×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

معالم الفتن (ج 1) / الصفحات: ٤١ - ٦٠

وتباغضهم وتدابرهم. فحمل بعضهم بغض البعض الآخر، على مخالفته فيجميع أقواله وأفعاله وإن كانت حقا (١). وقيل: اختلاف أهل الكتاب في الدينمع نزول الكتاب الإلهي عليهم، لم يكن عن جهل منهم بحقيقة الأمر، بل كانواعالمين بذلك. وإنما حملهم على ذلك بغيهم وظلمهم من غير عذر، وذلك كفرمنهم بآيات الله المبينة لهم حق الأمر وحقيقته. لا بالله، فإنهم يعترفون به، ومنيكفر بآيات الله فإن الله سريع الحساب، يحاسبه سريعا في دنياه وآخرته أما فيالدنيا فبالخزي وسلب سعادة الحياة عنه. وأما في الآخرة فبأليم عذاب النار،والدليل على عموم سرعة الحساب للدنيا والآخرة قوله تعالى بعد آيتين: (أولئكالذين حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وما لهم من ناصرين) (٢).

وإذا كان البغي قد أثمر شجرة الاختلاف. فإنه أثمر أيضا شجرة الافتراق،قال تعالى: (وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم) (٣). قالالمفسرون: أي وما تفرق الناس الذين شرعت لهم الشريعة باختلافهم وتركهمالاتفاق، إلا حال كون تفرقهم آخذا أو ناشئا من بعد ما جاءهم العلم بما هوالحق ظلما أو حسدا تداولوه بينهم (٤). وقال ابن كثير: أي إنما كان مخالفتهمللحق بعد بلوغه إليهم وقيام الحجة عليهم. وما حملهم على ذلك إلا البغيوالعناد (٥).

إن الشيطان ينشط في تربة العلم، حيث القافلة الأولى. فإن استطاع أنيدق له وتدا أو ينصب له خيمة، ضمن البغي والاختلاف والفرقة. ومن هذهالأشجار سيأكل كل قادم ملجم العقل من بني الإنسان تحت لافتات عدة تزينهاسنة الآباء الأوائل، التي يدافعون عنها حتى ولو خرجت منها رائحة الفواحش.

(١) تفسير ابن كثير: ٣٥٤ \ ١.

(٢) تفسير الميزان: ١٢١ \ ٣.

(٣) سورة الشورى: الآية ١٤.

(٤) الميزان: ٣١ \ ١٨.

(٥) تفسير ابن كثير: ١٠٩ \ ٤.

٤١

والنبي الخاتم صلى الله عليه وسلم، عندما بعث كانت سنة الآباء الضالينلها أعلام في كل مكان من عالم الفرقة والاختلاف. لقد دعاهم إلى الحق،فواجهوه بالباطل (قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا) (١) (وإذا فعلوا فاحشةقالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها قل إن الله لا يأمر بالفحشاء) (٢). جاءالرسول الخاتم ليواجه شريحة من الكفار في رسالته الخاتمة تحمل نفس الملامحالتي حملها كفار قوم نوح عليه السلام في صدر الإنسانية، فقديما شكا نوح عليهالسلام قومه لله تعالى وقال: (وإني كلما دعوتهم لتغفر لهم جعلوا أصابعهم فيآذانهم واستغشوا ثيابهم وأصروا واستكبروا استكبارا) (٣) في الرسالة الخاتمةقالوا لمحمد صلى الله عليه وسلم: (قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي آذانناوقر ومن بيننا وبينك حجاب فاعمل إننا عاملون) (٤) (وإذا قيل لهم اسجدواللرحمن قالوا وما الرحمن أنسجد لما تأمرنا) (٥).

لقد جاء النبي الخاتم صلى الله عليه وسلم في وقت كانت سياسة الاغواءوالتزيين والاحتناك قد وصلت بأصحابها إلى دركات هوة عميقة.

١ - من مداخل الدعوة الخاتمة:

إن الداعي إلى الله تعالى صلى الله عليه وسلم، جاء ليذكر ويغذي الإرادة.

ويعمق الإخلاص ويشيع الأخلاق الفاضلة، ويبشر بما عند الله للذين آمنوا فيالحياة الدنيا والآخرة. ويحذر دوائر الانحراف والاختلاف والفرقة والضلال منعذاب يوم عظيم. وكانت أصول دعوته تستند إلى أهم الأمور الفطرية،ألا وهو لا إكراه في الدين. فنوح عليه السلام قال في صدر البشرية

(١) سورة المائدة: الآية ١٠٤.

(٢) سورة الأعراف: الآية ٢٨.

(٣) سورة نوح: الآية ٧.

(٤) سورة فصلت: الآية ٥.

(٥) سورة الفرقان: الآية ٦٠.

٤٢

لقومه (أرأيتم إن كنت على بينة من ربي وآتاني رحمة من عنده فعميت عليكمأنلزمكموها وأنتم لها كارهون) (١). قال المفسرون: أي إذا كنت على بينة منربي، على يقين ونبوة صادقة، وخفيت عليكم فلم تهدوا إليها ولا عرفتم قدرهابل بادرتم إلى تكذيبها وردها (أنلزمكموها) أي: أنغصبكم بقبولها وأنتم لهاكارهون (٢). وقال في الميزان: معناه عندي ما يحتاج إليه رسول الله في رسالته،وقد أوقفتكم عليه، لكنكم لا تؤمنون به طغيانا واستكبارا، وليس علي أنأجبركم عليها، إذ لا إجبار في دين الله سبحانه. والآية من جملة الآيات النافيةللإكراه في الدين، وتدل على أن ذلك من الأحكام الدينية المشرعة في أقدمالشرائع، وهي شريعة نوح عليه السلام. وهذا الحكم باق على اعتباره حتى اليوممن غير نسخ (٣).

كان هذا في شريعة صدر البشرية الأول، وفي عصر الرسالة الخاتمة. قالتعالى: (لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي) (٤). قال المفسرون: نفيالدين الإجباري.. فالاعتقاد والإيمان من الأمور القلبية التي لا يحكم فيهاالاكراه والإجبار. فإن الاكراه إنما يؤثر في الأعمال الظاهرية والأفعال والحركاتالبدنية، أما الاعتقاد القلبي فله علل وأسباب أخرى قلبية (٥).

فالدعوة تقف على أرضية لا إكراه في الدين، والداعية يقف على أرضيةالخلق العظيم، قال تعالى لرسوله (وإنك لعلى خلق عظيم) (٦) ومحاورةصاحب الخلق العظيم لخصومه تشع بالحكمة والموعظة الحسنة قال تعالى:

(ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن) (٧).

(١) سورة هود: الآية ٢٨.

(٢) تفسير ابن كثير ٤٣ \ ٢.

(٣) الميزان ٢٠٧ \ ١٠.

(٤) سورة البقرة: الآية ٢٥٦.

(٥) الميزان: ٣٤٥ \ ٢.

(٦) سورة القلم: الآية ٤.

(٧) سورة النحل: الآية ١٢٥.

٤٣

ومن أرضية لا إكراه في الدين حاور صاحب الخلق العظيم خصومه وأخبرهم بماأمر به الله. (قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم دينا قيما ملة إبراهيم حنيفاوما كان من المشركين) (١). قال المفسرون: أمره تعالى أن يخبرهم بأن ربهالذي يدعو إليه، هداه بهداية إلهية إلى صراط مستقيم، وسبيل واضح لا تخلففيه ولا اختلاف. دينا قائما على مصالح الدنيا والآخرة أحسن القيام. لكونه مبنياعلى الفطرة ملة إبراهيم حنيفا، مائلا عن التطرف بالشرك. إلى اعتدالالتوحيد (٢)، وأمره الله تعالى أن يخبرهم بأن طريقه هو طريق العبادة الحق. (قلإن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين * لا شريك له وبذلك أمرتوأنا أول المسلمين) (٣). قال المفسرون: أمره تعالى أن يخبرهم بأنه عامل بماهداه الله إليه، وسائر به. كما أنه مأمور بذلك، وأمره أن يقول لهم: إنني جعلتصلاتي ومطلق عبادتي ومحياي بجميع ما له من الشئون.. ومماتي بجميع مايعود إلي من أموره، جعلتها كلها لله رب العالمين. من غير أن أشرك به فيهاأحد، فأنا في جميع شئوني في حياتي ومماتي لله وحده. وجهت وجهي إليه، لاأقصد شيئا ولا أتركه إلا له ولا أسير في سير حياتي ولا أرد مماتي إلا له. فإنهرب العالمين، يملك الكل ويدبر أمرهم، وقد أمرت بهذا النحو من العبودية،وأنا أول المسلمين لله فيما أراده من العبودية التامة في كل باب وجهة (٤).

كان هذا مدخل من مداخل دعوة الإسلام العظيم، ولكن جحافل الليلوخفافيش الظلام خرجوا من عالم الاحتناك حيث خيام تلجيم العقول وتعصيبالعيون للصد عن سبيل الله بفرسانهم ورجالاتهم وأموالهم.

٢ - عواصف الصد عن سبيل الله:

وقفت الدعوة الإسلامية في مواجهة أصحاب السبيل والاختلاف، رافعة

(١) سورة الأنعام: الآية ١٦١.

(٢) الميزان: ٣٩٤ \ ٧.

(٣) سورة الأنعام: الآية ١٦٢ - ١٦٣.

(٤) الميزان: ٣٩٤ \ ٧.

٤٤

هامتها. وقام النبي الأعظم صلى الله عليه وسلم بإنذار خصوم العبادة الحقوإخبارهم أن عبادتهم اتباع للهوى، واتباع الهوى ينافي صفة الاهتداء في نفسالإنسان، ويمانع إشراق نور التوحيد على قلبه إشراقا ثابتا ينتفع به. (قل إنينهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله قل لا أتبع أهواءكم) (١) وذكرهم بماحرم الله عليهم ووصاهم به. ومما وصاهم به، أن لا يتبعوا السبل التي دون هذاالصراط المستقيم الذي لا يقبل التخلف والاختلاف، فإن اتباع السبل يفرقهمعن سبيل الله. فيتخلفون فيه فيخرجون من الصراط المستقيم. والصراطالمستقيم، لا اختلاف بين أجزائه ولا بين سالكيه. (وإن هذا صراطي مستقيمافاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلك وصاكم به لعلكمتتقون) (٢).

ووجد الساهرين على برنامج الشيطان أن برنامجهم في مهب الريح، فكانلا بد من توجيه ضربات إلى الداعي إلى الله وإلى منهج الدعوة وإلى الذين آمنوا.

فهذه المحطات الثلاث اتخذها الشيطان هدفا له منذ أن طرده الله ولعنه، ودوائرالصد عن سبيل الله التي سنسلط عليها الضوء في بحثنا هذا هي (دائرة النجس)و (دائرة الرجس) وبالإضافة إلى هاتين الدائرتين يوجد تيار كان من نسيج الذينآمنوا. لكنه نسيج عبئ عليهم، وهذا الصنف وضعته تحت عنوان (تيار الذين فيقلوبهم مرض).

أولا - دائرة النجس:

وفي هذه الدائرة يجلس طابور الشرك كله، قال تعالى: (إنما المشركوننجس) (٣). قال في المجمع: كل مستقذر نجس. يقال: رجل نجس وامرأة

(١) سورة الأنعام: الآية ٥٦.

(٢) سورة الأنعام: الآية ١٥٣.

(٣) سورة التوبة: الآية ٢٨.

٤٥

نجس وقوم نجس لأنه مصدر. وأدخلت في دائرة النجس الكفار نظرا لأنهمجميعا حزمة واحدة لها هدف واحد حدده برنامج واحد. وإذا كان القرآن قدضرب على المشركين بالنجس فإنه شبه الكفار بالأنعام لأنهم لم يكونوا أهلالسماع الحق وتعقله. وأهل هذه الحزمة الواحدة استهدفوا الرسل فرموه بالسحر(وعجبوا أن جاءهم منذر منهم وقال الكافرون هذا ساحر كذاب) (١) ورموهبالجنون (وقالوا يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون) (٢)، ورفضوا بشريةالرسول فقالوا (لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا) (٣).

ووفقا لبرنامج الشيطان استهدفوا الدعوة فقالوا عن القرآن الكريم: (وقالواأساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا) (٤). وخرج الذين تقلبوا فينعيم الترف والزينة وتعلقت قلوبهم بحب الدنيا فرأوا السعادة فيها والعذاب فيفقدها. خرجوا ليجلدوا الذين آمنوا، على اعتبار أنهم خرجوا عن سنة الآباءالقومية التي تحمل شذوذ المسيرة الإنسانية من عهد نوح عليه السلام. وتحتالسياط واللهيب سارت الدعوة الحق تضرب بحججها وجوه الجاحدين والظالمينأعداء العبادة الحق. ولم يجد هؤلاء في جعبتهم من الحجج إلا ما تلقيهالشياطين على عقولهم الفارغة. قال تعالى: (وجعلوا الملائكة الذين هم عبادالرحمن إناثا أشهدوا خلقهم سنكتب شهادتهم ويسألون * وقالوا له شاء الرحمنما عبدناهم ما لهم بذلك من علم إن هم إلا يخرصون * أم آتيناهم كتابا من قبلهفهم به مستمسكون * بل قالوا إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهممهتدون) (٥). إن سلتهم قد طفحت بأشواك زينت بلون الورود، لقد جاءهمالشيطان من جهاتهم الأربعة ونصب خيامه على دروب الآمال والأماني وتغييرخلق الله، وزين لهم الفواحش، قال تعالى: (وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا

(١) سورة ص: الآية ٤.

(٢) سورة الحجر: الآية ٦.

(٣) سورة الفرقان: الآية ٧.

(٤) سورة الفرقان: الآية ٥.

(٥) سورة الزخرف: الآية ١٩ - ٢٢.

٤٦

عليها آباءنا والله أمرنا بها قل إن الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله ما لاتعلمون) (١).

لقد عبدوا الملائكة، وساروا بلجام الاحتناك وقالوا لو شاء الرحمن ماعبدناهم. إنه فقه الصم البكم العمي، لأن عبادتهم للملائكة لو كانت بمشيئة اللهوبرضاه، ما جاءهم رسول من الله يدعوهم إلى عبادة الله وحده وأن يوحدوه ولايعبدوا الشركاء. ثم إنهم لا حجة لهم على عبادة الملائكة، لا من طريق العقلولا من طريق النقل فلم يأذن الله فيها. ولا دليل لهم على حقية عبادتهم سوىأنهم متشبثون بتقليد آبائهم وفي درب آخر من دروبهم فعلوا الفواحش وقالواوجدنا عليها الآباء والله أمرنا بها. وذلك افتراء على الله وقول بغير علم لعدمانتهائه إلى وحي.

إن الله تعالى أعدل من أن يجبر عبدا على فعل ثم يعذبه عليه، والله جلشأنه لو كان مجبرا لعبده على فعل ما برأ من أفعال المشركين قال سبحانه: (أنالله برئ من المشركين) (٢). فهو سبحانه لم يتبرأ من خلق أبدانهم وإنما تبرأمن شركهم وقبائحهم. قال تعالى: (فإن عصوك فقل إني برئ مماتعملون) (٣)، وقال: (قال إني أشهد الله واشهدوا أني برئ مما تشركون) (٤).

إن طابور الشرك والكفر والاحتناك لا علم عنده، لأن المعارف الحقة والعلومالمفيدة لا تكون في متناول البشر إلا عندما يصلح أخلاقه. والطريق الوحيدلإصلاح الأخلاق والحصول على الملكات الفاضلة هو التوحيد الحق في العبادةالحق.

وإذا كان للمشركين والكفار في مكة عمود في دائرة النجس. فإنللمشركين والكفار من أهل الكتاب عمود عتيق في هذه الدائرة. لأنهم حملوا

(١) سورة الأعراف: الآية ٢٨.

(٢) سورة التوبة: الآية ٣.

(٣) سورة الشعراء: الآية ٢١٦.

(٤) سورة هود: الآية ٥٤.

٤٧

برنامج الشيطان وصدوا به عن سبيل الله. ولكن على طريقتهم، فاستهدفواالرسول والدعوة والذين آمنوا، قال تعالى: (يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهمكتابا من السماء فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة) (١)،فسؤالهم تنزيل الكتاب من السماء بعدما كانوا يشاهدونه من أمر القرآن. لم يكنإلا سؤالا جزافيا لا يصدر إلا ممن لا يخضع للحق ولا ينقاد للحقيقة. وإنمايلغوا ويهذوا بما قدمت له أيدي الأهواء من غير أن يتقيد أو يثبت علىأساس (٢). إن هدفه الصد عن السبيل بالتشكيك في الرسول، أما الدعوة فقداستهدفوها من جذورها. فالنبي صلى الله عليه وسلم أعلن على أسماعالجميع أن دعوته مبنية على الفطرة ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين،فقام المشركين من أهل الكتاب بالمتاجرة على حساب أنهم أولى الناس بإبراهيم.

يريدون من وراء ذلك إبعاد الناس عن الدعوة، فنزل قول الله تعالى: (يا أهلالكتاب لم تحاجون في إبراهيم وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده أفلاتعقلون) (٣). قال المفسرون: ضمت كل طائفة منهم إبراهيم إلى نفسها، فتدعياليهود أنه كان يهوديا، وتدعي النصارى أن كان نصرانيا. ومن المعلوم أناليهودية والنصرانية، إنما نشأتا جميعا بعد نزول التوراة والإنجيل، وقد نزلاجميعا بعد إبراهيم عليه السلام. فكيف يمكن أن يكون عليه السلام يهوديا أونصرانيا. فلو قيل في إبراهيم شئ لوجب أن يقال: إنه كان على الحق حنيفا منالباطل إلى الحق مسلما لله سبحانه. والإسلام الذي وصف به إبراهيم، هو أصلالتسليم لله سبحانه والخضوع لمقام ربوبيته (ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانياولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين * إنه أولى الناس بإبراهيم للذيناتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا والله ولي المؤمنين) (٤).

وكما استهدفوا الرسول والدعوة استهدفوا أيضا القوة الإسلامية بعد

(١) سورة النساء: الآية ١٥٣.

(٢) الميزان: ١٣٠ \ ٥.

(٣) سورة آل عمران: الآية ٦٥.

(٤) سورة آل عمران: الآية ٦٧ - ٦٨.

٤٨

الهجرة، فقام اليهود بتغذية الساحة بالمكائد وإشعال الحرب وكان الغرض منهذه الحروب كسر شوكة المسلمين وتجريدهم من قوتهم لحساب المنافقينولحساب أهل مكة ومن حولهم الذين أخبر تعالى أنهم لا يهتدون ويستوي عليهمالانذار أو عدم الانذار (١).

* حصار دائرة النجس:

لقد استهدف الكفار والمشركين الداعي إلى الله صلى الله عليه وسلمودعوته والمؤمنين بها. فأما الداعي إلى الله فلم يصل كيدهم إليه لأن الله ينصررسله ولو كره الكافرون. وأما كتاب الدعوة وهو القرآن الكريم فقد تولى اللهحفظه فقال جل شأنه (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له حافظون) (٢). وأما أتباعالدين فإن حفظهم يكون بمقدار اقترابهم من الداعي إلى الله صلى الله عليهوسلم وكتابه. فكلما كانوا أقرب عمهم الأمن والأمان ودخلوا في رحاب النصروالحفظ وكلما ابتعدوا عمهم البغي والاختلاف والافتراق، ودخلوا في خيامبرنامج الشيطان. وآيات الكتاب الحكيم التي تحفظ أتباع الدين الحق، آياتكثيرة تحفظهم من وساوس الشيطان وخطواته وتحفظهم من حركة أتباع منهجالشيطان ودسائسهم.

لقد حثتهم آيات الله على الاتحاد والأمانة والتقوى والجهاد والدعاء والذكروالصدقة والعلم والفكر والفهم. إلى غير ذلك من الأمور التي تجعل منهم قوة لاتنفذ إليها سهام دائرة النجس. والأكثر من هذا أن آيات الكتاب الحكيم كشفتبرنامج الكفار والمشركين الذي يستمد قوته من برنامج الشيطان. وكشف هذاالبرنامج للمؤمنين هو في نفس الوقت حجة عليهم يوم القيامة. وأهم الأعمدةالتي يقوم عليها برنامج المشركين من أهل الكتاب قوله تعالى: (ولن ترضىعنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم قل إن هدى الله هو الهدى ولئن اتبعتأهواءهم بعد الذي جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا

(١) راجع سورة ياسين: الآية ١٠.

(٢) سورة الحجر: الآية ٩.

٤٩

نصير) (١). قال المفسرون: إن هؤلاء ليسوا براضين عنك، حتى تتبع ملتهمالتي ابتدعوها بأهوائهم، ونظموها بآرائهم. ثم أمره تعالى بالرد عليهم بقوله: قلإن هدى الله هو الهدى. أي إن الاتباع إنما هو لغرض الهدى. ولا هدى إلاهدى الله. وهو الحق الذي يجب أن يتبع وغيره - وهو ملتكم - ليس بالهدى.

فهي أهوائكم، ألبستموها لباس الدين. وسميتموها باسم الملة.

ففي قوله (قل إن هدى الله).. جعل الهدى كناية عن القرآن، ثم أضيفإلى الله، فأفاد صحة الحصر في قوله (إن هدى الله هو الهدى)، وأفاد ذلك خلوملتهم عن الهدى. وأفاد ذلك كونها أهواءا لهم. واستلزم ذلك كون ما عند النبيعلما، وكون ما عندهم جهلا. واتسع المكان لتعقيب الكلام بقوله: (ولئناتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم * ما لك من الله من ولي ولا نصير)فانظر إلى ما في هذا الكلام من أصول البرهان العريقة ووجود البلاغة علىإيجازه. وسلاسة البيان وصفائه (٢).

إن الدخول في مساحة هؤلاء يترتب عليها أمور على رأسها (ما لك من اللهمن ولي ولا نصير) إن مساحتهم بها الزخرف والإغواء والأهواء. والآخذ منهمشيئا لن يأخذه إلا إذا كان حذاؤه قد حمل غبار طريقهم وعقله قد حمل بصمةاحتناكهم. وإذا كان القرآن الكريم قد حذر من هذه المساحة العريضة التي يتربعفيها المشركين من أهل الكتاب. إلا أنه في الوقت نفسه حذر من مساحة أخرىيتربع فيها المتخصصون من هؤلاء. يقول تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوافريقا من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين * وكيف تكفرون وأنتمتتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراطمستقيم) (٣). إنه الفريق الناعم الذي يجيد الاختراق، ويمهد الطريق لمساحتهالواسعة كي تفرض سياسات التخويف والتجويع على الأمة، من أجل تنفيذ

(١) سورة البقرة: الآية ١٢٠.

(٢) الميزان: ٢٦٥ \ ١.

(٣) سورة آل عمران: الآية ١٠٠ - ١٠١.

٥٠

برنامج النجس والعار.

وكتاب الله وهو يكشف هذه الأهداف بين أن مخططات هؤلاء ستتحطم إذااعتصمت الأمة بكتاب الله (وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكمرسوله) قال المفسرون: أمر سبحانه بالاعتصام بالحق والإنصات إلى آيات الله،والتدبر فيها وإرجاع ما خفي منها إلى الرسول وسنته. فالآيات وبخت طريقالكفر وسالكيه. وأثبتت أن الكتاب والسنة كافيان في الدلالة على كل حق يمكنأن يضل فيه.. فقوله تعالى: (وفيكم رسوله) يشمل أيضا وفيكم سنته التي بينلكم ما خفي عنكم من تأويل آيات الكتاب.

وكما حذر كتاب الله من المخططات الكبرى لأهل الكتاب، حث المؤمنينعلى حفظ ثقافتهم الإسلامية في أي مكان تواجدوا فيه. فحذر من ثقافة الآباءوالأقارب إن استحبوا الكفر. ونهى عن موادة من حاد الله ورسوله ولو قارن أيسبب من أسباب المودة كالأبوة والنبوة والأخوة وسائر أقسام القرابة، قال تعالى:

(يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء إن استحبوا الكفر علىالإيمان ومن يتولهم منكم فأولئك هو الظالمون) (١)، وقال تعالى: (لا تجدقوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أوأبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم) (٢). إن حفظ الثقافة والعقيدة في الدائرةالأضيق مطلب إسلامي. كما أن حفظها في الدائرة الأوسع فيه دفاع عن الفطرةأمام الشهوات والأهواء المتعددة. يقول تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوااليهود والنصارى أولياء، بعضهم أولياء بعض. ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن اللهلا يهدي القوم الظالمين) (٣). قال المفسرون: المراد هو النهي عن موادتهمالموجبة لتجاذب الأرواح والنفوس. فإن ذلك يقلب حال المجتمع من السيرةالدينية المبنية على اتباع الحق. إلى سيرة الكفر المبنية على اتباع الهوى وعبادة

(١) سورة التوبة: الآية ٢٣.

(٢) سورة المجادلة: الآية ٢٢.

(٣) سورة المائدة: الآية ٥١.

٥١
٥٢

فيهم قول الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وآله (هم العدو فاحذرهم) (١).

والنفاق له مدرسة على مساحة أهل الكتاب قال تعالى عن المنافقينمنهم: (وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلا بعضهم إلى بعض قالواأتحدثونهم بما فتح الله عليكم ليحاجوكم به عند ربكم أفلا تعقلون) (٢). وقالتعالى: (وإذا لقوكم قالوا آمنا وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ) (٣).

فالنفاق تمتد عروقه إلى الماضي السحيق. وهو أول تيار سري على صفحةالجنس البشري. عمل من أجل إعاقة الطريق أمام العبادة الحق لحساب الأهواءالمتعددة، وهذا التيار يحتوي بين دفتيه على جميع الأنماط البشرية من الذيناستذلهم الشيطان. يحتوي على الرعاع والغوغاء والدهيماء. وفي نفس الوقتيضم أصحاب الملابس النظيفة والياقات البيضاء، أصحاب الأموال والأولادوفصاحة اللسان. يقول تعالى: (وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وإن يقولوا تسمعلقولهم كأنهم خشب مسندة) (٤). فهم أصحاب أزياء حسنة، وصباحة فيالمنظر، وتناسب في الأعضاء. إذا رآهم الرائي أعجبته أجسامهم، وإذا سمعالسامع كلامهم مال إلى الاصغاء إلى قولهم. لحلاوة ظاهره وحسن نظمه، ورغمكل هذا إلا أن الحقيقة، أن هؤلاء كالخشب المسندة. أشباح بلا أرواح، لا خيرفيها ولا فائدة، لأنهم لا يفقهون. وكيف يفقه من صد عن سبيل الله بكل مايملك من الأموال وأولاد. قال تعالى: (فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم * إنمايريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون) (٥). أخبرسبحانه بأن أموالهم وأولادهم ليس من النعمة التي تهتف لهم بالسعادة، بل منالنقمة التي تجرهم إلى الشقاء. وأبواب الشقاء مفتوحة لجميع من أعرض عنذكر الله، قال تعالى: (ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم

(١) سورة المنافقون: الآية ٤.

(٢) سورة البقرة: الآية ٧٦.

(٣) سورة آل عمران: الآية ١١٩.

(٤) سورة المنافقون: الآية ٤.

(٥) سورة التوبة: الآية ٥٥.

٥٣

القيامة أعمى * قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا * قال كذلك آتتكآياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى) (١).

والمنافقين هرولوا في اتجاه الإسلام لإنجاز برنامج لا علاقة له بالإسلام.

قال تعالى: (إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنكلرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون * اتخذوا أيمانهم جنة فصدوا عن سبيلالله إنهم ساء ما كانوا يعملون) (٢) لقد هرولوا إلى الإسلام وهم معرضين عنسبيل الله!! أظهروا الإيمان ليقتربوا من المؤمنين ويحضرون في محاضرهمومشاهدهم. فيسهل عليهم وضع العراقيل المناسبة في طريق كل حركة للدعوة.

ولأن مساحة النفاق تحتوي على الأصناف العديدة من أصحاب العقد النفسيةالذين فسدت فطرتهم وعلى أصحاب المصالح والمطامع. فإن القرآن الكريمفضح هذه المساحة التي ظهر أصحابها في صدر العهد النبوي. فمنهم من لايعرفه إلا الله وحده، قال تعالى: (وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهلالمدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم) (٣). قال المفسرون: وممنفي حولكم، أو حول المدينة من الأعراب الساكنين في البوادي. منافقون مردواعلى النفاق، ومن أهل المدينة أيضا منافقون معتادون على النفاق. لا تعلمه أنتيا محمد نحن نعلمهم (٤).

ومنهم من كان الله تعالى يكشفه للنبي، ومنهم من كان النبي لا يكشفه إلالخاصة أصحابه. ومن الخاصة حذيفة وعمار رضي الله عنهما. وعن حذيفة قال،قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن في أصحابي اثنى عشر منافقا منهمثمانية لا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط " (٥). وهؤلاء الاثنى

(١) سورة طه: الآية ١٢٤ - ١٢٥ - ١٢٦.

(٢) سورة المنافقون: الآية ١ - ٢.

(٣) سورة التوبة: الآية ١٠١.

(٤) الميزان ٣٧٦ \ ٩.

(٥) رواه الإمامان أحمد ومسلم (كنز العمال ١٦٩ \ ١).

٥٤

عشر ليسوا من العامة والغوغاء. فأمثال هؤلاء كان النبي يكشفهم للخاصوالعام. أما حزمة الاثنى عشر الذين لا يدخلون الجنة، فهم من أصحاب برامجالخشب المسندة. برامج الأشباح التي بلا أرواح والتي لا خير فيها ولا فائدة.

لذا يقول حذيفة: " وأشهد الله أن الاثنى عشر حرب لله ولرسوله في الحياة الدنياويوم يقوم الأشهاد " (١). واثنى عشر فيهم كفاية لتدمير أمة. كما أن اثنى عشرفيهم كفاية لنجاة الأمة (٢) ألم ترى أن بني إسرائيل كان يكفيهم عشرة فقط منالأحبار يؤمنون برسالة النبي وعلى إيمانهم يدخلون دائرة الأمن. قال النبي صلىالله عليه وسلم: " لو آمن بي عشرة من اليهود لآمن بي اليهود " (٣). أما الذينكشفهم النبي صلى الله عليه وسلم للخاصة والعامة. فعن جبير بن مطعم قال:

أصغى إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم - أي مال رأسه إلي - وقال: " إن فيأصحابي منافقين " (٤). وعن إياس عن أبيه أنهم عادوا مريضا مع رسول الله صلىالله عليه وسلم وكان المريض مرتفع الحرارة. وعندما قالوا أمام النبي أن المريضأشد حرا، قال لهم: " ألا أخبركم بأشد حرا منه يوم القيامة - وأشار لرجلين منأصحابه مولين أقفيتهما منصرفين - هذينك الراكبين المقفيين " (٥). قال النووي:

سماهما من أصحابه لإظهارهما الإسلام والصحبة.

وأخرج البيهقي عن ابن مسعود قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليهوسلم فقال: أيها الناس إن فيكم منافقين. فمن سميت فليقم، قم يا فلن، ثم يافلان. حتى عد ستا وثلاثين (٦). وعن ابن عباس قال: قام رسول الله صلى اللهعليه وسلم خطيبا يوم الجمعة، فقال: " أخرج يا فلان إنك منافق. وأخرج يافلان فإنك منافق، فأخرج ناسا منهم فضحهم. فجاء عمر بن الخطاب وهم

(١) رواه الإمام مسلم كتاب صفات المنافقين (صحيح مسلم: ١٢٥ \ ١٧).

(٢) حديث الاثنى عشر الذين من قريش سيأتي في موضعه.

(٣) رواه الإمام البخاري كتاب الهجرة (صحيح البخاري: ٣٤١ \ ٢).

(٤) رواه الإمام أحمد (الفخ الرباني: ٢٣٢ \ ١٩).

(٥) رواه الإمام مسلم (صحيح مسلم: ١٢٨ \ ١٧) كتاب صفات المنافقين.

(٦) السيوطي (الخصائص الكبرى: ١٧٤ \ ٢).

٥٥

يخرجون من المسجد. فاختبأ منهم حياء أنه لم يشهد الجمعة فظن أن الناس قدانصرفوا. واختبئوا هم من عمر ظنوا أنه قد علم بأمرهم... الحديث (١) فكشفتيارات النفاق على امتداد العهد النبوي كان يخضع لوحي الله تعالى. فالوحيكان يخبر بالبعض، ويخبر بالبعض الآخر ضمن خط عريض وهو يتحدث عنالنفاق، نظرا لأن الأمة ممتحنة ومبتلية شأنها كشأن الأمم السابقة ليعلم الله كيفتعمل وكيف تختار ويعلم سبحانه الصابرين. إن الله تعالى أخبر عباده عنالشيطان وأهدافه، وكثير من العباد لم يروا الشيطان، وأخبر سبحانه عن المنافقينوصفاتهم وبرامجهم وكثير من الناس لم يعرفوا أسماء المنافقين. والحجة ليستفي الملابس والأموال والأولاد. وإنما هي في الحركة والبرامج التي بينها اللهتعالى في كتابه. يقول تعالى: (ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنياويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام * وإذا تولى سعى في الأرض ليفسدفيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد * وإذا قيل له اتق الله أخذتهالعزة بالإثم فحسبه جهنم ولبئس المهاد) (٢). وقد يقول قائل فيمن أنزلت هذهالآية؟ والجواب عن ابن كثير يقول: إن الآية تنزل في الرجل ثم تكون عامة بعدذلك (٣). ومعنى الآية: إنه يتكلم بما يعجبك كلامه، مما يشير به إلى رعايتهجانب الحق. والعناية بصلاح الخلق وتقدم الدين والأمة. وهو أشد الخصماءللحق خصومة (وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها.. الآية) التولي هوالقيادة والسلطان ويؤيد هذا قوله تعالى في الآية التالية: (أخذته العزة بالإثم)...

وهذا يدل على أن له عزة مكتسبة بالإثم الذي يأثم به قلبه غير الموافق للسانه.

والسعي هو العمل والإسراع في المشي، فالمعنى: وإذا تمكن هذا المنافقالشديد الخصومة من العمل، وأوتي سلطانا وتولى أمر الناس. سعي في الأرضليفسد فيها - ويمكن أن يكون التولي - بمعنى الإعراض عن المخاطبة والمواجنة،أي: إذا خرج من عندك كانت غيبته مخالفة لحضوره. وتبدل ما كان يظهره من

(١) أورده ابن كثير عن السدي عن أبي مالك (التفسير: ٣٨٤ \ ٢).

(٢) سورة البقرة: الآية ٢٠٤ - ٢٠٥ - ٢٠٦.

(٣) تفسير ابن كثير: ٢٤٦ \ ١.

٥٦

طلب الصلاح والخير إلى السعي في الأرض لأجل الفساد والإفساد (١)..

فهذا الذي يخالف ظاهر قوله، باطن قلبه. إذا سعى في الأرض بالفساد،فإنما يفسد بما ظاهره الاصلاح بتحريف الكلمة عن موضعها، وتغيير حكم اللهعما هو عليه، والتصرف في التعاليم الدينية. بما يؤدي إلى فساد الأخلاقواختلاف الكلمة. وفي ذلك موت الدين وفساد الدنيا. وقد صدق هذه الآيات ماجرى عليه التاريخ من ولاية رجال وركوبهم أكتاف هذه الأمة الإسلامية.

وتصرفهم في أمر الدين والدنيا بما لم يستعقب للدين إلا وبالا. وللمسلمين إلاانحطاطا. وللأمة إلا اختلافا فلم يلبث الدين حتى صار لعبة لكل لاعب. ولاالإنسانية إلا خطفة لكل خاطف.

وقيل: (وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد..) السعي هنا هو القصد كماقال أخبارا عن فرعون (ثم أدبر يسعى فحشر فنادى أنا ربكم الأعلى).. فهذاالمنافق ليس له همه إلا الفساد في الأرض وإهلاك الحرث.. (وإذا قيل له اتقالله أخذته العزة بالإثم) أي إذا وعظ هذا الفاجر، وقيل له اتق الله، امتنع وأبىوأخذته الحمية والغضب بالإثم. وهذه الآية شبيهة بقوله تعالى: (وإذا تتلىعليهم آياتنا بينات تعرف في وجوه الذين كفروا المنكر، يكادون يسطون بالذينيتلون عليهم آياتنا، قل أفأنبئكم بشر من ذلكم. النار وعدها الله الذين كفرواوبئس المصير ". ولهذا قال في هذه الآية: (فحسبه جهنم ولبئس المهاد) أي هيكافيته عقوبة هي ذلك (٢).

إن أطروحة النفاق ترى بوضوح إذا سقطت عليها أشعة منهج العبادة الحق.

لأن المنافقين على امتداد التاريخ الإنساني بعضهم من بعض، يحكم عليهم نوحمن الوحدة النفسية. وهذه الوحدة تضعهم في قالب ذي أوصاف واحدة. ومهمةهذه الطروحات على امتداد التاريخ وضع البشرية على أعتاب الكوارث، لأنبنيانها أسس من ماء الكذب ووضع على شفا جرف هار. لا خير فيه ولا فائدة.

(١) الميزان: ٩٦ \ ٢.

(٢) تفسير ابن كثير: ٢٤٧ \ ١.

٥٧

ثالثا - تيار الذين في قلوبهم مرض:

لقد خلطوا بين هذا التيار وبين المنافقين. وقالوا إنهما نوع واحد منالأنماط الإنسانية. والحقيقة غير هذا ولا تلائم سياق بعض الآيات التي ذكر فيهاالذين في قلوبهم مرض. وذلك لأن المنافقين يشاركونهم في آيات أخرى،والعديد من المفسرين قالوا: المنافقون هم الذين آمنوا بأفواههم، ولم تؤمنقلوبهم والذين في قلوبهم مرض هم ضعاف الإيمان. ومرض القلب في عرفالقرآن، هو الشك والريب على إدراك الإنسان، فيما يتعلق بالله وآياته. وعدمتمكن القلب من العقد على عقيدة دينية، نظرا لخلط الإيمان بالشرك عند مرضالقلوب. ومن الآيات التي ذكرت الذين في قلوبهم مرض قوله تعالى: (إذ يقولالمنافقون والذين في قلوبهم مرض غر هؤلاء دينهم..) (١). ولا معنى للقولبأن الذين في قلوبهم مرض في هذه الآية هم من المشركين، لأن القرآن لم يطلقعلى المشركين اسم الذين في قلوبهم مرض ولم يطلق عليهم اسم المنافقين. ولامعنى للقول بأنهم هم الكفار، لأن الكفر هو موت للقلب لا مرض فيه، قالتعالى: (أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله فيالظلمات ليس بخارج منها كذلك زين للكافرين ما كانوا يعملون) (٢).

والذي يستحق التسجيل هنا أن هذه الآية نزلت في غزوة بدر. وفيها دليلعلى حضور جمع من المنافقين وضعفاء الإيمان ببدر حين تلاقي الفئتين. وذكرأن ضعاف الإيمان كانوا فئة من قريش أسلموا بمكة، واحتبسهم آباؤهم.

واضطروا إلى الخروج مع المشركين إلى بدر، حتى إذا حضروها وشاهدوا ماعليه المسلمون من القلة قالوا: مساكين غر هؤلاء دينهم حين قدموا على ما قدمواعليه من قلة عددهم وكثرة عدوهم (٣). فإذا كان تعريف المنافقين بأنهم الذينأظهروا الإسلام وأبطنوا الكفر، فإن ذلك لا ينطبق على الفئة التي اضطرت إلى

(١) سورة الأنفال: الآية ٤٩.

(٢) سورة الأنعام: الآية ١٢٢.

(٣) تفسير ابن كثير: ٣١٩ \ ٢.

٥٨

الخروج مع المشركين. لأن هذه الفئة لم يظهروا الإسلام، لأنهم لو كانوا قدأظهروه ما كانوا خرجوا من مكة أصلا. ومن الدليل على أن المنافق غير الذيفي قلبه مرض قوله تعالى في موطن آخر من مواطن القتال: (هنالك ابتليالمؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا * وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرضما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا) (١). قال ابن كثير: حين نزلت الأحزاب حولالمدينة والمسلمون محصورون في غاية الجهد والضيق، ورسول الله صلى اللهعليه وسلم بين أظهرهم.. فحينئذ ظهر النفاق. وتكلم الذين في قلوبهم مرضبما في أنفسهم. (وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض... الآية) أماالمنافق فنجم نفاقه، والذي في قلبه شبهة أو حسكة لضعف حاله فتنفس بمايجده من الوساوس في نفسه لضعف إيمانه وشدة ما هو فيه من ضيق الحال (٢)وقال في الميزان: الذين في قلوبهم مرض هم ضعاف الإيمان من المؤمنين.

وهم غير المنافقين الذين يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر) (٣). وفي موطن آخريقول تعالى: (ويقول الذين آمنوا لولا نزلت سورة فإذا أنزلت سورة محكمةوذكر فيها القتال رأيت الذين في قلوبهم مرض ينظرون إليك نظر المغشي عليه منالموت) (٤). إن هذه الآية صريحة في أن الذين أظهروا الرغبة في نزولها همالذين آمنوا. ومن يقول إن المنافقين داخلون فيهم. فهو بقوله هذا يتساهلتساهل غير لائق بكلام الله عزول. فالآية في مثل قوله تعالى في فريق منالمؤمنين (ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وأتوا الزكاةفلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشدخشية) (٥). فالمؤمنين هم الذين سألوا رسول الله: هلا أنزلت سورة. فإذاأنزلت سورة محكمة لا تشابه فيها. وأمروا فيها بالقتال. رأيت الضعفاء الإيمان

(١) سورة الأحزاب: الآية ١١ - ١٢.

(٢) تفسير ابن كثير: ٤٧٣ \ ٣.

(٣) الميزان: ٢٨٦ \ ١٦.

(٤) سورة محمد: الآية ٢٠.

(٥) سورة النساء: الآية ٧٧.

٥٩

ينظرون إليك من شدة الخشية نظر المحتضر (١). وقال ابن كثير في تفسير الآية:

يقول تعالى مخبرا عن المؤمنين. إنهم تمنوا شرعية الجهاد. فلما فرضه الله عزوجل. وأمر به، نكل عنه كثير من الناس.. ولهذا قال: (فإذا أنزلت سورةمحكمة وذكر فيها القتال رأيت الذين في قلوبهم مرض... الآية) أي من فزعهمورعبهم وجبنهم من لقاء العدو (٢).

فالمنافق لا يمكن أن يطلب آية كي يقاتل ويقتل. وإنما الذي طلب همالمؤمنون. وعندما نزلت الآية ظهر ضعاف الإيمان منهم. ومن الدليل أيضا علىأن تيار الذين في قلوبهم مرض، تيار منفصل وإن كان يعمل بطريقته الخاصةلعرقلة الطريق سواء كان يدري أو لا يدري. قوله تعالى: (لئن لم ينته المنافقونوالذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم ثم لا يجاورونكفيها إلا قليلا * ملعونين أينما ثقفوا..) (٣).

فالآية الكريمة ذكرت فئات ثلاث. المنافقون، والذين في قلوبهم مرض،والمرجفون. وعلى رؤوسهم لعنة من الله تعالى إذا استمروا على ما هم عليه.

فالمنافق هو الذي أظهر الإيمان وأبطن الكفر، والذي في قلبه مرض هو الضعيفالإيمان، والمرجفون هم الذين يعملون على إشاعة الباطل لإلقاء الاضطرابوالمعنى: أقسم لئن لم يكف المنافقون والذين في قلوبهم مرض عن الافساد.

والمرجفون الذين يشيعون الأخبار الكاذبة في المدنية لإلقاء الاضطراب بينالمسلمين، لنحرضنك عليهم، ثم لا يجاورونك في المدنية. بسبب نفيهم عنها(سنة الله في الذين خلوا من قبل. ولن تجد لسنة الله تبديلا) (٤) فهذه العقوبة،من النفي أو القتل سنة الله التي جرت في الماضين. فكلما بالغ قوم فيالافساد وإلقاء الاضطراب بين الناس، وتمادوا وطغوا في ذلك، أخذهم اللهكذلك. ولن تجد لسنة الله تبديلا، فتجري فيكم كما جرت في الأمم من

(١) الميزان: ٢٣٩ \ ١٨.

(٢) تفسير ابن كثير: ١٧٨ \ ٤.

(٣) سورة الأحزاب: الآية ٦٠ - ٦١.

(٤) سورة الأحزاب: الآية ٦٢.

٦٠