×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

المسح على الرجلين في الوضوء / الصفحات: ٢١ - ٤٠

قال القرطبي: قال النحّاس: هذا من أحسن ما قيل في المقام، أي لانْ تكون الاية غير دالّة على المسح، نجعل كلمة المسح مشتركة بين الغسل والمسح المعروف.

ثمّ قال القرطبي: وهو الصحيح.

فوافق على رأي النحّاس(١) .

وراجعوا أيضاً: البحر المحيط(٢) ، وتفسير الخازن(٣) ، وابن كثير(٤) ، يذكرون هذا الرأي.

ردّ المناقشة الثانية:

لكنّ المحقّقين لا يوافقون على هذا الرأي، وهذه المناقشة عندهم مردودة، ولا يصدّقون أن يقول اللغويون بمجيء كلمة المسح بمعنى الغسل، وأن تكون هذه الكلمة لفظاً مشتركاً بين المعنيين.

لاحظوا مثلاً: عمدة القاري في شرح البخاري يقول بعد نقل

(١) الجامع لاحكام القرآن ٦/٩٤.

(٢) البحر المحيط ٣ / ٤٣٨.

(٣) تفسير الخازن ٢ / ٤٤١.

(٤) ابن كثير ٢ / ٣٥.

٢١
هذا الرأي: وفيه نظر(١) .

ويقول الصاوي في حاشية البيضاوي: وهو بعيد(٢) .

وصاحب المنار يقول: وهو تكلّف ظاهر(٣) .

فتكون هذه المناقشة أيضاً مردودة من قبلهم.

المناقشة الثالثة:

إنّ قراءة الجرّ ليست بالعطف على لفظ برؤوسكم ليدلّ قوله تعالى في هذه الاية المباركة على المسح، لا، وإنّما هو كسر على الجوار.

عندنا في اللغة العربيّة كسر على الجوار، ويمثّلون له ببعض الكلمات أو العبارات العربيّة مثل: هذا جحر ضبٍّ خرب، يقال: هذا كسر على الجوار.

فليكن كسر (وَأَرْجُلِكُمْ) أيضاً على الجوار، فحينئذ يسقط الاستدلال.

أورد هذه المناقشة: العيني في عمدة القاري، وأبو البقاء في

(١) عمدة القاري في شرح صحيح البخاري ٢/٢٣٩.

(٢) الصاوي على البيضاوي ١/٢٧٠.

(٣) تفسير المنار ٦/٢٣٣.

٢٢
إملاء ما منّ به الرحمن، والالوسي في تفسيره، ودافع الالوسي عن هذا الرأي.

ردّ المناقشة الثالثة:

لكنّ أئمّة التفسير لا يوافقون على هذا.

لاحظوا، يقول أبو حيّان: هو تأويل ضعيف جدّاً(١) .

ويقول الشوكاني: لا يجوز حمل الاية عليه(٢) .

ويقول الرازي وكذا النيسابوري: لا يمكن أن يقال هذا في الاية المباركة(٣) .

ويقول القرطبي قال النحّاس: هذا القول غلط عظيم(٤) .

وهكذا يقول غيرهم كالخازن والسندي والخفاجي في حاشيته على البيضاوي وغيرهم من العلماء الاعلام.

فهذه المناقشة أيضاً مردودة.

(١) البحر المحيط ٣ / ٤٣٨.

(٢) فتح القدير ٢ / ١٦.

(٣) غرائب القرآن ٦ / ٥٣.

(٤) الجامع لاحكام القرآن ٦ / ٩٤.

٢٣

المناقشة الرابعة:

يقولون إنّ الاية بكلتا القراءتين تدلّ على المسح، يعترفون بهذا، فقراءة النصب تدلّ على المسح، وقراءة الجر تدلّ على المسح، لكن ليس المراد من المسح أنْ يمرّ الانسان يده على رجله، بل المراد من المسح المسح على الخفّين، حينئذ تكون الاية أجنبيّة عن البحث.

إختار هذا الوجه جلال الدين السيوطي، واختاره أيضاً المراغي صاحب التفسير.

ردّ المناقشة الرابعة:

لكن هذه المناقشة تتوقّف:

أوّلاً: على دلالة السنّة على الغَسل دون المسح، وهذا أوّل الكلام.

ثانياً: إنّ جواز المسح على الخفّين في حال الاختيار أيضاً أوّل الكلام، فكيف نحمل الاية المباركة على ذلك الحكم.

وفي هذه المناقشة أيضاً إشكالات أُخرى.

٢٤
وتلخّص إلى الان: أنّهم اعترفوا بدلالة الاية المباركة بكلتا القراءتين على وجوب المسح دون الغسل، اعترفوا بهذا ثمّ قالوا بأنّنا نعتمد على السنّة ونستند إليها في الفتوى بوجوب الغسل، ونرفع اليد بالسنّة عن ظاهر الكتاب.

وحينئذ، تصل النوبة إلى البحث عن السنّة، والمناقشات في الاية ظهر لنا اندفاعها بكلّ وضوح، فنحن إذن والسنّة.

٢٥

الاستدلال بالسنّة على المسح

وفي السنّة النبويّة ـ بغضّ النظر عن روايات أهل البيت ومافي كتاب وسائل الشيعة وغير وسائل الشيعة من روايات أهل البيت (عليهم السلام) ـ ننظر إلى روايات أهل السنّة في هذه المسألة.

وفي كتبهم المعروفة المشهورة، نجد أنّ الروايات بهذه المسألة على قسمين، وتنقسم إلى طائفتين، منها ما هو صريح في وجوب المسح دون الغسل، أقرأ لكم بعض النصوص عن جمع من الصحابة الكبار، وننتقل إلى أدلّة القول الاخر.

الرواية الاُولى:

عن علي (عليه السلام): إنّه توضّأ فمسح على ظهر القدم وقال: لولا أنّي رأيت رسول الله فعله لكان باطن القدم أحقّ من ظاهره.

هذا نصّ في المسح عن علي (عليه السلام) أخرجه أحمد

٢٦
والطحاوي(١) .

الرواية الثانية:

عن علي (عليه السلام) قال: كان النبي يتوضّأ ثلاثاً ثلاثاً إلاّ المسح مرّةً مرّة.

في المصنّف لابن أبي شيبة وعنه المتقي الهندي(٢) .

الرواية الثالثة:

عن علي (عليه السلام) إنّه توضّأ ومسح رجليه، في حديث مفصّل وقال: أين السائل عن وضوء رسول الله ؟ كذا كان وضوء رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).

هذا في مسند عبد بن حميد وعنه المتقي الهندي(٣) .

وهذا الخبر الاخير تجدونه بأسانيد أُخرى عند ابن أبي شيبة وأبي داود وغيرهما، وعنهم المتقي(٤) ، وبسند آخر تجدون هذا

(١) مسند أحمد ١ / ٩٥، ١١٤، ١٢٤، شرح معاني الاثار ٢ / ٣٧٢.

(٢) كنز العمال ٩ / ٤٤٤.

(٣) كنز العمال ٩ / ٤٤٨.

(٤) كنز العمال ٩ / ٤٤٨، ٦٠٥.

٢٧
الحديث الاخير في أحكام القرآن(١) .

فأميرالمؤمنين (عليه السلام) يروي المسح عن رسول الله، وهم يروون خبره وأخباره في كتبهم المعتبرة بأسانيد عديدة.

الرواية الرابعة:

عن ابن عبّاس: أبى الناس إلاّ الغسل ولا أجد في كتاب الله إلاّ المسح.

رواه عبدالرزّاق الصنعاني وابن أبي شيبة وابن ماجة، وعنهم الحافظ الجلال السيوطي(٢) .

الرواية الخامسة:

عن رفاعة بن رافع عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم): يغسل وجهه ويديه إلى المرفقين ويمسح برأسه ورجليه إلى الكعبين.

وهذا نص صريح أخرجه أبو داود في سننه(٣) ، والنسائي في

(١) أحكام القرآن للجصّاص ١ / ٣٤٧.

(٢) الدر المنثور ٢ / ٢٦٢.

(٣) سنن أبي داود ١ / ٨٦.

٢٨
سننه(١) ، وابن ماجه في سننه(٢) ، والطحاوي(٣) ، والحاكم(٤) ، والبيهقي، والسيوطي في الدر المنثور(٥) .

قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين.

قال الذهبي: صحيح.

وقال العيني: حسّنه أبو علي الطوسي وأبو عيسى الترمذي وأبو بكر البزّار، وصحّحه الحافظ ابن حبّان وابن حزم.

الرواية السادسة:

عن عبدالله بن عمر، كان إذا توضّأ عبدالله ونعلاه في قدميه، مسح ظهور قدميه برجليه ويقول: كان رسول الله يصنع هكذا(٦) .

الرواية السابعة:

عن عبّاد بن تميم عن عمّه: إنّ النبي توضّأ ومسح على

(١) سنن النسائي ١ / ١٦١.

(٢) سنن ابن ماجة ١ / ١٥٦.

(٣) الطحاوي ١ / ٣٥.

(٤) المستدرك ١ / ٢٤١.

(٥) الدر المنثور ٢ / ٢٦٢.

(٦) شرح معاني الاثار ١ / ٣٥.

٢٩
القدمين، وإنّ عروة بن الزبير كان يفعل ذلك.

هذا الحديث رواه كثيرون من أعلام القوم، فلاحظوا في شرح معاني الاثار(١) ، وفي الاستيعاب(٢) وصحّحه صاحب الاستيعاب.

وقال ابن حجر: روى البخاري في تاريخه وأحمد وابن أبي شيبة وابن أبي عمرو والبغوي والباوردي وغيرهم كلّهم من طريق أبي الاسود عن عبّاد بن تميم المازني عن أبيه قال: رأيت رسول الله يتوضّأ ويمسح الماء على رجليه.

قال ابن حجر: رجاله ثقات(٣) .

وروى هذا أيضاً ابن الاثير في أُسد الغابة عن ابن أبي عاصم وابن أبي شيبة(٤) .

الرواية الثامنة:

عن عبدالله بن زيد المازني: إنّ النبي توضّأ ومسح بالماء على

(١) شرح معاني الاثار ١ / ٣٥.

(٢) الاستيعاب ١ / ١٥٩.

(٣) الاصابة في معرفة الصحابة ١ / ١٨٥.

(٤) أسد الغابة في معرفة الصحابة ١ / ٢١٧.

٣٠
رجليه.

ابن أبي شيبة في المصنَّف وعنه في كنز العمّال(١) ، وابن خزيمة في صحيحه وعنه العيني في عمدة القاري(٢) .

الرواية التاسعة:

عن حمران مولى عثمان بن عفّان قال: رأيت عثمان بن عفّان دعا بماء، فغسل كفّيه ثلاثاً، ومضمض واستنشق وغسّل وجهه ثلاثاً وذراعيه، ومسح برأسه وظهر قدميه.

رواه أحمد والبزّار وأبو يعلى وصحّحه أبو يعلى(٣) .

الرواية العاشرة:

ابن جرير الطبري بسنده عن أنس بن مالك: وكان أنس إذا مسح قدميه بلّهما.

قال ابن كثير: إسناده صحيح(٤) .

(١) كنز العمال ٩ / ٤٥١.

(٢) عمدة القاري في شرح البخاري ٢ / ٢٤٠.

(٣) كنز العمال ٩ / ٤٤٢.

(٤) تفسير ابن كثير ٢ / ٢٥.

٣١

الرواية الحادية عشرة:

عن عمر بن الخطّاب.

أخرج ابن شاهين في كتاب الناسخ والمنسوخ عنه حديثاً في المسح، ولاحظ عمدة القاري(١) .

الرواية الثانية عشرة:

عن جابر بن عبدالله الانصاري كذلك.

أخرجها الطبراني في الاوسط وعنه العيني(٢) .

وهناك أحاديث وآثار أُخرى لا أُطيل عليكم بذكرها، وإلاّ فهي موجودة عندي وجاهزة.

ومن هنا نرى أنّهم يعترفون بذهاب كثير من الصحابة والتابعين إلى المسح.

لاحظوا أنّه اعترف بذلك ابن حجر العسقلاني في فتح الباري، وابن العربي في أحكام القرآن، وابن كثير في تفسيره، هؤلاء كلّهم

(١) عمدة القاري في شرح البخاري ٢ / ٢٤٠.

(٢) عمدة القاري في شرح البخاري ٢ / ٢٤٠.

٣٢
اعترفوا بذهاب جماعة من الصحابة والتابعين والسلف إلى المسح، وفي بداية المجتهد لابن رشد: ذهب إليه قوم، أي المسح.

وأمّا رأي محمّد بن جرير الطبري صاحب التاريخ والتفسير، فقد نقلوا عنه الردّ على القول بتعيّن الغسل، وهذا القول عنه منقول في تفاسير: الرازي والبغوي والقرطبي وابن كثير والشوكاني في ذيل آية الوضوء، وكذا في أحكام القرآن، وفي شرح المهذّب للنووي، والمغني لابن قدامة أيضاً، وفي غيرها من الكتب.

وإلى الان ظهر دليل القول بالمسح من الكتاب والسنّة، على أساس كتب السنّة ورواياتهم، وظهر أنّ عدّة كثيرة من الصحابة والتابعين يقولون بتعيّن المسح، ويروون هذا الحديث عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فإذا فشل القوم من إثبات مذهبهم ـ الغسل ـ عن الكتاب والسنّة ماذا يفعلون ؟

القرآن لا يمكنهم تكذيبه، لكنَّ الروايات يكذّبونها:

في روح المعاني للالوسي: إنّ هذه الروايات كذب...!! وسأقرأ لكم نصّ عبارته في روح المعاني.

أمّا ابن حجر العسقلاني، ففي فتح الباري(١) يقول: نعم،

(١) فتح الباري في شرح صحيح البخاري ١ / ٢١٣.

٣٣
الكتاب والسنّة يدلاّن على المسح وإنّ كثيراً من الصحابة قالوا بالمسح، لكنّهم عدلوا عن هذا الرأي.

ومن أين يقول عدلوا ؟ لا يوضّح هذا ولا يذكر شيئاً !!

ومنهم من يناقش في بعض أسانيد هذه الاحاديث كي يتمكّن من ردّها، وإلاّ لخسر الكتاب والسنّة كليهما، فهؤلاء مشوا على هذا الطريق، وسأذكر بعضهم.

ومنهم الذين حرّفوا هذه الاحاديث، الاحاديث الدالّة على المسح، وجعلوها دالّة على الغسل، وهذه طريقة أُخرى، سجّلت بعضهم وبعض ما فعلوا.

فمثلاً في إحدى الروايات عن علي (عليه السلام)، الرواية التي قرأناها، كانت تلك الرواية دالّة على المسح، فجعلوها دالّة على الغسل، يقول الراوي: إنّ عليّاً مسح رجليه، فحُرّف إلى: غسل رجليه، فارجعوا إلى كنز العمال(١) وقارنوا بين هذا الخبر في هذه الصفحة وبين رواية أحمد(٢) ، وأيضاً الطحاوي في معاني الاثار.

ومن ذلك أيضاً الحديث الذي قرأناه عن حمران مولى عثمان، فقد حرّفوه وجعلوه دالاًّ على الغسل، فبدل ما يقول إنّه مسح على

(١) كنز العمال ٩ / ٤٤٤.

(٢) مسند أحمد ١ / ٩٥.

٣٤
قدميه، جعلوا اللفظ: غسل قدميه، وهذا الحديث في مسند أحمد(١) .

وأكتفي بهذا المقدار لانّ هناك بحوثاً أُخرى.

(١) مسند أحمد ١ / ٩٥.

٣٥

النظر في أدلّة القائلين بالغسل

ننتقل الان إلى دليل القائلين بالغسل من أهل السنّة.

أمّا من الكتاب، فليس عندهم دليل.

قالوا: نستدلّ بالسنّة، فما هو دليلهم ؟

إنّ المتتبع لكتب القوم لا يجد دليلاً على القول بالغسل إلاّ دليلين:

الاوّل:

ما اشتمل من ألفاظ الحديث عندهم على جملة: «ويل للاعقاب من النار»، وسأقرأ نصّ الحديث، فهم يستدلّون بهذا الحديث على وجوب الغسل دون المسح.

الثاني:

ما يروونه في بيان كيفيّة وضوء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وسأقرأ لكم بعض تلك الاحاديث.

إذن، لا يدلّ على وجوب الغسل إلاّ ما ذكرت من الاحاديث:

أوّلاً: ما اشتمل على «ويل للاعقاب من النار».

٣٦
وثانياً: ما يحكي لنا كيفيّة وضوء رسول الله.

لاحظوا كتبهم التي يستدلّون فيها بهذين القسمين من الاحاديث على وجوب الغسل، كلّهم يستدلّون، أحكام القرآن لابن العربي، فتح الباري، تفسير القرطبي، المبسوط، معالم التنزيل للبغوي، الكواكب الدراري في شرح البخاري، وغير هذه الكتب، تجدونهم يستدلّون بهذين القسمين من الحديث فقط على وجوب الغسل دون المسح، وعلينا حينئذ أنْ نحقق في هذين الخبرين.

الاستدلال بحديث «ويل للاعقاب من النار»

والعمدة هي رواية: «ويل للاعقاب من النار»، وهي رواية عبدالله بن عمرو بن العاص، هذه الرواية موجودة في البخاري، وموجودة عند مسلم، فهي في الصحيحين، أقرأ لكم الحديث بالسند، ولاحظوا الفوارق في السند والمتن:

قال البخاري: حدّثنا موسى، حدّثنا أبو عوانة، عن أبي بشر، عن يوسف ابن ماهك، عن عبدالله بن عمرو قال: تخلّف النبي (صلى الله عليه وسلم)عنّا في سفرة سافرناها، فأدركنا وقد أرهقتنا العصر ـ أي صلاة العصر ـ فجعلنا نتوضّأ ونمسح على أرجلنا، فنادى بأعلى صوته:

٣٧
«ويل للاعقاب من النار، ويل للاعقاب من النار، ويل للاعقاب من النار». مرّتين أو ثلاثاً كرّر هذه العبارة.

هذا الحديث في البخاري بشرح ابن حجر العسقلاني(١) .

وأمّا مسلم فلاحظوا: حدّثني زهير بن حرب، حدّثنا جرير وحدّثنا إسحاق أخبرنا جرير، عن منصور، عن هلال بن يساف، عن أبي يحيى، عن عبدالله بن عمرو قال: رجعنا مع رسول الله (صلى الله عليه وسلم)من مكّة إلى المدينة ـ هذه السفرة كانت من مكّة إلى المدينة ـ حتّى إذا كنّا بماء بالطريق تعجّل قوم عند العصر، فتوضّؤوا وهم عجال، فانتهينا إليهم وأعقابهم تلوح لم يمسّها الماء [ وهذه القطعة من الحديث غير موجودة عند البخاري، وهي المهم ومحل الشاهد هذه القطعة ] فانتهينا إليهم وأعقابهم تلوح لم يمسّها الماء، فقال رسول الله: «ويل للاعقاب من النار أسبغوا الوضوء»(٢) .

مناقشة الاستدلال بحديث «ويل للاعقاب من النار»

نقول: عندما نريد أن نحقّق في هذا الموضوع ـ ولنا الحقّ أنْ

(١) فتح الباري في شرح البخاري ١ / ٢١٣.

(٢) شرح النووي على صحيح مسلم ٢ / ١٢٨، هامش ارشاد الساري.

٣٨
نحقق ـ فأوّلاً نبحث عن حال هذين السندين وفيهما من تكلّم فيه، لكنّا نغضّ النظر عن البحث السندي، لانّ أكثر القوم على صحّة الكتابين.

إذن، ننتقل إلى البحث عن فقه هذا الحديث:

لاحظوا في صحيح البخاري: فجعلنا نتوضّأ ونمسح على أرجلنا فنادى بأعلى صوته «ويل للاعقاب من النار، ويل للاعقاب من النار» لكنْ لابدّ وأنْ يكون الكلام متعلّقاً بأمر متقدّم، رسول الله يقول: «ويل للاعقاب من النار» وليس قبل هذه الجملة ذكر للاعقاب، هذا غير صحيح.

أمّا في لفظ مسلم: فانتهينا إليهم وأعقابهم تلوح لم يمسّها الماء فقال: «ويل للاعقاب من النار» وهذا هو اللفظ الصحيح.

إذن، من هذا الحديث يظهر أنّ أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يغسلوا أرجلهم في الوضوء، وإنّما مسحوا، لكنّهم لمّا مسحوا لم يمسحوا كلّ ظهر القدم وبقيت الاعقاب لم يمسّها الماء، فاعترض عليهم رسول الله، لماذا لم تمسحوا كلّ ظهر القدم، ولم يقل رسول الله لماذا لم تغسلوا، قال: لماذا لم تمسحوا كلّ ظهر القدم.

لابد وأنّكم تشكّون فيما أقول، ولا تصدّقون، ولا توافقوني في دلالة الحديث على المعنى الذي ذكرته، وتريدون أن آتي لكم

٣٩
بشواهد من القوم أنفسهم، فيكون هذا الحديث دالاًّ على المسح دون الغسل !! مع إنّهم يستدلون بحديث عبدالله بن عمرو بن العاص على وجوب الغسل دون المسح !! لاحظوا:

يقول ابن حجر العسقلاني بعد أن يبحث عن هذا الحديث ويشرحه، ينتهي إلى هذه الجملة ويقول: فتمسّك بهذا الحديث من يقول بإجزاء المسح.

ويقول ابن رشد ـ لاحظوا عبارته ـ: هذا الاثر وإنْ كانت العادة قد جرت بالاحتجاج به في منع المسح، فهو أدلّ على جوازه منه على منعه، وجواز المسح أيضاً مروي عن بعض الصحابة والتابعين(١) .

رسول الله لم يقل لماذا لم تغسلوا أرجلكم، قال: لماذا لم تمسحوا على أعقابكم، يعني: بقيت أعقابكم غير ممسوحة، وقد كان عليكم أن تمسحوا على ظهور أرجلكم وحتّى الاعقاب أيضاً يجب أنْ تمسحوا عليها، ويل للاعقاب من النار.

يقول صاحب المنار: هذا أصحّ الاحاديث في المسألة، وقد يتجاذب الاستدلال به الطرفان.

(١) بداية المجتهد ١ / ١٦.

٤٠