×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

معالم الفتن (ج 1) / الصفحات: ١ - ٢٠

الصفحات: ١ - ٥ فارغة
[image] - مركز الأبحاث العقائدية

تصدير
بقلم الدكتور عاطف سلام

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم الأنبياءوالمرسلين، وعلى آله الأطهار الطيبين، وصحابته المنتجبين.

أما بعد فإن الكتاب الذي بين أيدينا يتناول تلك الحقبة التاريخية التي تلتوفاة الرسول (صلى الله عليه وسلم) وامتدت بعد ذلك إلى عدة عقود، وعلى الرغممن الأهمية البالغة التي تتميز بها تلك الحقبة الحساسة، حيث قد تشكلت فيهاالجذور السياسية والاجتماعية والثقافية للمسلمين إلا أنها لم تحظ بالاهتمامالمرجو من قبل الباحثين والمفكرين، وأصبح الكثير من المثقفين لا يعرف سوىالنزر اليسير عنها، وبالنسبة لبعض الدراسات القليلة المتناثرة التي دارت حولها فإنأساليب تناول تلك الحقبة قد تعددت واختلفت على نحو لا يروي ظمأ طلابالعلم والحقيقة، ولا يعينهم على استيعابها وإدراك أثارها، فهناك الاتجاه الأدبيالذي تناول تلك الحقبة بشكل ضيق محدود، وسار على منهج مميع لا يفضي إلىنتائج محددة أو مفاهيم واضحة عنها، وكان يفتقر إلى ميزان ثابت منبثق عن الدعوةالإسلامية ذاتها يمكن أن يقاس عليه وقائع تلك الحقبة، ولعل هذا الاتجاه كان

٦

يرمي إلى الناحية الأدبية اللغوية فحسب بعيدا عن الرؤى العقائدية، وهناك الاتجاهالصامت المنغلق الذي يرى عدم تناول تلك الحقبة بالبحث والدراسة مطلقا، بلوصل الأمر إلى حد التحذير من محاولة فحص وقائعها وأحداثها بحجة أن ذلك قديقود إلى إساءة الظن ببعض الشخصيات والتجمعات البارزة التي تنتمي إليها،وهناك الاتجاه الممالئ المتملق الذي دأب على مجرد المدح والإطراء، ولم يدخروسعا في قلب الأمور رأسا على عقب وبتر الحقائق من أجل تصويب وقائع تلكالحقبة ومواقف أصحابها على نحو يصعب تصديقه أو التسليم به بالنسبة للقارئالعادي... إلى غير ذلك من الأساليب والاتجاهات التي كانت غالبا ما تقصر عنالوفاء بأمانة البحث العلمي المحض الذي يؤدي في النهاية إلى توعية القارئبطبيعة تلك الحقبة، وتوضيح الرؤية حولها، والخلوص بتقييم موضوعي لها،وتحديد علاقتها - ولو إجمالا - بالواقع الحالي.

إن تناول تلك الحقبة بالبحث والدراسة يقودنا - لا محالة - إلى طرح التساؤلالآتي: هل كان الرسول (صلى الله عليه وسلم) يفكر جديا بمستقبل الأمة من بعده،وما الإجراءات التي اتخذها في هذه السبيل؟

إن الرسول (صلى الله عليه وسلم) كان يمثل القلب النابض والعقل المفكرلتلك الدولة الناهضة، فهل أعد منهجا واضحا لتشكيل القيادة من بعده، بحيثيكفل ذلك الاستمرارية والاستقرار على النحو الذي ينشده للمسيرة التي بدأها؟

وعلى فرض وجود منهج واضح حول القيادة قد حدده الرسول (صلى اللهعليه وسلم) فهل قام بتوعية الأمة به؟

وعلى فرض قيامه بذلك، فهل خرج هذا المنهج من بعده إلى حيز التنفيذبشكل كامل، أم خرج بشكل جزئي، أم لم يخرج قط نتيجة الظروف والمتغيراتالتي طرأت على واقع الأمة إبان وفاته؟

من ناحية أخرى فإن أهمية البحث في تلك الجذور التاريخية وفحص وقائعهاالبارزة تمكن في انعكاسها بشكل أو بآخر على الواقع السياسي والاجتماعيوالثقافي الذي امتد من خلالها عبر القرون التالية إلى اليوم.

٧

إن الدعوة القائلة بأن نغض الطرف عن وقائع تلك الحقبة الهامة، وأن نجعلبيننا وبينها حجابا مستورا لا تخدم الحقيقة، بل لا تخدم الإسلام ذاته، حيث إنتراكمات الماضي وتداعياته لا يمكن أن تنفصل عن الواقع الحالي، إن لم تكن قدساهمت في صياغته إلى حد بعيد.

إننا بحاجة ماسة إلى إلقاء الضوء على تلك الجذور التاريخية من أجلالتوصل إلى فهم سليم وموضوعي مبني على أساس علمي لها، واستخلاص العبروالدروس منها، وتحديد نقاط الضعف والقوة فيها بالقدر الذي يعيننا على فهمالحاضر المحيط بنا، ويجعلنا قادرين على رؤية المستقبل بوعي وواقعية، وتحديدملامحه بعين باصرة غير قاصرة.

إن الكتاب الذي بين أيدينا هو محاولة جادة من المؤلف لتسليط الضوء علىتلك الحقبة التاريخية الهامة، ملتزما بقواعد البحث العلمي المتفق عليها، ومتوخياذات المقاصد التي أومأنا إليها آنفا، والذي لفت نظري في منهجه أنه اعتمد فيدراسته على مصادر الحديث والتاريخ والتراجم المعتبرة التي تحظى بثقة أهل العلموالمعرفة قاطبة، كما أنه قام بالربط بين الأحاديث النبوية من جهة والأحداثالتاريخية من جهة أخرى، بحيث يصدق بعضها بعضا، وكأن الكتاب قد جاء يحملبين دفتيه تفسيرا نبويا للتاريخ، ولا جرم أن الرسول الأعظم (صلى الله عليه وسلم)قد تركنا على المحجة البيضاء التي ليلها كنهارها، والتي لا يضل عنها إلا هالك،وفي اعتقادي أن ذلك لا يتحقق بوجه كامل إلا من خلال الأحاديث التي تكشفالمستقبل، وترصد حركته بعين الوحي فضلا عن الوعي.

ومما يستلفت النظر - أيضا - قيام المؤلف بالفصل بين " تاريخ الإسلام "و " تاريخ المسلمين "، حيث يرى أن " تاريخ الإسلام " هو تاريخ الفطرة الأزلية التيتمثل إرادة الله في الكون، وبالنسبة للبشر فقد بدأ مطلعه بقوله تعالى: (وإذ أخذربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلىشهدنا..).

وفوق الأرض قام بصنعه الأنبياء والمرسلون من لدن آدم إلى الخاتم،

٨

والمقصود من ذلك هو أن " التاريخ الإسلامي " يقتصر على مجموعة الأقوالوالأفعال والمواقف والأحداث التي يمكن أن تحسب على الإسلام ذاته لكونهاتمثل واقعه وحقيقته، ولا يقوم بصنعه سوى الرسول (صلى الله عليه وسلم) أو منينوب عنه بتفويض مباشر عنه.

أما بالنسبة ل‍ " تاريخ المسلمين " فهو تدوين لمجموعة الأقوال والأفعالوالمواقف والأحداث التي قام بصنعها أولئك الأفراد والتجمعات التي أعلنتانتماءها لهذا الدين تعبيرا عن أنفسهم وواقع حالهم فحسب، ولا يمكن أن تحسبعلى الإسلام ذاته كمقياس له.

هذه رؤية المؤلف، وهي وجهة نظر جديرة بالبحث والملاحظة، وتدعوناإلى التأمل وإعادة النظر في مدلول كلمة " التاريخ " الذي بين أيدينا، فهل هو " تاريخإسلامي " يعبر عن واقع الإسلام وحقيقته وأهدافه، أم هو " تاريخ المسلمين " الذييمثل نوازعهم الذاتية ومواقفهم وأهدافهم الخاصة بهم؟

هذا وبالله التوفيق.

د. عاطف سلام

٩

الاهداء

.. إلى مصابيح الهدى الذين يقودون الناس إلى صراط العزيز الحميد

إلى الذين صبروا صبر الأحرار وينتظرون يوم العدل على الظالم

إلى هؤلاء أهدي هذا الكتاب

.... أيوب

١٠
١١

المقدمة

الحمد لله رب العالمين. والصلاة والسلام على النبي الأكرم المبعوثبالشريعة الخاتمة وعلى آله ومن تبع هداه إلى يوم الدين وبعد:

على امتداد المسيرة البشرية دار الصراع بين الخير الذي تمثله أعلام ومشاعلالمثل الأعلى المرتفع وبين الشر الذي يمثله الدخان الكثيف للمثل الأعلىالمنخفض. وعلى امتداد هذه المسيرة كانت أعلام الأنبياء والرسل عليهم السلامتقيم الحجة على الجميع، وتدون تاريخ الإسلام الذي لم يحمل هزيمة واحدة منذذرأ الله ذرية آدم عليه السلام. وكان هذه التاريخ زاد للفطرة في كل زمان ومكانففيه ترى العلم والهدى والرحمة والسعادة وبه تعبر الحياة الدنيا بسلام إلى الآخرةفتاريخ الإسلام هو تاريخ الحجة ودعوة الناس إلى صراط العزيز الحميد. وهذاالتاريخ يمكن أن نرصد بدايته عندما أخذ الله الميثاق من ذرية آدم وأشهدهم علىأنفسهم * (ألست بربكم قالوا بلى) * ويمكن أن نرى امتداده وشواهده من خلالمسيرة الأنبياء.

وعلى امتداد المسيرة البشرية أيضا كان الناس يدونون تاريخهم، وهذاالتاريخ يمكن أن ترى امتداده وشواهده من خلال حركة الناس على امتدادتاريخهم. فمن توافقت حركته مع حركة الوجود فهو عضو في تاريخ الإسلام الذيتمثله أعلام المثل الأعلى المرتفع. أما من توافقت حركته مع حركة فقه الاغواءوالتزيين والاحتناك والفحشاء والمنكر إلى آخر هذا الشوط الذي تأنف منه الفطرةفلا يمكن بحال أن يكون عضوا في تاريخ الإسلام وإنما هو عضو في تاريخ الناس

١٢

الذي يدثره هذا الدخان الكثيف للمثل الأعلى المنخفض. ولا يمكن بحال أن ترىبصمات كفار قوم نوح وهود وصالح ولوط وأصحاب الأيكة على تاريخ السلاموإنما تراها على صفحات تاريخ الناس. ويمكن أن ترى هذه البصمات بوضوحعندما يحدثك تاريخ الإسلام بما حدث لأتباع المثل الأعلى المنخفض على امتدادتاريخهم الأسود وكيف ضربهم الطوفان والصيحة وكيف نالوا جزاءهم في الدنياتحت ضربات الماء والهواء والحجارة، ولعذاب الآخرة أشد.

وعلى هذا فالحجة والدعوة أعلام ظاهرة في تاريخ الإسلام، والتدمير أثرظاهر في تاريخ الناس، وفي هذا وذاك زاد للفطرة على امتداد المسيرة. فأصحابالفطرة السليمة إذا نظروا إلى حركة المسيرة البشرية وشاهدوا علامات التاريخالمهزوم كانت هذه المشاهدة حجة بذاتها ودعوة في الوقت نفسه إلى ترتيبالأوراق في اتجاه تاريخ السلام الذي تظهر عليه معالم الطهر والنقاء، وهذهالمعالم حجة بذاتها على كل إنسان. وسيتبين كل إنسان حقيقة هذا عندما يقفعاري المشاعر وعاري التاريخ أمام الله الواحد الحق يوم القيامة.

وعلى امتداد التاريخ الإنساني عمل الشيطان من أجل أن يعلم الخلق أنتاريخ الإسلام وتاريخ الناس تاريخ واحد. لأنه تحت هذا القالب تختلط الأموروعلى امتداده يحقق الشيطان أهداف خطته لإضلال أكثر الناس. وما فقه الاغواءوالتزيين إلا خلط على امتداده يكون الضلال والارتياب والحيرة.

وفي عصرنا الحديث تعالت الأصوات التي ترفع إعلام " لا سياسة في الدينولا دين في السياسة " وقامت أجهزة ومؤسسات الصد عن سبيل الله بترقيع التاريخليعطي في النهاية صورة أن الناس أدرى بمصالحهم. وهذا القول في حد ذاتهمصادرة لتاريخ الإسلام لحساب تاريخ الناس.

وفي عصرنا الحديث أيضا تعالت أصوات ناس من المسلمين وقالوا: إنالدين منفصل عن الدولة بالفعل على امتداد التاريخ السلامي.

وهنا خلط واضح وتحميل تاريخ السلام ما ليس منه. وتعاليت أصواتهم أكثرفأكثر وقالوا: إن الخلافة على امتداد التاريخ الإسلامي لم تكن أصلا إسلاميا.

١٣

وإنما مجرد اجتهاد وتطبيق ارتضاه المسلمون الأوائل.

وهذا أيضا خلط يهدف إلى إعلاء كلمة المثل الأعلى المنخفض. والذييدقق النظر في تاريخ السلام عند اللبنة الأولى يرى أن الخالفة أصل أصيل فيالبناء الفطري، قال تعالى: * (وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرضخليفة) * (١).

وعلى امتداد تاريخ الإسلام خاطب الله تعالى أنبياءه ورسله فقال لإبراهيمعليه السلام: * (إني جاعلك للناس إماما) * (٢).

بل إن نظام الخلافة يرى أيضا على المساحات الواسعة، يرى على وجهالماضي والحاضر. قال تعالى: * (واذكروا إ ذ جعلكم خلفاء من بعد قومنوح) * (٣).

وقال: * (وجعلناهم خلائف وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا) * (٤).

وقال * (هو الذي جعلكم خلائف في الأرض فمن كفر فعليه كفره) * (٥).

فالخلافة في البناء الفطري ترى عند القمة وعند القاعدة. وعلى هذا فإنالقول بأن الخلافة ليست أصلا إسلاميا قول فيه نظر. وهذا القول روج له أعداءالفطرة في عصرنا الحديث عندما بدأت الروح الإسلامية تدب وترج أجساد وعقولالمسلمين وتدعوهم إلى أعلام المثل الأعلى المرتفع. وأشعل أعداء الفطرة النارفي كل طيب، وزينوا كل خبيث ليصدوا عن سبيل الله. وتوج الوغد الهندي سلمانرشدي وغيره هذه الأعمال بروايات وأقوال الهدف منها النيل من أعلام تاريخالإسلام لحساب الأطروحة الغربية التي تعمل من أجل توثيق الفطرة.

(١) سورة البقرة: الآية ٣٠.

(٢) سورة البقرة: الآية ١٢٤.

(٣) سورة الأعراف: الآية ٦٩.

(٤) سورة يونس: الآية ٧٣.

(٥) سورة فاطر: الآية ٣٩.

١٤

ونحن في كتابنا هذا سنعرض أطروحات الإسلام التي جاء بها النبي الخاتمصلى الله عليه وسلم في ما يتعلق بمستقبل الأمة ودورها الرسالي الذي عهد به إليهاوموقف الأمة من تلك الأطروحات النبوية. وسنعرض تجربة الأمة بعد وفاة النبيصلى الله عليه وسلم وما تمخض عنها من نتائج امتدت عبر القرون إلى اليوم.

وسنبين مدى ملائمة ذلك مع أطروحات الرسول صلى الله عليه وسلم التي تمثلالمنهج الإسلامي الأصيل. وسنقيم تلك التجربة التي تحرك فيها لا مسلمون بشكلموضوعي للخروج منا بالعبر والدروس التي تعيننا على تمييز الحق من الباطلوالعودة تارة أخرى إلى ذات المنهج الإسلامي الذي رسمه النبي الخاتم صلى اللهعليه وسلم.

ومنهجنا في البحث يقوم على تحديد المشكلات واستبعاد الزائف منها بعدقراءة نقدية ومتفحصة وتقييمية. مع الوضع في الاعتبار أن جانب كبير من التراثصنعه أفراد، وهذا الجانب تداخل مع تاريخ السلام كما ذكرنا. وعلى هذا فتاريخالمسلمين عندي قابل للنقد كما أنه معرض أحيانا للرفض إذا تعارض مع القرآنوالسنة الصحيحة. وقراءتي للأحداث كان الهدف منها تقديم تاريخ شامل. بمعنىتاريخ تجتمع فيه جميع الخيوط، وهذه القراءة التي تمارس النقد وفقا للكتابوالسنة تنظر إلى التراث على أنه نقطة بداية. فالبدايات دائما ترى عليه وجهالنهايات. وعلى هذا فإن الأمور إذا اشتبهت اعتبر بآخرها أولها. أي يقاس آخرهاعلى أولها فحسب البدايات تكون النهايات. هذا ولقد آثرت في هذا البحثالطريقة السردية التي تعتمد على آيات القرآن الكريم والحديث الشريف والروايةالتاريخية. هذا وبالله التوفيق.

١٥

النور الذي أضاء

١٦
١٧

أولا - نور في أعماق الوجود

١ - المنابع:

إن جميع موجودات العالم ما نر وما لا نرى ما نعلم وما لا نعلم، تنتهيفي وجودها وآثارها إلى الله الواحد الأحد عز وجل، ولأنها منها وإليه، فلا يمكنلأي موجود في الوجود من الفراد من ملكه جل أنه، ولأن جميع الموجودات فيهذا العالم حياتها وقدرتها وعلمها متصل بالله تعالى، فلا يمكن لموجود مهما كانقدره وعلمه من الفرار من الله الذي يملك كل شئ، فقد خلق سبحان الخلقلهدف من ورائه حكمة، وأوجب سبحانه على نفسه فتح الطريق لعبادة وهداية عبادهإليه قبل أن يخطوا فيه خطوة واحدة.

فكما أن حبة القمح توضع في الأرض فتنشق للنمو قاصدة في نموها اتجاهاواحدة لتكون شجرة كاملة عليها سنابلها، وكما أن نطفة الحيوان تعرف طريقهافتتوجه إلى اتجاه واحد ينتهي بها إلى إيجاد النوع، فكذلك الإنسان من أول بدايةالتكوين يتجه في طريق نحو غاية واحدة على امتدادها يكدح حتى يلاقي ربه،والعبودية هي الغرض الإلهي من خلق الإنسان، وحقيقة العبادة أن يضع الإنساننفسه في مقام الذلة والعبودية، ويوجه وجهه إلى مقام ربه، طاهر النفس عن الكفربمراتبه، وعن الاتصاف بالفسق كما قال تعالى: (ولا يرضى لعباده الكفر) (١).

وقوله تعالى: (فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين) (٢).

(١) سورة الزمر: الآية ٧.

(٢) سورة التوبة: الآية ٩٨.

١٨

والعبودية إذا تمكنت من نفس العبد رأى ما يقع عليه بصره وتبلغه بصيرتهمملوكا لله، خاضعا لأمره، ووجد أن كل ما آتاه الله فهو من فضله سبحانه، ومامنعه فإنما منعه عن حكمة، وعلم أن هناك غاية مقصودة من خلق العالم ستظهربعد فناء العالم.

وطريق العبودية فتحه الله وهدى عباده إليه، واللبنة الأولى في هذا الطريقهي الفطرة، أودع فيها سبحانه ميثاق الربوبية الذي شهد به الإنسان عند العتبةالأولى في طريق العبودية، قال تعالى: (وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهمذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامةإنا كنا عن هذا غافلين) (١).

لقد أخذ جل شأنه الميثاق - ف موطن قبل الدنيا - من عباده في عالم الذر(ألست بربكم؟) خطاب حقيقي وتكليم إلهي، (قالوا بلى شهدنا) إنهم يفهمونمما يشاهدون، إن الله سبحانه يريد منهم الاعتراف وإعطاء الموثق، فشهد كلإنسان على نفسه، ولم يعد لأحد منهم حجة على الله يوم القيامة، ليقول أنه كانغافلا في الدنيا عن ربوبيته تعالى، ولا تكليف على غافل ولا مؤاخذة.

وكما هدى الفطرة إلى معرفته تعالى، ألهم النفس الإنسانية التجنب عنالفجور والورع عن محارم الله، فجعل نهيه سبحانه عن فعل حجاب مضروب، فإذااقترب الإنسان المنهي عنه يكون قد شق الستر المضروب وخرق الحجاب. قالتعالى: (ونفس وما سواها * فألهمها فجورها وتقواها * قد أفلح من زكاها * وقدخاب من دساها) (٢).

إن النفس ملهمة كي تميز بين الفجور والتقوى. ووضع لبنةالتقوى فيها. تزكية وإنماء وتزويد لها بما يمدها في بقائها علىطريق غايتها، قال تعالى (وتزودوا فإن خير الزاد التقوى واتقون يا

(١) سورة الأعراف: الآية ١٧٢.

(٢) سورة الشمس: الآية ٧ - ١٠.

١٩

أولي الألباب) (١).

وكما أقام سبحانه الحجة على الإنسان في عجينته الداخلية أقام عليه الحجةفي عالم الحياة الدنيا، عالم المشاهدة المنظور، فجهز بدن الإنسان بما يبصر به،وما يستعين به على الكلام. فإذا نظر، أو تكلم واستقام نظره وكلامه مع المخزونالفطري، ومخزون التقوى، تقدم في طريق الخير. قال تعالى: (ألم نجعل لهعينين * ولسانا وشفتين * وهديناه النجدين) (٢).

والمراد بالنجدين طريقا الخير والشر. أي علمناه طريق الخير وطريق الشربإلهام منا. فهو يعرف الخير من الشر. والإنسان مخير في أي الطريقين يسلك. قالتعالى: (إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا * إنا أعتدنا للكافرين سلاسلوأغلالا وسعيرا) (٣).

لقد زود تعالى الإنسان داخليا وخارجيا بالوقود الذي يؤدي إلى الفوز. وأراهالسبيل المؤدي إلى الغاية المطلوبة. وعلمه بواسطة الأنبياء والرسل عليهم السلامأن سلوك هذا السبيل ينتهي بالإنسان إلى سعادته في الدنيا والآخرة. وأخيره أنالشكر لهذه الهداية الإلهية إنما يكون بوضع النعمة في محلها، واستعمال هذهالنعمة على أساس أنها من المنعم الحق.

لقد أقام سبحانه الحجة على جميع خلقه، وقد قضى الله أن الإنسان راجعإليه. وسيسأل الإنسان عن عمله، أشكر النعمة أم كفر بها؟

والنعم تبدأ من الفطرة ولا تنتهي لأنها لا تحصى ولا تعد.

وأمام الله قاصم الجبارين سيق الإنسان عاريا من كل شئ. عاري النفس،عاري المشاعر، عاري التاريخ (وأن ليس للإنسان إلا ما سعى * وأن سعيه

(١) سورة البقرة: الآية ١٩٧.

(٢) سورة البلد: الآية ٨ - ١٠.

(٣) سورة الإنسان: الآية ٣ - ٤.

٢٠