×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

مطارحات في الفكر والعقيدة / الصفحات: ١ - ٢٠

الصفحات: ١ - ٥ فارغة
كتاب مطارحات في الفكر والعقيدة لمركز الرسالة (ص ١ - ص ٢٨)
[image] - مركز الأبحاث العقائدية

مقدِّمة المركز

الحمدُ لله ربِّ العالمين والصلاة والسلام على خير خلقه وسيّد رُسُله نبيّنا محمّد المصطفى وعلى آله الطيبين الطاهرين.

وبعد فإنّ الكتاب والسُنّة النبويّة مشحونان بالاَمر بتوحيد الصف والكلمة والاعتصام بحبل الله، وكذا بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم عند التنازع والتشاجر والتفرّق.

لقد أوضح النبي صلى الله عليه وآله وسلم المحجة وبيّن الطريق الصحيح ودلّ على ما فيه الخير والفلاح، وما أن رُزئت الاُمّة بفقده حتى اختلفت آراؤها وظهرت الفرق والمذاهب، وآل أمرها إلى ما آل إليه، إلى يومنا هذا..

فقام أئمة الدين والعلماء المصلحون بدورهم في حفظ الاِسلام من تحريف المضلّين، وبإرشاد المسلمين وهدايتهم إلى الصراط المستقيم الذي شاء الله ورسوله أن تسير الاُمّة عليه، كي تفوز بالصّلاح والنجاح في الدارين.

فألّفوا الكتب، وعقدوا المطارحات الفكرية والمناظرات العلميّة، للكشف عن نقاط الضعف والقوة في تلك الآراء المتضاربة، (لِيَهلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ) (الانفال ٨: ٤٢).

وكانت المحنة التي تعرّض لها آل الرسول وأتباعهم عظيمة فقد جهد مناوئوهم ـ منذ اليوم الاَول ـ على محاربتهم بشتّى فنون المحاربة، قاصدين إبادتهم أبداً، وليس إخماد صوتهم إلى حين وحسب، فقاتلوهم قتالاً صريحاً لم يشهد له تاريخ الفتن في عالم الاِسلام نظيراً، فسفكوا دماءً لم يسفك مثلها في كلِّ الفتوحات، حتى ذهب سيّد أصحاب رسول الله وسيّد أهل بيته، وأخوه ووصيّه من بعده، غيلةً، وكذا ابنه الحسن السبط، وكادوا يقضون عليهم في واقعة كربلاء.. وهكذا تفشّى القتل والتشريد بذريّة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وشيعتهم عبر القرون المتمادية.

٦
ولمّا لم يكن هذا النوع من المحاربة كافياً في تحقيق أهداف الملوك سلكوا سبيل حرب العقائد، وكان المنهج في هذه الحرب أن يقذف أتباع أهل البيت عليهم السلام بجريمةمة الابتداع في الدين والانحراف عن سنن سيّد المرسلين.

ومازال هذا المنهج قائماً حتى اليوم.. فقد رأينا ـ وللاَسف الشديد ـ كثيراً من الدراسات والكتب لا تؤلَّف إلاّ لغرض نشر الافتراءات وبثّ الاَكاذيب، ورأينا كثيراً من الكتّاب الذين يتناولون دراسة الفرق والمذاهب وخاصة مذهب أهل البيت عليهم السلام م ينطلقون من منطلقٍ غير علمي ومن دوافع غير نزيهة، تحكمها عقد الماضي وأحابيل السياسة المناهضة لآل الرسول تأريخياً، وتتحكم في توجهاتها ومسارها وكتاباتها مقولات لا تقوم على أساس سليم وبالاَخص آراء الوهابية المخالفة لاِجماع المسلمين.

وقد وصل الاَمر إلى أن تتصدى بعض الدراسات الجامعية لاِظهار ما عليه مذهب أهل البيت عليهم السلام من آراء ومعتقدات بصورة مشوّهة ومزيّفة، تدعمها الوهابيّة المناهضةضة لجميع الفرق الاِسلامية، مع أنَّ تلك الآراء والمعتقدات في أكثرها مشتركة بين عموم المسلمين، كمسألة الشفاعة، وزيارة قبور النبي صلى الله عليه وآله وسلم والاَئمة عليهم السلام والصالحين... ونحوحوحو ذلك من العقائد الحقّة، فالمقصود مما تنشره الوهابيّة ـ وإن كان في الظاهر بعناوين تتعلّق بالشيعة والتشيّع ـ إنّما هو عقائد الاِسلام ومتبنياته ومقدساته ورموزه..

وبعد، فإنّ ما تقول به الشيعة الاِمامية الاثنا عشرية ثابت في كتب الفريقين، عدا مسألة النصّ على الخليفة بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، فإنّهم يتّجهون إلى الايمان به، ويسوقونون مئات الروايات على ثبوته وإثباته، مستندين إلى ما ورد في صحاح العامّة ومسانيدهم ومجاميعهم الحديثية، وبالطرق المعتبرة لديهم، فضلاً عن أدلة العقول.

وهذا الكتاب ـ الذي بين يديك ـ يتكفّل بتوضيح واقع الاَمر في أهم ما يثيره أُولئك المنحرفون عن وجه الاِسلام الاَصيل من شبهات وأكاذيب، ويتابعهم في اُمّهات المصادر وأعماق التاريخ، حتى لا يترك لهم منفذاً إلاّ أوصده، ولا أملاً إلاّ بتره، محققاً أهداف (مركز الرسالة) في حماية الرسالة الاِسلامية والذبّ عنها، والله من وراء القصد وهو المسدّد إلى سواء السبيل.

مركز الرسالة

٧

مقدِّمة الكتاب

الحَمْدُ لله ربِّ العالَمِينَ، والصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى نبيِّ الهُدَى وإمَامِ المُتَّقينَ مُحَمَّدٍ وآلِهِ الطَّاهِرين وأصحَابِهم المُخْلِصِينَ، وَمَن اتّبعَهُم بإحْسَانٍ إلى قيامِ يَومِ الدِّينِ.

وبعد..

إن ما يزعمه أعداء أهل البيت عليهم السلام على أتباعهم مفتريات وأوهام وشبهاتات كثيرة امعاناً في محاربتهم وتبريراً للواقع التاريخي الذي اقصى الذرية الطاهرة عن المرجعية السياسية في المجتمع الاِسلامي. وقد كان من أشد الاَسلحة وأكثرها تأثيراً في ترويج الباطل سلاح الدعاية والاعلام الكاذب الذي استخدمته السلطات الغاشمة عبر التاريخ وتزعمته أخيراً فرقة الوهابية البغيضة، حتى بلغ من تطرفهم تكفير سائر أهل الاِسلام، ويكفي ان بلغت ردود الاُمّة الاِسلامية بجميع مذاهبها المعروفة أكثر من ثلاثمائة وخمسين رداً عليهم كما في معجم مؤلفات الاُمّة الاِسلامية في الرد على الفرقة الوهابية.

ومن هنا سوف نتناول في هذه الدراسة أهم ما يتصل من تلك الشبهات والاكاذيب بالفكر والعقيدة وذلك في مدخل وثلاثة فصول.

أما المدخل فسننطلق فيه من خطبة لاَميرالمؤمنين عليه السلام لكي نكشف من خلالهاها الابعاد التاريخية العقيدية والفكرية التي انطوت وراء كلمات أمير المؤمنين عليه السلام م في تلك الخطبة العصماء.

ثم نتناول في الفصل الاَول: الاِمامة والخلافة وقضية النص وتواتره على

٨
تعيين الخليفة، وما أُثير في هذه القضية من إشكالات ونوّزع ذلك على أربعة مباحث.

نعرض في المبحث الاَول قضية النصّ والمنهج النبوي في ذلك، ثم نناقش في المبحث الثاني ثبوت تواتر النصّ على الاَئمة من أهل البيت عليهم السلام بعد أميرير المؤمنين الاِمام عليّ عليه السلام، ونتناول في المبحث الثالث الاشكالات المثارة فيفي هذا الصدد، وأخيراً نعرض في المبحث الرابع ما وقع فيه القوم من تهافت واضطراب في مثل هذه القضية الخطيرة في تاريخ الاِسلام والمسلمين.

أما الفصل الثاني فخصصناه لمناقشة الافتراءات والاَكاذيب التي اطلقت على الشيعة الاِمامية في الفكر والعقيدة، وقد اشتمل على مبحثين تناولنا في المبحث الاَول سلامة القرآن من التحريف، الذي هو معتقد الاِمامية وعليه إطباق واجماع العلماء المحققين منهم ونناقش ما أُفتري على الشيعة الاِمامية في هذا المجال.

وفي المبحث الثاني، ناقشنا مسألة البداء وما رافقها من افتراءات على الشيعة وبيان أصول البداء وفلسفته عند الشيعة الاِمامية بالقدر الذي تسمح به صفحات هذه الدراسة، ولاَهمية البحث عن تاريخ السُنّة النبوية المطهّرة، لا سيّما من جهة تعرضها إلى المواقف الشاذة في الصدر الاَول من تاريخ الاِسلام، كالمنع من تدوينها، وإتلاف ما جمع منها، والنتائج الخطيرة التي ترتبت على ذلك بالنسبة إلى الفكر الاِسلامي وعقائد المسلمين. لذا ارتأينا أن نبحث ذلك كلّه في الفصلالثالث والاَخير من فصول هذا البحث وبشكل مركز ومختصر تحت عنوان: لمحات عن تاريخ السُنّة النبوية المشرفة، آملين أن تكون هذه الدراسة منطلقاً لفهم الكثير من الحقائق على أساس علمي، والله الموفق للصواب.

٩

المدخل

نستهل البحث بخطبةٍ لاَمير المؤمنين عليه السلام لنهتدي بها في معالجةجة مالابدّ من ذكره في هذا المدخل:

خطبة لاَمير المؤمنين عليه السلام حول بدء وقوع الفتن

قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام: ألاَ إنّ أخوف ما أخافاف عليكم خلّتان: اتّباع الهوى، وطول الاَمل.

أمّا اتّباع الهوى فيصدُّ عن الحق، وأمّا طول الاَمل فينسي الآخرة.

ألاَ إنّ الدنيا قد ترحّلت مدبرة، وأنّ الآخرة قد ترحّلت مقبلة، ولكلِّ واحدةٍ بنون، فكونوا من أبناء الآخرة، ولا تكونوا من أبناء الدنيا، فإنّ اليوم عمل ولا حساب، وأنّ غداً حساب ولا عمل.

وإنّما بَدْءُ وقوع الفتن من أهواء تُتَّبع، وأحكام تُبتدع يُخالَفُ فيها حكم الله، يتولى فيها رجالٌ رجالاً. ألاَ أنّ الحقّ لو خَلَصَ لم يكن اختلاف، ولو أنّ الباطل خَلَصَ لم يُخف على ذيحجى؛ لكنه يؤخذ من هذا ضغث ومن هذا ضغث، فيمزجان فيجللان معاً، فهنالك يستولي الشيطان على أوليائه، ونجا الذين سبقت لهم من الله الحسنى....

أشهر مصادر الخطبة

هذه الخُطبَةُ من مشهورات خُطَبِ أمير المؤمنين الاِمام عليّ عليه السلام،،

١٠
وهي طويلة، اكتفينا بإيراد بعضها لموضع حاجة البحث، وقد أوردها العامّة والشيعة، وممن أخرجها ـ كلاً أو بعضاً ـ عن الاِمام عليّ عليه السلام:

١ ـ أحمد بن محمّد بن خالد البرقي (ت ٢٧٤ وقيل: ٢٨٠ هـ) (١).

٢ ـ الكاتب العباسي ابن واضح اليعقوبي (ت ٢٨٤ هـ) (٢).

٣ ـ ثقة الاِسلام، أبو جعفر محمّد بن يعقوب الكليني (ت ٣٢٩ هـ) في أصول الكافي وروضته (٣)، وقد نقلناها عن الكليني بصفته أوثق الناس في الحديث وأثبتهم عند الشيعة الاِمامية (٤)، وبصفته الاُخرى مجدداً على رأس المائة الثالثة من الهجرة بشهادة علماء العامّة، فقد ذكره المبارك محمّد بن الاَثير من مجددي المائة الثالثة (٥)، واطراه آخرون (٦).

(١) المحاسن، للبرقي ١: ٣٣٠ | ٧٤ باب النهي عن القول والفتيا بغير علم، و ١: ٣٤٣ | ١١٣ باب الدين.

(٢) تاريخ اليعقوبي ٢: ١٣٦.

(٣) اُصول الكافي ١: ٥٤ | ١ باب البدع والرأي والمقائيس. وروضة الكافي ٨: ٥٠ | ٢١ (ونص الخطبة منه).

(٤) رجال النجاشي: ٢٦٠ | ١٠٢٦.

(٥) جامع الاُصول، لابن الاثير ١٢: ٢٢٠.

(٦) ابن ماكولا (ت ٤٧٥ هـ) في الاكمال ٤: ٥٧٥. وابن عساكر الشافعي (ت ٥٧١ هـ) في تاريخ دمشق الكبير ١٦: ٣٧. وعزّ الدين ابن الاثير (ت ٦٣٠ هـ) في الكامل في التاريخ ٨: ٣٦٤. وأبو الفداء (ت ٧٣٢ هـ) في المختصر في أخبار البشر ٢: ٨٧. والذهبي (ت ٧٤٨ هـ) في المشتبه ٧: ٣٣٧. وسير أعلام النبلاء ١٥: ٢٨٠ رقم الترجمة ١٢٥. وتاريخ الاِسلام: ٢٥٠ رقم الترجمة ٤١٦ في حوادث سنة ٣٢٨ هـ. والصفدي (ت٧٦٤ هـ) في الوافي بالوفيات ٥: ٢٦٦. وابن حجر العسقلاني (ت ٨٥٢ هـ) في لسان الميزان ٥: ٤٣٣. وتبصير المنتبه ٣: ١٢١٩ وغيرهم.

١١
٤ ـ أبو حيان التوحيدي (ت ٤٠٠ هـ) (١).

٥ ـ السيد الشريف الرضي (ت ٤٠٤ هـ) في ما جمعه من خُطَبِ وكلمات الاِمام عليّ عليه السلام في نهج البلاغة (٢).

٦ ـ سعيد بن هبة الله الشهير بالقطب الراوندي (ت ٥٧٣ هـ) (٣).

٧ ـ ابن أبي الحديد المعتزلي الحنفي (ت ٦٥٦ هـ) (٤).

إضاءات حول الخطبة

وسوف ننطلق من أجواء هذه الخُطبَة الشّريفة ـ التي عيّنت داء المسلمين وشخصت لهم الدّواء ـ لبحث ما يمس واقع عقائدهم وأحكامهم في الصّميم، عسى أن تكون في ذلك عبرة لمعتبر، وذكرى لذوي الاَلباب، من الذين يسعون إلى معرفة الحقِّ، ولا يَخشونَ في الله لومة لائم، فنقول:

إنّ تاريخ الاَديان السّماويّة دلَّ على بعثة الله تعالى ـ بين حين وآخرـ نبياً مبشِّراً ومنذراً وهادياً إلى صراط مستقيم، حتى إذا ما عبثت يد الهوى بما جاء به من الحقِّ، أو أشرفت دعوته النّاسَ إلى الحقِّ على انتهاء أمدها المقدر في حكمة الله عز وجل، قفّى عليه الله تعالى بنبيٍّ آخر يدعو إلى ما دعا إليه الاَنبياءُ والمرسلون عليهم السلام قبله.

(١) البصائر والذخائر، لابي حيان: ٣٦.

(٢) نهج البلاغة، الخُطبَةُ رقم ٥٠.

(٣) منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة، للراوندي الخُطبَة رقم ٥٠.

(٤) شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد ٣: ٢٤٠ | ٥٠.

١٢
وهكذا سار موكب النور قروناً موغلة في القِدَمِ، يبلّغ رسالاتِ ربِّه، وكلّ شعاع منه أضاء لقوم في زمنٍ محدودٍ. حتى إذا ما بلغ الظلامُ أشدّه والجهلُ منتهاه، واتّخذَ النّاسُ أرباباً من دون الله، وسجدوا سفاهةً لكلِّ حجر ومدر !! بُعث خاتم الاَنبياء والمرسلين أبو القاسم محمّد صلى الله عليه وآله وسلم مُبشراً، ومُنذراً، وهادياً مهدياً، وداعياً إلى صراطٍ مستقيمٍ، ومنقذاً للناس كافة (ومَا أرسَلنَاكَ إلاّ رَحمَةً للعَالَمِين)(١) ، فلا نبي ولا رسول بعد (رَّسُولَ اللهِ وَخَاتَمَ النَّبِيينَ) (٢) ، ولا يقبل غير دينه العظيم (ومن يَبتَغِ غَيرَ الاِسلامِ دِيناً فَلَن يُقبَلَ مِنهُ وَهُوَ فِي الآخِرةِ مِنَ الخَاسِرِينَ) (٣).

ولا يخفى على أحدٍ أنَّ للمسلمين تجاه هذا الدين القويم مذاهبَ ومشاربَ شتّى، وطبقاً لحديث (الفرقة النّاجية) (٤)فاِنَّ جميعها ـ من غير هذه (الفرقة) ـ لا يعبر عن واقع الدين، لاستحالة ترسمها جميعاً محض الحقِّ، لِمَا اشتملت عليه من تناقضات لا يُتعقَّل كونها من الدين الخاتم.

والدينُ متى ما أدخل فيه ما ليس منه، أو أُخرج عنه ما هو منه بفتنة عمياء، لم يكن ديناً ملبياً لحاجاتِ الاِنسان، ولا مخاطباً لعقلهِ وسموّ تفكيره؛ لاَنَّه دين اختلط فيه السليم بالسقيم الّذي هو من صنع أهل البدع والاَهواء.

وأمّا الدين الحقّ الذي لم تكن فيه لاَهل البدع والاَهواء يدٌ، فلاشكَّ

(١) الانبياء ٢١: ١٠٧.

(٢) الاحزاب ٣٣: ٤٠.

(٣) آل عمران ٣: ٨٥.

(٤) جاء في الروايات المتظافرة «ان الاُمّة ستفترق إلى ثلاث وسبعين فرقة واحدة ناجية والباقي في النار..» راجع هذه الرواية في الاعتصام، للشاطبي ٢: ١٨٩.

١٣
ولا شُبهة في كونه دينَ أهل بيتِ النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم؛ لاَنّه من صُنع الله المُتقَنِ، وتبليغِ الصادق المؤتَمَن صلى الله عليه وآله وسلم؛ ولاَنّهم عليهم السلام عيبةُ علمهِ صلى الله عليه وآله وسلم، ومعدنُ حكمتهِ (١)، وفي المثل السائر: «اهل البيت ادرى بالذي فيه».

وإذا عُدنا إلى دين أهل البيت عليهم السلام ـ الّذي هو الدين الحق الذي أمر الله تعالى به ـ وجدنا أجزاءه مرتبطةً برباطٍ وثيقٍ محكمٍ، يشتملُ على سلسلة من المعارف العقائدية أوّلها المبدأ وما يتصل به، وآخرها المعاد. ثم هناك العبادات والمعاملات التي أُخذِت من طريق الوحي والنبوّة الثابت صدقها بالبرهان.

والمجموعة التي أخبر بها الصادق صادقة، واتّباعها اتّباع للعلم؛ لاَنّ المفروض العلم بصدق مخبرها.

ولقد أوجب أتباع أهل البيت عليهم السلام على أنفسهم أن لا يقبلوا من سلسلة المعارف تلك حلقة واحدة من غير تدبّر ونظر في المنقول والمعقول فيها، وسيرتهم معروفة بذلك، ولهذا كانوا من أكثر المسلمين قاطبة تأليفاً في العقائد (٢).ولهم في تطبيق الأحكام الشرعية تقليد الفقيه الأعلم (٣).

(١) قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: مثل أهل بيتي فيكم مثل سفينة نوح من ركبها نجا، ومن تخلفلف عنها غرق، وقال صلى الله عليه وآله وسلم: تركتُ فيكم كتاب الله وعترتي أهل بيتي لن تضلوا ما انان تمسكتم بهما، وقال صلى الله عليه وآله وسلم: لا تتقدموا عليهم فتهلكوا، ولا تعلموهم فانهم أعلملم منكم، وقال صلى الله عليه وآله وسلم: النجوم أمان لاَهل السماء وأهل بيتي أمان لاَهل الاَرض راجعجع هذه الاحاديث في: إحياء الميت بفضائل أهل البيت، للسيوطي الشافعي، تحقيق الشيخ كاظم الفتلي: ٥٧. الصواعق المحرقة، لابن حجر: ٩٣. المستدرك على الصحيحين، للحاكم النيسابوري ٣: ١٦٢ فقد صحح هذه الاَحاديث على شرط البخاري ومسلم.

(٢) راجع ما كتبه الشيخ المفيد (ت ٤١٣ هـ)، والشيخ الطوسي (ت ٤٦٠ هـ)، والعلاّمة الحلي، وأخيراً العلاّمة شرف الدين الموسوي، والعلاّمة عبدالحسين الاميني صاحب كتاب الغدير، والشهيد الصدر قدس سره في بحث حول الولاية والموجز في علوم الدين، وبحث حول المهديدي وغيرها.

(٣) وتقليد الاَعلم عليه المشهور والفتوى لدى الشيعة الاِمامية.

١٤
حتى مع فرض الاكتفاء في مقام الفتوى بالاِجمال الشرعي لو لم يتم العثور على دليل الحكم تفصيلاً.

وهنا لابدّ من الاِشارة إلى أنّ أتباع أهل البيت عليهم السلام هم الشيعة الاِماميةية الاثنا عشرية دون سائر المسلمين، ويدلّ على ذلك احتفاظهم بتراث أهل البيت عليهم السلام، ولولاهم لما وَجدتَ من هذا التراث إلاّ القليل النّادر الّذيذي لايفي ـ مع فرض سلامته من الدسّ والتزوير على أهل البيت عليهم السلام ـ بتغطيةية الاستدلال في العقائد والاَحكام. ولهم على وجوب الاقتداء بأهل البيت عليهم السلام والتمسك بهم عشرات الاَدلَّةِ التي يشاركهم في نقلها جميعيع المسلمين، وليس هنا محل تفصيلها، ولو لم يكن منها إلاّ (حديث الثقلين) لكفى. ولكنّ شحة النفوس وخشونة طبعها تجرأت على النبي الاَعظم صلى الله عليه وآله وسلم، فأساءت إلى مقامه الشامخ في أهل بيته قُبيل وبُعيد وفاتهته حتى منع صلى الله عليه وآله وسلم في ساعاته الاَخيرة من تأكيد وصيته بهم عليهم السلام، فودّعوهوهوه بأغلظ الاَلفاظ حتى قال صلى الله عليه وآله وسلم كما في صحاح القوم: قوموا عني !

إنّهم أدركوا القصد جيّداً من: إئتوني بدواةٍ (١) في ذلك الحين،

(١) اشارة إلى الحديث المتواتر الذي نقلته صحاح القوم قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في مرضه الاَخير:: إئتوني بكتفٍ ودواة أكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعدي ولكنهم اختلفوا، فقال عمر إنّ النبي غلبه الوجع، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: قوموا عني لا ينبغي عند نبيٍ تنازع. صحيحيح البخاري ٦: ١١ ـ ١٢ | باب مرض النبي، ٩: ١٣٧ | باب كراهة الخلاف، كتاب الاعتصام.

١٥
وهكذا لم يلبث الدين أن اصْطَبَغَ بغير صبغته، أو كما يقول الكاتب المصريّ الشافعيّ المعروف (عبدالفتاح عبدالمقصود) عن أحداث السقيفة المروّعة التي مني بها الاِسلام والمسلمون فيما بعد: «كفاها خطورة أنْ غيّرت اتّجاه تاريخ الاِسلام، أو لوّنت صورته السياسية بغير ماكان ينبغي، أو ـ بأرفق تعبير ـ بغير ما كان يُظن أن تكون الصورة، وتكون الاَلوان» (١)

وكيف لا، وقد اُخرج عن الدين ما كان من لبّه، واُدخل فيه ما ليس هو منه، وسار الخلف على ما رسم السلف إلى اليوم، فترى ـ وتلك هي المأساة الكبرى ـ بعض الناس يدعو باسم الدين إلى هدفٍ ليس من أهدافه، وأدبٍ غير أدبه، وحكمٍ غير حكمه، حتى عاد المنكر معروفاً يُتعصب له؛ لموافقته هواهم وشهوات أنفسهم، والمعروف منكراً ليس له حامٍ يحميه ولا واقٍ يقيه، وعاد الدين غريباً كما كان؛ لِمَا نشاهده من مفترياتٍ عليه باسمه. وهكذا كان بفضل اجتهاد من اجتهد في إبعاد الحق عن أهله أن انهدمت ـ عبر اختلاف الرأي بتعاقب القرون ـ الوحدة الدينيّة، وبدت الفرقة، ونفدت القوّة، وذهبت الشوكة !

والاَنكى من كلِّ ذلك، أنَّك إذا ما أوقفت طلاّب الحقّ والحقيقة على موطن الداء، رجع بعضهم إلى مقولة السفهاء: (رافضي خبيث يسبّ الصحابة) وسرعان ما يبرر تلك الموبقات على أساس من الاجتهاد، وأنّ لكلِّ مجتهدٍ أن يجتهد ولو في منع النبي الاَعظم صلى الله عليه وآله وسلم من كتابة الكتاب

(١) السقيفة والخلافة، لعبد الفتاح عبدالمقصود: ٣٠.

١٦
الذي لن تَضِلّ الاُمّة فيما لو تمسكت به بعده (١)، وله أن يجتهد في اِبعاد وصيّه (٢) وباب علمه(٣)، وله أيضاً أن يغضب بضعة المختار، ويهدد من في الدار بالحرق بالنار (٤)واِنْ كانت فيها من يغضب الله لغضبها ويرضى لرضاها (٥) الطريد، وطرد القريب (٦)، ومصاهرة أعداء الله ورسوله، والتفريط بحدود الله بإسقاطها وجلد الشهود العدول (٧)، وصرف الخمس في الاَقارب (٨) دون القربى، ومنع المتعتين (٩)، واِسقاط حي على خير العمل (١٠)، وحرق

(١) إشارة إلى حديث الكتف والدواة المتقدم، ومنعهم الرسول الاَعظم صلى الله عليه وآله وسلم من الكتابةبة المصرّحة بالخليفة.

(٢) اشارة إلى حديث الدار المشهور قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: من يؤازرني على هذا الاَمر فيكونون وصيي وخليفتي ووزيري من بعدي.. فكان الاِمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام. تاريخ الطبري ٢ ٢ : ٦٣ ـ ٦٤.

(٣) قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أنا مدينةُ العلم وعليٌّ بابها. المستدرك على الصحيحين، للحاكمكم ٣: ١٣٧ ـ ١٣٨. واُسد الغابة، لابن الاثير ٤: ١٠٠.

(٤) الاِمامة والسياسة، لابن قتيبة ١: ١٢. وشرح ابن أبي الحديد ٢: ٥٦. وتاريخ الطبري ٣: ١٩٨.

(٥) اشارة إلى الحديث الشريف: إنّ الله يرضى لرضا فاطمة ويغضب لغضبها.. وهو متواتر عند المسلمين. صحيح البخاري ٥: ٨٣ | ٢٣٢ باب ٤٣. وسنن الترمذي ٥: ٦٩٩. والصواعق المحرقة: ١٩٠.

(٦) هذه أعمال عثمان بن عفان، وهي مشهورة عنه. والملل والنحل، للشهرستاني ١: ٣٢ الخلاف التاسع من المقدمة الرابعة.

(٧) المصدر نفسه.

(٨) المصدر نفسه.

(٩) هذه أعمال عمر بن الخطاب، وهي مشهورة عنه. راجع سيرته في تاريخ الخلفاء للسيوطي.

(١٠) سنن البيهقي ١: ٥٢٤.

١٧
الحديث والمنع من تدوينه (١)والتطليق بغير السُنّة، واِبداع العول والتعصيب، ورضاعة الكبير ولو كان ذا لحية وشهد بدراً كما سيوافيك ! والتلاعب بمقدرات الاُمّة بتولية الفساق على بيوت الاَموال بعد طرد الاُمناء الاَبدال، وتمهيد السبيل أمام الشجرة الملعونة (٢)، وقطع الطريق أمام الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر بإبعادهم إلى الربذة (٣)!! بل وله أن يجتهد فيشرِّع كصلاة الضحى المبتدعة، ولستُ أدري ما الذي أوجب على من ابتدعها مدحها بقوله: «نِعْمَتِ البدعَةُ هي» (٤)!!.

ومن هنا ينبغي على طالب الحقيقة أن يعلم أنَّ الامام علي عليه السلام قد ألمحمح في خُطبَتِهِ الشريفة المتقدمة إلى كل هذا، وذلك بإشارته إلى أنّ مبدأ الباطل في تاريخنا الاِسلامي إنّما كان هوىً يُتّبع، وَبِدَعاً يُخالَفُ فيها كتاب الله تعالى وسنة رسوله الكريم صلى الله عليه وآله وسلم، مع خلط ذلك بشيء من الحق لكيكي ينطلي على الاَتباع والمؤيدين كما نلحظه في واقع المسلمين، حتى لكأنه عليه السلام كان ينظر إلى هذا الواقع من ستر رقيق !

ولا شك أنَّ المتمسكين اليوم بحبل الباطل، لم يتعمدوا ذلك؛ لاَنَّ كلَّ باطلٍ وَكَذِبٍ مالم يكن فيه شيء من الحقِّ والصدق لم يقبله عاقلٌ، كما أنَّ كلَّ مزيّفٍ فاسدٍ وكاسدٍ مالم يكن بنقدٍ رائج لم يُصِر رائجاً في سوق ذوي الاَبصار، فالباطل الصرف لا يقع في توهُّم ذي حجى إلاّ إذا اقترن بالحقّ أو

(١) تاريخ الخلفاء: ١٣٧. والطبقات الكبرى، لابن سعد ٣: ٢٨١.

(٢) الشجرة الملعونة في القرآن هم بنو أُميّة.

(٣) قام عثمان بن عفان بابعاد الصحابي الجليل أبي ذر الغفاري إلى الربذة كما في الملل والنحل | السابق.

(٤) صحيح البخاري ١: ٢٣٣ كتاب صلاة التراويح. وصحيح مسلم ١: ٣٨٣ باب الترغيب.

١٨
شِبهِهِ، وكذلك الكَذِبُ المَحْضُ مما لا يصدّق به ذو عقلٍ إلاّ إذا امتزج بالصدق واستتر فيه.

ومن هنا أشار الاِمام عليّ عليه السلام إلى أنّه لو خَلَصَ الباطلُ عن لَبْسِ الحقِّقِّ لم يشتبه على عاقل، ولو تجرد الحقُّ عن مخالطة الباطل لما وُجد اختلاف، ولم يكن للشيطان الرجيم سبيلٌ إلى إيقاع الفتنة، ولاَذعن الكلُّ إلى الحقِّ بعد خُلُوصه من مزج الباطل إلاّ من غوى وعلا في الاَرض واستكبر وركب رأسه عناداً وصلفاً.

ثمّ اعْلَمْ ـ أخي المسلم ـ أنَّ أمير المؤمنين عليه السلام أشار إلى حقيقةٍ ثابتةٍ،، وسنّة لن تجد لها تبديلاً، وهي أنَّ الدنيا دارُ اشتباكٍ بين النّورِ والظُّلمَةِ، وامتزاجٍ بين الحقّ والباطل، وأخْذٍ للاَقوالِ من الاَولياءِ والاَشقياءِ.

وهذا هو عين الواقع الذي يعيشه كثير من المسلمين، فكم تراهم يأخذون بضغث من أقوال الاَولياء الناهجين سُبُلَ الهُدى، وبضغثٍ آخر من أقوال المضلِّين أرباب الهوى، حتى اذا ما امتزج الضغثان استولى على أوليائه الشيطان.

وأمّا من عَلِمَ أنَّ البيوتَ لا تؤتى إلاّ من أبوابها، واقتصر على السليم دون السقيم، فلا شكّ أنّه سبقت له العناية بالحسنى وهو مبعدٌ عن شراك الشيطان.

ترى فهل يدرك اليوم من يدعو الناس بإخلاص إلى معرفة الحق ـويزعم أنه ساعٍ إليه بكليّته وكما يجب لاستفراغ ما في ذمته ـ أنّ المذاهب التي يفتتن بها الناسُ اليومَ هي من خَلْطِ هذين الضغثين، ولو محّصت أكثرها لوجدتها نداً للثقل الاَصغر، ونصيراً للشيطان، وان

١٩
أخَذَتْ عن الاَوّل ضغثاً فقد أَخَذَتْ عن الآخر أضغاثاً، ثم صُدَّ التّابع عن استعلام حال المتبوع وحقيقته على طبق مشيئة وإرادة السياسات المتعاقبة في صياغة النظرية السياسية في الاِسلام. حتى صار التابع اليوم على استعدادٍ كافٍ لتقبل الجهل، وتمرنٍ عجيبٍ على اتّباع الهوى، وزهدٍ في تحقيق الاُمور على وجوهها، وبعدٍ عن أهل بيت نبيّه صلى الله عليه وآله وسلم؛ تقليداًداً منه للاَسلاف، ومحبةً ورغبةً لاتّباع ما ألِفَهُ الآباءُ والاجدادُ !

ثم يجب أن يُعلم أنَّ قصد أمير المؤمنين عليه السلام بهذهِ الخُطبَةِ العظيمة، لملم يكن الا شكاية منه عليه السلام عما آلَ إليه أمر هذا الدين في عصره، إذ يرى أغلبَبَ الناس من أبناء الدنيا قد تركوا الدخول بسفينة النجاة واعتصموا بمن لا عاصم له من الغرق، ولو أنّهم اقتدوا بربّان تلك السفينة لحملهم على المحجة الواضحة كما قاله عمر، ولو تمسكوا به لاستمسكوا بالعروة الوثقى في دينهم وانفسهم كما قاله الرازي في تفسيره (١)لكنهم ـوالحديث ذو شجون ـ تركوا الهادي بُعيد وفاة المنذر!! وكأنهم لم يسمعوا قوله صلى الله عليه وآله وسلم: أنا المنذر وعليّ الهادي، وبك يا عليّ يهتديدي المهتدون من بعدي (٢) وقوله: اللّهم أدِرِ الْحَقَّ مع عليّ حيث دار فتركوا الفارق بين الحق والباطل بحيث لا اشتباه عنده بينهما قط لوضوحهما لديه، كوضوح الشمس وهي في رائعة النهار عن ظلمة الليل الحالك البهيم الاَلْيَل، كما يدلك قوله عليه السلام: عَزَبَ رَأْيُ امْرِىءٍ تَخَلَّفَفَ

(١) التفسير الكبير للرازي ١: ٢٠٥ و ٢٠٧ في بحث المسائل الفقهية المستنبطة من سورة الفاتحة.

(٢) نظم درر السمطين للمدني: ٨٩ | ٨٠، وكنز العمال للمتقي الهندي الحنفي ١١: ٦٢٠ | ١٣٠١٢.

(٣) التفسير الكبير ١: ٢٠٥. والتاج الجامع للاُصول، للشيخ علي منصور ناصف ٣: ٣٣٣.

٢٠