إلهياً بحيث يكون في زمانه هو الأعلم والأفهم بالدين، والأتقى والأقرب لله ولرسوله، والأصلح وأفضل الموجودين على الإطلاق بمعنى أنه أوحد زمانه، وهو المؤتمن على تبليغ الدين وبيان القرآن بياناً قائماً على الجزم واليقين، ولا يخطئ في ذلك لأن الله تعالى قد عصمه عن الوقوع في الزلل تماماً، كما عصم الرسول عن الوقوع بالزلل عند تبليغ الدين وبيان القرآن، فالدعوة الإسلامية مستمرة إلى يوم الدين وبيان القرآن لا ينبغي أن يتوقف، والإمام هو القائم مقام النبي في هذا وغيره، وهو مرجع الأمة الموثوق الذي يقدم الجواب اليقيني عن كل سؤال. وهذا لا يتأتى إلا بفضل من الله وملكة خاصة تكون بمثابة الثمرة الطبيعية للإعداد والتأهيل الإلهي.

وبالفعل فقد انتهى علم النبوة إلى كل واحد من الأئمة الاثني عشر، فعلي تتلمذ على يد رسول الله قبل البعثة بسنين وبعد البعثة كان يسكن وإياه في بيت واحد حتى انتقل رسول الله إلى جوار ربه، خلال هذه الآونة زقه رسول الله بالعلم زقاً، حتى ورث علم النبوة كله. والإمامان: الحسن والحسين عاشا في كنف رسول الله وكنف أبيهما ونهلا علم النبوة حتى صار كل واحد منهم الأوحد في زمانه علماً وتقوى وفضلاً وقرباً. وعلي بن الحسين عاش في كنف أبيه الحسين وانتهى إليه علم النبوة، وكذلك كل واحد من الأئمة الثمانية آل إليه علم النبوة عن أبيه.

٨٠