×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

معالم الفتن (ج 1) / الصفحات: ٥٠١ - ٥٢٠

إن هذا الأمر أمر جاهلية. وإن لهؤلاء القوم مادة. إن الناس من هذا الأمر إذاحرك على أمور: فرقة ترى ما ترون. وفرقة ترى ما لا ترون. وفرقة لا ترى هذاولا هذا. فاصبروا حتى يهدأ الناس وتقع القلوب مواقعها. وتؤخذ الحقوقمسمحة. فأهدأوا عني (١)، وانظروا ماذا يأتيكم به أمري. ولا تفعلوا فعلةتضعضع قوة (٢). وتسقط منه (٣). وتورث وهنا (٤) وذلة. وسأمسك الأمر مااستمسك وإذا لم أجد بدا فآخر الدواء الكي (٥). قال ابن أبي الحديد: واعلم أنهذا الكلام يدل على أنه كان في نفسه عقاب الذين حصروا عثمان والاقتصاصممن قتله. ولهذا قال: إني لست أجهل ما تعلمون. فاعترف بأنه عالم بوجوبذلك. واعتذر بعدم التمكن كما ينبغي. وصدق في ذلك. فإن أكثر أهل المدينةأجلبوا عليه... ولا يأمن لو شرع في عقوبة الناس والقبض عليهم. من تجددفتنة أخرى كالأولى وأعظم. فكان الأصوب في التدبير. والذي يوجبه الشرعوالعقل. الامساك إلى حين سكون الفتنة... وكان يأمل أن يطيعه معاوية وغيرهوأن يحضر بنو عثمان عنده يطالبون بدم أبيهم. ويعينون قوما بأعيانهم. بعضهمللقتل. وبعضهم للحصار. وبعضهم للتشور. كما جرت عادة المتظلمين إلىالإمام والقاضي. فحينئذ يتمكن من العمل بحكم الله تعالى. ولكن الأمر لم يقععلى هذا النحو. وعصى معاوية وأهل الشام. والتجأ ورثة عثمان إليه. وفارقواأمير المؤمنين. ولم يطلبوا القصاص طلبا شرعيا. وإنما طلبوه مغالبة. وجعلهامعاوية عصبية جاهلية. ولم يأت أحد منهم الأمر من بابه. وقد قال أمير المؤمنينلمعاوية فيما بعد: (فأما طلبك قتلة عثمان فادخل في الطاعة. وحاكم القومإلي أحملك وإياهم على كتاب الله وسنة رسوله... وهذا عين الحق. ومحضالصواب لأنه يجب دخول الناس في طاعة الإمام ثم تقع المحاكمة

(١) أي فاسكتوا.

(٢) أي تضعف وتهد.

(٣) منة / القوة.

(٤) وهن / ضعف.

(٥) ابن أبي الحديد ٣٣٩ / ١، الطبري حوادث عام ٣٥.

٥٠١

إليه (١). ولكن بني أمية ما كانوا يريدون حقا لأن الحق وضعهم ورفع غيرهم.

وجوهر الأمر لم يكن قتلة عثمان وإنما الملك وكان الإمام علي يعلم هذاولهذا قال: " وسأمسك الأمر ما استمسك. فإذا لم أجد بدا فآخر الدواء الكي "أي: أمسك نفسي عن محاربة هؤلاء الناكثين للبيعة ما أمكنني وأدفع الأيامبمراسلتهم وتخويفهم وإنذارهم. واجتهد في ردهم إلى الطاعة بالترغيبوالترهيب. فإذا لم أجد بدا من الحرب. فآخر الدواء الكي. أي الحرب. لأنهاالغاية التي ينتهي أمر العصاة إليها.

لقد كان الإمام يعلم أن هؤلاء هدفهم الحكم وليس قميص عثمان إلا رمزاوشعارا، ولهذا قال: لو أعلم أن بني أمية يذهب ما في نفوسها. لحلفت لهمخمسين يمينا مردودة بين الركن والمقام. أني لم أقتل عثمان. ولم أمال علىقتله (٢) وقال: " أما بنو أمية هيهات هيهات أما والذي فلق الحبة وبرأ النسمةلو كان الملك من وراء الجبال. ليثبوا عليه حتى يصلوا " (٣)، والإمام قال ذلكلأنه سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم وهو يخبر بالغيب عن ربه جل وعلا.

فعن ثروان قال: كنا جلوسا في المسجد. فمر علينا عمار بن ياسر. فقلنا له:

حدثنا ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم في الفتنة. فقال: سمعترسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: يكون بعدي قوم يأخذون الملك. يقتلعليه بعضهم بعضا. قلنا له: لو حدثنا غيرك ما صدقناه قال: فإنه سيكون (٤)فالملك لو كان من وراء الجبال لوثب عليه بنو أمية. ولا يقتلون عليه من خالفهمإن كان من غيرهم فقط. وإنما يقتلون أيضا بعضهم بعضا عليه.

وفي نص سابق علمنا أن الإمام عليا أخذ على نفسه أن يراسل القوم

(١) ابن أبي الحديد ٣٤٠ / ٣.

(٢) اللالكائي (كنز العمال ٩١ / ١٣).

(٣) ابن عساكر (كنز العمال ٣٦٤ / ١١).

(٤) رواه أحمد (الفتح الرباني ٢٤ / ٢٣) وقال الهيثمي رواه أحمد والطبراني وأبو يعلىورجاله ثقات (الزوائد ٢٩٢ / ٧).

٥٠٢

وينذرهم ويجتهد في ردهم إلى الطاعة. وقد فعل رضي الله عنه ذلك ليقيم علىالظالمين الحجة أمام الله جل وعلا. وروى أنه كتب إلى معاوية: " أما بعد. فقدعلمت إعذاري فيكم. وإعراضي عنكم. حتى كان ما لا بد منه ولا دفع له.

والحديث طويل. والكلام كثير. وقد أدبر ما أدبر. وأقبل ما أقبل. فبايع منقبلك. وأقبل إلي في وفد من أصحابك " (١)، لقد أقام الحجة وهو يعلم أنمعاوية له يبايع. وكيف يبايع وعينه طامحة إلى الملك والرئاسة منذ أمره عمرعلى الشام. ومن خلفه وصية أمه وأبيه. وكيف يطيع عليا وبين علي بن أبيطالب وبين النبي صلى الله عليه وسلم مساحة واسعة من اللارواية ومساحةأوسع من القص وعليها من المحرضين على علي أكثر من عدد الحصى ويكفيالوليد بن عقبة الذي بعث إلى معاوية يقول:

فوالله ما هند بأمك إن مضى * النهار ولم يثأر بعثمان ثائر
أيقتل عبد القوم سيد أهله * ولم تقتلوه ليت أمك عاقر

يقول ابن أبي الحديد: وتالله لو سمع هذا التحريض أجبن الناس وأضعفهمنفسا وأنقصهم همه لحركه وشحذ من عزمه فكيف معاوية. وقد أيقظ الوليدبشعره من لا ينام (٢) ولم يكتف أمير المؤمنين برسالة واحدة إلى معاوية. وإنمابعث إليه بأكثر من رسالة بعد بيعته بخصوص دم عثمان. وفي رسالة قال له:

ولعمري يا معاوية. لئن نظرت بعقلك دون هواك. لتجدني أبرأ الناس من دمعثمان. ولتعلمن أني كنت في عزله عنه. إلا أن تتجنى. فتجن ما بدا لك.

والسلام (٣).

ولم يكف الإعلام الأموي عن الباطل بل بعث إلى مكة وبقيةالأمصار بمن يحملون إذاعته ويعملون من أجل شق صف الأمة.

وفي هذا الوقت استأذن طلحة والزبير عليا في العمرة فأذن لهما فلحقا

(١) ابن أبي الحديد ٢٤٧ / ٥.

(٢) ابن أبي الحديد ٢٤٨ / ٥.

(٣) ابن أبي الحديد ٣١١ / ٤.

٥٠٣

بمكة (١) وبدأ أهل المدينة يحومون حول أمير المؤمنين، ليعرفوا رأيه فيمعاوية، وقتال أهل القبلة. أيجسر عليه أم ينكل عنه. ووجد أهل المدينة فيزياد بن حنظلة التميمي ضالتهم المنشودة. فدسوا زيادا إلى علي وكان من الذينيدخلون عليه. وذات يوم قال أمير المؤمنين لزياد: يا زياد تيسر. فقال: لأيشئ. فقال الإمام: تغزو الشام فخرج زياد على الناس والناس ينتظرونه.

فقالوا: ما وراءك؟ قال: السيف يا قوم (٢) وبدأ الإمام علي يجهز قواته ليضربالفرقة وطلاب الملك عند المهد وقبل أن يستفحل الأمر. وخطب أهل المدينة.

فدعاهم إلى النهوض في قتال أهل الفرقة. وقال: إن الله عز وجل بعث رسولاهاديا مهديا بكتاب ناطق. وأمر قائم واضح. لا يهلك عنه إلا هالك. وإنالمبتدعات والشبهات هن المهلكات. إلا من حفظ الله. وإن في سلطان اللهعصمة أمركم. فاعطوه طاعتكم غير ملتوية. ولا مستكره بها. والله لتفعلن أولينقلن الله عنكم سلطان الإسلام. ثم لا ينقله إليكم أبدا حتى يأرز الأمر إليها.

إنهضوا إلى هؤلاء القوم الذين يريدون يفرقون جماعتكم لعل الله يصلح بكم ماأفسد أهل الآفاق وتقضون الذي عليكم (٣)، وبينما كان أمير المؤمنين يحشدالقوة لمواجهة أهل الشام (٤) جاءه الخبر أن مكة قد هاجت وأن أم المؤمنينعائشة وطلحة والزبير لهم رأي آخر، واشتد على أهل المدينة الأمر!!

١ - ضجيج في أعماق الحجة:

كانت مكة منطلقا للأحداث بين أم المؤمنين عائشة وبين أمير المؤمنينعلي، وبالنظر في خطب أمير المؤمنين بعد نكث طلحة والزبير وخروج أمالمؤمنين عائشة. ترى أن جميع الخطب تدور على محور واحد هو: "... فإنهلما قبض الله نبيه صلى الله عليه وسلم. قلنا: نحن أهله وورثته وعترته.

(١) ابن أبي الحديد ١٦٣.

(٢) الطبري ١٦٣ / ٥.

(٣) الطبري ١٦٤ / ٥.

(٤) الطبري ١٦٩ / ٥.

٥٠٤

وأولياؤه من دون الناس. لا ينازعنا سلطانه أحد ولا يطمع في حقنا طامع. إذانبرى لنا قومنا فغصبونا سلطان نبينا. فصارت الإمرة لغيرنا. وصرنا سوقة. يطمعفينا الضعيف. ويتعزز علينا الذليل..... " (١)، وفي جميع هذه الخطب يبينالإمام مبايعة الناس له بعد مقتل عثمان وأن من بين الذين بايعوه طلحة والزبير.

وقد نكثا وغدرا ونهضا إلى البصرة بعائشة ليفرقا الجماعة. والباحث لا يعلمحقيقة الأحداث التي دعت أمير المؤمنين أن يطرح قضية الخلافة في ساحةتواجهه فيها السيدة عائشة. وقبل هذه الأحداث كانت خطب أمير المؤمنين تدورحول الاصلاح وفي قليل منها كان يشيد بأهل البيت.

والذي يمكن أن يؤكده البحث العلمي هو أن علاقة السيدة عائشة بأميرالمؤمنين لم تكن على المستوى المطلوب وهذه العلاقة كان النبي صلى الله عليهوسلم يقيم عليها الحجة في عهده لما سيترتب عليها. من ذلك ما رواه ابن حجرعن معاذة الغفارية قالت: كنت أخرج مع رسول الله في الأسفار. أقوم علىالمرضى، وأداوي الجرحى. فدخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم بيتعائشة وعلي خارج من عندها. فسمعته يقول لعائشة: إن هذا أحب الرجال إليوأكرمهم علي فاعرفي له حقه وأكرمي مثواه " (٢)، وعن رافع مولى عائشة قالت:

كنت غلاما أخدمها إذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم عندها. وإنه قال:

" عادى الله من عادى عليا " (٣). وكانت السيدة عائشة تعلم علم اليقين موضععلي وفاطمة من رسول الله صلى الله عليه وسلم. فعن النعمان قال: إستأذن أبوبكر صلى الله عليه وسلم. فسمع صوت عائشة عاليا وهي تقول: والله لقد عرفتأن عليا وفاطمة أحب إليك مني ومن أبي - مرتين أو ثلاثا - فاستأذن أبو بكرفأهوى إليها فقال: " يا بنت فلانة لا أسمعك ترفعين صوتك على رسول اللهصلى الله عليه وسلم " (٤).

(١) راجع هذه الخطب في ابن أبي الحديد ٢٤٨ / ١ وما بعدها.

(٢) الإصابة ١٨٣ / ٨.

(٣) أخرجه ابن منده بسند صحيح (الإصابة ١٩١ / ٢).

(٤) رواه الإمام أحمد وقال الهيثمي رجاله رجال الصحيح (الفتح الرباني ٤ / ٢٧٥) (الزوائد

٥٠٥
٥٠٦

أزواجه " (١)، لقد أقام النبي صلى الله عليه وسلم الحجة على منطقة الاختيارفي الإنسان. وفي علم الله المطلق أن كثيرا من الصحابة لن يلتفتوا إلى هذهالحجة وهذا التحذير، ولكن العلم المطلق يقابله تحذير مطلق. وهذه سنة إلهيةجارية منذ أن بعث الله تعالى رسله حتى لا يكون للناس على الله حجة.

والنبي صلى الله عليه وسلم عندما قال لعلي: " سيكون بينك وبينعائشة أمر. بين صلى الله عليه وسلم طريق هذا الأمر لتأخذ السيدة عائشةحذرها إذا سلكت هذا الطريق فقال لنسائه: ليت شعري. أيتكن صاحبة الجملالأدبب. تخرج فتنبحها كلاب الحوأب. يقتل عن يمينها ويسارها قتلىكثير " (٢).

وفي رواية قال لعائشة: إياك يا حميراء (٣) وكان عند حذيفة خبر هذهالرحلة. لأنها في علم الله المطلق واقعة لا محالة ووقوعها لا ينفي ولا يقلل منوجود الحجة على بداية الطريق. قال حذيفة لرجل: ما فعلت أمك؟ قال: قدماتت. فقال: أما إنك ستقاتلها. فعجب الرجل من ذلك حتى خرجتعائشة (٤). ونظرا لاتساع وعمق مساحة اللارواية وما نتج عنها. كان حذيفةيقول: لو حدثتكم أن أمكم تغزوكم أتصدقوني؟ قالوا: أو حق ذلك! قال:

حق (٥). وكان حذيفة يقول في مساحة اللارواية: لو حدثتكم ما أعلم لافترقتمعلى ثلاث فرق. فرقة تقاتلني، وفرقة لا تنصرني، وفرقة تكذبني (٦). ولهذااختصر حذيفة الطريق وأوصى الناس بأن يلزموا عمارا لأنه علم أن عمارا لايفارق عليا. فإن لزموا عمارا لزموا عليا.

(١) رواه أحمد والبخاري والترمذي (الفتح الرباني ٣٤ / ٢٣) (صحيح البخاري ك اللباس٣٣، ٨٤ / ٤)، (جامع الترمذي ٤٨٨ / ٤).

(٢) رواه البزار (كشف الأستار ٤ / ٩٤) وقال الهيثمي رجاله ثقات (الزوائد ٧ / ٢٣٤).

(٣) رواه أبو نعيم بسند صحيح (كنز العمال ٣٣٤ / ١١).

(٤) رواه ابن أبي شيبة (كنز العمال ٣٣٣ / ١١).

(٥) رواه أبو نعيم وابن عساكر (كنز العمال ٢١٨، ٣٣٣ / ١١).

(٦) رواه ابن أبي شيبة (كنز العمال ٢٢٧ / ١١).

٥٠٧

وعلى الرغم من أن مساحة اللارواية قد عتمت على تحذيرات كثيرةوتبشيرات أكثر، إلا أن الحجة كانت قائمة حتى في هذه العتمة. وكان العديد منالصحابة يعلمون أن لهم يوما يبتلون فيه وأن الجمل سيكون علامة ناصعة في هذااليوم. فعن عمير بن سعيد قال: كنا جلوسا مع ابن مسعود وأبو موسى عنده.

فأخذ الوالي رجلا فضربه وحمله على جمل، فجعل الناس يقولون: الجملالجمل. فقال رجل: يا أبا عبد الرحمن هذا الجمل الذي كنا نسمع؟ قال: فأينالبارقة (١).

فمن هذا كله نستطيع القول بأن الحجة على الأحداث قد قامت على الجيلالأول وذلك في إخبار النبي صلى الله عليه وسلم بالغيب عن ربه جل وعلا.

ويمكن أن نقول. إن الضجيج الذي حدث في مكة وإن كان مظهره يحمل قميصعثمان. إلا أن جوهره بخلاف ذلك. فالذين نكثوا البيعة أرادوا شق الأمة بوضعالسيدة عائشة في أعلى مربع أهل البيت ليقطعوا الطريق على علي بن أبي طالب.

والدليل على ذلك ما حدث أثناء الهياج عندما هب الناس للبحث عن الحقيقة.

فلقد ذهبوا إلى أكابر الصحابة وقتئذ ليعرفوا من هم أهل البيت. روى الإماممسلم أن يزيد بن حبان وحصين بن سبرة وعمر بن مسلم. ذهبوا إلى زيد بن أرقمفقال له حصين: من أهل بيته يا زيد. أليس نساؤه من أهل بيته. فقال زيد: لا -وفي رواية - نساؤه من أهل بيته ولكن أهل بيته من حرم الصدقة بعده " (٢)، قالالنووي: نساؤه لا يدخلن فيمن حرم الصدقة (٣). وسيأتي متابعة حرمة الناس فيهذا الوقت في حينه.

ومن الدليل أيضا على أن المقصود من حركة الناكثين الإطاحة بعلي مندائرة أهل البيت. أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر بأن هذا الالتباسسيحدث. وأوصى بعلي. وذلك فيما رواه حذيفة قال: كيف أنتم وقد خرج أهلبيت نبيكم صلى الله عليه وسلم فرقتين. يضرب بعضهم وجوه بعض. قالوا:

(١) رواه الطبراني وقال الهيثمي رجاله رجال الصحيح (الزوائد ٢٣٧ / ٧).

(٢) رواه مسلم (الصحيح ١٧٩ / ١٥) في فضل على ما.

(٣) النووي شرح مسلم (١٨٠ / ١٥)

٥٠٨

يا أبا عبد الله. وإن هذا لكائن! وقال بعض أصحابه: فكيف نصنع إن أدركنا ذلكالزمان؟ قال: انظروا الفرقة التي تدعوا إلى أمر علي فإلزموها فإنها علىالهدى (١).

وعلى هذا وذاك يمكن القول بأن الناكثين خلطوا الأمور أمام السيدةعائشة. فخرجت للإصلاح ولكنهم ساروا بها في طريق شق الصف. وعندمانبحت عليها كلاب الحوأب. أرادت الرجوع ولكنهم قالوا لها: تقدمي ويراكالناس ويصلح الله عزو جل ذات بينهم (٢). وتقدمت السيدة عائشة. ومن ورائهاتحذير يخوفها من الشيطان. روى البخاري عن عبد الله قال قال النبي صلى اللهعليه وسلم خطيبا فأشار نحو مسكن عائشة فقال: " ها هنا الفتنة - ثلاثمرات - من حيث يطلع قرن الشيطان " (٣)، لقد كانت الأهواء تحيط بمسكن أمالمؤمنين. ويريد أصحابها شق الصف أولا: ليبحث كل صاحب هوى عن كرسيله ثانيا: يركب به على أعناق الأمة. ولم تتبين أم المؤمنين هذه الأهواء فيوقتها. ولكنها علمت حقيقتها بعد ذلك. فلم تجد رضي الله عنها إلا الدمع تعبربه عن ندم طويل (٤). وسنذكر ذلك بتفاصيله في حينه.

٢ - الناكثون في أعماق الحجة:

كان الإمام علي يعلم إلى أين ستنتهي الأحداث. أولا: لأن هناك نصا أنهسيقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين. ومن كان هذا شأنه فلا بد أن يعرفالبدايات التي ستنتهي إلى ميدان القتال. وثانيا: لأنه كان قد تعلم رؤوس الفتنورؤوس النفاق، روى أنه قال: " ما من ثلاثمائة تخرج إلا ولو شئت سميت

(١) رواه البزار وقال الهيثمي رجاله ثقات (الزوائد ٢٣٦ / ٧).

(٢) رواه الحاكم (المستدرك ١٢٠ / ٣).

(٣) رواه البخاري (فتح الباري حديث رقم ٣١٠٤، ص ٢٤٣ / ٦ ط الربان)، ومسلم(الصحيح ٣١ / ١٨)، والإمام أحمد والترمذي (الفتح الرباني ١٨ / ٢٤).

(٤) ندم السيدة عائشة رواه الطبراني (الزوائد ٢٣٨ / ٧) وابن سعد (الطبقات ٧٤ / ٨) والحاكم(المستدرك ٦ / ٤).

٥٠٩

سائقها وناعقها إلى يوم القيامة " (١)، وعن حذيفة قال: "... والله ما ترك رسولالله صلى الله عليه وسلم من قائد فتنة إلى أن تنقضي الدنيا يبلغ من معهثلاثمائة فصاعدا إلا قد سماه لنا باسمه واسم أبيه واسم قبيلته " (٢). ولأن الإماميعلم الرجال ومقاصدهم. كانت حركته كلها حجة عليهم. روي أنه بعد قتلعثمان جاء علي بن أبي طالب فقال لطلحة: أبسط يدك يا طلحة لأبايعك. فقالطلحة: أنت أحق وأنت أمير المؤمنين فابسط يدك فبسط علي يده فبايعه (٣).

وطلحة كان يطمع في الخلافة. وكان لا يشك أن الأمر بعد عثمان سيكونله لوجوه منها: سابقته. ومنها أنه ابن عم لأبي بكر. وكان لأبي بكر في نفوسأهل ذلك العصر منزلة عظيمة، ومنها أنه كان سمحا جوادا. وقد كان نازع عمرفي حياة أبي بكر. وأحب أن يفوض أبو بكر الأمر إليه من بعده (٤). وقال لأبيبكر: ما تقول لربك وقد وليت علينا فظا غليظا. وكان له في أيام عمر قوميجلسون إليه. ويحادثونه سرا في معنى الخلافة. ويقولون له: لو مات لبايعناكبغتة. وعندما بلغ ذلك عمر. خطب الناس بالكلام المشهور: إن قوما يقولون:

إن بيعة أبي بكر كانت فلتة. وإنه لو مات عمر لفعلنا وفعلنا... " (٥) وعندماجعلها عمر شورى لم يجد طلحة لنفسه مخرجا للفوز بالخلافة. حيث إنالشورى ما كانت لتصب إلا في إناء بني أمية لأن عثمان و عبد الرحمن وسعداحزمة واحدة. بالإضافة إلى أن وجود عبد الرحمن في فريق يرجح هذا الفريقعلى الفريق الآخر كما نصت لائحة الشورى. ورضي طلحة بالأمر الواقع حتىجاءت الأحداث التي أطاحت بعثمان. وكما رأينا أنه كان من المؤلبين عليهواستولى على مفتاح بيت المال أثناء هذه الثورة. لأنه كان لا يشك في أن الأمرسيصب في سلته. ومن العجيب أن أم المؤمنين عائشة كانت على علم بهذه

(١) رواه نعيم بن حماد بإسناد صحيح (كنز العمال ٢٧١ / ١١).

(٢) رواه أبو داوود حديث ٤٢٢٢.

(٣) الطبري ١٥٦ / ٥.

(٤) ابن أبي الحديد ١٤٦ / ٣.

(٥) الطبري ٢٠٠ / ٣.

٥١٠

الأحداث وهي في مكة. روي أن ابن عباس مر بها في الصلصل. فقالت: يا ابنعباس أنشدك الله. فإنك قد أعطيت لسانا إزعيلا (١). أن تخذل عن هذا الرجل -يعني عثمان - وأن تشكك فيه الناس. فقد بانت لهم بصائرهم. وأنهجت ورفعتلهم المنار. وتحلبوا من البلدان لأمر قد جم وقد رأيت طلحة بن عبيد الله. قداتخذ على بيوت الأموال والخزائن مفاتيح. فإن يل يسر بسيرة ابن عمه أبي بكررضي الله عنه. فقال ابن عباس: يا أمه لو حدث بالرجل حدث. ما فزع الناسإلا إلى صاحبنا - يعني عليا - فقالت: إيها عنك. إني لست أريد مكابرتك ولامجادلتك " (٢). وعندما بلغها قتل عثمان قالت: أحق الناس بهذا الأمر لذيالإصبع - تعني طلحة - فلما جاءت الأخبار ببيعة علي قالت: تعسوا تعسوا لايردون الأمر في تيم أبدا " (٣). فهذا الطريق الطويل أقام الإمام علي عليه الحجةفي أوله عندما قال لطلحة: أبسط يدك يا طلحة لأبايعك. وذلك ليقطع طريقالهوى (٤). وهو يعلم أن طريق الهوى سيصب في ميدان القتال حيث يكون قتالهمع الناكثين. وليس معنى قتال الناكثين أن الحجة لم تقم عليهم في أول الطريق.

وإنما قامت لأن الطريق سيكون عليه دماء. وهذه الدماء لها قانون. وهذا القانونتنيره حجة ظاهرة ناصعة.

وروي أن طلحة والزبير سألا علي بن أبي طالب أن يؤمرهما على الكوفةوالبصرة. وكانا لهما أتباع فيهما. فقال علي: " تكونان عندي. فأتحمل بكما،فإني وحش لفراقكما " (٥). وروى ابن قتيبة. أنهما قالا: ولكنا بايعناك على أناشريكان في الأمر. فقال علي لا. ولكنكما شريكان في القوة والاستقامة والعون

(١) ابن أبي الحديد.

(٢) الطبري ١٤٠ / ٥، البلاذري ٢١٧ / ٢.

(٣) ابن أبي الحديد ٤٠٩ / ٢.

(٤) روي أن طلحة والزبير قالا بعد أن قال لهما على ذلك: عرفنا أنه لم يكن ليبايعنا(الطبري ١٥٣ / ٥).

(٥) الطبري ١٥٣ / ٥.

٥١١

على العجز والأود " (١)، وبقي طلحة والزبير في المدينة أربعة أشهر يراقبان عليامن قريب (٢).

لقد كان طلحة يعلم أنه لن يكون له في ظل عهد أمير المؤمنين إلا مايستحقه. ولذلك قال بعد أن بايع الناس عليا " ما لنا من هذا الأمر إلا كلحسة أنفالكلب " (٣)، وفي هذا اليأس جاءته رسالة من معاوية وفيها: أما بعد. فإنك أقلقريش وترا. مع صباحة وجهك. وسماحة كفك. وفصاحة لسانك. فأنت بإزاءمن تقدمك في السابقة. وخامس المبشرين بالجنة. ولك يوم أحد وشرفهوفضله. فسارع رحمك الله إلى ما تقلدك الرعية من أمرها مما لا يسعك التخلفعنه. ولا يرضى الله منك إلا بالقيام به. فقد أحكمت لك الأمر قبلي. والزبيرمتقدم عليك بفضل. وأيكما قدم صاحبه فالمقدم الإمام. والأمر من بعده للمقدمله. سلك الله بك قصد المهتدين. ووهب لك رشد الموفقين. والسلام " (٤).

ولم يكن طلحة وحده الذي أرسل إليه معاوية الرسالة الفخ. وإنما أرسل إلىالزبير أيضا. وفيها:... واعلم يا أبا عبد الله. أن الرعية أصبحت كالغنمالمتفرقة لغيبة الراعي. فسارع رحمك الله إلى حقن الدماء ولم الشعث. وجمعالكلمة. وصلاح ذات البين. قبل تفاقم الأمر وانتشار الأمة. فقد أصبح الناسعلى شفا جرف هار وعما قليل ينهار إن لم يرأب. فشمر لتأليف الأمة. وابتغإلى ربك سبيلا. فقد أحكمت الأمر على من قبلي لك ولصاحبك. على أن الأمرللمقدم. ثم لصاحبه من بعده. جعلك الله من أئمة الهدى. وبغاة الخير والتقوىوالسلام " (٥).

وبينما لوح لطلحة والزبير بالخلافة. نجده في رسائله إلى مروان بن الحكموسعيد بن العاص و عبد الله بن عامر والوليد بن عقبة ويعلى بن منبه. يطالب

(١) الإمامة والسياسة ٥١ / ١.

(٢) تاريخ اليعقوبي ١٢٧ / ٢، ابن أبي الحديد ٥٧٧ / ٣، الطبري ١٥٣ / ٥.

(٣) الطبري ١٥٣ / ٥.

(٤) ابن أبي الحديد ٥٣٣ / ٣.

(٥) ابن أبي الحديد ٥٣٣ / ٣.

٥١٢

بالحذر والسهر حتى لا يفلت الأمر من أيدي بني أمية. فهو يقول لمروان: فإذاقرأت كتابي هذا فكن كالفهد لا يصطاد إلا غيلة. ولا يتشازر إلا عن حيلة.

وكالثعلب لا يفلت إلا روغانا. واخف نفسك منهم إخفاء القنفذ رأسه عند لمسالأكف. وامتهن نفسك إمتهان من ييأس القوم من نصره وانتصاره وابحث عنأمورهم بحث الدجاجة عن حب الدخن عند فقسها. وأنغل (١) الحجاز فإنيمنغل الشام والسلام " (٢).

وكتب إلي يعلى بن منبه،... فأما الشام فقد كفيتك أهلها. وأحكمتأمرها. وقد كتبت إلى طلحة بن عبيد الله. أن يلقاك بمكة. حتى يجتمع رأيكماعلى إظهار الدعوة والطلب بدم عثمان أمير المؤمنين المظلوم. وكتبت إلىعبد الله بن عامر يمهد لكم العراق. ويسهل لكم حزونة عقابها (٣). واعلم يا ابنأمية أن القوم قاصدوك بادئ بدء لاستنطاف ما حوته يداك من المال فاعلم ذلكواعمل على حسبه إن شاء الله " (٤).

وكتب إلى سعيد بن العاص:... إن أمير المؤمنين عتب عليه فيكم.

وقتل في سبيلكم. ففيم القعود عن نصرته والطلب بدمه. وأنتم بنو أبيه. ذوورحمه وأقربوه. وطلاب ثأره... فإذا قرأت كتابي هذا فدب دبيب البرء فيالجسد النحيف. وسر سير النجوم تحت الغمام... فقد أيدتكم بأسد وتيم " (٥).

وكتب إلى عبد الله بن عامر: ساور الأمر مساورة الذئب الأطلس كسيرةالقطيع. ونازل الرأي. وانصب الشرك. وارم عن تمكن. وضع الهناء (٦) مواضعالنقب (٧) واجعل أكبر عدتك الحذر. وأحد سلاحك التحريض... وقم قبل أن

(١) أنغلهم / أجملهم على الضعن.

(٢) ابن أبي الحديد ٥٣٣ / ٣.

(٣) العقاب / المرقى الصعب من الجبال.

(٤) ابن أبي الحديد ٥٣٦ / ٣.

(٥) ابن أبي الحديد ٥٣٤ / ٣.

(٦) هنأ البعير / طلاء بالقطران.

(٧) النقب / هو أول ما يبدو من الجرب.

٥١٣

يقام لك. واعلم أنك غير متروك ولا مهمل. فإني لكم ناصح أمين... " (١)،ودخل طلحة والزبير في فخاخ بني أمية بعد أن علم معاوية موطن الداء فيهما،وبدأ كل من طلحة والزبير يعد العدة للذهاب إل مكة حيث توجد السيدة عائشةوأذرع بني أمية التي ترتدي قفازات من حرير غمست في السم أياما طويلة.

وعن أم راشد قالت: سمعت طلحة والزبير يقول أحدهما لصاحبه: بايعتهأيدينا ولم تبايعه قلوبنا. فقلت لعلي بن أبي طالب فقال: " من نكث فإنما ينكثعلى نفسه ومن أوفى بما عاهد الله عليه فسيؤتيه أجرا عظيما " (٢)، وجاء طلحةوالزبير. فاستأذناه في الخروج إلى مكة للعمرة. فأذن لهما. بعد أن أحلفهما ألاينقضا بيعته. ولا يغدرا به. ولا يشقا عصا المسلمين ولا يوقعا الفرقة بينهموأن يعودا بعد العمرة إلى بيوتهما بالمدينة. فحلفا على ذلك كله ثمخرجا " (٣).

وروي أنه لما خرج طلحة والزبير إلى مكة وأوهما الناس أنهما خرجاللعمرة.. قال علي لأصحابه: والله ما يريدان العمرة وإنما يريدان الغدرة " ومننكث فإنما ينكث على نفسه " (٤)، وهكذا قامت الحجة في البداية وفي النهاية.

٣ - لقاء في مكة:

لما قتل عثمان كانت عائشة بمكة. وبينما هي في طريقها من مكة إلىالمدينة لقيها رجل يقال له عبد الله بن أبي سلمة. يعرف بأمه أم كلاب. فقاللها: لا تدري. قتل عثمان. قالت: ثم صنعوا ماذا؟ قال: اجتمعوا على بيعةعلي. فقالت: ليت هذه انطبقت على هذه إن تم الأمر لصاحبك، ردوني ردوني.

فانصرفت إلى مكة وهي تقول: قتل والله عثمان مظلوما والله لأطلبن بدمه. فقيل

(١) ابن أبي الحديد ٥٣٤ / ٣.

(٢) رواه ابن أبي شيبة (كنز العمال ٢٣٥ / ١١).

(٣) ابن أبي الحديد ٥٧٦ / ٣، الطبري ١٦٣ / ٥.

(٤) ابن أبي الحديد ٥٧٦ / ٣.

٥١٤

لها: ولم والله إن من أول من أمال حرفه لأنت. ولقد كنت تقولين: اقتلوا نعثلافقد كفر. قالت: إنهم استتابوه ثم قتلوه. وقد قلت وقالوا. وقولي الأخير خيرمن قولي الأول فقال لها ابن أم كلاب:

فمنك البداء ومنك الغير * ومنك الرياح ومنك المطر
وأنت أمرت بقتل الإمام * وقلت لنا أنه قد كفر
فهبنا أطعناك في قتله * وقاتله عندنا من أمر (١)

وروي من طرق مختلفة أن عائشة كانت من أشد الناس على عثمان. وهيأول من سمى عثمان نعثلا. وكانت لا تشك في أن طلحة هو صاحب الأمر بعدعثمان. وروي أن عائشة نزلت على باب المسجد. وقصدت للحجر فسترت فيه.

واجتمع الناس إليها فقالت: يا أيها الناس إن الغوغاء من أهل الأمصار وأهلالمياه وعبيد أهل المدينة. إجتمعوا إن عاب الغوغاء على هذا المقتول بالأمسالأرب. واستعمال من حدثت سنه، وقد استعمل أسنانهم قبله. ومواضع منمواضع الحمى حماها لهم. وهي أمور قد سبق بها لا يصلح غيرها. فتابعهمونزع لهم عنها استصلاحا لهم. فلما لم يجدوا حجة ولا عذرا. خلجوا وبادءوابالعدوان. ونبا فعلهم عن قولهم. فسفكوا الدم الحرام واستحلوا البلد الحراموأخذوا المال الحرام واستحلوا الشهر الحرام. والله لإصبع عثمان خير من طباقالأرض أمثالهم. فنجاة من اجتماعكم عليهم. حتى ينكل بهم غيرهم. ويشرد منبعدهم. ووالله لو أن الذي اعتدوا به عليه كان ذنبا. لخلص منه كما يخلصالذهب من خبثه " (٢). وروى ابن أبي الحديد أن طلحة والزبير كتبا إلى عائشةوهي بمكة كتابا: أن خذلي الناس عن بيعة علي. وأظهري الطلب بدم عثمان.

وحملا الكتاب مع ابن أختها عبد الله بن الزبير " (٣).

وبدأت إذاعة المعارضين تعمل من أجل إيجاد رأي عام. واجتمع القوم في

(١) الكامل / ابن الأثير ١٠٦ / ٣، الطبري ١٧٢ / ٥.

(٢) الطبري ١٦٥ / ٣، الكامل ١٠٦ / ٣.

(٣) ابن أبي الحديد ٤٠٩ / ٢.

٥١٥

بيت أم المؤمنين عائشة، وقالوا: نسير إلى علي بن أبي طالب فنقاتله. فقالالبعض: ليس لكم طاقة بأهل المدينة. ولكنا نسير حتى ندخل البصرة والكوفةولطلحة بالكوفة شيعة وهوى. وللزبير بالبصرة هوى ومعونة. فاجتمع رأيهم علىأن يسيروا إلى البصرة (١). وأعلنت عائشة الاتفاق فقالت: أيها الناس إن هذاحدث عظيم وأمر منكر. فانهضوا فيه إلى إخوانكم. من أهل البصرة وأنكروه.

فقد كفاكم أهل الشام ما عندهم - يعني معاوية - لعل الله عز وجل يدرك لعثمانوللمسلمين بثأرهم " (٢)، ورفع بنو أمية رؤوسهم. وقام سعيد بن العاصوالوليد بن عقبة وسائر بني أمية. وقدم عليهم عبد الله بن عامر من البصرةويعلى بن أمية - وينسب إلى أمه منبه - من اليمن (٣). وجاء طلحة والزبير منالمدينة. وكان أمير المؤمنين علي بن أبي طالب قد استحلفهما أن لا يوقعا الفرقةبين المسلمين. فحلفا على ذلك وغيره. وعندما التقت بهما عائشة قالت لهما:

ما وراءكما؟ قالا: فارقنا قوما حيارى لا يعرفون حقا ولا ينكرون باطلا " (٤).

وبدأ الإعداد للغزو وقال يعلى بن أمية: معي ستمائة ألف وستمائة بعيرفاركبوها. وقال عبد الله بن عامر معي كذا وكذا فتجهزوا به (٥). ونادى المنادي:

إن أم المؤمنين وطلحة والزبير شاخصون إلى البصرة. فمن كان يريد إعزازالإسلام وقتال المحلين. والطلب بثأر عثمان. ولم يكن عنده مركب ولم يكن لهجهاز فهذه جهازه وهذه نفقته " (٦)، وكان أزواج النبي صلى الله عليه وسلمفي مكة وقتئذ. وانطلق القوم إلى أم المؤمنين حفصة يسألونها رأيها في الأحداثفقالت: رأيي يتبع لرأي عائشة، وأرادت حفصة الخروج. فأتاها عبد الله بن عمروطلب منها أن تقعد. فبعثت إلى عائشة أن عبد الله حال بيني وبين الخروج

(١) الطبري ١٦٨ / ٥.

(٢) الطبري ١٦٧ / ٥.

(٣) الطبري ١٦٦ / ٥.

(٤) الطبري ١٦٦ / ٥.

(٥) الطبري ١٦٦ / ٥.

(٦) الطبري ١٦٧ / ٥، البداية والنهاية ٢٣١ / ٧.

٥١٦

فقالت عائشة: يغفر الله لعبد الله " (١).

وبدأ التحرك. وذكر الطبري: أن مروان بن الحكم أذن للصلاة حين خرجوامن مكة. ثم جاء إلى طلحة والزبير وقال: على أيكما أسلم بالإمرة وأؤذنبالصلاة؟ فقال عبد الله بن الزبير: علي أبي عبد الله. وقال محمد بن طلحة: عليأبي محمد. فأرسلت عائشة إلى مروان وقالت: ما لك أتريد أن تفرق أمرنا.

ليصل ابن أختي!! فكان يصلي بهم عبد الله بن الزبير حتى قدم إلى البصرة (٢).

وبينما الركب في الطريق. شاهدوا رجلا معه جمل. فقالوا: يا صاحب الجملتبيع جملك؟ قال: نعم. قيل له: بكم؟ قال: بألف درهم.. قيل: لو تعلم لمننريده لأحسنت بيعنا. قال: ولمن تريده، فقيل له: لأمك. قال: تركت أمي فيبيتها قاعدة. قيل: إنما نريده لأم المؤمنين عائشة، قال: فهو لك فخذه بغيرثمن. قيل له: لا ولكن ارجع معنا إلى الرحل فلنعطك ناقة مهرية ونزيدكدراهم. وبعد أن أعطوه، قالوا له: يا أخا عرينة هل لك دلالة بالطريق. قال:

نعم: أنا من أدرك الناس. قالوا: فسر معنا. فسار معهم وكان لا يمر على وادولا ماء إلا سألوه عنه. حتى طرقوا ماء الحوأب فنبحتهم كلابها. قالوا: أي ماءهذا. قال: ماء الحوأب. فصرخت عائشة. ثم قالت: أنا والله صاحبة كلابالحوأب. طروقا ردوني (٣). فقالوا لها: بل تقدمين فيراك المسلمون فيصلح اللهعزو جل ذات بينهم، قالت: إن رسول الله صلى الله عليه وآله قال لها ذاتيوم: كيف بإحداكن تنبح عليه كلاب الحوأب وانطلقت أم المؤمنين نحوالبصرة، في الركب الذي أقيمت عليه الحجة.

(١) الطبري ١٦٧ / ٥.

(٢) الطبري ١٦٩ / ٥، الكامل ١٠٧ / ٣.

(٣) رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح ونعيم بن حماد وقال ابن كثير إسناده صحيح، وقالالهيثمي رواه أحمد وأبو يعلى والبزار، ورجال أحمد رجال الصحيح، ورواه الحاكموذكر أن القائل: تقدمي هو الزبير (الفتح الرباني ١٣٧ / ٢٣) (البداية والنهاية ٢١١ / ٦)،(المستدرك ١٢٠ / ٣)، الطبري ١٧٨ / ٥.

٥١٧

٤ - نظرات على طريق البغي:

عندما بلغ أمير المؤمنين عليا ما استقر عليه طلحة والزبير. قال: والله ماأنكروا منكرا. ولا جعلوا بيني وبينهم نصفا (١) وإنهم ليطلبون حقا هم تركوه.

ودماهم سفكوه. فإن كنت شريكهم فيه. فإن لهم نصيبهم منه. وإن كانوا ولوهدوني فما المطالبة إلا قبلهم. وإن أول عدلهم للحكم على أنفسهم. وإن معيلبصيرتي. ما لبست ولا لبس علي.

وإنها للفئة الباغية فيها الحمأ والحمة (٢). والشبهة المغدقة (٣). وإن الأمرلواضح. وقد زاح الباطل عن نصابه (٤). وانقطع لسانه عن شغبه (٥). وأيم اللهلأفرطن لهم حوضا أنا ماتحه (٦). لا يصدرون عنه بري، ولا يعبون (٧) بعدهمن حسي " (٨).

قال ابن أبي الحديد: والمعنى: والله ما أنكروا علي أمرا هو منكر فيالحقيقة. وإنما أنكروا ما الحجة عليهم فيه لا لهم. وحملهم على ذلك الحسدوحب الاستئثار بالدنيا. وقال: ولا جعلوا بيني وبينهم نصعا أي وسيطا يحكموينصف. بل خرجوا عن الطاعة بغتة. وإنهم ليطلبون حقا تركوه. أي يظهرونأنهم يطلبون حقا بخروجهم إلى البصرة. وقد تركوا الحق بالمدينة. وقال: إنهؤلاء خرجوا ونقضوا البيعة. وقالوا: إنما خرجنا للأمر بالمعروف والنهي عنالمنكر. وإظهار العدل وإحياء الحق. وإماتة الباطل. وأول العدل أن يحكمواعلى أنفسهم. فإنه يجب على الإنسان أن يقضي على نفسه ثم على غيره. وإذا

(١) النصف / الأنصاف.

(٢) الحمأ / الطين الأسود، حمة العقرب / سمها.

(٣) الشبهة المغدقة / أي الخفية.

أي بعد وذهب عن مركزه ومقره.

(٥) الشغب / تهييج الشر.

(٦) لأفرطن لهم حوضا / أي لأملأن، الماتح / المستفي من فوق.

(٧) العب / الشرب بلا مص كما تشرب الدابة.

(٨) الحس / ماء كامن في رمل يحفر عنه.

٥١٨

كان دم عثمان قبلهم. فالواجب أن ينكروا على أنفسهم قبل إنكارهم علىغيرهم. وقال: إن معي لبصيرتي. أي عقلي أي أوضح النبي صلى الله عليه وآلهوسلم لي كل شئ وعرفنيه. وإنها للفئة الباغية. أي الفئة التي وعدت بخروجهاعلي ثم ذكر بعض العلامات. وقال: إن الأمر لواضح. وقوله هذا يؤكد به عندنفسه وعند غيره. أن هذه الجماعة هي تلك الفئة الموعود بخروجها. ثم أخبر:

وقد ذهب الباطل وزاح. وخرس لسانه. ثم أقسم: ليملأن لهم حوضا هوماتحه - يسقيهم من فوقه - وهذه كناية عن الحرب والهجاء وما يتعقبهما من القتلوالهلاك (١).

وبعد أن كشف الإمام النقاب عن بداية حرب البغاة التي تحمل أسماءمختلفة وتدور رحاها في ميادين مختلفة. بين أن البغاة يسيرون نحو هدف واحديقتلون عليه بعضهم بعضا ويبذلون في سبيله كل نفيس. وهذا الهدف هوالحكم. قال الإمام بعد نكث طلحة والزبير: " كل واحد منهم يرجو الإمام له.

ويعطفه عليه دون صاحبه ولا يمتان (٢) إلى الله بحبل ولا يمدان إليه بسبب. كلواحد منهما حامل ضب (٣) لصاحبه. وعما قليل يكشف قناعه به. والله لئنأصابوا الذي يريدون لينتزعن هذا نفس هذا. وليأتين هذا على هذا. قد قامتالفئة الباغية فأين المحتسبون (٤). قد سنت لهم السنن. وقدم لهم الخير. ولكلضال علة. ولكل ناكث شبهة. والله لا أكون كمستمع اللدم (٥). يسمع الناعيويحضر الباكي. ثم لا يعتبر " (٦).

فطريق البغي لا يتمسك بحبل الله وأصحاب الرؤوس الكبيرة من صفاتهمأن كل واحد منهم يريد الأمر لنفسه. ولأن هذه هي الحقيقة فإن تحت راياتهم لا

(١) ابن أبي الحديد ١٥١ / ٣.

(٢) يمتان / يتوسلان.

(٣) انصب / الحقد.

(٤) المحتسبون / طالبو الأجر(٥) مستمع اللدم / كناية عن الضبع حين تسمع وقع الحجر فتستسلم للصائد.

(٦) ابن أبي الحديد ٢٠٦ / ٣.

٥١٩
٥٢٠