×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

معالم الفتن (ج 1) / الصفحات: ٤٨١ - ٥٠٠

لأولئك ثقتك من أهل الخشية والتواضع. فليرفع إليك أمورهم. ثم اعمل فيهمبالإعذار إلى الله (١) سبحانه يوم تلقاه. فإن هؤلاء من بين الرعية أحوج إلىالإنصاف من غيرهم. وكل فأعذر إلى الله في تأدية حقه إليه، وتعهد أهل اليتم،وذوي الرقة في السن. ممن لا حيلة له. ولا ينصب للمسألة نفسه. وذلك علىالولاة ثقيل. والحق كله ثقيل. وقد تخففه الله على أقوام طلبوا العاقبة فصبرواأنفسهم. ووثقوا بصدق موعود الله لهم.

واجعل لذوي الحاجات منك قسما تفرغ لهم فيه شخصك. وتجلس لهممجلسا عاما. فتتواضع فيه لله الذي خلقك. وتقعد عنهم جندك وأعوانك منأحراسك وشرطك حتى يكلمك متكلمهم غير متتعتع (٢). فإني سمعت رسول اللهصلى الله عليه وسلم يقول في غير موطن: لن تقدس أمة لا يؤخذ للضعيففيها حقه من القوي غير متتعتع " ثم احتمل الخرق (٣) منهم والعي (٤).. ونحعنهم الضيق والأنف. يبسط الله عليك بذلك أكناف رحمته. ويوجب لك ثوابطاعته. وأعط ما أعطيت هنيئا. وامنع في إجمال واعتذار ثم أمور من أمورك لابد لك من مباشرته. منها إجابة عمالك بما يعيا عنه كتابك. ومنها إصدارحاجات الناس عند ورودها عليك بما تحرج به صدور أعوانك. وامض لكل يومعمله. فإن لكل يوم ما فيه. واجعل لنفسك فيها بينك وبين الله تعالى أفضل تلكالمواقيت. واجزل تلك الأقسام. وإن كانت كلها لله. إذا صلحت فيها النية.

وسلمت فيها الرعية. وليكن في خاصة ما تخلص لله به إقامة فرائضه التي هي لهخاصة. فأعط الله من بدنك في ليلك ونهارك. ووف ما تقربت به إلى الله سبحانهمن ذلك كاملا غير مكلوم ولا منقوص. بالغا من بدنك ما بلغ. وإذا قمت فيصلاتك للناس فلا تكن منفرا ولا مضيفا. فإن في الناس من به علة. ولهالحاجة، وقد سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين وجهني إلى اليمن.

(١) أي في تأدية حقه والقيام بفرائضه.

(٢) أي غير مزعج ولا مقلق.

(٣) الخرق / الجهل.

(٤) أي / الجهل أيضا.

٤٨١

كيف أصلي بهم؟ فقال: " صل بهم كصلاة أضعفهم. وكن بالمؤمنين رحيما ".

وأما بعد هذا. فلا تطولن احتجابك عن رعيتك فإن احتجاب الولاة عنالرعية. شعبة من الضيق. وقلة علم بالأمور. والاحتجاب منهم يقطع عنهم علمما احتجبوا دونه. فيصغر عندهم الكبير. ويعظم الصغير، ويقبح الحسن.

ويحسن القبيح. ويشاب الحق بالباطل. وإنما الوالي بشر لا يعرف ما توارى عنهالناس به من الأمور. وليست على الحق سمات لا تعرف بها ضروب الصدق منالكذب. وإنما أنت أحد رجلين: أما أمرؤ سخت نفسك بالبذل في الحق. ففيماحتجابك من واجب حق تعطيه. أو فعل كريم تسديه أو مبتلي بالمنع. فما أسرعكف الناس عن مسألتك. إذا أيسوا من ذلك! مع أن أكثر حاجات الناس إليك مالا مؤونة فيه عليك. من شكاية مظلمة. أو طلب إنصاف في معاملة.

ثم إن للوالي خاصة وبطانة. فيهم استئثار وتطاول. وقلة إنصاف فيمعاملة. فاحسم مادة أولئك بقطع أسباب تلك الأحوال. ولا تقطعن لأحد منحاشيتك وحامتك قطيعة. ولا يطمعن منك في اعتقاد عقدة تضر بمن يليها منالناس في شرب أو عمل مشترك. يحملون مؤونته على غيرهم. فيكون مهنأ ذلكلهم دونك. وعيبه عليك في الدنيا والآخرة. وألزم الحق من لزمه من القريبوالبعيد. وكن في ذلك صابرا محتسبا. واقعا ذلك من قرابتك وخاصتك حيثوقع. وابتغ عاقبته بما يثقل عليك منه. فإن مغبة ذلك محمودة. وإن ظننتالرعية بك جيفا. فأصحر لهم بعذرك. وأعدل عنك ظنونهم بإصحارك. فإن فيذلك رياضة منك لنفسك. ورفقا برعيتك. وإعذارا تبلغ به حاجتك من تقويمهمعلى الحق.

قال ابن أبي الحديد: نهاه عن أن يحمل أقاربه وحاشيته وخواصه علىرقاب الناس. وأن يمكنهم من الاستئثار عليهم والتطاول والإذلال. ونهاه عن أنيقطع أحدا منهم قطيعة. أو يملكه ضيعة تضر بمن يجاورها في شرب يتغلبونعلى الماء منه. أو ضياع يضيفونها إلى ما ملكهم إياه. وإعفاء لهم من مؤنة. أوحفر وغيره. فيعفيهم الولاة منه مراقبة لهم. فتكون مؤنة ذلك الواجب عليهم قدأسقطت عنهم. وحمل ثقلها على غيرهم. ثم قال الإمام: لأن منفعة ذلك في

٤٨٢

الدنيا تكون لهم دونك. والوزر في الآخرة عليك. والعيب والذم في الدنيا أيضالا حقان بك. ثم قال له: إن اتهمتك الرعية بحيف عليهم. أو ظنت بك جورا.

فاذكر لهم عذرك في ذلك. وما عندك ظاهر غير مستور. فإنه الأولى والأقربإلى استقامتهم لك على الحق. ثم قال الإمام:

" وإن عقدت بينك وبين عدو لك عقدة. أو ألبسته منك ذمة. فحط عهدكبالوفاء. وارع ذمتك بالأمانة... إياك والدماء وسفكها بغير حلها. فإنه ليسشئ أدعى لنقمة. ولا أعظم لتبعة. ولا أحرى بزوال نعمة. وانقطاع مدة. منسفك الدماء بغير حقها... ولا عذر لك عند الله ولا عندي في قتل العمد. لأنفيه قود البدن... وإياك والإعجاب بنفسك. والثقة بما يعجبك منها. وحبالاطراء. فإن ذلك من أوثق فرص الشيطان في نفسه. يمحق ما يكون من إحسانالمحسنين. وإياك والمن على رعيتك بإحسانك. أو التزيد فيما كان من فعلك.

أو أن تعدهم فتتبع موعدك بخلفك. فإن المن يبطل الاحسان. والتزيد يذهببنور الحق. والخلف يوجب المقت عند الله والناس... وإياك والعجلة بالأمورقبل أوانها. أو التساقط فيها عند إمكانها. أو اللجاجة فيها إذا تنكرت. أو الوهنعنها إذا استوضحت. فضع كل أمر موضعه. وأوقع كل عمل موقعه. وإياكوالاستئثار بما الناس فيه أسوة. والتغابي عما تعني به مما قد وضح للعيون. فإنهمأخوذ منك لغيرك.. وعما قليل تنكشف عن أغطية الأمور. وينتصف منكللمظلوم. أملك حمية أنفك. وسورة حدك. وسطوة يدك. وغرب لسانك.

واحترس من كل ذلك بكف البادرة. وتأخير السطوة. حتى يسكن غضبك.

فتملك الاختيار. ولن تحكم ذلك من نفسك حتى تكثر همومك بذكر المعاد إلىربك...

وأنا أسأل الله بسعة رحمته. وعظيم قدرته على أعطاء كل رغبة. أنيوفقني وإياك لما فيه رضاه. من الإقامة على العذر الواضح إليهوإلى خلقه. ومن حسن الثناء في العباد. وجميل الأثر في البلاء.

وتمام النعمة. وتضعيف الكرامة. وأن يختم لي ولك بالسعادة والشهادة.

إنا إلى الله راغبون. والسلام على رسول الله صلى الله عليه وآله الطيبين

٤٨٣
٤٨٤

المسلمين في معاقدها (١). فالمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده إلابالحق. ولا يحل أذى المسلم إلا بما يجب (٢). بادروا أمر العامة وخاصةأحدكم وهو الموت. فإن الناس أمامكم (٣) وإن الساعة تحدوكم من خلفكم.

تخففوا تلحقوا. فإنما ينتظر بأولكم أخركم (٤). اتقوا الله في عباده وبلاده. فإنكممسؤولون حتى عن البقاع والبهائم. وأطيعوا الله ولا تعصوه. وإذا رأيتم الخيرفخذوا به. وإذا رأيتم الشر فأعرضوا عنه (٥).

فالإمام في أول خطاب له أمر بأخذ الخير وترك الشر. وأمر بأداء الفرائضوبين أن الله حرم حراما وأحل حلالا. وهذه الأمور لها أبواب. وكما علمنا أنسياسة القص وعدم الرواية تركت لها بصمات على أمور وبطانة السوء تركت لهابصمات على أمور أخرى. ودخل المنافقون في عصور الفتوحات بأحاديثهم التيتخدم مصالحهم. ونحن في هذا المقام سنترك تقسيم رواة هذا العصر لأميرالمؤمنين علي. وبعد أن يحددهم لنا سنرى ما هو الباب الذي فتحه أميرالمؤمنين في أول خطاب له لاغتراف العلم.

سئل الإمام عن أحاديث البدع. وعما في أيدي الناس من اختلاف الخبر.

فقال:

إن في أيدي الناس حقا وباطلا. وصدقا وكذبا. وناسخا ومنسوخا. وعاماوخاصا. ومحكما ومتشابها. وحفظا ووهما. ولقد كذب على رسول اللهصلى الله عليه وسلم على عهده حتى قام خطيبا. فقال: من كذب علي متعمدافليتبوأ مقعده من النار، وإنما أتاك الحديث أربعة رجال. ليس لهم خامس:

(١) لأن الإخلاص والتوحيد داعيان إلى المحافظة على حقوق المسلمين صارفان عن انتهاكمحارمهم.

(٢) أي إلا بحق.

(٣) أي سبقوكم.

(٤) أي إنما ينتظر ببعث الموتى المتقدمين أن يموت الأواخر أيضا. فيبعث الكل جميعا فيوقت واحد.

(٥) ابن أبي الحديد ٣٣٧ / ٣.

٤٨٥

رجل منافق مظهر لإيمان، متصنع بالإسلام، لا يتأثم ولا يتحرج. يكذبعلى رسول الله صلى الله عليه وسلم متعمدا. فلو علم الناس أنه منافق كاذب لميقبلوا منه. ولم يصدقوا قوله. ولكنهم قالوا: صاحب رسول الله رآه وسمع منه،ولقف عنه. فيأخذون بقوله. وقد أخبرك الله عن المنافقين بما أخبرك. ووصفهمبما وصفهم به لك. ثم بقوا بعده. فتقربوا إلى أئمة الضلالة. والدعاة إلى الناربالزور والبهتان. فولوهم الأعمال. وجعلوهم حكاما على رقاب الناس فأكلوابهم الدنيا. وإنما الناس مع الملوك والدنيا. إلا من عصم الله. فهذا أحدالأربعة.

ويفهم من كلام الإمام رضي الله عنه أن الخلفاء بعد موت النبي صلى اللهعليه وسلم لم يعرفوا المنافقين لأن المنافق يسير بما في قلبه ويعامله الناسبظاهره. وعندما فتحت البلاد وكثرت الغنائم اختلط المنافقون بالأمراء فيالأمصار فولوهم الأعمال والخلفاء لو كانوا يعرفون المنافقين بأعيانهم ما استطاعالأمراء وضعهم على رقاب الناس. ثم يقول الإمام رضي الله عنه عن الصنفالثاني: ورجل سمع من رسول الله شيئا لم يحفظه على وجهه، فوهم فيه، ولميتعمد كذبا. فهو في يديه. ويرويه ويعمل به. ويقول: أنا سمعته من رسول اللهصلى الله عليه وسلم فلو علم المسلمون أنه وهم فيه لم يقبلوه منه. ولو علم هوأنه كذلك لرفضه.

ثم يقول الإمام عن الصنف الثالث: ورجل ثالث سمع من رسول اللهصلى الله عليه وسلم شيئا يأمر به ثم إنه نهى عنه وهو لا يعلم أو سمعه ينهيعن شئ ثم أمر به وهو لا يعلم فحفظ المنسوخ ولم يحفظ الناسخ فلو علمأنه منسوخ لرفضه. ولو علم المسلمون إذ سمعوه منه أنه منسوخ لرفضوه.

ثم يقول الإمام في الصنف الأخير: وآخر رابع لم يكذب على الله ولاعلى رسوله. مبغض للكذب خوفا من الله. وتعظيما لرسول الله صلى الله عليهوسلم ولم يهم بل حفظ ما سمع على وجهه فجاء به على سمعه لم يزد فيهولم ينقص منه. فهو حفظ الناسخ فعمل به. وحفظ المنسوخ فجنب عنه

٤٨٦

وعرف الخاص والعام. والمحكم والمتشابه. فوضع كل شئ موضعه. وقد كانيكون من رسول الله صلى الله عليه وسلم الكلام له وجهان: فكلام خاص، وكلامعام، فيسمعه من لا يعرف ما عنى الله سبحانه به ولا ما عنى رسول اللهصلى الله عليه وسلم فيحمله السامع. ويوجهه على غير معرفة بمعناه. وما قصدبه وما خرج به أجله. وليس كل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم منكان يسأله ويستفهمه. حتى إن كانوا يحبون أن يجئ الأعرابي والطارئ فيسألهعليه الصلاة والسلام حتى يسمعوا. وكان لا يمر بي من ذلك شئ إلاسألته عنه وحفظته. فهذه وجوه ما عليه الناس في اختلافهم وعللهم فيرواياتهم (١).

وقول الإمام إنه كان لا يمر به شئ من ذلك إلا سأل النبي عنه وحفظهله شواهد كثيرة. فعلاوة على أنه كان لا يفارق النبي في مواطن كثيرة. فإنه كانله من رسول الله صلى الله عليه وسلم مدخلان مدخل بالليل ومدخلبالنهار (٢) يقول له فيهما ما غاب عنه ويفسر له فيهما ما استفسر عنه. وحفظعلي رضي الله عنه لجميع ما سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم جاءفي حديث صحيح وذلك في قوله تعالى: (وتعيها أذن واعية) فعن علي قال:

قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: سألت الله أن يجعلها أذنك يا علي.

فما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم فنسيته " (٣)، ولذا كان علييقول: " إن ربي وهب لي قلبا عقولا ولسانا ناطقا " (٤)، وقال: " سلوني عنكتاب الله فإنه ليس من آية إلا وقد عرفت بليل نزلت أم بنهار في سهل أم فيجبل " (٥)، وهذا كله كان لحكمة من ورائها هدف. وهذا الهدف يشع فيأحاديث رواها أئمة الحديث عند قوله تعالى: (إنما أنت منذر ولكل قوم هاد)

(١) ابن أبي الحديد ٥٩١ / ٣.

(٢) رواه النسائي ٢ / ١٢.

(٣) رواه الضياء بسند صحيح وابن مردويه وأبو نعيم (كنز العمال ١٧٧ / ١٣.

(٤) الطبقات الكبرى ٣٣٨ / ٢. (٥) الطبقات ٣٣٨ / ٢.

٤٨٧

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " الهادي هو علي بن أبي طالب " (١).

وبعد أن بين الإمام مصادر الرواية بين ما ترتب على ذلك من اختلاف:

ترد على أحدهم القضية في حكم من الأحكام. فيحكم فيها برأيه. ثم تردتلك القضية بعينها على غيره. فيحكم فيها بخلاف قوله. ثم يجتمع القضاة بذلكعند الإمام الذي استقضاهم. فيصوب آراءهم جميعا وإلههم واحد ونبيهم واحدوكتابهم واحد. أفأمرهم الله تعالى بالاختلاف فأطاعوه. أم نهاهم عنه فعصوا. أمأنزل الله سبحانه دينا تاما فقصر الرسول عن تبليغه وأدائه. والله تعالى يقول: (مافرطنا في الكتاب من شئ) (٢)، وفيه تبيان كل شئ. وذكر أن الكتاب يصدقبعضه بعضا وأنا لا اختلاف فيه: (ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاكثيرا) (٣)، وأن القرآن ظاهره أنيق وباطنه عميق. لا تفنى عجائبه. ولا تنقضيغرائبه ولا تكشف الظلمات إلا به " (٤).

وبعد أن بين الإمام اختلاف الرواة وما ترتب عليه من اختلاف الفتوى. فتحأبواب البحث: أيها الناس إنه من استنصح الله وفق. ومن اتخذ قوله دليلا هدىللتي هي أقوم. فإن جار الله آمن. وعدوه خائف. وإنه لا ينبغي لمن عرفعظمة الله أن يتعظم. فإن رفعة الذين يعلمون ما عظمته أن يتواضعوا له. وسلامةالذين يعلمون ما قدرته أن يستسلموا له. فلا تنفروا من الحق نفار الصحيح منالأجرب. والباري من ذي السقم. واعلموا أنكم لن تعرفوا الرشد حتى تعرفواالذي تركه. ولن تأخذوا بميثاق الكتاب حتى تعرفوا الذي نقضه. ولن تمسكوا بهحتى تعرفوا الذي نبذه. فالتمسوا ذلك عند أهله. فإنهم عيش العلم. وموتالجهل، هم الذين يخبركم حكمهم عن علمهم. وصمتهم عن منطقهم.

وظاهرهم عن باطنهم، لا يخالفون الدين ولا يختلفون فيه. فهو بينهم شاهد

(١) رواه ابن جرير (الفتح الرباني ١٨٥ / ١٨).

(٢) سورة الأنعام: الآية ٣٨.

(٣) سورة النساء: الآية ٨٢.

(٤) ابن أبي الحديد ٢٣٣ / ١.

٤٨٨

صادق. وصامت ناطق " (١).

ومما سبق علمنا أن الإمام علي أمر بأخذ الخير وترك الشر. ثم بين ما فيأيدي الناس من اختلاف الخبر. وما ترتب على ذلك من الاختلاف في الفتوىلتعدد الآراء. ثم فتح الإمام طريق البحث للوقوف على أسباب ذلك وقال:

" واعلموا أنكم لن تعرفوا الرشد حتى تعرفوا الذي تركه " ثم ساق الباحث إلىكتاب الله ليقف عند الذي نقضه. ثم اختصر المسافة للتيسير على الباحث فبين أنالمعرفة والأخذ بميثاق الكتاب والتمسك به جميع ذلك في دائرة " أهله " وهوقوله: " فالتمسوا ذلك عند أهله " وروي أنه قال في أول خطبة خطبها في خلافته:

ألا إن أبرار عترتي وأطايب أرومتي. أحكم الناس صغارا. وأعلم الناس كبارا.

ألا وإنا أهل بيت من علم الله علمنا. وبحكم الله حكمنا. ومن قول صادقسمعنا. فإن تتبعوا آثارنا تهتدوا ببصائرنا " (٢)، وقال: " نحن الشعاروالأصحاب. والخزنة والأبواب. لا تؤتى البيوت إلا من أبوابها فمن آتاها منغير أبوابها سمي سارقا " (٣)، وقال في أهل البيت: " هم عيش العلم. وموتالجهل، يخبركم حلمهم عن علمهم. وظاهرهم عن باطنهم. وصمتهم عن حكمةمنطقهم. لا يخالفون الحق ولا يختلفون عليه. وهم دعائم الإسلام. وولائجالاعتصام " (٤).

ومن الطبيعي أن النص ورواية شعر المجون لا مجال لهما في هذهالمساحة الزمنية والمكانية. ومن الطبيعي أن توجيه الدعوة للبحث يقتضي عودةالرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولقد حث الإمام على تدارسالحديث وقال: " تزاوروا وتدارسوا الحديث ولا تتركوه يدرس (أي اقرأوه

(١) ابن أبي الحديد ٢٠٣ / ٣.

(٢) ابن أبي الحديد.

(٣) ابن أبي الحديد ٢٤٧ / ٣.

(٤) ابن أبي الحديد ٢٨٧ / ٤.

٤٨٩

وتعهدوه لئلا تنسوه) (١)، وحذر الإمام من خلط الحديث بما كان يجري بالساحةمن فعل وخلافة. فقال: " تعلموا العلم. فإذا علمتموه فاكظموا عليه. ولاتخالطوه بضحك وباطل فتمحه القلوب (٢) وزيادة في الاحتياط رد كل علم إلىعالمه حتى لا تخترق الرواية فقال ": إذا قرأت العلم على العالم فلا بأس أنترويه عنه " (٣)، ثم بشر الذين يروون الحديث فقال: قال رسول الله صلى اللهعليه وسلم: " اللهم ارحم خلفائي (ثلاث مرات) قيل يا رسول الله: ومنخلفاؤك؟ قال: الذين يأتون من بعدي ويروون أحاديثي ويعلمونها للناس " (٤).

أما بخصوص انسحاب القص روي عن أبي البحتري: قال: دخل علي بنأبي طالب المسجد، فإذا رجل يخوف. فقال: ما هذا؟ قالوا: رجل يذكرالناس. فقال: ليس برجل يذكر الناس. ولكنه يقول: أنا فلان بن فلاناعرفوني. فأرسل إليه. فقال: أتعرف الناسخ من المنسوخ، قال: لا، فقال أميرالمؤمنين: فاخرج من مسجدنا ولا تذكر فيه (٥).

وروى مسدد بسند صحيح عن سعيد بن هند. أن عليا مر بقاص فقال: مايقول؟ قالوا: يقص، قال: لا ولكن يقول اعرفوني (٦)، وعن أبي يحيى قال: مرعلي وأنا أقص فقال: هل عرفت الناسخ من المنسوخ؟ قلت: لا، قال: أنت أبواعرفوني " (٧).

والسياسة الإعلامية (إعرفوني) هي التي تقدم الناس إلى العامة بعد أنتنسج حولهم خيوطا براقة كما ساعدت على إيجاد شخصيات خرافية وقصصخرافية تخدم مصالح معينة. وكما انسحب القص انسحب شعر الجاهلية والأديرة

(١) الخطيب (كنز العمال ٣٠٤ / ١٠).

(٢) عبد الله بن الإمام أحمد والخطيب (كنز العمال ٣٠٤ / ١٠).

(٣) المرهبي (كنز العمال ٢٩٤ / ١٠).

(٤) الطبراني والخطيب والديلمي وابن النجار (كنز العمال ٢٩٥ / ١٠).

(٥) العسكري والمرزوي (كنز العمال ٢٨١ / ١٠).

(٦) مسدد (كنز العمال ٢٨٢ / ١٠).

(٧) المرزوي (كنز العمال ٢٨١ / ١٠).

٤٩٠

والخمور، وروى ابن أبي الحديد. أن عليا كان يأمر بمحاربة شعراء أهل الشامالذين يروجون شعر الأديرة، وروى أن كعب بن جعيل عندما شرب الخمر وأقامعلي بن أبي طالب عليه الحد. غضب ولحق بمعاوية وهجا عليا " (١)، ولماكانت الخمور زادا للشعراء والقصاصين فإن أمير المؤمنين حرق مركز صناعتهاوذلك فيما رواه ربيعة بن زكار قال: نظر علي بن أبي طالب إلى قرية. فقال: ماهذه القرية؟ قالوا: قرية تدعى زرارة يلحن فيها ويباع فيها الخمر. فأتاها بالنيرانوقال: إضرموها: فإن الخبيث يأكل بعضه بعضا. فاحترقت (٢)، وكان عليرضي الله عنه يوصي الشعراء بتعلم القرآن.

وإذا كانت الإصلاحات العلوية قد شملت عزل الأمراء والتسوية في الأموالوالرحمة بالإنسان والحيوان والعودة إلى رواية العلم كما كان على عهد الرسولصلى الله عليه وسلم فإن هذه الإصلاحات فتحت على أمير المؤمنين علي بن أبيطالب أبوابا دخلت منها أصناف من الصدود. فنبلاء قريش وطبقتها العليا منهممن وجد أن عليا ساوى بينه وبين الطبقة السفلى فتحركت فيهم مشاعر لا تختلفكثيرا عن مشاعر الذين شعروا بالضجر يوم أن ساوى الرسول صلى الله عليه وسلمبينهم وبين بلال وخباب وعمار وغيرهم. وهؤلاء إما فروا إلى معاوية في الشاموإما تفرغوا للكيد داخل القوات الإسلامية العلوية. ومنهم من وجد أن عودةالرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ستظهر فضل علي بن أبي طالب لامحالة وستدين أطرافا أخرى بصورة من الصور فوجدوا أن السبيل لقطع هذاالطريق هو تشكيك الناس في علي بن أبي طالب بأنه ليس وحده من أهل البيتوأن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم من أهل البيت أيضا ولهن مالهوعليهن ما عليه وأن خروجه على إحداهن هو شق لصف أهل البيت. والذينذهبوا إلى هذا المسلك استندوا على عمق مساحة اللارواية وما ترتب عليها مننسيان أو تناس للرواية فضلا على وجود جيل كامل في الأمصار

(١) ابن أبي الحديد ٧٩٩ / ١.

(٢) أبو عبيد (كنز العمال ٥٠٤ / ٥).

٤٩١

لم يسمع من النبي ولم يره وكثير منهم استمد علومه من فقهاء الأمراء وهي علوملن تنصف علي بن أبي طالب في أكثر الأحوال.

ومنهم أيضا من كان يطمع في الكرسي بعد أن مهد يوم الشورى الطريق لهكي يحلم بهذه الأحلام. ومن الأصناف الذين وجدوا في الاصلاح العلوي عقبةفي طريقهم. صنف عمل على امتداد تاريخه في الجاهلية والإسلام من أجلالملك وحده. وذلك بعد استحواذ بني هاشم على مفاخر قريش في الجاهليةواختيار الله لهم في الإسلام. فهذه الأمور أصابت أطرافا أخرى بعقدة النقص.

ولو ردوا كل شئ إلى الله ما أصابتهم هذه العقد.

ونرى قبل تسليط الضوء على هذه الأمور أن نلقي نظرة سريعة على القيادةالتي قامت بهذه الإصلاحات لنرى هل القيادة كانت تعمل من أجل الكرسي. أمأن المال مطلبها. أم أنها كانت قيادة الحجة. قيادة الزهد رداؤها وسيفها هوسيف الزهد ابتغاء وجه الله.

٣ - العالم العامل الزاهد:

يقول الإمام الزاهد علي بن أبي طالب رضي الله عنه: " إني متكلم بعدة اللهوحجته. قال الله تعالى: (إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهمالملائكة. أن لا تخافوا ولا تحزنوا...)، وقد قلتم: " ربنا الله " فاستقيموا علىكتابه. وعلى منهاج أمره. وعلى الطريقة الصالحة من عبادته. ثم لا تمرقوا منها.

ولا تبتدعوا فيها (١). ولا تخالفوا عنها. فإن أهل المروق منقطع بهم عند الله يومالقيامة " (٢)، وقال: " فالله الله معشر العباد. وأنتم سالمون في الصحة قبل السقم.

وفي الفسحة قبل الضيق. فاسعوا فكاك رقابكم. من قبل أن تغلق رهائنها.

اسهروا عيونكم. وأضمروا بطونكم. واستعملوا أقدامكم. وأنفقوا أموالكم.

وخذوا من أجسادكم فجودوا بها على أنفسكم. ولا تبخلوا بها عنها. فقال قال

(١) أي لا تحدثوا ما لم يأت به الكتاب والسنة.

(٢) ابن أبي الحديد ٣٨٥ / ٣.

٤٩٢

الله سبحانه: (إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم) (١)، وقال تعالى: (منذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له وله أجر كريم) (٢)، فلم يستنصركممن ذل. ولم يستقرضكم من قل. استنصركم وله جنود السماوات والأرض وهوالعزيز الحكيم. واستقرضكم وله خزائن السماوات والأرض وهو الغني الحميد.

وإنما أراد أن يبلوكم أيكم أحسن عملا. فبادروا بأعمالكم تكونوا مع جيران اللهفي داره. رافق بهم رسله. وأزارهم ملائكته. وأكرم أسماعهم أن تسمع حسيسنار أبدا. وصان أجسادهم أن تلقى لغوبا ونصبا: " ذلك فضل الله يؤتيه من يشاءوالله ذو الفضل العظيم " (٣).

مما سبق يتبين أن المتكلم حجة. همته بالله وشغله فيه وفراره إليه. وكانالإمام يقول مخاطبا ساحة عريضة اكتنز فيها الذهب والفضة " لطلب المال والثروةأسرع من خراب دين الرجل من ذئبين ضاريين باتا في حظيرة غنم. ما زالا فيهاحتى أصبحا (٤)، وقال: " الزهد كله بين كلمتين من القرآن ". قال الله سبحانه:

* (لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم) (٥)، ومن لم يأس علىالماضي ولم يفرح بالآتي فقد أخذ الزهد بطرفيه " (٦)، وقال: " فلا تنافسوا في عزالدنيا وفخرها. ولا تعجبوا بزينتها ونعيمها. ولا تجزعوا من ضرائها وبؤسها.

فإن عزها وفخرها إلى انقطاع. وزينتها ونعيمها إلى زوال. وضراءها وبؤسها إلىنفاد. وكل مدة فيها إلى انتهاء. وكل حي فيها إلى فناء. أو ليس لكم في آثارالأولين مزدجر. وفي آبائكم الأولين تبصرة ومعتبر إن كنتم تعقلون. أولم ترواإلى الماضين منكم لا يرجعون. وإلى الخلف الباقين لا يبقون. أو لستم ترونأهل الدنيا يمسون ويصبحون على أحوال شتى: فميت يبكي. وآخر به يعزي

(١) سورة محمد: الآية ٧.

(٢) سورة الحديد: الآية ١١.

(٣) ابن أبي الحديد ٤٥٤ / ٣.

(٤) رواه العسكري في المواعظ (كنز العمال ٧١٨ / ٣).

(٥) سورة الحديد: الآية ٢٣.

(٦) ابن أبي الحديد ٧٩٥ / ٣.

٤٩٣

وصريع مبتلي. وعائد يعود وآخر بنفسه يجود. وطالب للدنيا الموت يطلبه.

وغافل وليس بمغفول عنه.. " (١)، وقال: " أوصيكم عباد الله بتقوى الله الذيضرب الأمثال، ووقت لكم الآجال. وألبسكم الرياش (٢). وأرفغ لكمالمعاش (٣). وأحاط بكم الاحصاء، وأرصد (٤) لكم الجزاء. وآثركم بالنعمالسوابغ، والرفد الروافغ (٥). وأنذركم بالحجج البوالغ (٦). فأحصاكم عددا.

ووظف لكم مددا. وفي قرارة خبرة. ودار عبرة. وأنتم مختبرون فيها.

ومحاسبون عليها " (٧).

فهكذا كان أمير المؤمنين يخاطب رقعة واسعة عليها العديد من النبلاء.

وكان أمير المؤمنين خير قدوة لسياسة الدنيا والآخرة. يقول الشعبي: دخلتالكوفة وأنا غلام. فإذا أنا بعلي بن أبي طالب قائما على صبرتين (٨) من ذهبوفضة. ومعه محففة. وهو يطرد الناس بمحففته. ثم يرجع إلى المال فيقسمه.

بين الناس. حتى لم يبق منه شيئا. ثم انصرف ولم يحمل إلى بيته قليلا ولاكثيرا. فرجعت إلى أبي فقلت له: لقد رأيت اليوم خير الناس أو أحمق الناس.

قال: من هو يا بني؟ قلت: علي بن أبي طالب أمير المؤمنين. رأيته يصنع كذا.

فقصصت عليه، فبكى أبي وقال: يا بني بل رأيت خير الناس (٩)، وروى ابن كثيرعن ابن عنترة عن أبيه قال: دخلت على علي بن أبي طالب وعليه قطيفة وهو يرعدمن البرد. فقلت: يا أمير المؤمنين. إن الله قد جعل لك ولأهل بيتك نصيبا في هذاالمال وأنت ترعد من البرد. فقال: إني والله لا أرزأ من مالكم شيئا. وهذه

(١) ابن أبي الحديد ٦٣٢ / ٢.

(٢) الرياش / اللباس.

(٣) أرفغ / أي واسعا خصبا.

(٤) أرصد / أي أعد.

(٥) الرفد الروافغ / الواسعة.

(٦) أي الظاهرة المبنية.

(٧) ابن أبي الحديد ٤٢٩ / ٢.

(٨) أي ما جمع بلا كيل ولا وزن.

(٩) ابن أبي الحديد ٤١٤ / ١.

٤٩٤

القطيفة هي التي خرجت بها من بيتي - أو قال - من المدينة (١)، وروى أن علياقال: أيها الناس والله الذي لا إله إلا هو ما رزأت من مالكم قليلا ولا كثيرا إلاهذه. وأخرج قارورة من كم قميصه فيها طيب وقال: أهداها إلي داهقان (٢)وروى أنه كان يختم على الجراب الذي فيه دقيق الشعير الذي يأكل منه. ويقول:

لا أحب أن يدخل بطني إلا ما أعلم (٣)، وروى أنه لم يبن آجرة على آجرة ولالبنة على لبنة ولا قصبة على قصبة وكان يأتي بحبوية من المدينة في جراب ليأكلمنها (٤) وروى أنه كان يكنس بيت المال كل جمعة ويصلي فيه ركعتين ويقول:

ليشهد لي يوم القيامة (٥).

والإمام علي بن أبي طالب لم يطالب بفدك وهي حقه. ليس لأن الزمانكان زمان ثورة على المال والذهب والفضة ومطالبته بها سيفتح عليه أبوابا. وإنمالأن فدك كانت ابتلاء لعصر. وإذا كان الإمام لم يأخذ حقه ومفتاح بيت المال فييده. فهو أيضا لم يطالب بفدك وهو على رأس السلطة. وذلك لأنه كان يتعاملمع الأحداث من باب إقامة الحجة ووفقا لمتطلبات الدعوة أما عن أمواله روىأنه قال: " بلى كانت في أيدينا فدك. من كل ما أظلته السماء. فشحت عليهانفوس قوم. وسخت عنها نفوس أخرين. ونعم الحكم الله. وما أصنع بفدك وغيرفدك " (٦)، وشرح ابن أبي الحديد كلام الإمام فقال: أبي لا مال لي. ولا اقتنيتفيما مضى مالا. وإنما كانت في أيدينا فدك. فشحت عليها نفوس قوم (أينحلت) وسخت عنها نفوس آخرين. (أي سامحت واغضت)، ثم بين الإمام بعدذلك. أن تقلله واقتصاره من المطعم والملبس على الجشب والخشن رياضةلنفسه. وأنه يعمل ذلك خوفا من الله. فالرياضة هنا هي رياضة في الحقيقة

(١) البداية والنهاية ٣ / ٨.

(٢) رواه مسدد والحاكم (كنز العمال ١٦٨ / ١٣).

(٣) الكامل ٢٠١ / ٣.

(٤) الكامل ٢٠١ / ٣.

(٥) الإمام أحمد في الزهد (كنز العمال ١٨٢ / ١٣).

(٦) ابن أبي الحديد ٨٢٣ / ٤.

٤٩٥

بالتقوى لا بنفس التقلل والتقشف. لتأتي نفسه آمنة يوم الفزع الأكبر وتثبت فيمداحض الزلق (١).

وهكذا ترك الإمام الذي له. وعلى مقربة منه جاء قوم ليأخذوا ما ليسلهم. ليكون الذي للإمام حجة عليهم ولقد رأينا مما سبق بعض معالم الحكومةالدينية التي تفتح أبواب التوبة فترسى قواعد حرية الإنسان مما يتوافق مع فطرتهالتي فطره الله عليها. ولقد رأينا أن الإمام لم يفرض نفسه ولم يهدد معارضيه.

ونشر العلم ولم يتصد للقصاصين وغيرهم بقوة السلاح وإنما بقوة الحجة. ولميبعث العمال على الأمصار لهدف جمع الأموال وإنما ليكونوا دعاة رحمة يستظلبها الإنسان والحيوان. وكان الإمام أمام هذه المساحة الطويلة والعريضة قدوةومثل أعلى للعامة والخاصة.

(١) ابن أبي الحديد ٨٢٤ / ٤.

٤٩٦
٤٩٧

ثانيا - البغاة والقمر

بعد مقتل عثمان انطلق النعمان بن بشير بقميص عثمان إلى معاوية. وفيالشام بدأ إعلام معاوية يعبأ الناس حول القميص. وعندما اطمئن معاوية لنتيجةسياسته الإعلامية. روى ابن كثير أنه بعث رجلا فدخل على علي بن أبي طالب.

وعندما قال له علي: ما وراءك؟ قال: جئتك من عند قوم لا يريدون إلا القود.

كلهم موتور. تركت سبعين ألف شيخ يبكون تحت قميص عثمان وهو على منبردمشق. فقال علي: اللهم إني أبرأ إليك من دم عثمان (١).

لقد كانت هذه رسالة مبكرة من معاوية بعد أن أراد أمير المؤمنين عزله منعلى الشام. وبدأ إعلام بني أمية يبث في الأمصار أن عثمان قتل مظلوما وأن عليااشترك في دمه. وعندما علم أمير المؤمنين بهذا قال: " أولم ينه بني أمية علمهاعن قرفي؟ أو ما وزع الجهال سابقتي عن تهمتي؟ ولما وعظمهم الله به أبلغ منلساني. أنا حجيج المارقين. وخصيم الناكثين المرتابين. وعلى كتاب الله تعرضالأمثال. وبما في الصدور نجازي العباد قال ابن أبي الحديد ومعناه: أما كان فيعلم بني أمية بحالي ما ينهاها عن قرفي بدم عثمان. وذكر أن علمهم بها يقتضيألا يقرفوه بذلك. وحاله التي يعلمها بنو أمية. هي منزلته في الدين التي لا منزلة

(١) البداية والنهاية ٢٣٠ / ٧.

٤٩٨

أعلى منها. وما نطق به الكتاب الصادق من طهارته وطهارة بنيه وزوجته فيقوله: " إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا " وأيضاقول النبي صلى الله عليه وسلم: " أنت مني بمنزلة هارون من موسى " وذلكيقتضي عصمته عن الدم الحرام كما أن هارون معصوم عن مثل ذلك... فكيفساغ لأعداء أمير المؤمنين. مع علمهم بمنزلته العالية في الدين التي لم يصلإليها أحد من المسلمين. أن يطلقوا ألسنتهم فيه وينسبوه إلى قتل عثمان أوالممالاة عليه. لاسيما وقد ثبت عندهم أنه كان من أنصاره لا من المجلبينعليه. ثم قال: إن الذي وعظهم الله تعالى به في القرآن. من تحريم الغيبةوالقذف وتشبيه ذلك بأكل لحم الميت أبلغ من وعظى لهم. لأنه لا عظة أبلغ منعظة القرآن. ثم قال: أنا حجيج المارقين وخصيم المرتابين يوم القيامة ورويعنه أنه قال: أنا أول من يجثوا للحكومة بين يدي الله تعالى "، ثم أشار إلى ذلكبقوله: على كتاب الله تعرض الأمثال. يريد بذلك قوله تعالى: (هذان خصماناختصموا في ربهم) (١)، ثم قال: إن كنت قتلت عثمان أو مالأت عليه. فإن اللهسبحانه سيجازيني بذلك. وإلا فسوف يجازى بالعقوبة والعذاب من اتهمني بهونسبني إليه (٢).

لقد أرادوا باتهام أمير المؤمنين في دم عثمان أمورا منها: إخراجه من دائرةالتطهير التي ستظهرها رواية الحديث في عهده، وهم يريدون إخراجه من هذهالدائرة ليسهل عليهم مواجهته وتعبئة العامة من حولهم على اعتبار أنهم أولياءعثمان والأحق به. أي يجردونه من الرداء الذي وضعه عليه الله ورسوله. بينمايكون على أبدان بني أمية رداء تأويل قوله تعالى: (ومن قتل مظلوما فقد جعلنالوليه سلطانا فلا يسرف في القتل) (٣)، فيكونون هم في دائرة الدين. ويكونأمير المؤمنين واحدا من الناس حرص على الحكم ليجعله في أعقابه.

(١) سورة الحج: الآية ١٩.

(٢) ابن أبي الحديد ٣٧٩ / ٢.

(٣) سورة الإسراء: الآية ٣٣.

٤٩٩

ولقد بلغ الإعلام الأموي مداه حتى أن الأمر قد التبس عند العديد منالصحابة فهذا زيد من أرقم يقول لأمير المؤمنين علي، أنشدك الله، أنت قتلتعثمان؟ فأطرق الإمام ساعة ثم قال: والذي فلق الحبة. وبرأ النسمة ما قتلت ولاأمرت بقتله (١). وأمام طوفان الإعلام الأموي خطب الإمام علي في الناس فقال:

لو أمرت به لكنت قاتلا. أو نهيت عنه لكنت ناصرا. غير أن من نصره لا يستطيعأن يقول: خذله من أنا خير منه. ومن خذله لا يستطيع أن يقول: نصره من هوخير مني. وأنا جامع لكم أمره. استأثر فأساء الأثرة. وجزعتم فأسأتم الجزع.

ولله حكم واقع في المستأثر والجازع (٢). وخلاصة هذا الكلام: أنه فعل ما لايجوز وفعلتم ما لا يجوز. أما هو فاستأثر فأساء الأثرة. أي استبد بالأمور فأساءفي الاستبداد. وأما أنتم فجزعتم مما فعل. أي حزنتم فأسأتم الجزع. لأنكمقتلتموه. وقد كان الواجب عليه أن يرجع عن استئثاره. وكان الواجب عليكم ألاتجعلوا جراءه عما أذنب القتل. بل الخلع والحبس وترتيب غيره في الإمامة. ثمقال: ولله حكم سيحكم به فيه وفيكم (٣).

وأما هذه الأحداث طلب منه قوم من أصحابه أن يعاقب من أجلب علىعثمان. ولكن من هؤلاء الذين سيعاقبهم الإمام؟ وهناك من مهد ومن أفتى ومنناصر القتلة ومن خذل المقتول ومن قتل. ولهذا قال الإمام لأصحابه: يا إخوتاه،إني لست أجهل ما تعلمون. ولكن كيف لي بقوة والقوم المجلبون على حدشوكتهم يملكوننا ولا نملكهم!! دهاهم هؤلاء قد ثارت معهم عبدانكم والتفتإليهم أعرابكم (٤) (لاحظ أن المجلبين هنا ليسوا في جيش الإمام) وهمخلالكم (٥) يسومونكم (٦) ما شاؤا. وهل ترون موضعا لقدرة على شئ تريدونه؟

(١) رواه الحاكم (المستدرك ١٠٦ / ٣).

(٢) ابن أبي الحديد ٣٦٣ / ١.

(٣) ابن أبي الحديد ٣٦٥ / ١.

(٤) أي انضمت واختلطت بهم.

(٥) أي بينكم.

(٦) أي يكلفونكم.

٥٠٠