×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

معالم الفتن (ج 1) / الصفحات: ٤٦١ - ٤٨٠

فإنا ستقبلون أمرا له وجوه وألوان. لا تقوم له القلوب ولا ثبت عليه العقول،وإن الآفاق قد أغامت والمحجة قد تنكرت. واعلموا إني إن أجبتكم ركبت بكمما أعلم ولم أصغ إلى قول القائل وعتب العاتب وإن تركتموني فأنا كأحدكمولعلي أسمعكم وأطوعكم لمن وليتموه أمركم وأنا لكم وزير خير لكم منيأمير " (١).

لقد أخبرهم بأن الأيام في بطونها كثير في وقت بهتت فيه الحقيقة ودثرهاالغمام في عالم اللارواية ثم خيرهم إما أن يجيبهم ويركب بهم ما يعلم وإما أنيتركوه. وهو ما قال هذا إلا لأمرين:

أولهما: أن الناس أعداء ما جهلوا (٢). فأراد أن يبين لهم الخطوط الرئيسيةحتى يكونوا على علم بما جهلوا.

وثانيهما: أنه أخبرهم بخطة عمله كما أخبر من قبل في يوم الشورى علىعهد عمر. ليكونوا على بينة من أمرهم ويضعهم في دائرة الاختيار كما وضعغيرهم من قبل. وهذا شأن الحجة في كل زمان ومكان فالحجة تفتح الأبواب ولاإكراه في الدين. وهذا في حد ذاته أسمى معاني الحرية. وقبلت أعداد غفيرة أنيبايعوه على ذلك فقال فيما رواه الطبري: ففي المسجد فإن بيعتي لا تكون خفياولا تكون إلا عن رضا المسلمين. فلما دخل المسجد دخل المهاجرون والأنصارفبايعوه ثم بايعه الناس (٣)، ولم يتخلف أحد من الأنصار إلا بايع (٤)، ورويكان أول من بايعه طلحة ثم الزبير (٥) وروى ابن حجر في فتح الباري: عنالأشتر قال: رأيت طلحة والزبير بايعا عليا طائعين غير مكرهين (٦).

(١) ابن أبي الحديد ٥٩٧ / ٢، الطبري باختصار ١٥٦ / ٥.

(٢) هذا القول للإمام علي.

(٣) الطبري ١٥٢ / ٥.

(٤) الطبري ١٥٥ / ٥، البداية والنهاية ٢٢٧ / ٧.

(٥) البداية والنهاية ٢٢٧ / ٧.

(٦) فتح الباري ٥٤ / ١٣.

٤٦١

وروي أن الناس عندما بايعوا عليا تربص سبعة نفر فلم يبايعوه منهمسعد بن أبي وقاص وعبد الله بن عمر وصهيب وزيد بن ثابت ومحمد بن مسلمةوسلمة بن وقش وأسامة بن زيد (١)، وروي أن عمار بن ياسر قال: يا أميرالمؤمنين قد بايعك الناس كافة إلا هؤلاء النفر فلو دعوتهم إلى البيعة كي لايتخلفوا في ذلك عن المهاجرين والأنصار. فقال: يا عمار لا حاجة لنا في من لايرغب فينا. وعندما قال الأشتر بمثل قول عمار قال الإمام: يا مالك إني لأعرفبالناس منك دع هؤلاء يعملون برأيهم.

وذكر ابن أبي الحديد أن هؤلاء لم يتخلفوا عن البيعة وإنما تخلفوا عنالحرب (٢)، وروي أن مروان بن الحكم وسعيد بن العاص والوليد بن عقبةحضروا عند علي. فقال الوليد وكان لسان القوم: يا هذا إنك قد وترتنا جميعا.

أما أنا فقد قتلت أبي صبرا يوم بدر. وأما سعيد فقد قتلت أباه يوم بدر وكان أبوهثور قريش. وأما مروان فقد شتمت أباه وعبت على عثمان حين ضمه إليه. وإنانبايعك على أن تضع عنا ما أصابنا. وتعفي لنا عما في أيدينا وتقتل قتلةصاحبنا. فغضب علي وقال: أما ما ذكرت من وتري إياكم فالحق وتركم وأماوضعي عنكم عما في أيديكم مما كان لله وللمسلمين فالعدل يسعكم، وأما قتليقتلة عثمان فلو لزمني قتلهم اليوم لزمني قتالهم غدا. ولكن لكم أن أحملكم علىكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم. فمن ضاق الحق عليه فالباطل عليهأضيق. وإن شئتم فإلحقوا بملاحقكم (٣)، وروى الطبري: هرب سعيد والوليدإلى مكة وتبعهم مروان (٤) وهرب قوم إلى الشام (٥).

وهكذا تمت البيعة التي لم يكن فيها إكراه. وروى أن الإمام علي اشترط

(١) الطبري ١٥٥ / ٥.

(٢) ابن أبي الحديد ٧٤٦ / ١.

(٣) تاريخ اليعقوبي ١٢٥ / ٢.

(٤) الطبري ١٥٦ / ٥، البداية والنهاية ٢٢٧ / ٧.

(٥) الطبري ١٥٤ / ٥، البداية والنهاية ٢٢٧ / ٧.

٤٦٢

أن يكون مفتاح بيت المال معه وأخبرهم بأنه لن يأخذ منه درهما وليس له أمردونهم. ثم قال: رضيتم؟ قالوا: نعم، قال: اللهم اشهد عليهم ثم بايعهم علىذلك (١)، وروى عنه أنه قال: حق على الإمام أن يحكم بما أنزل الله وأن يؤديالأمانة. فإذا فعل فحق على الناس أن يسمعوا له وأن يطيعوا وأن يجيبوا إذادعوا (٢)، وروى عندما بويع الإمام علي بن أبي طالب على منبر رسول اللهصلى الله عليه وسلم قال خزيمة بن ثابت وهو واقف بين يدي المنبر:

فإذا نحن بايعنا عليا فحسبنا * أبو حسن مما نخاف من الفتن
ووجدناه أولى الناس بالناس إنه * أطب قريشا بالكتاب وبالسنن
وإن قريشا ما تشق غباره * إذا ما جزى يوما على الضمر البدن
وفيه الذين فيهم من الخير كله * وما فيهم كل الذي فيه من حسن (٣)

٢ - إصلاحات علوية:

بدأ أمير المؤمنين عملية الاصلاح عقب مبايعته. ولم تكن عملية الاصلاحفي محيط الغصون أو الثمار وإنما بدأت من عند الجذور حيث توجد سياسةتعيين المنافقين وسياسة عدم الرواية والتصريح بالقص والشعر وإغماض الطرفعن صناعة الخمور وسياسة الخراج وتأويل الآيات ووضعها في غير موضعهاواكتناز الذهب والفضة إلى غير ذلك من سياسات، ولم تكن عملية الاصلاحوالتغيير عملية سهلة فلقد برزت العقبات وجاءت موقعة الجمل بسرعة ومنبعدها هبت رياح هدفها تحطيم كل شئ. ونحن هنا سنلقي الضوء على بعضالتغييرات والإصلاحات وليتدبر الباحث في جوهرها.

- قرار عزل أمراء الفتن:

عندما قتل عثمان خرج النعمان بن بشير ومعه قميص عثمان مضمخ

(١) الطبري ١٥٢ / ٥.

(٢) رواه ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم (كنز العمال ٧٦٤ / ٥).

(٣) الحاكم (المستدرك ١١٤ / ٣).

٤٦٣
٤٦٤

فإن لمعاوية جرأة وهو في أهل الشام يسمع منه. ولك حجة في إثباته كانعمر بن الخطاب قد ولاه الشام كلها. فقال أمير المؤمنين: لا والله لا أستعملمعاوية يومين أبدا (١) - وفي رواية - إذا كان عمر قد مكن له فأنا لن أمكن لهأبدا.

ولم تكن عملية عزل جميع الولاة عملية سهلة. فعندما فرق أمير المؤمنينعماله على الأمصار على امتداد عام ٣٦ ه‍ كان منهم من يتسلم عمله بهدوءولكن على أرضية افتراق الناس. فرقة مع تيار بني أمية وفرقة مع جماعةالمسلمين. حدث هذا في البصرة وفي مصر (٢)، أما أهل الكوفة فإن الغالبيةالعظمى تمسكوا بأميرهم وأعلنوا بأنهم لا يريدون بأميرهم بدلا وكتب أبو موسىإلى أمير المؤمنين بطاعة أهل الكوفة وبيعتهم وبين الكاره منهم للذي كانوالراضي بالذي كان (٣)، وأبو موسى نفسه كان في مستقر النفس وهو يكتب هذالأمير المؤمنين - وسوف نرى بعد ذلك. كيف كان يضع العقبات في طريق أميرالمؤمنين ورأي أمير المؤمنين وعمار فيه. وكانت بقية الأمصار في طاعة أميرالمؤمنين ولكن هذه الطاعة تقف على أرضية الخوف من الماضي وطمعا فيماعنده من كنوز. لأنها لا تعرف الحاضر وما حوله من توبة.

قرار التسوية في الأموال:

عن ابن عباس قال: إن عليا خطب في اليوم الثاني من بيعته بالمدينة فقال:

ألا إن كل قطيعة أقطعها عثمان. وكل مال أعطاه من مال الله، فهو مردود في بيتالمال. فإن الحق القديم لا يبطله شئ. ولو وجدته قد تزوج به النساء. وفرق فيالبلدان لرددته إلى حاله فإن في العدل سعة ومن ضاق عليه الحق فالجور عليهأضيق. قال ابن أبي الحديد: وتفسير هذا الكلام أن الوالي إذا ضاقت عليهتدبيرات أموره في العدل. فهي في الجور أضيق عليه. لأن الجائر في مظنة أن

(١) الطبري ١٦٠ / ٥.

(٢) الطبري ١٦١ / ٥.

(٣) الطبري ١٦٢ / ٥.

٤٦٥

يمنع ويصد عن جوره (١).

وروي أن عليا أمر بكل سلاح وجد لعثمان في داره مما تقوى به علىالمسلمين. فقبض. وأمر بقبض نجائب كانت في داره من إبل الصدقة. فقبضت.

وأمر بقبض سيفه ودرعه. وأمر ألا يعرض لسلاح وجد له لم يقاتل به المسلمينوبالكف عن جميع أمواله التي وجدت في داره وفي غير داره. وأمر أن ترتجعالأموال التي أجاز عثمان حيث أصيب أو أصيب أصحابها. فلما بلغ عمرو بنالعاص ذلك. وكان بأيلة من أرض الشام. كتب إلى معاوية: ما كنت صانعافاصنع. إذ قشرك ابن أبي طالب من كل مال تملكه كما تقشر عن العصا لجاها.

وقال الوليد بن عقبة وهو أخو عثمان لأمه وصاحب أبي زبيد النصراني وهو يذكرقبض علي بن أبي طالب نجائب عثمان وسيفه وسلاحه:

بني هاشم ردوا سلاح ابن أختكم * ولا تنهبوه لا تحل مناهبه
بني هاشم كيف الهوادة بيننا * وعند علي درعه ونجائبه
بني هاشم كيف التودد منكم * وبز إبن أروى فيكم وحرائبه
بني هاشم إلا تردوا فإننا * سواء علينا قاتلاه وسالبه
بني هاشم إنا وما كان منكم * كصدع الصفا لا يشعب الصدع شاعبه
قتلتم أخي كيما تكونوا مكانه * كما غدرت يوما بكسرى مرازبه

فأجابه عبد الله بن أبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب بأبيات طويلة منجملتها:

فلا تسألونا سيفكم إن سيفكم * أضيع والقاه لدى الروع صاحبه
وشبهته كسرى وقد كان مثله * شبيها بكسرى هديه وضرائبه

وكان المنصور إذا أنشد هذا الشعر يقول: لعن الله الوليد. هو الذي فرقبين عبد مناف بهذا الشعر (٢)، وهكذا بدأ الإمام علي تحركه. وهكذا بدأعمرو بن العاص والوليد تحركهما الأول يريد إشعال النار والثاني يريد أموال

(١) ابن أبي الحديد ٢٢٠ / ١.

(٢) ابن أبي الحديد ٢٢٠ / ١.

٤٦٦

كسرى وكرسي كسرى. ولكن الإمام لم يبال بهذا ولا بذاك وبدأ في إصلاحالسياسة الحالية للخراج. فعندما قدم عليه عبد الله بن زمعة وهو من شيعته وطلبمنه مالا فقال له الإمام علي: إن هذا المال ليس لي ولا لك وإنما هو فئالمسلمين. وجلب أسيافهم فإن شركتهم في حربهم.. كان لك مثل حظهم. وإلافجناة أيديهم لا تكون لغير أفواههم (١). فهنا عادت الحقوق للمقاتلة ولم يعد.

السواد بستانا لقريش. كما عاد التسوية في العطاء. وعندما عوتب الإمام علىالتسوية في العطاء. وعندما عوتب الإمام على التسوية في العطاء. وتصييره الناسأسوة في العطاء من غير تفضيل أولى السابقات والشرف على غيرهم. كما كانيحدث من قبل (٢) قال الإمام علي: أتأمروني أن أطلب النصر بالجور فيمنوليت عليه؟ والله لا أطور به ما سمر سمير (٣). وما أم نجم في السماءنجما (٤). ولو كان المال لي لسويت بينهم.. فكيف وإنما المال مال الله. ثمقال الإمام: ألا وإن إعطاء المال في غير حقه تبذير وإسراف وهو يرفع صاحبهفي الدنيا ويضعه في الآخرة. ويكرمه في الناس. ويهينه عند الله. وكم يضع امرؤماله في غير حقه وعند غير أهله إلا حرمه الله شكرهم. وكان لغيره ودهم. فإنزلت به الفعل يوما فاحتاج إلى معونتهم فشر خليل. وألام خدين (٥). أي: لواحتاج إليهم يوما عند عثرة يعثرها لم يجدهم (٦).

وكان أمير المؤمنين يراقب عماله في الأمصار من ناحية تصرفهم فيالأموال: روي أنه كتب إلى زياد وكان خليفة عامله عبد الله بن عباس علىالبصرة وكان عبد الله عامل أمير المؤمنين عليها وعلى كور الأهواز وفارسوكرمان وغيرها: وإني أقسم بالله قسما صادقا. لئن بلغني أنك خنت من فئ

(١) ابن أبي الحديد ٧٢ / ٤.

(٢) راجع كتاب سيرة عمر لابن الجوزي، ابن أبي الحديد ٤ / ٣.

(٣) أي ما أقام الدهر وما بقي.

(٤) أي قصد وتقدم لأن النجوم تتبع بعضها بعضا.

(٥) الخدين / الصديق.

(٦) ابن أبي الحديد ٣ / ٣.

٤٦٧

المسلمين شيئا صغيرا أو كبيرا. لأشدن عليك شدة تدعك قليل الوفر (١). ثقيلالظهر (٢)، ضئيل الأمر (٣)، والسلام (٤)، وروي أنه رضي الله عنه كتب إلىبعض عماله: أما بعد. فقد بلغني عنك أمر إن كنت فعلته فقد أسخطت ربك.

وعصيت إمامك. وأخزيت أمانتك (٥). بلغني أنك جردت الأرض (٦) وأخذت ماتحت قدميك وأكلت ما تحت يديك. فارفع إلي حسابك. واعلم أن حساب اللهأعظم من حساب الناس. والسلام (٧) وكتب إلى عامله على أردشير: بلغني عنكأمر. إن كنت فعلته فقد أسخطت إلهك وعصيت إمامك.. أنك تقسم فئالمسلمين فيمن أعتامك من أعراب قومك. فوالذي فلق الحبة وبرأ النسمة. لئنكان ذلك حقا. لتجدن لك علي هوانا. ولتخفن عندي ميزانا. فلا تستهن بحقربك. ولا تصلح دنياك بمحق دينك. فتكون من الأخسرين أعمالا. ألا وإن حقمن قبلك وقبلنا من المسلمين في قسمة هذا الفئ سواء. يردون عندي عليهويصدرون (٨) والمعنى: أنه نهى عن أن يقسم الفئ على أعراب قومه الذيناتخذوه سيدا ورئيسا. ويحرم المسلمين الذين حازوه بأنفسهم وسلاحهم.

وكتب إلى عامله على آذربيجان: وإن عملك ليس لك بطعمة ولكنه فيعنقك أمانة. وأنت سترعى لمن فوقك. ليس لك أن تقتات في رعية. ولا تخاطرإلا بوثيقة. وفي يدك مال من مال الله عز وجل. وأنت من خزانه حتى تسلمهإلي " (٩).

(١) أي أفقرك بأخذ ما احتجت من بيت مال المسلمين.

(٢) أي مسكين لا تقدر على مؤونة عيالك.

(٣) أي حقير لأنك إذا افتقرت صغرت عند الناس.

(٤) ابن أبي الحديد ٥٦٨ / ٤.

(٥) أي أذللتها وأهنتها.

(٦) أي قشرتها.

(٧) ابن أبي الحديد ٧٩٢ / ٤.

(٨) ابن أبي الحديد ٨٠١ / ٤.

(٩) ابن أبي الحديد ٣٠٩ / ٤.

٤٦٨

كان هذا ضوءا على قرارات الإمام علي بخصوص الفئ ومنها علمنا أنالذين شاركوا في الحروب لا تكون حقوقهم لغيرهم. كما علمنا أن الإمام كانيسوي بين الناس في العطاء. وكان يتعامل مع المال على أنه مال الله. وبنظرةسريعة أيضا على أموال الصدقة نجد أنه كان يتعامل مع هذا المال بدقة شديدةفعامله على الصدقة يتحرك وفقا لأوامر عمودها الفقري يقوم على الرحمة وعندماتصل الصدقات إلى الإمام فإنه يعطيها لمن أوجبها الله لهم. ومن وصية كانرضي الله عنه يكتبها لمن يستعمله على الصدقات سترى كيف كان يقيم عمادالحق في صغير الأمور وكبيرها. يقول الإمام في وصيته: إنطلق على تقوى اللهوحده لا شريك له. ولا تروعن (١) مسلما. ولا تجتازن عليه كارها (٢). ولاتأخذ منه أكثر من حق الله في ماله. فإذا قدمت على الحي فانزل بمائهم من غيرأن تخالط أبياتهم (٣). ثم امض إليهم بالسكينة والوقار حتى تقوم بينهم فتسلمعليهم. ولا تخدج بالتحية لهم ثم تقول: عباد الله. أرسلني إليكم ولي اللهوخليفتكم لآخذ منكم حق الله في أموالكم. فهل لله في أموالكم من حق فتؤدوهإلى وليه؟ فإن قال قائل: لا. فلا تراجعه. وإن أنعم لك منعم (٤) فانطلق معه منغير أن تخيفه أو توعده، أو تعسفه (ذ) أو ترهقه (٦). فخذ ما أعطاك من ذهب أوفضة. فإن كان له ماشية أو إبل فلا تدخلها إلا بإذنه. فإن أكثرها له. فإذا أتيتهافلا تدخل عليها دخول متسلط عليه ولا عنيف به. ولا تنفرن بهمة ولا تفز عنها.

ولا تسوءن صاحبها فيها (٧). واصدع المال صدعين ثم خيره (٨). فإذا اختار فلا

(١) أي لا تفر عن.

(٢) أي لا تمرن ببيوت أحد من المسلمين يكره مرورك.

(٣) وذلك لأن الغريب يحمد منه الانقباض.

(٤) أي قال لك نعم.

(٥) أي لا تأخذ منه الصدقة عسفا.

(٦) أي لا تكلفه العسر والمشقة.

(٧) أي لا تغموه ولا تحزنوه.

(٨) أي شقه نصفين ثم خيره.

٤٦٩

تعرضن لما اختاره. ثم اصدع الباقي صدعين. ثم خيره. فإذا اختار فلا تعرضنلما اختاره. فلا تزال كذلك حتى يبقى ما فيه وفاء لحق الله في ماله. فاقبضحق الله منه. فإن استقالك فأقله. ثم اصنع مثل الذي صنعت أولا حتى تأخذحق الله في ماله. ولا تأخذن عودا (١) ولا هرمة (٢) ولا مكسورة (٣) ولامهلوسة (٤) ولا ذات عوار ولا تأمنن عليها إلا من تثق بدينه. رافقا بمالالمسلمين حتى يوصله إلى وليهم فيقسمه بينهم. ولا توكل بها إلا ناصحا شفيقاوأمينا حفيظا. غير معنف (٥) ولا مجحف (٦) ولا ملعب (٧) ولا متعب. ثم احدرإلينا ما اجتمع عندك. نصيره حيث أمر الله. فإذا أخذها أمينك فأوعز إليه ألايحول بين ناقة وبين فصيلها. ولا يمصر لبنها (٨) فيضر ذلك بولدها. ولايجهدنها ركوبا. وليعدل بين صواحباتها في ذلك وبينها وليرفه على اللاغب.

وليستان بالنقب والظالع (١٠). وليوردها ما تمر به من الغدر (١١). ولا يعدل بهاعن نبت الأرض إلى جواد الطرق. وليروحها في الساعات. وليمهلها عندالنطاف (١٢) والأعشاب. حتى تأتينا بإذن الله بدنا (١٣) منقبات (١٤). غير متعبات ولامجهودات لنقسمها على كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم. فإن ذلك

(١) العود / المسن من الإبل.

(٢) المسنة أيضا.

(٣) التي إحدى قوائمها مكسورة.

(٤) المريضة.

(٥) المعنف / ضد الرفق.

(٦) الذي يسوق المال سوقا عنيفا فيهلكه.

(٧) متعب.

(٨) حلب ما في الضرع جميعا.

(٩) أي أمره أن يستأني بالبعير ذي النقب لرقة خفه حتى لا تجرحه الأرض.

(١٠) أي الذي غمز في مشيه.

(١١) جمع غدير الماء.

(١٢) الماء الصافي القليل.

(١٣) أي السمان.

(١٤) أي ذوات شحم ولحم.

٤٧٠

أعظم لأجرك وأقرب لرشدك إن شاء الله " (١).

وتقسيم الصدقات على كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم يعنيأن سهم المؤلفة قلوبهم قد وجد له طريقا في عهد الإمام. والإمام وحده أدرىالناس بطبيعة من حوله.

قرارات قيادية:

لم تكن مهمة الإمام محصورة في بيت المال لأنه حجة والحجة لها دعوةونحن سنسلط ضوءا على بعض رسائله إلى عماله لنرتشف رحيق الدعوة منخلالها. كتب إلى عامله صاحب جند حلوان: أما بعد. فإن الوالي إذا اختلفهواه منعه ذلك كثيرا من العدل. فليكن أمر الناس عندك في الحق سواء. فإنهليس في الجور عوض من العدل. فاجتنب ما تنكر أمثاله. وابتذل نفسك فيماافترض الله عليك. راجيا ثوابه. ومتخوفا عقابه. واعلم أن الدنيا دار بلية لم يفرغصاحبها فيها قط ساعة إلا كانت فرغته عليه حسرة يوم القيامة وإنه لن يغنيك عنالحق شئ أبدا. ومن الحق عليك حفظ نفسك. والاحتساب على الرعيةبجهدك. فإن الذي يصل إليك من ذلك أفضل من الذي يصل بك.

والسلام (٢).

لقد بين له أنه إذا اختلف هوى الوالي منعه كثيرا من الحق. لأنه متى لميكن الخصمان عند الوالي سواء في الحق جار وظلم. وفي النهاية ذكره بالآخرة،ومن كتاب له رضي الله عنه إلى الحارث الهمداني وكان أحد الفقهاء قال: تمسكبحبل القرآن واستنصحه وأحل حلاله. وحرم حرامه. وصدق بما سلف منالحق. واعتبر بما مضى من الدنيا لما بقي منها. فإن بعضها يشبه بعضا. وآخرهالاحق بأولها. وكلها حائل مفارق. وعظم اسم الله أن تذكره إلا على حق. وأكثرذكر الموت وما بعد الموت ولا تتمن الموت إلا بشرط وثيق. واحذر كل عمل

(١) ابن أبي الحديد ٥٧٨ / ٤.

(٢) ابن أبي الحديد ١٠٥ / ٥.

٤٧١

يرضاه صاحبه لنفسه. ويكرهه لعامة المسلمين. واحذر كل عمل يعمل به فيالسر. ويستحي منه في العلانية. واحذر كل عمل إذا سئل عنه صاحبه أنكرهواعتذر منه. ولا تجعل عرضك غرضا لنبال القوم. ولا تحدث الناس بكل ماسمعت به. فكفى بذلك كذبا. ولا ترد على الناس كل ما حدثوك به. فكفىبذلك جهلا. واكظم الغيظ واحلم عند الغضب. وتجاوز عند المقدرة. واصفحمع الدولة تكن لك العاقبة. واستصلح كل نعمة أنعمها الله عليك. ولا تضيعننعمة من نعم الله عندك. ولير عليك أثر ما أنعم الله به عليك (١)، ومن كتابا لهإلى عامله على مكة (٢) قال: أما بعد. فأقم للناس الحج، وذكرهم بأيام الله.

واجلس لهم العصرين. فأفت المستفتي وعلم الجاهل. وذكر العالم. ولا يكنلك إلى الناس سفير إلا لسانك ولا حاجب إلا وجهك. ولا تحجبن ذا حاجة عنلقائك بها. فإنها إذا ذيدت عن أبوابك في أول وردها. لم تحمد فيما بعد علىقضائها. وانظر إلى ما اجتمع عندك من مال الله فاصرفه إلى من قبلك من ذويالعيال والمجاعة. مصيبا به مواضع المفاقر والخلات. وما فضل عن ذلكفاحمله إلينا لنقسمه فيمن قبلنا. ومر أهل مكة ألا يأخذوا من ساكن أجرا.

فإن الله سبحانه يقول: (سواء العاكف فيه والباد) فالعاكف: المقيم به.

والبادي: الذي يحج إليه من غير أهله. وفقنا الله وإياكم لمحابه والسلام " (٣).

ولما كنا قد سلطنا الضوء هنا على بعض وصايا الأيام علي لعماله فإننانرى أنه لا ينبغي لنا أن ننهي هذا الضوء إلا بعد أن نسلطه على كتاب الإمام إلىمالك الأشتر لما ولاه مصر. وهذا الكتاب وضع موضع العناية منذ أقدم العصورإلى يوم الناس هذا عند الكثير من رجال العلم. وأعلام الأدب. وأساتذةالقانون. فلقد تناولوه درسا وبحثا. وأوسعوه شرحا وتعليقا. وأفردوا فيهالمؤلفات، وترجموه إلى بعض اللغات (٤) وكتاب أمير المؤمنين إلى مالك

(١) ابن أبي الحديد ٢٢٦ / ٥.

(٢) هو قثم ابن العباس.

(٣) ابن أبي الحديد ٢٢٩ / ٥.

(٤) راجع مصادر نهج البلاغة / السيد الحسيني الخطيب ٤٢٦ / ٣.

٤٧٢

الأشتر يعتبر عهدا جامعا شاملا وهو أطول عهد. ولطوله سنورد فقرات منه ومنأراد أن يقف على الخطاب بطوله فعليه بالمطولات. قال الإمام بعد أن أمربتقوى الله وإيثار طاعته واتباع ما أمر به في كتابه من فرائضه وسننه:... وأشعرقلبك الرحمة (١) للرعية. والمحبة لهم. واللطف بهم. ولا تكن عليهم سبعاضاريا تغتنم أكلهم. فإنهم صنفان: إما أخ لك في الدين. وإما نظير لك فيالخلق (٢). يفرط منهم الزلل. وتعرض لهم العلل. ويؤتى على أيديهم في العمدوالخطأ. فاعطهم من عفوك وصفحك. مثل الذي تحب وترضى أن يعطيك اللهمن عفوه وصفحه. فإنك فوقهم. ووالي الأمر عليك فوقك. والله فوق منولاك. وقد استكفاك أمرهم. وابتلاك بهم. ولا تنصبن نفسك لحرب الله (٣).

فإنه لا يدي لك بنقمته. ولا غنى بك عن عفوه ورحمته. ولا تندمن على عفو.

ولا يتبجحن بعقوبة. ولا تسرعن إلى بادرة وجدت عنها مندوحة. ولا تقولن إنيمؤمر آمر فأطاع (٤). فإن ذاك إدغال (٥) في القلب. ومنهكة للدين (٦). وتقربمن الغير. وإذا أحدث لك ما أنت فيه من سلطانك أبهة أو مخيلة. فانظر إلىعظم ملك الله فوقك. وقدرته منك على ما لا تقدر عليه من نفسك. فإن ذلكيطامن إليك طماحك. ويكف عنك من غربك (٧). ويفئ إليك بما عزب عنكمن عقلك. إياك ومساماة الله في عظمته (٨). والتشبه به في جبروته. فإن الله يذلكل جبار ويهين كل مختال. أنصف الله (٩) وأنصف الناس من نفسك. ومن

(١) أي إجعلها كالشعار له.

(٢) فالرعية إما أخوك في الدين أو إنسان مثلك تقتضي رقة الجنسية وطبع البشرية الرحمةله.

(٣) أي لا تبارزه بالمعاصي.

(٤) أي لا تقل: إني أمير ووال آمر بالشئ فأطاع.

(٥) الإدغال / الإفساد.

(٦) ومنهكة للدين: ضعف وسقم.

(٧) الغرب: حد السيد.

(٨) أي مباراته في السمو، وهو العلو.

(٩) أي قم له بما فرض عليك من العبادات.

٤٧٣

خاصة أهلك. ومن لك هوى فيه من رعيتك. فإنك إلا تفعل تظلم. ومن ظلمعباد الله كان الله خصمه دون عباده. ومن خاصمه الله أدحض حجته. وكان للهحربا حتى ينزع أو يتوب. وليس شئ أدعى إلى تغيير نعمة الله وتعجيل نقمته منإقامة على ظلم. فإن الله يسمع دعوة المضطهدين. وهو للظالمين بالمرصاد.

وليكن أحب الأمور إليك أوسطها في الحق. وأعمها في العدل. وأجمعها لرضاالرعية. فإن سخط العامة يجحف برضا الخاصة. وإن سخط الخاصة يغتفر معرضا العامة.

قال ابن أبي الحديد: قال له: أنصف الناس من نفسك ومن ولدك وخاصةأهلك ومن تحبه وتميل إليه من رعيتك فحتى لم تفعل ذلك كنت ظالما. ثم قالالإمام:

وليكن أبعد رعيتك منك. وأشنأهم عندك أطلبهم لمعايب الناس. فإن فيالناس عيوبا الوالي أحق من سترها، فلا تكشفن عما غاب عنك منها. فإنماعليك تطهير ما ظهر لك. والله يحكم على ما غاب عنك. فاستر العورة مااستطعت. يستر الله منك ما تحب ستره من رعيتك. أطلق عن الناس عقدة كلحقد. واقطع عنك سبب كل وتر. وتغاب عن كل ما لا يضح لك. ولا تعجلنإلى تصديق ساع. فإن الساعي غاش وإن تشبه بالناصحين. ولا تدخلن فيمشورتك بخيلا يعدل بك عن الفضل. ويعدك الفقر. ولا جبانا يضعفك عنالأمور. ولا حريصا يزين لك الشره بالجور. فإن البخل والجبن والحرص غرائزشتى يجمعها سوء الظن بالله.

إن شر وزرائك من كان قبلك للأشرار وزيرا. ومن شكرهم في الآثام فلايكن لك بطانة. فإنهم أعوان الأئمة. وإخوان الظلمة. وأنت واجد منهم خيرالخلف ممن له مثل آرائهم ونفاذهم. وليس عليه مثل آصارهم وأوزارهموآثامهم. ممن لم يعاون ظالما على ظلمه. ولا آثما على إثمه. أولئك أخفعليك مؤونة وأحسن لك معونة. وأحنى عليك عطفا. وأقل لغيرك إلفا. فاتخذأولئك خاصة لخلواتك وحفلاتك. ثم ليكن آثرهم عندك أقولهم بمر الحق لك.

وأقلهم مساعدة فيما يكون منك مما كره الله لأوليائه. واقعا ذلك من هواك

٤٧٤

حيث وقع.

قال ابن أبي الحديد: نهاه رضي الله عنه أن يتخذ بطانة قد كانوا من قبلبطانة للظلمة. وذلك لأن الظلم وتحسينه قد صار ملكة ثابتة في أنفسهم. فبعيدأن يمكنهم الخلو منها إذ قد صارت كالخلق الغريزي اللازم لتكرارها وصيرورتهاعادة. فقد جاءت النصوص في الكتاب والسنة بتحريم معاونة الظلمة ومساعدتهموتحريم الاستعانة بهم. فإن من استعان بهم كان معينا لهم قال تعالى: (وماكنت متخذ المضلين عضدا) (١)، وقال: (لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخريوادون من حاد الله ورسوله) (٢)، ثم يقول الإمام في كتابه:

" والصق بأهل الورع والصدق. ثم رضهم على ألا يطروك ولا يبجحوكبباطل لم تفعله. فإن كثرة الاطراء تحدث الزهو. وتدني من العزة. ولا يكوننالمحسن والمسئ عندك بمنزلة سواء. فإن في ذلك تزهيدا لأهل الاحسان فيالاحسان. وتدريبا لأهل الإساءة على الإساءة. وألزم كلا منهم ما ألزم نفسه.

واعلم أنه ليس شئ بأدعى إلى حسن ظن وال برعيته من إحسانه إليهم. وتخفيفهالمؤونات عليهم. وترك استكراهه إياهم على ما ليس له قبلهم. فليكن منك فيذلك أمر يجتمع لك به حسن الظن برعيتك. فإن حسن الظن يقطع عنك نصباطويلا. وإن أحق من حسن ظنك به لمن حسن بلاؤك عنده... واعلم أن الرعيةطبقات لا يصلح بعضها إلا ببعض. ولا غنى ببعضها عن بعض. فمنهاجنود الله. ومنها كتاب العامة والخاصة. ومنها قضاة العدل. ومنها عمالالإنصاف والرفق. ومنها أهل الجزية والخراج من أهل الذمة ومسلمة الناس.

ومنها التجار وأهل الصناعات. ومنها الطبقة السفلى من ذوي الحاجاتوالمسكنة. وكل قد سمى الله له سهمه. ووضع على حده وفريضته في كتابه أوسنة نبيه صلى الله عليه وآله عهدا منه عندنا محفوظا.

فالجنود بإذن الله حصون الرعية، وزين الولاة، وعز الدين، وسبل الأمن.

(١) سورة الكهف: الآية ٥١.

(٢) سورة المجادلة: الآية ٢٢.

٤٧٥

وليس تقوم الرعية إلا بهم. ثم لا قوام للجنود إلا بما يخرج الله لهم من الخراجالذي يقوون به على جهاد عدوهم. ويعتمدون عليه فيما يصلحهم. ويكون منوراء حاجتهم. ثم لا قوام لهذين الصنفين إلا بالصنف الثالث من القضاء والعمالوالكتاب، لما يحكمون من المعاقد. ويجمعون من المنافع. ويؤتمنون عليه منخواص الأمور وعوامها. ولا قوام لهم جميعا إلا بالتجار وذوي الصناعات. فيمايجتمعون عليه من مرافقتهم. ويقيمونه من أسواقهم. ويكفونهم من الترفقبأيديهم مما لا يبلغه رفق غيرهم.

ثم الطبقة السفلى من أهل الحاجة والمسكنة. الذين يحق رفدهمومعونتهم. وفي الله لكل سعة. ولكل على الوالي حق بقدر ما يصلحه. وليسيخرج الوالي من حقيقة ما ألزمه الله تعالى من ذلك. إلا بالاهتمام والاستعانةبالله. وتوطين نفسه على لزوم الحق والصبر عليه فيما خف عليه أو ثقل. فولمن جنودك أنصحهم في نفسك لله ولرسوله ولإمامك. وأطهرهم جنبا. وأفضلهمحلما. ممن يبطئ عن الغضب. ويستريح إلى العذر. ويرأف بالضعفاء (١).

وينبو على الأقوياء (٢). وممن لا يثيره العنف (٣). ولا يقعد به الضعف (٤). ثمالصق بذوي المروءات والأحساب. وأهل البيوتات الصالحة. والسوابق الحسنة.

ثم أهل النجدة والشجاعة. والسخاء والسماحة. فإنهم جماع من الكرم. وشعبمن العرف. ثم تفقد من أمورهم ما يتفقد الوالدان من ولدهما. ولا يتفاقمن فينفسك شئ قويتهم به. ولا تحقرن لطفا تعاهدتهم به وإن قل. فإنه داعية لهمإلى بذل النصيحة لك. وحسن الظن بك. ولا تدع تفقد لطيف أمورهم اتكالاعلى جسيمها. فإن لليسير من لطفك موضعا ينتفعون به. وللجسيم موقعا لايستغنون عنه. وليكن أثر رؤوس جندك عندك من واساهم في معونته. وأفضلعليهم من جدته. بما يسعهم ويسمع من وراءهم من خلوف

(١) أي: الذي يقبل أدنى عذر ويستريح له ويسكن عنده. ويرفق بالضعفاء ويرحمهم.

(٢) أي يتجافى عنهم ويبعد. أي لا يمكنهم من الظلم والتعدي على الضعفاء.

(٣) أي لا يهيج غضبه عنف وقسوة.

(٤) أي ليس عاجزا.

٤٧٦

أهليهم (١). حتى يكون همهم هما واحدا في جهاد العدو. فإن عطفك عليهميعطف قلوبهم عليك. ولا تصح نصيحتهم إلا بحيطتهم على ولاة أمورهم. وقلةاستثقال دولهم (٢). وترك استبطاء انقطاع مدتهم. فافسح في آمالهم. وواصل منحسن الثناء عليهم. وتعديد من أبلى ذوي البلاء منهم. فإن كثرة الذكر لحسنفعالهم تهز الشجاع. وتحرض الناكل. إن شاء الله. ثم عرف لكل امرئ منهم ماأبلى. ولا تضمن بلاء امرئ إلى غيره (٣). ولا تقصرن به دون غاية بلائه. ولايدعونك شرف امرئ إلي أن تعظم من بلائه ما كان صغيرا. ولا ضعة امرئ إلىأن تستصغر من بلائه ما كان عظيما. واردد إلى الله ورسوله ما يضلعك منالخطوب. ويشتبه عليك من الأمور. فقد قال تعالى لقوم أحب إرشادهم: (ياأيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم فيشئ فردوه إلى الله والرسول)، فالرد إلى الله الأخذ بمحكم كتابه. والرد إلىالرسول الأخذ بسنته الجامعة غير المفرقة.

ثم اختر للحكم بين الناس أفضل رعيتك في نفسك. ممن لا تضيق بهالأمور. ولا تمحكه الخصوم (٤). ولا يتمادى في الزلة (٥). ولا يحرص منالفئ إلى الحق إذا عرفه (٦). ولا تشرف نفسه على طمع (٧). ولا يكتفي بأدنىمنهم دون أقصاه (٨). وأوقفهم في الشبهات. وآخذهم بالحجج. وأقلهم تبرما

(١) أي ممن يخلفونه من أولادهم وأهليهم.

(٢) أي لا تصح نصيحة الجند لك إلا إذا أحبوا أمراءهم ثم لم يستثقلوا دولهم. ولم يتمنوازوالها.

(٣) أي اذكر كل من أبلى منهم مفردا غير ضموم ذكر بلائه إلى غيره. كي لا يكون مغمورافي جنب ذكر غيره.

(٤) أي تجعله ماحكا. أي لجوجا.

(٥) أي إن زل رجع وأناب.

(٦) نفس المعنى السابق.

(٧) أي لا تشفق.

(٨) أي لا يكون قانعا بما يخطر له بادئ الرأي من أمر الخصوم بل يبحث أشد البحث.

٤٧٧

بمراجعة الخصم (١). وأصبرهم على كشف الأمور. وأصرمهم (٢) عند إيضاحالحكم. ممن لا يزدهيه إطراء. ولا يستمليه إغراء. وأولئك قليل. ثم أكثر تعاهدقضائه. وأفسح له في البذل ما يزيح علته. وتقل معه حاجته إلى الناس. وأعطهمن المنزلة لديك ما لا يطمع فيه غيره من خاصتك. ليأمن بذلك اغتياب الرجالله عندك. فانظر في ذلك نظرا بليغا. فإن هذا الدين قد كان أسيرا في أيديأشرار (٣). يعمل فيه بالهوى وتطلب به الدنيا. ثم انظر في أمور عمالك.

فاستعملهم اختبارا. ولا تولهم محاباة وأثرة. فإنهما جماع من شعب الجوروالخيانة. وتوخ منهم أهل التجربة والحياء من أهل البيوتات الصالحة. والقدمفي الإسلام المتقدمة. فإنهم أكرم أخلاقا. وأصح أعراضا. وأقل في المطامعإشرافا. وأبلغ في عواقب الأمور نظرا. ثم أسبغ عليهم الأرزاق. فإن ذلك قوةلهم على استصلاح أنفسهم. وغنى لهم عن تناول ما تحت أيديهم. وحجة عليهمإن خالفوا أمرك. أو ثلموا أمانتك. ثم تفقد أعمالهم. وابعث العيون من أهلالصدق والوفاء عليهم. فإن تعاهدك في السر لأمورهم حدوة لهم على استعمالالأمانة. والرفق بالرعية. وتحفظ من الأعوان. فإن أحد منهم بسط يده إلى خيانةاجتملت بها عليه عندك أخبار عيونك. اكتفيت بذلك شاهدا. فبسطت عليهالعقوبة في بدنه. وأخذته بما أصاب من عمله. ثم نصبته بمقام الذلة. ووسمتهبالخيانة. وقلدته عار التهمة. وتفقد أمر الخراج بما يصلح أهله. فإن في صلاحهوصلاحهم صلاحا لمن سواهم. ولا صلاح لمن سواهم إلا بهم. لأن الناسكلهم عيال على الخراج وأهله. وليكن نظرك في عمارة الأرض أبلغ من نظركفي استجلاب الخراج. لأن ذلك لا يدرك إلا بالعمارة. ومن طلب الخراج بغيرعمارة أخرب البلاد. وأهلك العباد... ولم يستقم أمره إلا قليلا. فإن شكوا

(١) أي تضجرا.

(٢) أي: اقطعهم وأمضاهم.

(٣) هذه إشارة إلى قضاة عثمان وحكامه وإنهم لم يكونوا يقضون بالحق عنده. بل بالهوىلطلب الدنيا.

٤٧٨

ثقلا (١) أو علة (٢). أو انقطاع شرب (٣)، أو بالة (٤). أو إحالة أرض اغتمرهاغرق (٥). أو أجحف بها عطش (٦). خففت عنهم بما ترجو أن يصلح به أمرهم.

ولا يثقلن عليك شئ خففت به المؤونة عنهم. فإنه ذخر يعودون به عليك فيعمارة بلادك. وتزيين ولايتك. مع استجلابك حسن ثنائهم. وتبجحك باستفاضةالعدل فيهم. معتمدا فضل قوتهم. بما ذخرت عندهم من إجماعك لهم. والثقةمنهم بما عودتهم من عدلك عليهم ورفقك بهم. فربما حدث من الأمور ما إذاعولت فيه عليهم من بعد احتملوه. طيبة أنفسهم به. فإن العمران محتمل ماحملته. وإنما يؤتى خراب الأرض عن أعواز أهلها. وإنما يعوز أهلها لإشرافأنفس الولاة على الجمع. وسوء ظنهم بالبقاء. وقلة انتفاعهم بالعبر، ثم انظر فيحال كتابك. فول على أمورك خيرهم. واخصص رسائلك التي تدخل فيهامكايدك وأسرارك بأجمعهم لوجود صالح الأخلاق ممن لا تبطره الكرامة.

فيجترئ بها عليك في خلاف لك بحضرة ملأ. ولا تقصر به الغفلة عن إيرادمكاتبات عمالك عليك. وإصدار جواباتها على الصواب عنك. وفيما يأخذ لكويعطى منك. ولا يضعف عقدا اعتقده لك. ولا يعجز عن إطلاق ما عقد عليك.

ولا يجهل مبلغ قدر نفسه في الأمور. فإن الجاهل بقدر نفسه يكون بقدر غيرهأجهل. ثم لا يكن اختيارك إياهم على فراستك واستنامتك وحسن الظن منك.

فإن الرجال يتعرضون لفراسات الولاة بتصنعهم وحسن حديثهم. وليس وراء ذلكمن النصيحة والأمانة شئ. ولكن اختبرهم بما ولوا الصالحين قبلك. فأعمدلأحسنهم كان في العامة أثرا. وأعرفهم بالأمانة وجها. فإن ذلك دليل علىنصيحتك الله. ولمن وليت أمره. واجعل لرأس كل أمر من أمورك رأسا منهم، لا

(١) أي ثقل الخراج المضروب عليهم.

(٢) أو علة / أي نحو ما يصيب الغلة آفة كالجراد والبرد.

(٣) أي ينقص الماء.

(٤) بالة / يعني المطر.

(٥) أي أن الأرض غمرها الغرق وأفسدها.

(٦) أي أتلفها.

٤٧٩

يقهره كبيرها. ولا يتشتت عليه كثيرها. ومهما كان في كتابك من عيب فتغابيتعنه ألزمته.

ثم استوص بالتجار وذوي الصناعات. وأوصى بهم خيرا. المقيم منهموالمضطرب بماله. والمترفق ببدنه. فإنهم مواد المنافع. وأسباب المرافق.

وجلابها من المباعد والمطارح (١). في برك وبحرك. وسهلك وجبلك. وحيثلا يلتئم الناس لمواضعها. ولا يجترئون عليها. فإنهم سلم لا تخاف بائقتهوصلح لا تخشى غائلته. وتفقد أمورهم بحضرتك. وفي حواشي بلادك. واعلم -مع ذلك - أن في كثير منهم ضيقا فاحشا. وشحا قبيحا. واحتكارا للمنافع.

وتحكما في البياعات. وذلك باب مضرة للعامة. وعيب على الولاة. فامنع منالاحتكار. فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم منع منه. وليكن البيع سمحابموازين عدل. وأسعار لا تجحف بالفريقين من البائع والمبتاع. فمن قارفحكرة بعد نهيك إياه فنكل به. وعاقبه من غير إسراف.

ثم الله في الطبقة السفلى من الذين لا حيلة لهم. من المساكينوالمحتاجين وأهل البؤس والزمني (٢). فإن في هذه الطبقة قانعا (٣) ومعترا (٤).

واحفظ لله ما استحفظك من حقه فيهم. واجعل لهم قسما من بيت مالك. وقسمامن غلات صوافي الإسلام في كل بلد. فإن للأقصى منهم مثل الذي للأدنى وكلقد استرعيت حقه (٥). ولا يشغلنك عنهم بطر. فإنك لا تعذر بتضييع التافه (٦)لإحكامك الكثير المهم. فلا تشخص همك عنهم، ولا خدك لهم. وتفقد أمورمن لا يصل إليك منهم. ممن تقتحمه العيون (٧). وتحقره الرجال. ففرغ

(١) الأماكن البعيدة.

(٢) أي البؤس وأولو الزمانة.

(٣) القانع / السائل.

(٤) المعتر، الذي يعرض لك ولا يسألك.

(٥) أي كل فقراء المسلمين سواء في سهامهم ليس فيهم أقصى وأدنى.

(٦) التافه / الحقير.

(٧) أي تزدريه وتحتقره.

٤٨٠