×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

معالم الفتن (ج 1) / الصفحات: ٢١ - ٤٠

سوف يرى) * (١)وأمام الله قاصم المستكبرين سيقف الإنسان المحاصر بحجج الله، لتشهد كلحجة عليه، فلا يجد ملجأ يذهب إليه * (وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالواأنطقنا الله الذي أنطق كل شئ وهو خلقكم أول مرة وإليه ترجعون) * (٢).

إن ينبوع دين الله فطرة الإنسان نفسه. والفطرة تصرح أن الإنسان لم يكن لهإلا أن يخضع لله تعالى خضوع عبادة، خضوع الضعيف للقوي، ومطاوعة العاجزللقادر، وتسليم الصغير الحقير للعظيم الكبير الذي لا يماثله شئ في وجوده،العزيز الذي لا يغلبه شئ وغيره ذليل.

٢ - نظرات على طريق الابتلاء:

إن عبور الحياة الدنيا إلى الآخرة تعلو جسوره مظلات الابتلاء والفتن.

فالامتحان ناموس إلهي على امتداد هذه الجسور، وهذا الامتحان لا يستثني منهالمؤمن والكافر والمحسن والمسئ. وامتحان الله يكون لإظهار صلاحية الإنسانالباطنية من حيث استحقاق الثواب والعقاب. ويكشف به تعالى للمؤمنين حالالمنافقين وهم يعبرون جسر الحياة إلى الآخرة. كما إنه يقوي الإنسان المؤمنلاجتياز هذا الجسر. وكما يمتحن الله الفرد يمتحن سبحانه الأمة قال تعالى(ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم في ما آتاكم) (٣).

إن الله لو شاء لجعل الناس أمة واحدة لها شريعة واحدة. ولكنه تعالى جعلللناس شرائع مختلفة، ليمتحنهم فيما آتاه من النعم المختلفة التي لا تحصى ولاتعد. فاختلاف النعم يستدعي اختلاف الامتحان (٤). وعلى امتداد هذا الامتحانالذي هو في الوقت نفسه امتداد الحياة الدنيا، يموت الفرد ويأتي الآخر، وتموت

(١) سورة النجم: الآية ٣٩ و ٤٠.

(٢) سورة فصلت: الآية ٢١.

(٣) سورة المائدة: الآية ٤٨.

ب (٤) الميزان: ٣٥٣ / ٥.

٢١

الأمة وتأتي الأخرى قال تعالى: (لكل أمة أجل إذا جاء أجلهم فلا يستأخرونساعة ولا يستقدمون) (١).

إن الأجل في هذه الآية أضيف إلى الأمة، إلى الوجود المجموعي للناس، لاإلى هذا الفرد بالذات. إن هناك أجل آخر وميقات آخر للوجود الاجتماعي لهؤلاءالأفراد، للأمة بوصفها مجتمعا ينشئ ما بين أفراده العلاقات والصلات القائمةعلى أساس مجموعة من الأفكار والمبادئ. هذا المجتمع الذي يعبر عنه القرآنبالأمة له أجل، وله موت، له حياة، له حركة، وكما أن الفرد يتحرك فيكون حيا ثميموت، كذلك الأمة تكون حية ثم تموت. وكما أن موت الفرد يخضع لأجلولقانون ولناموس كذلك الأمم أيضا، لها آجالها المضبوطة (٢) (وما أهلكنا منقرية إلا ولها كتاب معلوم * ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون) (٣).

إن الأمم تموت، وتأتي أمم أخرى. أعلام تسقط وأعلام ترفع. وعلى امتدادالرحلة يكون في السلف عبرة للخلف، ويكون في الماضي زاد للحاضر يبصر بهالطريق الواضح إلى المستقبل. والقرآن الكريم حث الإنسان كي ينظر إلى الخلفحيث ساحة الاعتبار. ليكون الاعتبار له زاد، قال تعالى: (ألم يروا كم أهلكنا منقبلهم من قرن مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم وأرسلنا السماء عليهم مدراراوجعلنا الأنهار تجري من تحتهم فأهلكناهم بذنوبهم وأنشأنا من بعدهم قرناآخرين) * (٤).

لقد أهلكوا وسبب الهلاك الذنوب، وفي هذا دلالة على أن للسيئاتوالذنوب دخلا في البلايا والمحن العامة، كما أن الحسنات والطاعات لها دخل فيإفاضة النعم ونزول البركات. وقال تعالى: (وكم أهلكنا من قرية بطرت

(١) سورة يونس: الآية ٤٩.

(٢) المدرسة القرآنية / باقر الصدر: ٥٦.

(٣) سورة الحجر: الآية ٤ - ٥.

(٤) سورة الأنعام: الآية ٦.

٢٢

معيشتها) * (١) أي طغت في معيشتهاوقال تعالى: * (وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون) * (٢).

إن الماضي حجة على الحاضر والحاضر حجة على المستقبل. ولا يسمعالصم الدعاء. إن الأمة تأتي لينظر إليهم كيف يعملون. ورسل الله عليهم السلامحثوا أقوامهم وذكروهم بمن سبق كي يبصروا وقع أقدامهم وهم يعبرون الجسر إلىالآخرة.

فهذا هود عليه السلام يقول لقومه: (واذكروا إذا جعلكم خلفاء من بعد قومنوح) (٣).

وهذا صالح عليه السلام يقول لقومه: (واذكروا إذا جعلكم خلفاء من بعدعاد) (٤).

والنظر إلى الخلف لا يعني التغني بوثنية من سبقونا، إنما البحث في عواملانهيارهم كي يتجنب الحاضر ما وقع فيه الماضي. فلعل الماضي يكون قد أركسفي فتنة. فإذ لم يتبين الحاضر خيوطها وسار على منوالهم، كان في حقيقة الأمرامتدادا للفتنة وإن لم يشارك فيها. وكما أن في الماضي زادا للحاضر يعبر به جسورالحياة. فإن الحاضر وهو تحت الامتحان عبرة للمستقبل. فهذا موسى عليه السلاميقول لقومه: (عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض فينظر كيفتعملون) (٥). لقد ذهبت أمة، وجاءت أخرى ليجري عليها الاختبار الذي يكونزادا للمستقبل. وأمة محمد صلى الله عليه وسلم آخر الأمم. يخاطبها سبحانهفيقول: (ولقد أهلكنا القرون من قبلكم لما ظلموا وجاءت رسلهم بالبينات وماكانوا ليؤمنوا كذلك نجزي القوم المجرمين * ثم جعلناكم خلائف في الأرض من

(١) سورة القصص: الآية ٥٨.

(٢) سورة القصص: الآية ٥٩.

(٣) سورة الأعراف: الآية ٦٩.

(٤) سورة الأعراف: الآية ٧٤.

(٥) سورة الأعراف: الآية ١٢٩.

٢٣

بعدهم لننظر كيف تعملون) (١).

إن المسيرة سائرة، تدثرها الحجة من كل مكان. وكل خطوة وكل همسةمحسوبة ومكتوبة. يقول تعالى: (إنا نحن نحيي الموتى ونكتب ما قدموا وآثارهموكل شئ أحصيناه في إمام مبين) (٢).

٣ - برنامج الشيطان:

ذكرنا أن الامتحان سنة إلهي. ولقد سمى الله تعالى هذا الامتحان في كتابه:

بلاء وابتلاء وفتنة. فقال جل شأنه: (إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهمأيهم أحسن عملا) (٣)، وقال: (ونبلوكم بالشر والخير فتنة) (٤)، وقال:

(ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم) (٥)، وقال:

(أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلمالصابرين) (٦). إن الأرض مساحة للامتحان. والإنسان عليها يمتحن بكل جزء منأجزاء العالم، وكل حالة من حالاته التي لها صلة به.

والشيطان الرجيم، لما لعنه الله وطرده نظير معصيته. أخذ على عاتقه إغواءأكثر الناس، فتسلل بإغوائه إلى كل مجال يختبر فيه الإنسان من الله، فإذا كانسبحانه قد جعل ما على الأرض زينة، فإن الشيطان التف حول هذه الزينة بزينةأخرى كاذبة. وإذا كان الله تعالى قد ابتلى عباده بالشر والخير، فإن الشيطان التفحول الشر ليزينه، وحول الخير ليزهد الناس فيه، وإذا كان مجال الاختبار ليعلمسبحانه المجاهدين والصابرين، تسلل الشيطان إلى هذه المساحة، ليكون أكثر

(١) سورة يونس: الآية ١٣ - ١٤.

(٢) سورة ياسين: الآية ١٢.

(٣) سورة الكهف: الآية ٧.

(٤) سورة الأنبياء: الآية ٣٥.

(٥) سورة محمد: الآية ٣١.

(٦) سورة آل عمران: الآية ١٤٢.

٢٤

الناس في ضلال مبين. وهكذا تسلل الطريد إلى مائدة الامتحان. مهمته أن يدعوفقط إلى الضلال وقد زينه، وهو يدعو فقط لأنه لا يستطيع أن يجبر الناس علىمعصيته، ولما كانت حركة الشيطان على الأرض هكذا، فإن تسليط بعض منالضوء على البداية، قد يفيد لمعرفة منهجه في الاغواء والتزيين.

خلق الله تعالى آدم عليه السلام، وأمر بالسجود له، فسجد الملائكة، وكانإبليس من الجن وداخل فيهم، فأبى أن يسجد فخاطبه تعالى: (قال يا إبليس مامنعك أن تسجد لما خلقت بيدي استكبرت أم كنت من العالين) (١) فجاء الردالذي تحتوي كلماته على منهج الشيطان الكامل (قال أنا خير منه خلقتني من ناروخلقته من طين) (٢)، لقد أكله الحسد وهو الذي شاهد المقدمة حيث الترابوالطين والصلصال. وعندما عاين العلم والحركة والحياة كنتيجة للمقدمة، دفعهالحسد إلى المقدمة حيث الحمأ المسنون متعاميا عن النتيجة استكبارا عليها. إنهالصغار والجمود بعينه، ودعوة أولى لرفض النظر في آيات الله. وفي اعتراضالشيطان تلويح، بأن الأمر الإلهي إنما يطاع إذا كان حقا والأمر بالسجود لآدمليس حقا.

والمتدبر في آيات الله، يجد أن الشيطان قبل رفضه السجود لآدم، كانتحجة الله قد دثرته. وهذه الحجة أن الله تعالى أمره فيمن أمر بالسجود، فالأمر حجةبذاته. وخروج الشيطان عنه هو خروج باختيار وليس عن جبر. كما يجد المتدبرأيضا أن في ردود الشيطان على الله تعالى، لم تكن ردودا جوفاء، وإنما تحملمنهجا كاملا في الضلال وهذا المنهج له مهمة واحدة، هي الصد عن العبادة الحق.

ومن أجل هذا اعتمد المنهج على عمود يفصل أنبياء الله ورسله عليهم السلام عنأبناء آدم فلا يصل إليهم الهدى. وعمود يعمل على الصراط المستقيم من أجلإعاقة الطريق أمام الفطرة حتى لا تصل إلى غايتها الحق. وعمود يعمل على إرساءقواعد الشذوذ ومهمته تصفية كل ما هو طاهر على امتداد المسيرة البشرية بعد رحيل

(١) سورة ص: الآية ٧٥.

(٢) سورة ص: الآية ٧٦.

٢٥

الأنبياء والرسل. ودق أوتاد الشذوذ واعتبار الخارج عنها خارج على القانون.

باختصار يعتبر برنامج الشيطان قاعدة أساسية ينطلق منها قطاع الطرق على امتدادالتاريخ.

أولا - قطع الطريق على الأنبياء والرسل عليهم السلام:

أخبر الله تعالى بأنه عندما أمر الملائكة بالسجود قال إبليس(أنا خير منه) (١) وقال (لم أكن لأسجد لبشر خلقته من صلصال..) (٢) فالرفضيحمل في أعماقه الحسد والكبر. وفي نفس الوقت يحتوي على أطروحة كاملةلتحقير الجنس البشري. وهذا الرفض وهذه الأطروحة، شكلا في الحقيقة فقهاكاملا للشيطان نسميه " فقه التحقير " وهذا الفقه مارس عمله ضد الأنبياء والرسل منآدم إلى محمد عليهما السلام. وإذا كان مؤسس الفقه، رفض أمر الله بالسجود لآدمفي بداية الخلق، فإنه على امتداد المسيرة البشرية وضع العقبات أمام أمر الله الذييحمله الأنبياء والرسل للسجود لله تعالى. والعقبات التي وضعها الشيطان من أجلالوصول إلى هدفه، كان عمودها الفقري تحقير الأنبياء والرسل، على اعتبار أنهمبشر وليسوا ملائكة. وإذا كان الشيطان في البداية قد قال: (لم أكن لأسجد لبشرخلقته من صلصال) (٣) فإن حملة فقهه على امتداد التاريخ الإنساني وقفوا مندعوة الأنبياء في خنادق الحسد والكبر، رافعين راية التحقير للبشر الذي خلقه اللهمن طين، نسوا الله فأنساهم أنفسهم. * (قالت لهم رسلهم إن نحن إلا بشر مثلكمولكن الله يمن على من يشاء من عباده) * (٤). فماذا كان رد جحافل الظلام علىامتداد التاريخ الإنساني. يقول تعالى: * (وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل اللهعلى بشر من شئ) * (٥) وقال تعالى: (قالوا ما أنتم إلا بشر مثلنا وما أنزل الرحمن

(١) سورة الأعراف: الآية ١٢.

(٢) سورة الحجر: الآية ٣٣.

(٣) سورة الحجر: الآية ٣٣.

(٤) سورة إبراهيم: الآية ١١.

(٥) سورة الأنعام: ٩١.

٢٦

من شئ) * (١)، وقال تعالى: (فقالوا أبشر يهدوننا فكفروا وتولوا واستغنى الله واللهغني حميد) (٢)، وقالوا: (ولئن أطعتم بشرا مثلكم إنكم إذا لخاسرون) (٣)،ولأنهم يرفعون لافتة التحقير الشيطانية التي ينفذون بنودها بدون تعقل قالوا: (لوشاء ربنا لأنزل ملائكة) (٤). وقالوا: (لولا أنزل عليه ملك) (٥)، لقد رفضواالبشر الذي خلقه الله من طين. وكان هذا الرفض مقدمة كبرى للصد عن سبيل الله،قال تعالى: * (وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا أن قالوا ابعث الله بشرارسولا) * (٦). وعلى هذا الرفض دق الشيطان وتدا شع ثقافة جاء عليها الفراعنةوالقياطرة والأباطرة، الذين ادعوا أن دماء الآلهة تجري في عروقهم. ووفقا لهذاالادعاء الذي سانده كهنة الاغواء والتزيين، هرول الناس إلى عبادتهم من دون الله،وعلى هذه العبادة شيدت الأصنام، وهتكت الأعراض، وجلدت الشعوب، ورفعترايات الجبرية والطاغوت واعتبر الخارج عنها خارج على القانون. ولم يقف فقهالتحقير عند الأنبياء والرسل عليهم السلام، وإنما مارس هذا الفقه عمله على امتدادالمسيرة بعد رحيل كل نبي وكل رسول. فلقد اعتمد الجبابرة على حملاتالتشكيك والتشويش المنظم لوقف مسيرة الذين يأمرون بالقسط من الناس. فإذ لمتأت الحملات بالثمار المطلوبة، اعتمدوا لهم أسلوب اليد الغليظة بالحجر تارةوبالسيف تارة وبقطع الرؤوس والطواف بها تارة أخرى.

ثانيا - قطع الطريق على الفطرة:

عندما قال الشيطان أنا خير منه، شمله عقاب الله تعالى: قال تعالى: * (فاهبطمنها فما يكون لك أن تتكبر فيها فاخرج إنك من الصاغرين) * (٧). لقد نزل إلى منزلة

(١) سورة يس: الآية ١٥.

(٢) سورة التغابن: الآية ٦.

(٣) سورة المؤمنون: الآية ٣٤.

(٤) سورة فصلت: الآية ١٤.

(٥) سورة الأنعام: الآية ٨.

(٦) سورة الإسراء: الآية ٩٤.

(٧) سورة الأعراف: الآية ١٣.

٢٧

الهبوط، ليكون من الصاغرين أهل الهوان. ولم يترك الشيطان منزلة الهبوط دوناستغلالها فقال: * (رب فأنظرني إلى يوم يبعثون) (١) لم يقل: رب انظرني إلى يوميموت آدم، بل ذكر آدم وبنيه. فقال له سبحانه: * (إنك من المنظرين) * (٢). وفيهذا النص دلالة على أن هناك منظرين غيره، منهم ملائكة ومنهم بشر، أخبرت عنهمالسنة النبوية الشريفة (٣).

وفي منزلة الهبوط صاغ الشيطان فقه الاغواء والتزيين، الذي به يخترقالكيان الإنساني وعليه تتعدد الأهواء * (قال رب بما أغويتني لأزينن لهم في الأرضولأغوينهم أجمعين. * إلا عبادك منهم المخلصين) (٤)، لقد اختار مساحة الزينةوالزينة الحق جعلها الله لعباده كي يسوقهم التفكير فيها إلى العبادة الحق. قالتعالى: * (إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب) * (٥)، فأقام الشيطان له خيمة فياتجاه هذه الزينة، وهذه الخيمة بثت ثقافة ألوهية الكواكب والنجوم. تلك الألوهيةالتي اعترض عليها هد هد كان يحتفظ بفطرته التي فطره الله عليها. فعند ما ذهب هذاالطائر إلى مملكة سبأ، وجدهم يعبدون الشمس من دون الله، فعلم وهو الطائر أنهناك زينة أخرى غريبة، قد أدخلت على الزينة الحق التي تدعو إلى العبادة الحق.

فقال سليمان عليه السلام وهو يتحدث عن ملكة سبأ * (وجدتها وقومها يسجدونللشمس من دون الله وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل فهم لايهتدون) (٦) لقد وقعوا على الزينة المحرمة، وهم المجهزون بالفطرة، والفطرةنعمة والاختيار الخطأ يترتب على امتداده كفران النعمة. والسنة الإلهية عند كفرانالنعمة، تسلب نعمة الهداية. وفي عالم اللاهداية تعشق الأسماع والأبصار

(١) سورة الحجر: الآية ٣٦.

(٢) سورة الأعراف: الآية ١٥.

(٣) أخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم. بظهور المهدي ونزول عيسى عليهما السلام.

وبخروج الدجال والسفياني آخر الزمان ومن أراد المزيد فعليه ببحوثنا في المسيح الدجال.

(٤) سورة الحجر: الآية ٣٩ - ٤٠.

(٥) سورة الصافات: الآية ٦.

(٦) سورة النمل: الآية ٢٤.

٢٨

والقلوب كل زينة تنتهي بصاحبها إلى الهلاك. تعشق زينة الشهوات والأموالوالبنين والمكر والصد عن السبيل. ومع هذا العشق تتحرك جحافل الليل أصحابفقه الشيطان، ليدافعوا عن زينتهم أمام الذين يتعاملون مع الزينة الحق. على أنهاللتفكر وللابتلاء في عالم الإنسان.

وفي الزينة الحق قال تعالى: * (المال والبنون زينة الحياة الدنيا والباقياتالصالحات خير عند ربك ثوابا وخير أملا) * (١). قال المفسرون: إن المال والبنينوإن تعلقت بها القلوب، وتاقت إليها النفوس تتوقع منها الانتفاع وتحق بهاالآمال. إلا أنها زينة سريعة الزوال، لا تنفع الإنسان في كل ما أراده وما يأمله ومايتمناه منها. ولأنها كذلك فلا بد للتعامل معها وفقا لما شرعه الله تعالى، وإذا كانتهذه الزينة زائلة، فإن الأعمال الصالحة هي الباقية. وهي عند الله خيرا ثوابا، لأنالله يجازي الإنسان الذي جاء بها خير الجزاء، وخيرا أملا. لأن ما يؤمل بها منرحمة الله وكرامته ميسور للإنسان، فهي أصدق أملا من زينات الدنيا وزخارفهاالتي لا تفي للإنسان في أكثر ما تعده.

وكما أقام الشيطان له خيمة في اتجاه زينة الكواكب، أقام خيمة في اتجاهزينة الأموال والأولاد، وعلى هذه الزينة قسمت القلوب ووجه أصحابها سهامهم فياتجاه طائفة الأعمال الصالحة التي تدعو إلى الخير والثواب. وجاء طابور طويليصد بالمال عن سبيل الله كما فعل قارون * (فخرج على قومه في زينته قال الذينيريدون الحياة الدنيا يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون إنه لذو حظ عظيم) * (٢)، واستمرهذا الطابور يتدفق على صفحة الوجه الإنساني آخذا صورا عديدة في عالم الرشوةوبيوت المال للصد عن سبيل الله. وفي عالم زينة الأولاد قالوا فيما أخبر سبحانه* (وقالوا نحن أكثر أموالا وأولادا وما نحن بمعذبين) * (٣). وعلى قاعدة الأبناء، جاءالآباء بالأبناء ليركبوا على رقبة الشعوب، ليصبح بذلك المستقبل ابنا لشذوذ

(١) سورة الكهف: الآية ٤٦.

(٢) سورة القصص: الآية ٧٩.

(٣) سورة سبأ: الآية ٣٥.

٢٩

الحاضر والحاضر ابنا لشذوذ الماضي، والجميع يحافظون على سنة الآباء القوميةالتي أقام الشيطان خيامها، ورفع عليها قانونه الخالد الشاذ الذي وقف حجر عثرةعلى امتداد دعوة الأنبياء والرسل. لقد قالوا كما أخبر الله تعالى: (قالوا بل نتبع ماألفينا عليه آباءنا) * (١)، و * (قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا) * (٢)، و * (قالوا أجئتنالتلفتنا عما وجدنا عليه آباءنا) * (٣)، وقالوا: * (إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا علىآثارهم مهتدون) * (٤).

إن زينة المال والأولاد التي أضفى عليها الشيطان زخرفه ليتلقفه الغاوون،هذه الزينة المزخرفة أقامت جدرا من الأموال واللحوم للصد عن سبيل الله. وهذاالانحراف وغيره، ما زال حجر عثرة على طريق الدعوة الحق. فالفطرة التي تحملكليات الدين، زخرف لصاحبها طريق الانجراف، وزين لهم الباطل والمعاصي،فنسوا الله. ومن ينسى الله ينسيه الله نفسه وتنتهي به خطاه إلى الهلاك. إن حاملالفطرة هداه الله إلى السبيل الحق، وعرفه طريق الحق وطريق الباطل، وله أنيختار. فمن اختار طريق الباطل، أضله الله. ومعنى إضلال الله له، إن الله يقطععنه الرحمة لانحرافه في الاختيار. ولا يدخل في الرحمة إلا إذا أخذ الخطوةالأولى في اتجاه الاختيار الحق. وجحافل فقه الشيطان، لا ييأسوا من طرح ثقافاتوعقائد من شأنها أن تفسد الدين الفطري، لأنه على فساد الدين الفطري يترتب عليهفساد القوة الحسية الداخلية للإنسان، ولا تتعادل فيما بينها. وعلى فساد القوىالحسية، يكون الإنسان مستعدا لتلقي أي إغواء أو تزيين، يشبع أي ملكة منملكات النفس الجائعة. وعلى أعتاب الكثرة من الذئاب الآدمية، يأتي طغيان هذهالكثرة التي لا تتعظ بموقف، ولا تتفاعل مع وجدان. ويترتب على طغيانهم ضعفالقوة المخالفة، لذلك كان طريق الدعوة طريقا شاقا على امتداد المسيرة البشرية.

(١) سورة البقرة: الآية ١٧٠.

(٢) سورة المائدة: الآية ١٠٤.

(٣) سورة يونس: الآية ٧٨.

(٤) سورة الزخرف: الآية ٢٢.

٣٠
٣١

واللاهدف ملابس الدعوة والهدف.

وبعد أن أعلن الشيطان الخط العريض، بأنه سيجلس على الصراطالمستقيم. ذلك الصراط الذي يوصل الناس إلى ربهم الحق وينتهي بهم إليسعادتهم في الدنيا والآخرة، أخبر سبحانه بأنه قال: * (ثم لآتينهم من بين أيديهمومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم) * وفي هذا إيضاح للخط العريض. قالالمفسرون: عن مجاهد قال * (من بين أيديهم) * يعني من حيث يبصرون، وقيل:

من بين أيديهم أي الدنيا (١). وقيل: أي ما يستقبلهم من الحوادث أيام حياتهم،من الأمور التي تهواها النفوس، وتستلذه الطباع. وكل ما يتعلق بالآمالوالأماني. فيأتيهم ليخوفهم من الفقر إذا هموا لينفقوا في سبيل الله. أو يخوفهممن ذم الناس أو لومهم إذا أمروا بمعروف أو إذا سلكوا سبيل من سبل الخيروعلى هذا جاء فقه التقوقع والترقيع والانسحاب، غلافه غلاف الدين ومحتواه لاعلاقة له بالدين.

والمراد من خلفهم، قال المفسرون: أي أرغبهم في دنياهم (٢)، وقيل:

أي آتيهم من ناحية الأولاد والأعقاب وذلك لأن الإنسان له فيمن يخلفه منأولاد، آمال وأماني ومخاوف ومكاره. ويخيل للمرء أنه يبقى ببقاء أولاده،ويسره ما يسرهم ويسوؤه ما يسوؤهم، فيجمع لهم المال من حلاله وحرامه،ويفسح لهم الطريق إذا كان ذا جاه وملك ليكونوا امتدادا له بعد وفاته.. وعلىقاعدة الأبناء جاء فقه السلطة الذي يمدح المستقبل لأنه ينتمي إلى حاضر القاضيوالجلاد ويمدح الحاضر لأنه ينتمي إلى ماضي القاضي والجلاد إنه عالم * (إناوجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون) * (٣)، عالم ينظر إلى المستقبلبعيون الماضي وإن كان آباؤهم في الماضي لا يعقلون شيئا، إنه عالم غلاف فقههغلاف ديني أما محتواه فهو أقرب إلى المحافظة على الشذوذ.

(١) تفسير ابن كثير: ٢٠٤ / ٢.

(٢) تفسير ابن كثير: ٢٠٤ / ٢.

(٣) سورة الزخرف: الآية ٢٢.

٣٢

والمراد بعن أيمانهم وعن شمائلهم، قال المفسرون: عن أيمانهم: أيأشبه عليهم أمر دينهم (١). وقيل: اليمين هو الجانب القوي الميمون منالإنسان، أي الدين. وإتيانه من جانب الدين، أن يزين لهم المبالغة في بعضالأمور الدينية والتكاليف بما لم يأمرهم الله.. وعلى هذا جاء فقه المبالغةوالتنطع والمنفرين، الذين يدعون أنهم يعلمون كل شئ وهم لا يعلمون أيشئ. وعلى أكتافهم تتآكل الشرائع ويتراجع الدين، إن غلاف فقه المنفرينوالمتنطعين والذين يتخذون الزهد والرهبنة طريقا ليأكلوا به أموال الناسبالباطل، غلاف يحمل ملامح دينية. أما محتواه فقد خطه أصحاب القضاياالرديئة، التي لا تصلح إلا لعالم اللادعوة واللاهدف * (وعن شمائلهم)، قالالمفسرون: اشتهى لهم السيئات والمعاصي. وقيل: عن شمائلهم أي تأصيلالفحشاء والمنكر والدفاع عن اقتراف الذنوب بجعل الأهواء قانونا لهم.. وأمامهذا الفقه تقهقر اليمين وتقدم الشمال تحت لافتة تنادي بحقوق الإنسان،فالعنوان له ملامح طيبة " حقوق الإنسان " أما المحتوى فلا وجود فيه لإنسانالفطرة، إلا من رحم الله.

والمنهج الشيطاني لم يكتف بمحاصرة الإنسان من جهاته الأربع، وإنماخطط من أجل أن يجمع أتباعه تحت ثقافة واحدة، هي ثقافة الأهواء رغم تفرقسبلهم، وهذه الثقافة يعزفها الشيطان الرجيم على الجميع. أخبر الله تعالى بأنهقال: * (أرأيتك هذا الذي كرمت علي لئن أخرتن إلى يوم القيامة لأحتنكن ذريتهإلا قليلا) * (٢). قال المفسرون: يقال، حنك الدابة بحبلها، إذا جعل في حنكهاالأسفل حبلا يقودها به. والمعنى: أقسم لئن أخرتني إلى يوم القيامة، وهو مدةمكث بني آدم في الأرض، لألجمن ذريته إلا قليلا، أتسلط عليهم تسلط راكبالدابة الملجم لها عليها، يطيعونني فيما آمرهم، ويتوجهون إلى حيث أشير لهم،من غير أي عصيان وجماح. إن الاحتناك فقه لتلجيم العقول وتكميم الأفواه

(١) تفسير ابن كثير: ٢٠٤ / ٢.

(٢) سورة الإسراء: الآية ٦٢.

٣٣

وتعصيب العيون، عن كل حق أو حقيقة. إن الاحتناك قانون يضرب بسياطهالغوغاء والرعاع والديهماء.

وفي عالم الاحتناك تتلقى الدواب أوامر الضلال والأماني وتغيير خلق الله،بدون اعتراض وبلا أدنى تفكير. قال تعالى وهو يخبر في كتابه عن خطة الشيطان* (وقال لاتخذن من عبادك نصيبا مفروضا * ولأضلنهم ولأمنينهم ولآمرنهم فليبتكنآذان الأنعام ولآمرنهم فليغيرن خلق الله) * (١). قال المفسرون: * (ولأضلنهم) * أيعن طريق الحق، * (ولأمنينهم) * أي أزين لهم ترك التوبة * (ولآمرنهم فليبتكن آذانالأنعام) * يعني بشق آذانها، * (ولآمرنهم فليغيرن خلق الله) * يعني دين الله (٢).

والمعنى: أي لأضلنهم بالاشتغال بعبادة غير الله، واقتراف المعاصي، ولأغرينهمبالأماني التي تصرفهم عن الاشتغال بواجب شأنهم وما يهمهم من أمرهم،ولآمرنهم بشق آذان الأنعام وتحريم ما أحل الله، ولآمرنهم بتغيير خلق الله.

وينطبق على مثل الإخصاء وأنواع المثلة واللواط والسحاق. وقيل: المراد بتغييرخلق الله، الخروج عن حكم الفطرة، وترك الدين الحنيف. قال تعالى: * (فأقموجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدينالقيم) * (٣). والخروج على حكم الفطرة، غير تبديل الفطرة. فالفطرة لا تبدللأنها حجة بذاتها على الإنسان.

وهكذا قطع البرنامج الشيطاني الطريق على الرسل والفطرة والدعوة، واللهغالب على أمره. لقد طلب الشيطان الامهال إلى يوم الوقت المعلوم، فأعطاه اللهذلك، وتوعد ذرية آدم بالإغواء والتزيين والاحتناك وغير ذلك. ولأن برنامجه لايقصده إلا شر الدواب عنه الله، زاده الله فقال له تعالى: * (اذهب فمن تبعك منهمفإن جهنم جزاؤكم جزاء موفورا * واستفزز من استطعت منهم بصوتك واجلبعليهم بخيلك ورجلك وشاركهم في الأموال والأولاد وعدهم وما يعدهم الشيطان

(١) سورة النساء: الآية ١١٨ - ١١٩.

(٢) تفسير ابن كثير: ٥٥٦ / ١.

(٣) سورة الروم: الآية ٣٠.

٣٤

إلا غرورا * إن عبادي ليس لك عليهم سلطان وكفى بربك وكيلا) (١). قالالمفسرون: أي استنهض للمعصية من استطعت أن تستنهضه من ذرية آدمبصوتك، وصح عليهم لتسوقهم إلى المعصية بأعوانك وجيوشك، فرسانهمورجالتهم. وشاركهم في الأموال فيجمعونها من خبيث وينفقونها في حرام،وشاركهم في الأولاد أي يمجسونهم ويهودونهم وينصرونهم ويصبغونهم غيرصبغة الإسلام. (إن عبادي ليس لك عليهم سلطان) أخبر سبحانه، بتأييده تعالىعباده المؤمنين وحفظه إياهم وحراسته لهم من الشيطان الرجيم، ولهذا قال(وكفى بربك وكيلا) أي حافظا ومؤيدا ونصيرا (٢).

إن برنامج الشيطان تنسفه العبادة الحق نسفا. فالشيطان لا يستطيع أن يجبرإنسان على معصية، إنه يزين ويغوي وينادي فقط، والذي يلبي نداءه يكون فيالحقيقة قد اختار، ومن اختار طريق الشيطان فهو بعيد عن الله، وبرنامج الشيطانيسير اتباعه عكس اتجاه الفطرة، ولا يقصدوا إلا ما خلفوه وراء ظهورهم.

والإنسان الذي يسير في غير اتجاه الفطرة، كلما توجه إلى ما يراه خيرالنفسه وصلاحا لدينه أو لدنياه، لم ينل إلا شرا أو فسادا، وكلما بالغ في التقدمزاد في التأخر، وليس بفالح أبدا. وذلك لأنه مطارد من الله ولا بقاء لشئيطارده الله إن أتباع برنامج الشيطان لن يهديهم الله، ما داموا يتزودون من زادبرنامج الضلال. (والله لا يهدي القوم الظالمين) (٣) (والله لا يهدي القومالفاسقين) (٤) (والله لا يهدي القوم الكافرين) (٥) (إن الله لا يهدي منيضل) (٦) (إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب) (٧) (إن الله لا يهدي من هو

(١) سورة الإسراء: الآية ٦٣ - ٦٤ - ٦٥.

(٢) تفسير ابن كثير: ٥٠ / ٣.

(٣) سورة التوبة: الآية ١٩.

(٤) سورة المائدة: الآية ١٠٨.

(٥) سورة البقرة: الآية ٢٦٤.

(٦) سورة النحل: الآية ٣٧.

(٧) سورة غافر: الآية ٢٨.

٣٥

كاذب كفار) * (١) فهؤلاء جميعا دخلوا باختيارهم إلى دائرة مقفولة على الغاوون.

فمن لم يأخذ بالأسباب وخرج من هذه الدائرة، هلك وخسر الدنيا والآخرة، إنالعودة إلى سبيل الفطرة، لا يكون إلا بالاتجاه أولا نحو الفطرة، ثم السير علىسبيلها وفقا لما جاء به خاتم الأنبياء والمرسلين صلى الله عليه وآله وسلم. وعلىالخطوة الأولى يأتي مدد الله العزيز الحكيم، قال تعالى: * (إن تنصروا الله ينصركمويثبت أقدامكم) * (٢).

٤ - حصار برنامج الشيطان:

لقد عمل الشيطان وقطاع الطرق على امتداد التاريخ الإنساني، من أجلالتشكيك في كل رسول ونبي، رافعين في وجوههم أعلام الاستكبار والتحقير.

وعلى امتداد التاريخ لم ينقل إلينا أن هناك نبيا أو رسولا قد هزم وإنما نقل إليناأن الاستكبار هزم في كل مكان وكل زمان، هزم تحت طين الطوفان أيام نوحعليه السلام. وهزم تحت الرياح العاصفة أيام هود عليه السلام. وهزم تحتصاعقة من السماء أيام صالح عليه السلام وهزم تحت قصف الحجارة من السماءأيام لوط عليه السلام. وهزم تحت أمواج البحر المتلاطمة أيام موسى عليهالسلام. وما زال يهزم حتى يومنا هذا تحت شهادة الدعوة الخاتمة التي جاء بهامحمد صلى الله عليه وسلم. * (إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنياويوم يقوم الأشهاد) * (٣).

إن الباطل هو الذي يهزم وفي هزيمته آية لكل من له سمع وبصر وعبرةلمن أراد الاعتبار * (بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق) * (٤).

ولقد عمل الشيطان وقطاع الطرق من أجل تدمير الدعوة، ولكن هيهات،

(١) سورة الزمر: الآية ٣.

(٢) سورة محمد: الآية ٧.

(٣) سورة غافر: الآية ٥١.

(٤) سورة الأنبياء: الآية ١٨.

٣٦

منذ آدم عليه السلام وحتى محمد صلى الله عليه وسلم والتوحيد يسري فيالوجود. لقد ذهب الجبابرة وأبناء الجبابرة الذين ادعوا أن دماء الآلهة تجري فيعروقهم، ذهبوا، وذهب من بعدهم الجلادون الذين أرادوا أن تكون للشذوذقداسة. ذهبوا وما زالوا يذهبون، ودعوة الحق راسخة في النفوس رسوخ الجبال* (يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون * هو الذيأرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كرهالمشركون) * (١).

ولقد عمل الشيطان وقطاع الطرق من أجل تدمير الفطرة. والفطرة التياستهدفوها يقدروا على تبديلها وفي هذا انتكاس لهم. أما تغيير الطريقالفطري، فإن الشيطان لم يمكن من إجبار الناس على المعاصي، هو يدعو إليهافقط. وهذا الباب أغلقته حجج الله على عباده في عالم الذر والخلق، وفي عالمالمشاهدة المنظور. ولقد جاء رسل الله عليهم السلام بالدين الحق، وللدينطريقة خاصة في الحياة، وبه يميز الناس أي الطرق يسلكون إلى حياة طيبة فيالدنيا والآخرة، والدين الصحيح لا يكون إلا بحفظ الصلة بالله تعالى وإخلاصالعبادة له. فمن أخلص العبادة لله تكون له حياة طيبة والله تعالى يحيي في الدنياالذين آمنوا حياة غير الحياة التي يعطيها للآخرين، فحياة المؤمنين والمجرمينوموتهما لا يتساويان. قال تعالى: * (أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهمكالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون) * (٢).

ومن أعظم الحجج على الإنسان، أن الله ما ترك دعوة جاء بها رسول منرسله، إلا وأخبر فيها عن مكائد الشيطان، كي يحذر الجنس البشري من عملياتالاغواء والتزيين وغير ذلك. أليس في هذا تعرية لبرنامج الشيطان، والرسالةالخاتمة التي جاء بها محمد صلى الله عليه وسلم، أفاض فيها سبحانه فيهذا الجانب، وكشف كل مكر يقوم به الشيطان وأتباعه حتى يوم الوقت المعلوم.

(١) سورة الصف: الآية ٨ - ٩.

(٢) سورة الجبائية: الآية ٢١.

٣٧

أليس في هذا حجة إضافية على ما عند الإنسان من حجج. إن الأخبار بما مضىحجة دامغة * (ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدومبين * وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم) * (١).

لقد أخبر سبحانه عن أمره ونهيه تعالى فقال: * (إن الله يأمر بالعدلوالإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكمتذكرون) * (٢)، وبين سبحانه أن الشيطان سيعمل على طريق ما نهى الله عنه،فقال إنه (يأمر بالفحشاء والمنكر) * (٣) ولأنه كذلك جاء التحذير من الحركةالشيطانية فقال سبحانه للنبي صلى الله عليه وسلم * (قل إنما حرم ربيالفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق) * (٤) وقال: * (ولا تقربواالفواحش ما ظهر منها وما بطن) * (٥). إنه الحصار المضروب على برنامجالشيطان، حصار هدفه تحرير الإنسان ووضعه على طريق الحياة الطيبة في الدنياوالآخرة. والحياة الدنيا لا تساوي ساعة واحدة أمام الحياة الآخرة.

وكما حاصر كتاب الله أعمدة البرنامج الشيطاني، الفحشاء والمنكر، حاصرقطاع الطرق الذين وجدوا في الطاغوت ضالتهم. فقال تعالى: * (والذينكفروا أولياؤهم الطاغوت) * (٦) وفي مقابل هذه الولاية قال سبحانه:

* (والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها وأنابوا إلى الله لهم البشرى) * (٧).

وقال تعالى: * (إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون) (٨)، ثم حذرسبحانه فقال: * (ومن يتخذ الشيطان وليا من دون الله فقد خسر خسرانا

(١) سورة يس: الآية ٦٠ - ٦١.

(٢) سورة النحل: الآية ٩٠.

(٣) سورة النور: الآية ٢١.

(٤) سورة الأعراف: الآية ٣٣.

(٥) سورة الأنعام: الآية ١٥١.

(٦) سورة البقرة: الآية ٢٥٧.

(٧) سورة الزمر: الآية ١٧.

(٨) سورة الأعراف: الآية: ٢٧.

٣٨

مبينا) * (١)، وقال * (إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهميتوكلون) (٢).

وآيات القرآن التي تحاصر الشيطان وحزبه، وتبشر المؤمنين بالفوز، آياتكثيرة. أما من ناحية تمكين الشيطان كي يزين للناس المعاصي، فإن الله تعالىزين الإيمان في قلوب الذين آمنوا. قال تعالى: * (ولكن الله حبب إليكم الإيمانوزينه في قلوبكم) * (٣) وجعل سبحانه لمن آمن نورا يمشي به في الناس، قالتعالى: * (أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس) (٤). وإذاكان الشيطان قد أمهل حتى يوم الوقت المعلوم، فإن الله أيد الإنسان بتتابعالأنبياء والرسل والأئمة المهدين والملائكة الباقين ببقاء الدنيا. وهكذا، زينة فيمواجهة زينة، وحياة في مواجهة حياة، ومنهج في مواجهة منهج.

منهج الله حيث التوحيد، وإعانة الله لعباده، والتسبيح، والتطهير،والحرية، والحلال، والحكمة، والخشوع، والعبادة الحق، والشكر، والشهادة،والخلود. ومنهج الشيطان حيث الاختلاف، والأزلام، والاستبداد، والاستعباد،والتفاخر، والتكذيب، والجهل، والجريمة، والفحشاء والمنكر، والخرافات،والطاغوت، والضلال، والفسق، والظلم والكفر، والنار.

(١) سورة النساء: الآية ١١٩.

(٢) سورة النحل: الآية ٩٩.

(٣) سورة الحجرات: الآية ٧.

(٤) سورة الأنعام: الآية ١٢٢.

٣٩

ثانيا: النور والسحب الداكنة

على امتداد المسيرة الإنسانية، أقام الله تعالى حجته على خلقه بإرسالالأنبياء والرسل ومعهم الهدى. وعلى امتداد نفس المسيرة والشيطان وأولياؤهيعملون من أجل الضلال والنار، وبعد رحيل النبي المؤيد بالوحي، ينشطالشيطان وتلاميذه في العمل على أرضية الصدر الأول في كل رسالة، وذلك لأنهذه التربة تعتبر مخزنا هاما تستمد منه الأجيال وقودها الذي تنطلق به إلىالمستقبل، فالشيطان إذا دق شذوذا في الأرضية الأولى، ضمن لهذا الشذوذقداسة على امتداد المسيرة البشرية. ومن أجل هذا تنشط حركته على امتداد هذهالمساحة، وبالرغم من أن هذه المساحة تكون مشبعة بالعلم، إلا أن الشيطانيواجه هذا العلم دائما بالبغي، وما يلبث الذين يفي قلوبهم مرض أن يهيمنوا ببغيهمالذي يغذيه الزخرف والتزيين والإغواء، فبهذه التغذية يتراجع العلم ويعبر البغيإلى عالم الفتن. ولقد أخبرنا الله في كتابه أن الاختلاف بعد الرسل ما جاء إلابعد أن أقيمت عليهم الحجة بالعلم، وهذا الاختلاف ما ترعرع إلا على تربةالبغي التي يترتب عليها العقاب * (وما اختلف أوتوا الكتاب إلا من بعد ماجاءهم العلم بغيا بينهم ومن يكفر بآيات الله فإن الله سريع الحساب) * (١).

قال المفسرون: أي بغي بعضهم مع بعض، فاختلفوا في الحق لتحاسدهم

(١) سورة آل عمران: الآية ١٩.

٤٠