×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

معالم الفتن (ج 1) / الصفحات: ٥٢١ - ٥٤٠

ويدعونه إلى النار. باختصار كان عمار حجة على البغاة. حجة على أول طريقهموحجة على نهاية طريقهم. وليس معنى أنه قتل في آخر الطريق أنه لم يكن لهوجود في أول الطريق. لأن عمارا بمثابة مشعل على طريق طويل. وهذا المشعلوقوده عند علي بن أبي طالب. قال النبي صلى الله عليه وسلم لعمار: " ياعمار إن رأيت عليا قد سلك واديا. وسلك الناس واديا غيره. فاسلك مع عليودع الناس. إنه لن يدلك على ردى ولن يخرجك من الهدى " (١)، لهذا كانحذيفة يقول بعد مقتل عثمان: " آمركم أن تلزموا عمارا. قالوا: إن عمارا لايفارق عليا. قال: إن الحسد هو أهلك الجسد. وإنما ينفركم من عمار قربه منعلي. فوالله لعلي أفضل من عمار أبعد ما بين التراب والسحاب. وإن عمارا لمنالأحباب " (٢)، وإذا كان طريق علي بن أبي طالب واضحا وضوح الشمس في كبدالسماء فإن طريق عمار واضح أيضا فهو ما عرض عليه أمران قط إلا اختارالأرشد منهما (٣) وهو على الفطرة (٤)، وأجاره الله من الشيطان على لساننبيه (٥)، ومن عاداه عاداه الله ومن أبغضه أبغضه الله (٦). باختصار كان عمار يحملمؤهلات طريق علي بن أبي طالب. وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قدقال لعلي: " يا علي ستقاتلك الفئة الباغية وأنت على الحق فمن لم ينصرك يومئذفليس مني " (٧)، فإنه قال لعمار الذي يحمل معالم الجندية على طريق علي:

" ستقتلك الفئة الباغية وأنت على الحق. فمن لم ينصرك يومئذ فليس مني " (٨).

وطريق علي بن أبي طالب يبدأ من أول خطوة رفع فيها علي سيفه.

(١) رواه الديلمي (كنز العمال ٦١٤ / ١١).

(٢) رواه الطبراني وقال الهيثمي رجاله ثقات (الزوائد ٢٤٣ / ٧).

(٣) رواه أحمد (الفتح ٣٣٠ / ٢٢) والحاكم وصححه (المستدرك ٣٨٨ / ٣)، والترمذيوصححه (الجامع ٦٦٨ / ٥).

(٤) رواه البزار والطبراني ورجالهما ثقات (الزوائد ٢٩٥ / ٩).

(٥) رواه البخاري في مناقب عمار (الصحيح ٣٠٥ / ٢).

(٦) رواه أحمد وقال الهيثمي رجاله رجال الصحيح (الزوائد ٢٩٣ / ٩).

(٧) رواه ابن عساكر (كنز العمال ٦١٣ / ١١).

(٨) رواه ابن عساكر (كنز العمال ٣٥١ / ١١).

٥٢١

ولخطورة ضربات سيف علي وما سيترتب عليها حمل عمار أقوى تحذير علىالاطلاق: " تقتله الفئة الباغية. يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار " وهذا فيحد ذاته دعوة للتفكير. فأي قوات ستجابه جيشا فيه عمار. لا يمكن أن تقطعبأن عمارا سيخرج من المعركة سالما وأنه لن يصيبه ما يؤدي إلى قتله. وعلىهذا فمن الواجب أن تعيد هذه القوات ترتيب أوراقها في اتجاه التوبة. وإذا كانهذا التحذير يحيط بعمار. فإن هناك تحذيرا آخر حملته الصحابة منهم أبو رافع.

قال النبي صلى الله عليه وسلم: " يا أبا رافع سيكون بعدي قوم يقاتلون عليا.

حق على الله جهادهم. فمن لم يستطع جهادهم بيده فبلسانه. ومن لم يستطعبلسانه فبقلبه. ليس وراء ذلك شئ " (١)، وذلك حتى لا يدق في أرضية الصحابةأوتاد يأتي عليها الشارد والوارد والسابق واللاحق. وما هي إلا أوتاد فتن لاتصيب الذين ظلموا خاصة بل تتعداهم إلى غيرهم.

ولقد فطن عبد الله بن عباس للتحذير الذي حول عمار. فأراد أن يسمعهالناس بعد بيعة علي بن أبي طالب. حتى يكونوا على بينة من أمرهم قبل أن يفتحطريق البغي. فعن عكرمة أن ابن عباس قال له ولابنه علي: انطلقا إلى أبي سعيدالخدري فاسمعا من حديثه. قال: فانطلقنا فإذا هو في حائط له. فلما رآنا أخذرداءه فجاءنا. فقعد. فأنشأ يحدثنا. حتى أتى على ذكر بناء المسجد قال: كنانحمل لبنة وعمار بن ياسر يحمل لبنتين. فرآه رسول الله صلى الله عليه وسلمفجعل ينفض التراب عنه ويقول: يا عمار ألا تحمل لبنة كما يحمل أصحابك.

قال: إني أريد الأجر من الله. فجعل ينفض التراب عنه ويقول: ويح عمار تقتلهالفئة الباغية يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار " (٢)، والدعوة إلى النار لهاأصول تحدث عنها حذيفة من قبل وذلك عندما قال للنبي صلى الله عليه وآلهوسلم: " فهل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: نعم دعاة إلى أبواب جهنم من

(١) رواه الطبراني وقال الهيثمي فيه يحيى ابن الحسين لم أعرفه وبقية رجاله ثقات (الزوائد١٣٤ / ٩).

(٢) رواه أحمد والبخاري (الفتح الرباني ٣٣١ / ٢٢).

٥٢٢

أجابهم قذفوه فيها. قال: يا رسول الله صفهم لنا، فقال: هم من جلدتناويتكلمون بألسنتنا " (١)، فاختيار ابن عباس لأبي سعيد الخدري من أجل أنيسمع منه عكرمة وابنه علي. هذا الحديث في عمار كان لحكمة ومن وراءالحكمة هدف.

٥ - أصداء يوم غدير خم:

كان لتحرك أم المؤمنين عائشة أثر عظيم على العديد من الأمصار. وذلكلأن العامة يعلمون أن السيدة عائشة عندما تتكلم فإنها تقف على أرضية ليستبعيدة عن النبي كما أنها قريبة من أرضية الخلافة بعد النبي، والخلفاء يعرفالناس عنهم الكثير، بينما لا يعرفون شيئا عن علي بن أبي طالب. الذي تتحركمناقبه تحرك النجوم وراء السحب بعد عودة الرواية. وكان لإذاعة أم المؤمنينالأثر الأعظم. وذلك لوفرة المال الذي حمله يعلى بن أمية وعبد الله بن عامر مناليمن والبصرة فضلا عن الدعم القوي من الشام. وكما قال الإمام علي: الناسأعداء ما جهلوا.... فلأن الناس كانوا يجهلون حقيقة الأمور فإن الأرضية التيوقفت عليها أم المؤمنين كانت تكسب كل يوم جديدا. فمكة لم يخرج منهااحتجاج واحد. وفي الكوفة يقف في موسى في مربع السيدة عائشة فضلا على أنالكوفة فيها شيعة لطلحة والبصرة لها هوى في الزبير. ومعاوية يراقب من الشاموعمرو بن العاص يتابع من فلسطين... فكل ذلك كان له تأثير على من فيالمدينة وأصبحت عملية حشد القوات عملية تواجهها صعوبات. والحشدبالمال ليس من سياسة أمير المؤمنين. فهو حجة ويعرف أنه مقتول في نهايةالطريق والحجة المقتول لا وقود له يحركه إلا الدين فالإمام كان يريد الجنديالرسالي الذي ينطلق من الدين وينتهي إلى الدين. لذا سنراه يبكي في آخر الرحلةوهو يتذكر أصحابه الذين قتلوا في المعارك. والجندي الرسالي لا بد له مننصوص لتأتي به إلى دائرة أمير المؤمنين. وبما أن الإمام إذا تحدث عن نفسه

(١) رواه أحمد (الفتح الرباني ٣١ / ٢٣) والبخاري (الصحيح ٢٨٠ / ٢).

٥٢٣

هذا الوقت ربما شكك أعداؤه فيما تفاخر به. وبالذات بعد خروج السيدة عائشة.

فهذا الخروج أوجد التباسا شديدا في تحديد من هم أهل البيت. وهذا التحديدوإن كان عتم عليه في عالم اللارواية. إلا أنه بعد خروج السيدة عائشة زاد التعتموأضيف إليه الالتباس. فإذا ادعى علي أنه من أهل البيت. جاءه صوت من دائرةالجمل يقول إنه ليس وحده من أهل البيت. بل إنه إذا كان من أهل البيت فإنيده ملطخة بدم عثمان ومن كان كذلك سقطت عنه دعوى أن الله أذهب عنهالرجس وطهره تطهيرا. ومن دخل في هذه الدائرة فليس له حق في قيادةالمسلمين. وللمسلمين أن يختاروا وأصحاب السوابق كثير. منهم طلحة والزبيرومعاوية الذي يراقب وغير هؤلاء كثير.. لهذا كله كان الحديث عن المناقب علىلسان أمير المؤمنين تواجهه عقبات ستدخل المسلمين في جدل طويل. وهناك منيضع البصرة كهدف هجوم لعملياته الحربية. وكان لا بد أن تأتي المناقب منروايات الساحة ليشهد الإمام لها ويشهد الناس عليها. ولقد رأينا فيما سبق كيفأن ابن عباس جاء بالتحذير الذي حول عمار من داخل الساحة ولم يتحدث هوبه. ربما لقربه من الإمام.

وشاء الله تعالى أن تكون البداية من داخل الساحة كي تقام الحجة بلاشبهة. لقد جاءت الرواية ليقف أمير المؤمنين منها موقف الذي يستفسر أولا ثميقيم الحجة ثانيا. عن رياح بن الحرث قال: جاء رهط إلى علي بالرحبة (١).

فقالوا: السلام عليك يا مولانا. قال: كيف أكون مولاكم وأنتم قوم عرب،فقالوا: سمعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يوم غدير خم: " منكنت مولاه فإن هذا مولاه " قال رياح: فلما مضوا تبعتهم فسألت من هؤلاء،قالوا: نفر من الأنصار فيهم أبو أيوب الأنصاري " (٢).

(١) الرحبة / فضاء وفسحة ورحبة المسجد ساحته.

(٢) أخرجه أحمد وقال الهيثمي رواه أحمد والطبراني ورجال أحمد ثقات (الفتح الرباني١٢٦ / ٢٣)، (مجمع الزوائد ١٠٤ / ٩) وقال الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحةرجاله ثقات وأورده ابن كثير في البداية (البداية ٥١٢ / ٥).

٥٢٤

ومن عالم الغربة الذي استفسر فيه الإمام علي عن شئ يعرفه انتقلالحديث عن هذا إلى مكان أوسع. فعن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: شهدتعليا في الرحبة ينشد الناس: أنشد الله من سمع رسول الله صلى الله عليه وآلهوسلم يقول يوم غدير خم: من كنت مولاه لما قام فشهد. قال عبد الرحمن:

فقام اثنا عشر بدريا كأني أنظر إلى أحدهم عليه سراويل. فقالوا: نشهد أنا سمعنارسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يوم غدير خم: ألست أولى بالمؤمنينمن أنفسهم. وأزواجي أمهاتهم (١). فقلنا: بلى يا رسول الله. قال: فمن كنتمولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه " (٢)، وفي رواية عنزيد بن يثبع قال: أليس الله أولى بالمؤمنين. قالوا: بلى، قال: اللهم من كنتمولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه (٣)، وعن أبي الطفيل قال:

جمع علي الناس في الرحبة، ثم قال لهم: أنشد الله كل امرئ مسلم سمع رسولالله صلى الله عليه وسلم يقول يوم غدير خم ما قال لما قام (٤)، فقام إليهثلاثون من الناس. وقال أبو نعيم: فقام إليه ناس كثير فشهدوا حين أخذ بيدهوقال: أتعلمون أني أولى بالمؤمنين من أنفسهم. قالوا: بلى يا رسول الله. قال:

من كنت مولاه فهذا مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه. قال أبو نعيم:

فخرجت كأن في نفسي شيئا. فلقيت زيد بن أرقم فقلت له: إني سمعت عليايقول كذا وكذا. قال زيد: فما تنكر؟ قد سمعت رسول الله صلى الله عليه وآلهوسلم يقول ذلك " (٥).

(١) تحريم زوجات النبي في هذا المقام يعادل تحريم الولاية على غير أصحابها.

(٢) رواه أحمد وقال في الفتح أورده الهيثمي وقال: رواه أبو يعلى ورجاله وثقوا (الفتحالرباني ١٢٦ / ٢٣).

(٣) رواه عبد الله بن أحمد والبزار وقال الهيثمي إسنادهما حسن (الفتح الرباني ١٢٧ / ٢٣)وأورده ابن كثير في البداية (٢١١ / ٥)، ورواه البزار (كشف الأستار ٣ / ١٩٠) والطبراني(المعجم الكبير ٥ / ١٧٥).

(٤) يلاحظ أن الإمام لم يقل متن الحديث وإنما استشهدهم أن يقولوا بما سمعوا. إمعانا فيالحجة.

(٥) قال الهيثمي رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح غير فطر بن خليفة وهو ثقة (الزوائد

٥٢٥

وعن عمرو ذي مر وسعيد بن وهب وزيد بن يثبع قالوا: سمعنا عليا يقول:

نشدت الله رجلا سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يوم غدير خم ماقال لما قام. فقام ثلاثة عشر رجلا. فشهدوا أن رسول الله صلى الله عليه وآلهوسلم قال: ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ قالوا: بلى يا رسول الله. فأخذبيد علي وقال: من كنت مولاه فعلي مولاه. اللهم وال من والاه وعاد من عاداهوأحب من أحبه وأبغض من أبغضه وانصر من نصره وأخذل من خذله " (١). وفيرواية عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: فقام بضعة عشر رجلا فشهدوا. وكتمقوم فما فنوا من الدنيا إلا عموا وبرصوا " (٢)، وأحاديث الرحبة رواها غيرواحد (٣)، وبعد أن أخذ علي من الناس شهادتهم قال: إن النبي صلى الله عليهوآله وسلم حضر الشجرة بخم ثم خرج آخذا بيدي فقال: " أيها الناس ألستمتشهدون أن الله ربكم؟ قالوا: بلى، قال: ألستم تشهدون أن الله ورسوله أولىبكم من أنفسكم وأن الله ورسوله مولاكم، قالوا: بلى، قال: فمن كان اللهورسوله مولاه فإن هذا مولاه. وقد تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا بعده،كتاب الله سببه بيده وسببه بأيديكم أهل بيتي " (٤).

وكان تعريف أهل البيت فيه التباس شديد فمن هم أهل البيت؟ وهلأزواج النبي منهم أم أنهم يساكنونه ويعولهم ولهم احترامهم وإكرامهم؟ وهذا

١٠٤ / ٩) وقال ابن كثير رواه النسائي إسناده جيد (البداية ٢١٠ / ٥).

(١) رواه البرار وابن جرير وقال الهيثمي رجال إسناده ثقات (كنز العمال ١٥٨ / ١٣) وقالالألباني إسناده جيد (الصحيحة ٣٤٣ / ٥).

(٢) رواه الخطيب في الأفراد (كنز العمال ١٣١ / ١٣) وابن كثير في البداية (البداية٢١١ / ٥).

(٣) رماه البزار ورجاله رجال الصحيح وأبو يعلى ورجاله وثقوا و عبد الله بن أحمد (الزوائد١٠٥ / ٩)، وقال ابن كثير في أحاديث الرحبة، روي من طرف متعددة عن علي بن أبيطالب وله طرق متعددة عن زيد بن أرقم وقال سعيد بن جبير: وأنا سمعته من ابن عباس(البداية ٣٤٩ / ٧).

(٤) رواه ابن جرير وابن أبي عاصم وابن راهويه والمحاملي بسند صحيح (كنز العمال١٤٠ / ١٣).

٥٢٦

الالتباس كان سببا في ذهاب بعض الناس إلى زيد بن أرقم للوقوف على حقيقةهذا الأمر. وقد يكون ذهابهم إلى زيد قبل خروج أم المؤمنين عائشة وقد يكونبعد ذلك، ولكن الأمر المؤكد أن خروج أم المؤمنين هو الذي أوجد السؤال.

روى الإمام مسلم عن زيد بن حيان قال: انطلقت أنا وحصين بن سبرة وعمر بنمسلم إلى زيد بن أرقم، فلما جلسنا إليه قال له حصين: لقد لقيت يا زيد خيراكثيرا. رأيت رسول الله وسمعت حديثه وغزوت معه وصليت خلفه. لقد لقيت يازيد خيرا كثيرا. حدثنا يا زيد ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فقال زيد: يا ابن أخي والله لقد كبر سني وقدم عهدي ونسيت بعض الذي كنتأعي من رسول الله صلى الله عليه وسلم. فما حدثتكم فأقبلوا. وما لا فلاتكلفونيه. ثم قال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فينا خطيبا بماء يدعىخما بين مكة والمدينة. فحمد الله وأثنى عليه ووعظ وذكر. ثم قال: أما بعدألا أيها الناس. فإنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول فأجيب. وأنا تارك فيكمالثقلين. أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور. فخذوا بكتاب الله واستمسكوا بهفحث على كتاب الله ورغب فيه. ثم قال: وأهل بيتي. أذكركم الله في أهل بيتي.

أذكركم الله أهل بيتي. أذكركم الله في أهل بيتي. فقال له حصين: ومن أهلبيته يا زيد. أليس نساؤه من أهل بيته؟ قال: نساؤه من أهل بيته!! ولكن أهلبيته من حرم الصدقة بعده. قال: ومن هم؟ قال: هم آل علي وآل عقيلوآل جعفر وآل عباس، قال: كل هؤلاء حرم الصدقة؟ قال: نعم " (١)، نقول:

وهذه الرواية توسعت في تحديد من هم أهل البيت. وقد روي أن " لكل شئذروة "، وآل علي في حديث مسلم في المقدمة. وفي رواية عند مسلم أيضاعندما سألوا زيدا: أليس نساؤه من أهل بيته؟ قال: لا. وأيم الله إن المرأة تكونمع الرجل العصر من الدهر. ثم يطلقها فترجع إلى أبيها وقومها. أهل بيته أصلهوعصبته الذين حرموا الصدقة بعده " (٢)، فإذا كان أهل بيته أصله فإنه في حديث

(١) رواه مسلم في فضائل علي (الصحيح ١٧٩ / ١٥) وأحمد والحاكم (الفتح الرباني١٠٤ / ٢٢).

(٢) رواه مسلم (الصحيح ١٨١ / ١٥) في فضائل علي.

٥٢٧

صحيح يقول النبي صلى الله عليه وسلم: " علي أصلي... " (١)، ويقول النوويفي شرحه لحديث مسلم: والمعروف في معظم الروايات في غير مسلم أنه قال:

نساؤه لسن من أهل بيته " (٢).

كانت هذه رواية مسلم وظهر فيها سؤال يبدو أنه شغل الجميع في وقته.

ولقد رأينا إجابات زيد بن أرقم. وفي روايات أخرى لم ينقطع العديد من الناسعن سؤال زيد. ولقد سئل أن يحدثهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:

لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من حجة الوداع فنزل غدير خم أمربدوحات فقممن، ثم قام فقال: كأني قد دعيت فأجبت. إني قد تركت فيكمالثقلين أحدهما أكبر من الآخر كتاب الله حبل ممدود من السماء والأرض.

وعترتي أهل بيتي. فانظروا كيف تخلفوني فيهما. فإنهما لن يفترقا حتى يردا عليالحوض. ثم قال: إن الله مولاي وأنا مولى كل مؤمن. ثم أخذ بيد علي فقال:

من كنت مولاه فعلي وليه. اللهم وال من والاه وعاد من عاداه. فقيل لزيد: أنتسمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم!! فقال: ما كان في الدوحات أحد إلاقد رآه بعينه وسمعه بأذنه " (٣).

لقد شهد زيد على عهد عاد رجاله مع النبي صلى الله عليه وسلم منحجة الوداع. وكما شهد زيد شهد أبو هريرة. روى أنه دخل المسجد فاجتمعإليه الناس فقام إليه شاب فقال: أنشدك بالله سمعت رسول الله صلى الله عليهوسلم يقول: من كنت مولاه فعلي مولاه. اللهم وال من والاه وعاد من عاداه،فقال: إني أشهد أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من كنتمولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه " (٤). وإذا كان الصحابة قد

(١) رواه الطبراني في الكبير والضياء بسند صحيح (كنز العمال ٦٠٢ / ١٣).

(٢) مسلم شرح النووي ١٨١ / ١٥.

(٣) رواه ابن جرير عن زيد وعن أبي سعيد (كنز العمال ١٠٤ / ١٣١).

(٤) رواه أبو يعلى والبزار والطبراني ورجال أبي يعلى والطبراني ثقات (الزوائد ١٠٦ / ٩).

وذكر ابن كثير في البداية (٢١٣ / ٥).

٥٢٨

شهدوا أمام الأجيال بحديث الولاية. فإنهم أيضا شهدوا بحديث المنزلة. روىالإمام مسلم عن سعيد بن المسيب عن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه قال:

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي: أنت مني بمنزلة هارون من موسىإلا أنه لا نبي بعدي. قال سعيد بن المسيب: فأحببت أن أشافه بها سعدا. فلقيتسعدا فحدثته بما حدثني عامر. فقال سعد: أنا سمعته فقلت: أنت سمعته!

فوضع أصبعيه على أذنه وقال: نعم وإلا فأسكتا (أي صمتا) " (١)، وإذا كانالصحابة قد شهدوا على حديث المنزلة. فإن أم المساور كانت لها شهادة أخرى.

فعن المساور الحميري عن أمه قالت: دخلت على أم المؤمنين أم سلمة فسمعتهاتقول: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: لا يحب عليا منافق ولا يبغضهمؤمن " (٢)، وهكذا اكتملت الدائرة وجاءت المناقب كالنجوم عندما تظهر منوراء السحاب ليلتقي ضوؤها مع ضوء القمر. وكفى بالمناقب الثلاث لتقومالحجة على أجيال الجمل وصفين والنهروان. وأجيال أخرى عاشت عصورا حقلها أن تبكي بلا احتجاز.

٦ - على هامش أصداء يوم خم:

لقد ذكرنا فيما سبق بعض الأحاديث الواردة في حق أمير المؤمنين. ولقدوجدت أن ذكر بعضها هنا مرة أخرى يلقي الضوء على الأحداث فيمكن فهمهابسهولة. فأمير المؤمنين بعد أن ضجت الساحة بالأحداث. وبعد أن واجهالصحابة بيوم خم. لم تقف المعارضة له موقف المستسلم. ولقد واجهتالمعارضة جميع رسل الله عليهم السلام في وقت كانت الحجج الدامغة فوقرؤوسهم. وأمام صد المعارضة بدأ الإمام علي يكشف عن نفسه وفقا لمايقتضيه الموقف. ومن المعلوم أن أمير المؤمنين كان مخصوصا من دونالصحابة رضوان الله عليهم بخلوات كان يخلو بها مع رسول الله صلى الله عليه

(١) رواه مسلم (الصحيح ١٧٤ / ١٥) في فضائل علي.

(٢) رواه الترمذي وحسنه (الجامع ٦٣٥ / ٥) ورواه أحمد (الفتح الرباني ١٢١ / ٢٣).

٥٢٩

وآله وسلم. لا يطلع أحد من الناس على ما يدور بينهما، وكان كثير السؤالللنبي صلى الله عليه وآله عن معاني القرآن وعن معاني كلامه صلى الله عليهوسلم. وإذا لم يسأل ابتدأه النبي صلى الله عليه وسلم بالتعليم والتثقيف. ولميكن أحد من الصحابة كذلك. بل كانوا أقساما: فمنهم من يهابه أن يسأل، وهمالذين يحبون أن يجئ الأعرابي أو الطارق فيسأله وهم يسمعون. ومنهم من كانبعيد الفهم قليل الهمة في النظر والبحث. ومنهم من كان مشغولا عن طلب العلموفهم المعاني. إما بعبادة أو دنيا. ومنهم المقلد الذي يرى أن فرضه هوالسكوت وترك السؤال. ومنهم المبغض الشانئ الذي ليس للدين عنده منالموقع ما يضيع وقته وزمانه بالسؤال عن دقائقه وغوامضه. أما علي رضي اللهعنه يضاف إلى الأمر الخاص به ذكاؤه وفطنته. وطهارة طينته. وإشراق نفسهوضوؤها... فلذلك كان علي كما قال الحسن البصري رباني هذه الأمة وذافضلها " (١)، وقيل للحسن البصري: ما تقول في علي بن أبي طالب؟ فاحمرتوجنتا الحسن وقال: رحم الله عليا. إن عليا كان سهما صائبا في أعدائه. وكانفي محلة العلم أشرقها وأقربها إلى رسول الله صلى الله عليه وآله. وكانرهباني هذه الأمة. لم يكن لمال الله بالسروقة. ولا في أمر الله بالنومة. أعطىالقرآن عزائمه وعمله وعلمه. فكان منه في رياض مونقة وأعلام بينة) (٢).

وعندما بدأ أمير المؤمنين يكشف عن نفسه في عالم الرواية بعد اندثار عالماللارواية روي عنه أنه قال: " اللهم لا أعرف أن عبدا لك من هذه الأمة عبدكقبلي غير نبيك - قالها ثلاث مرات - لقد صليت قبل أن يصلي الناس سبعا " (٣)،وقال: " أنا أول من صلى مع رسول الله " (٤)، وقال: " كنت إذا سألت الله

(١) ابن أبي الحديد ٥٩٨ / ٣.

(٢) البداية والنهاية ٥ / ٨.

(٣) رواه أحمد وقال في الفتح: وقال الهيثمي: رواه أحمد وأبو يعلى والبزار والطبرانيوإسناده حسن (الفتح الرباني ٣٦ / ٢٣)، (كنز العمال ١٢٦ / ١٣)، (تحفة الأحوازي٢٣٤ / ١٠).

(٤) رواه أحمد وقال الهيثمي رجاله ثقات (الزوائد ١٠٣ / ٩) ورواه الطبراني وابن أبي شيبة

٥٣٠

صلى الله عليه وسلم أعطاني وإذا سكت ابتدأني " (١)، وقال: " كان لي منرسول الله صلى الله عليه وسلم مدخلان. مدخل بالليل ومدخل بالنهار " (٢)،وقال: لما نزلت هذه الآية " (وأنذر عشيرتك الأقربين) جمع رسول اللهصلى الله عليه وسلم أهل بيته وقال: من يبايعني على أن يكون أخيوصاحبي ووليكم من بعدي، فمددت. وقلت: أنا أبايعك وأنا يومئذ أصغر القومفبايعني على ذلك " (٣)، وقال: " إنه دخل على النبي صلى الله عليه وسلموقد بسط شملة (كساء يتغطى ويتلفف به) فجلس عليها هو وعلي وفاطمةوالحسن والحسين. ثم أخذ البني صلى الله عليه وسلم بمجامعه فعقد عليهمثم قال: اللهم ارض عنهم كما أنا عنهم راض (٤) - وفي رواية - ثم تلا هذهالآية: (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا)،وقال: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: " إن الله يغضب لغضبك ويرضىلرضاك " (٥)، وقال: " والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إنه لعهد النبي الأميصلى الله عليه وآله إلي، أن لا يحبني إلا مؤمن ولا يبغضني إلامنافق " (٦)، وقال: " جاء النبي صلى الله عليه وسلم أناس من قريش. فقالوا: يامحمد. إنا جيرانك وحلفاؤك. وإن ناسا من عبيدنا قد أتوك. ليس بهم رغبة فيالدين ولا رغبة في الفقه. إنما فروا من ضياعنا وأموالنا. فأرددهم إلينا. فقاللأبي بكر: ما تقول. قال: صدقوا إنهم لجيرانك وأحلافك. فتغير وجه

وابن سعد (كنز العمال ١٢٤ / ١٣).

(١) رواه الترمذي وحسنه (الجامع ٦٣٧ / ٥)، (تحفة الأحوازي ٢٢٥ / ١٠) رواه النسائي وابنخزيمة في صحيحه، والحاكم وأبو نعيم وسعيد بن منصور (كنز العمال ١٢٠ / ١٣).

(٢) رواه النسائي ٢ / ١٢.

(٣) رواه أحمد وابن حرير والضياء بسند صحيح (كنز العمال ١٢٩، ١٣٣، ١٧٥ / ١٣)،(الفتح الرباني ١٢٢ / ٢٣).

(٤) رواه الطبراني في الأوسط وقال الهيثمي رجاله ثقات (الزوائد ١٦٩ / ٩) وحديث الكساءروي عن عدد من الصحابة وقد خرجناه من قبل.

(٥) رواه الطبراني وقال الهيثمي إسناده حسن (الزوائد ٢٠٣ / ٩).

(٦) رواه مسلم (الصحيح ٢١٦٤)،، حب علي من الإيمان.

٥٣١

رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال لعمر: ما تقول، قال: صدقوا إنهملجيرانك وحلفاؤك. فتغير وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا معشرقريش والله ليبعثن الله عليكم رجلا قد امتحن الله قلبه بالإيمان، فيضربكم علىالدين!! أو يضرب بعضكم!! فقال أبو بكر: أنا يا رسول الله، قال: لا، قالعمر: أنا يا رسول الله. قال: لا. ولكنه الذي يخصف النعل - وكان أعطى عليانعلا يخصفها " (١)، وفي رواية قال راوي الحديث عن علي: ثم التفت إلينا عليفقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من كذب علي متعمدا فليتبوأمقعده من النار " (٢).

وقال علي: والله ما قوتل أهل هذه الآية منذ نزلت: (وإن نكثوا إيمانهممن بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا إيمان لهم) (٣)،وقال: " عهد إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم في قتال الناكثين والقاسطينوالمارقين " (٤)، وقال: ولقد علم المستحفظون من أصحاب محمد صلى اللهعليه وسلم أني لم أرد على الله ولا على رسوله ساعة قط. ولقد واسيتهبنفسي من المواطن التي تنكص فيها الأبطال وتتأخر الأقدام. نجدة أكرمني اللهبها. ولقد قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم. وإن رأسه لعلى صدري. ولقدسألت نفسه في كفي. فأمررتها على وجهي، ولقد وليت غسله صلى الله

(١) رواه أحمد وابن جرير وصححه وسعيد بن منصور والضياء بسند صحيح (كنز العمال١٢٧، ١٧٣ / ١٣).

(٢) رواه الترمذي وحسنه (الجامع ٦٣٤ / ٥) والخطيب وابن جرير والضياء بسند صحيح (كنزالعمال ١١٥، ١٩٣ / ١٣).

(٣) رواه ابن مردويه (كنز العمال ٤٢٥ / ٢)، (الدر المنثور ٢١٥ / ٣)، وروي أيضا عن ابنعباس وحذيفة وأخرجه ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم عن ابن عمر (كنز العمال ٤١٧،٤٢٦ / ١)، وروي أن حذيفة قال: ما بقي من أصحاب هذه الآية إلا ثلاثة ولا منالمنافقين إلا أربعة. وأخرجه ابن أبي شيبة والبخاري في تاريخه وابن مردويه (الدرالمنثور ٢١٤ / ٣).

(٤) رواه ابن عساكر وابن عدي والطبراني (كنز العمال ٢٩٢ / ١١)، وقال ابن كثير روي منطرق عديدة (البداية ٣٣٤ / ٧).

٥٣٢

عليه وسلم والملائكة أعواني. فضجت الدار والأفنية: ملا يهبط، وملأ يعرج.

وما فارقت سمعي هينمة منهم. يصلون عليه، حتى واريناه في ضريحه. فمن ذاأحق به مني حيا وميتا. فانفذوا على بصائركم. ولتصدق نياتكم في جهادعدوكم. فوالذي لا إله إلا هو إني لعلى جادة الحق. وإنهم لعلى مزلة الباطل.

أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم " (١).

لقد أخبرهم أن العلماء والأمناء من الصحابة يعلمون أنه لم يرد على اللهورسوله ساعة قط. ويعلمون أنه ثبت معه يوم أحد وفر الناس. وثبت معه يومحنين وفر الناس. وثبت تحت رايته يوم خيبر حتى فتحها. وكل ذلك نجدةمن الله أكرمه بها. وأخبرهم بحقيقة الأمر يوم وفاة النبي صلى الله عليهوسلم. والحقيقة أن النبي صلى الله عليه وسلم قبض و إن رأسه لعلى صدر عليوليست على صدر أحد غيره. وأخبرهم أن الملائكة النازلين في الدار ارتفعضجيجهم. وأنه سمع ذلك ولم يسمعه غيره من أهل الدار، وقال ابن أبيالحديد: حديث سماع الصوت رواه خلق كثير عن علي. وروي أن عليا عصبعيني الفضل بن العباس حين صب عليه الماء. وأن رسول الله صلى الله عليهوسلم أوصاه بذلك. وقال: إنه لا يبصر عورتي أحد غيرك إلا عمي " (٢)، ثم قالالإمام بعد ذلك: أي شخص أحق برسول الله صلى الله عليه وسلم حالحياته وحال وفاته مني. قال ابن أبي الحديد: ومراده من هذا الكلام. أنه أحقبالخلافة بعده. وأحق الناس بالمنزلة منه. حيث كان بتلك المنزلة منه فيالدنيا (٣)، ثم أمرهم فقال: فانفذوا إلى بصائركم. أي أسرعوا إلى الجهاد علىعقائدكم التي أنتم عليها. ولا يدخلن الشك والريب في قلوبكم. ثم بشرهمفقال: إني لعلى جادة الحق. وإنهم لعلى منزلة الباطل، قال ابن أبي الحديد:

كلام عجيب على قاعدة الصناعة المعنوية لأنه لا يحسن أن يقول: وإنهم لعلى

(١) ابن أبي الحديد ٤٩٣ / ٣.

(٢) المصدر السابق، ٤٩٧ / ٣.

(٣) المصدر السابق، ٤٩٨ / ٣.

٥٣٣