×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

معالم الفتن (ج 1) / الصفحات: ٦١ - ٨٠

قبلكم (١).

وإذا سبقنا الأحداث فإنني أسجل هنا أن قرار النفي واللعن نفذه النبي صلىالله عليه وسلم وفقا لما جاء في هذه الآية الكريمة، على الحكم بنالعاص (٢). وظل الحكم في المنفى حتى رده عثمان بن عفان وكانت عودتهعمود أصيل فيما جرى من أحداث سنبينها في حينه.

وتيار الذين في قلوبهم مرض، نواته الأولى كانت بمكة قيل الهجرة. وجاءذكرهم في سورة المدثر وهي سورة مكية، تعالى: (وما جعلنا أصحاب النارإلا ملائكة وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا ليستيقن الذين أوتوا الكتابويزداد الذين آمنوا إيمانا ولا يرتاب الذين أوتوا الكتاب والمؤمنون وليقول الذينفي قلوبهم مرض والكافرون ماذا أراد الله بهذا مثلا..) (٣). فإذا كان النفاق قدظهر في المدنية وهو رأي الغالب الأعم من المفسرين. فإنه لا معنى للقول إنالذين في قلوبهم مرض في هذه الآية هم المنافقون، وذلك لأن السورة مكية.

وقال المفسرون في معنى الآيات: أي ما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة،يقدرون على ما أمروا به. فليسوا من البشر حتى يرجوا المجرمون أن يقاوموهم،وما ذكرنا عددهم وهو قوله تعالى (عليها تسعة عشر) إلا فتنة للذين كفروا،ليوقن أهل الكتاب، بأن القرآن النازل عليك حق. حيث يجدون ما أخبرنا به منعدة أصحاب النار موافقا لما ذكر فيما عندهم من الكتاب، ويزداد الذين آمنواإيمانا بسبب ما يجدون من تصديق أهل الكتاب ذلك (وليقول الذين في قلوبهممرض والكافرون. ماذا أراد الله بهذا مثلا) أي ما الذي يعنيه من وصف الخزنةبأنهم تسعة عشر. فهذه العدة القليلة، كيف تقوى على تعذيب أكثر الثقلين من

(١) الميزان: ٣٤٠ \ ١٦.

(٢) ذكر ابن كثير في البداية والنهاية ١٨٢ \ ٦ أن الحكم كان من ألد أعداء النبي صلى اللهعليه وسلم.

(٣) سورة المدثر: الآية ٣١.

٦١

الجن والإنس (١). وقال ابن كثير قولهم (ماذا أراد بهذا مثلا) أي يقولون ماالحكمة في ذكر هذا ههنا؟ قال تعالى: (كذلك يضل الله من يشاء ويهدي منيشاء) أي من مثل هذا - القول - وأشباهه يتأكد الإيمان في قلوب أقوام ويتزلزلعند آخرين. وله الحكمة البالغة والحجة الدافعة، وقوله تعالى: (وما يعلم جنودربك إلا هو) أي ما يعلم عددهم وكثرتهم إلا هو تعالى لئلا يتوهم متوهم أنهمتسعة عشر فقط (٢).

ومن المعروف أن أهل الكتاب قبل البعثة كانوا يضعون أعينهم على مكة،لعلمهم من كتبهم أن النبي سيبعث من هناك. وبعد نزول الوحي في مكة كانلصفات النبي صلى الله عليه وآله عند أهل الكتاب أثر كبير عند المسلمين.

وكذلك الإخبار بعدد ملائكة النار، وهذا الإخبار وإن كان زاد الذين آمنوا إيمانا.

إلا أن حكمة الله البالغة كشفت من خلاله تيارا كان الارتياب مادته في مكة.

والمتدبر في حركة الواقع المكي عند مبعث النبي صلى الله عليه وآله يجدأنه مجتمع إنساني. والمجتمع الإنساني لا يخلو من أصحاب المصالح، وقديكون النفاق جلبابا مهما لهؤلاء. وحلل النفاق لا تنحصر في المخافة والاتقاء،أو الطمع من خير معجل، فإن من علله أيضا الطمع ولو في نفع مؤجل. ومنهاأيضا العصبية والحمية، ولا دليل على انتفاء جميع هذه العلل عن أهل مكة أوعن الذين آمنوا بالدعوة قبل الهجرة. فما بين أيدينا من كتب التاريخ والتراجميذكر فيها أن فيهم من آمن ثم رجع، أو ارتاب ثم صلح. ومن الممكن أن يكونهناك من يرتاب في دينه فيرتد ويكتم ارتداده، كما في قول الله تعالى: (ذلكبأنهم آمنوا ثم كفروا فطبع الله على قلوبهم فهم لا يفقهون) (٣). فلا يبعد أنيكون في هؤلاء من آمن حقيقة ثم ارتد وكتم ارتداده، فطبع الله على قلبه بحيثلا يقبل الحق ولا يتبعه ويتبع هواه وفقا لبرنامج الشيطان. ويكون بخاتم الطبع قد

(١) الميزان: ٩٠ \ ٢٠.

(٢) الميزان: ٩١ \ ٢٠، ابن كثير: ٤٤٤ \ ٤.

(٣) سورة المنافقون: الآية ٣.

٦٢

دخل تحت الآية الكريمة التي نزلت في مكة وفي المدينة (إن الذين كفروا سواءعليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون * ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهموعلى أبصارهم غشاوة ولهم عذاب عظيم * ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليومالآخر وما هم بمؤمنين * يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم ومايشعرون * في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا ولهم عذاب أليم بما كانوايكذبون) (١). ومن الممكن أيضا أن يكون بعض من آمن في مكة، قد آمن طمعافي بلوغ أمنيته التي قد تكون التقدم والاستعلاء. وخصوصا أن النبي صلى اللهعليه وسلم كان يذكر في دعوته لقومه أنهم لو آمنوا به واتبعوه كانوا قادةالأرض. وكان الرهبان يخبرون بذلك وفقا لما بين أيديهم من أوصاف الدعوةالخاتمة، فوفقا لهذا الاعلان أن يكون هناك من آمن غير عابئا بقوة المشركينالطاحنة ويعيش على خطر، رجاء أن يوفق يوما لإدارة رحى المجتمع والعلو فيالأرض. ومن الممكن أن يكون في المجتمع بعض المغمورين الطموحين إلىسعة الصيت وجذب الأنظار إليهم. فآمنوا بالدعوة التي وجدوا فيها اتجاها جديدايضيق الفوارق بين الطبقات يمكن لهم أن يعالجوا مشاعر النقص التي يعانونهاويحقق لهم البروز وسعة الصيت والمكانة عن طريق تحدي مواقع النفوذوالسيطرة داخل المجتمع. ومن الممكن أن يكون هؤلاء المغمورين ضمن الذينلم يتعرضوا إلى أي أذى نتيجة معرفة قريش بهم في جاهليتهم، وفهمها لنواياهمالحقيقية في الانضمام للدعوة. بحيث أن الصدق والإخلاص والتفاني أمورمستبعدة بالنسبة لهؤلاء لذلك لم يتعرضوا لهم.

وقد يكون ضعاف الإيمان قد هاجروا بعد ذلك من مكة إلى المدينة. ولكنالهجرة لها شروط، ومن أهم شروطها أن تكون في سبيل الله وليس في سبيلهدف آخر، قال تعالى: (فالذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم وأوذوا في سبيليوقاتلوا وقتلوا لأكفرن عنهم سيئاتهم) (٢) وقال جل شأنه (والذين هاجروا في

(١) سورة البقرة: الآية ٦ - ١٠، سورة يس: الآية ١٠.

(٢) سورة آل عمران: الآية ١٩٥.

٦٣

الله من بعد ما ظلموا لنبوئنهم في الدنيا حسنة ولأجر الآخرة أكبر) (١). فالهجرةالصحيحة هي ما عقد عليه القلب لقول النبي صلى الله عليه وسلم: " إنماالأعمال بالنيات. وإنما لكل امرئ ما نوى. فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله.

فهجرته إلى الله ورسوله. ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحهافهجرته إلى ما هاجر إليه " (٢). وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلمأنه قال: " إن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصا وابتغي به وجهه " (٣)،والقرآن الكريم لم يضع الذين هاجروا مع الأنبياء في دائرة الحصانة، لأنهم بشرجاءوا ليختبرهم الله في الحياة الدنيا من يومهم الأول إلى يومهم الأخير. ألميهاجر السامري من مصر مع موسى عليه السلام؟ ألم يكن على مقدمة موسى عندعبور البحر وأمامه ملك يرشدهم. فماذا فعل السامري ذلك المهاجر؟ ألم يأخذقبضة من أثر هذا الملك. وكانت هذه القبضة وبالا على بني إسرائيل. لقد ساهمالسامري بهذه القبضة في صناعة عجل من ذهب عبده المنحرفين من بني إسرائيلوأشربوا في قلوبهم حب هذا العجل. وكان هذا الحب وبالا فيما بعد علىالجنس البشري.

إن السامري هاجر وبعد الهجرة ظهر ما في نفسه. قال تعالى لموسى عليهالسلام عندما ذهب للقاء (إنا قد فتنا قومك من بعدك وأضلهم السامري) (٤)،والفتنة هي الامتحان والاختبار. وعندما عاد موسى عليه السلام وعلم بماحدث. أخبر عنه الله تعالى: (قال فما خطبك يا سامري * قال بصرت بما لميبصروا به فقبضت قبضة من أثر الرسول فنبذتها وكذلك سولت لي نفسي) (٥).

أنظر إلى قوله (سولت لي نفسي) فالنفس طريق الإنسان إلى ربه. ولقد أقام اللهعلى الإنسان الحجة فيها، فألهمه طريق الفجور وطريق التقوى. فمن انغمس في

(١) سورة النحل: الآية ٤١.

(٢) رواه البخاري ومسلم وأبو داوود والترمذي والنسائي (الترغيب والترهيب: ١٨١ \ ٢).

(٣) رواه أبو داوود والنسائي (الترغيب: ١٨١ \ ٢).

(٤) سورة طه: الآية ٨٥.

(٥) سورة طه: الآية ٩٥ - ٩٦.

٦٤

الشهوات غشى عمله على قوة النفس الهائلة، فيفتح العمل طريق الفجور علىاتساعه. أما من التزم في عمله بما أمر به الله وما نهى عنه، تكون نفسه حظاسعيدا ينتهي إلى ثواب الله، والإنسان لا يطأ موطأ في سيره إلا بأعمال قلبية،هي الاعتقادات ونحوها. وأعمال جوارحية صالحة أو طالحة. وما أنتجه عملهيوما، كان هو زاده غدا. والسامري سولت له نفسه، فما أغنت عنه هجرته (قالفاذهب فإن لك في الحياة أن تقول لا مساس وإن لك موعدا لن تخلفه..) (١).

إن الذي في قلبه مرض، في قلبه شهوة. في سبيلها يركب الصعب كماركب السامري الصعب وأسس في نهاية الأمر عقيدة شاذة. وكما ذكر القرآن قصةالسامري، لم يستبعد الفكر الحكيم أن يطمع الذي في قلبه مرض في أي أثرمحرم عليه حتى ولو كان ضد الأثر زوجات النبي صلى الله عليه وسلم. علىالرغم من أنه يعلم بنص القرآن إنهن أمهات المؤمنين، فمقتضى هذا النص لايجوز لصاحب قلب سليم أن يقترب نحو مطمع في أمهات المؤمنين. ولكن عالممرضى القلوب، عالم متخصص في نهش أي قبضة من أثر أي رسول. ليتاجر بهالحساب عالمه الخاص (٢). قال تعالى: (يا نساء النبي لستن كأحد من النساء إناتقيتن فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض وقلن قولا معروفا) (٣)،قال المفسرون: نهاهن عن الخضوع في القول وهو ترقيق الكلام مع الرجال.

بحيث يدعو إلى الريبة. ويثير الشهوة فيطمع الذي في قلبه مرض. وهو فقدانهقوة الإيمان التي تردعه عن الميل إلى الفحشاء (٤)، وقال ابن كثير: في قلبهمرض. أي دغل (٥). والدغل بالتحريك: الفساد. والدغل هو أيضا: دخل في

(١) سورة طه: الآية ٩٧.

(٢) كان بعضهم يريد هذا ويفهم من قوله تعالى: (ما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أنتنكحوا أزواجه من بعده أبدا إن ذلكم كان عند الله عظيما * إن تبدوا شيئا أو تخفوه فإنالله بكل شئ عليما). الأحزاب ٥٣ - ٥٤(٣) سورة الأحزاب: الآية ٣٢.

(٤) الميزان: ٣٠٩ \ ١٦.

(٥) تفسير ابن كثير: ٤٨٢ \ ٣.

٦٥

الأمر مفسد. وأدغل في الأمر أي: أدخل فيه ما يفسده ويخالفه، ورجل مدغلأي: مخاب مفسد (١).

وبالجملة نقول: إن الذي في قلبه مرض، لا يدخل في دائرة النفاق، لأنهمحسوب على دائرة الذين آمنوا. وكل منافق في قلبه مرض، بمعنى في قلبههدف لا علاقة له بأي هدف من أهداف الذين آمنوا. لأن الإيمان لم يدخل قلبهبصورة من الصورة. وما في قلبه فهو للصد عن سبيل الله ولا غير ذلك، لذلكنقول والله تعالى أعلم إن حديث الارتداد الذي رواه أصحاب الصحاح ينطبقعلى من كان يجلس في دائرة الذين آمنوا ثم ارتد عنها. ولا ينطبق على المنافقالذي لم يؤمن أصلا حتى يرتد. وفي الحديث عن أبي هريرة قال، قال رسول اللهصلى الله عليه وسلم: " يرد علي يوم القيامة، رهط من أصحابي، فيحولون عنالحوض. فأقول: يا رب أصحابي، فيقول: إنك لا علم لك بما أحدثوا بعدكإنهم ارتدوا على أدبارهم القهقهرى " (٢) فالمنافق لم يؤمن حتى يرتد. إلا إذا كانقد آمن بعد ذلك ثم ارتد. ومن الدليل على بطلان قول من قولوا، إن الحديثيختص بالمنافقين. الحديث الذي رواه ابن عساكر وابن النجار عن أبي الدرداءأنه لما بلغه الحديث قال: قلت يا رسول بلغني أنك قلت ليكفرن أقوام بعدإيمانهم. قال: نعم ولست منهم (٣) وفي رواية عند البيهقي قال: فأتيت رسولالله فذكرت له ذلك فقال: إنك لست منهم (٤).

إن دائرة النفاق وتيار الذين في قلوبهم مرض. بذرتان في تربة واحدةيسقيان من ماء واحد، ولكل شجرة منهما ثمار وأزهار، لا طعم فيهما ولارائحة. أنبتهما الله من الأرض لحكمة ومن وراء الحكمة هدفا. (أحسب الناسأن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون * ولقد فتنا الذين من قبلهم * فليعلمن

(١) لسان العرب.

(٢) رواه البخاري كتاب الدعوات (الصحيح: ١٤٢ \ ٤).

(٣) كنز العمال (٢٦١ \ ١١).

(٤) رواه البيهقي قاله ابن كثير في البداية: ٢٠٨ \ ٦.

٦٦

الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين * أم حسب الذين يعملون السيئات أنيسبقونا * ساء ما يحكمون) (١).

رابعا - جهاز الرجس التخريبي:

إذا كان الشيطان في برنامجه قد استهدف أنبياء الله ورسله والدعوة إلى اللهوالناس. وإذا كان الكفار والمشركون والمنحرفون من أهل الكتاب قد استهدفواببرنامجهم النبي الخاتم صلى الله عليه وسلم ودعوته. فإن دائرة الرجس سارتفي نفس الاتجاه. فلقد استهدفوا الرسول فحاولوا اغتياله مرات عديدة واستهدفواالدعوة بالتشكيك فيها وفي الداعي إليها واستهدفوا القوة الإسلامية المسلحةبتعريضها للهزيمة حتى تتآكل.

* ١ - استهداف النبي صلى الله عليه وآله:

محاولات أصحاب برنامج الشيطان، استهدفوا النبي صلى الله عليه وسلم منذبداية الدعوة. لقد شككوا فيه واتهموه اتهامات شتى وتصدى لهم القرآن ورد كيدهمإلى نحورهم. ثم حاولوا استعمال سياسة القبضة الغليظة، فاستهدفوا الرسول بإلقاءحجارتهم عليه، ثم محاولة قتله أكثر من مرة في مكة. وبعد هجرته صلى الله عليهوسلم تكررت محاولات قتله بواسطة اليهود ثم بالتركيز عليه أثناء المعارك الحربيةكي ينالوا منه صلى الله عليه وسلم ولكن رد الله كيدهم في كل مرة. وبلغت الذروةعندما همت مجموعة تخريبية من المنافقين بمحاولة اغتياله في أيامه الأخيرة. وهذهالمحاولة لاغتيال الرسول صلى الله عليه وسلم، مدونة في كتب التاريخ والتفسيروالصحاح والمسانيد (٢). وطابور النفاق والذين في قلوبهم مرض، هم الذين قاموابهذه المحاولة، وكانوا اثنى عشر رجلا (٣). وكانت خطتهم أن يقطعوا أتساع راحلته،

(١) سورة العنكبوت: الآية ٢ - ٣ - ٤.

(٢) الميزان: ٢٧٨ \ ٩.

(٣) وفي رواية كانوا خمسة عشر. منهم ثلاثة لم يعرفوا بالخطة.

٦٧

ثم يلقوا تحت أرجلها بالحجارة كي تقفز به، ثم ينخسوها لتندفع إلى الأمام نحوالمنزلق فتلقى رسول صلى الله عليه وسلم من المرتفع إلى المنخفض. فيجهزواعليه، واختاروا لجريمتهم وقتا قصيرا قبل الظلام. فإذا تمت الجريمة طواهمالليل ولا يراهم أحد. ثم يعودون ليتوضئوا وليصلوا صلاة المغرب ويصلون فيهاعلى محمد وآل محمد، وروي أن عمار بن ياسر وحذيفة رضي الله عنهما كانامع النبي أحدهما يقود الناقة والآخر يسوقها. وبينما كان النبي صلى الله عليه وآلهوسلم في اتجاه العقبة، وهو المكان المخطط له أن تقع الجريمة فيه، أخبرجبرائيل عليه السلام النبي بما يدبر له. وفي المكان المحدد، ثم الهجوم وألقيتالحجارة تحت أرجل الناقة، ولكن الناقة لم تتحرك وثبتت على الأرض ثبوتالجبال. فقال النبي صلى الله عليه وسلم لحذيفة: اضرب وجوه رواحلهم،فضربها حتى نحاهم. فلما نزل النبي من المرتفع، قال لحذيفة: من عرفت منالقوم؟ قال: لم أعرف منهم أحدا، إن ظلمة الليل غشيتهم وهم متلثمون. فقالالنبي: هل عرفت ما شأنهم وما يريدون؟ قال حذيفة: لا يا رسول الله. قالالنبي: فإنهم فكروا أن يسيروا معي حتى إذا صرت في العقبة طرحوني فيها. فقال حذيفة: ألا تبعث إليهم فتقتلهم؟ فقال النبي: أكره أن يتحدث الناسويقولون: إن محمدا يقتل أصحابه، وسماهم واحدا واحدا (١) وهذه المجموعةالتخريبية التي أقدمت على تنفيذ برنامجها الذي يستمد قوته من برنامج الشيطانأشار إليها الإمام مسلم في صحيحه. فعن حذيفة قال، قال رسول الله صلى اللهعليه وسلم إن في أصحابي اثنى عشر منافقا، منهم ثمانية لا يدخلون الجنة حتىيلج الجمل في سم الخياط " (٢) وروي أن حذيفة قال: أشهد أن الاثنى عشر حربلله ولرسوله في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد " (٣) وروي عن عمار بن ياسرقال: أشهد أن الاثنى عشر حربا لله ولرسوله في الحياة الدنيا ويوم يقوم

(١) قصة تبوك في صحيح مسلم كتاب المنافقين: ٨ / ١٢٣، وسند أحمد ٥ / ٣٩٠.

(٢) رواه الإمام أحمد والإمام مسلم (كنز العمال: ١٦٩ / ١).

(٣) رواه الإمام مسلم في صفات المنافقين (صحيح مسلم: ١٢٥ / ١٧).

٦٨

الأشهاد " (١). إنها شهادة واحدة، لصحابي قاد الناقة وآخر ساقها. شهادةمسطورة في الصحاح والمسانيد. تقول إن من الصحابة من لا يدخل الجنة حتىيلج الجمل في سم الخياط. وإذا أردنا أن نعرف دوافع الجريمة عند المجموعةالتخريبية، فلنقف عند العقوبة ونسلط عليها الضوء القرآني. قال تعالى: * (إنالذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها لا تفتح لهم أبواب السماء ولا يدخلون الجنةحتى يلج الجمل في سم الخياط وكذلك نجزي المجرمين) * (٢).

إن المجموعة التخريبية كذبت بآيات الله، واستكبروا عنها، فضربتهمالعقوبة التي شهد بها عمار وحذيفة رضي الله عنهما، في كتب الصحاح. وهذهالعقوبة ستصيب كل من كذب بآيات الله واستكبر عنها حتى يرث الله تعالىالأرض لقوله جل وعلا: * (وكذلك نجزي المجرمين) * إن التكذيب بآيات اللهجريمة تخترق المستقبل من الماضي. * (هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أويأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانهالم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا قل انتظروا إنا منتظرون) * (٣)،والاستكبار جريمة ترى آثارها على امتداد الليل. والاستكبار والتكبر منالإنسان، أن يعد نفسه كبيرا ويضع نفسه موضع الكبر وليس به ولذلك يعد فيالرذائل. وفي لسان العرب: الاستكبار، الامتناع عن قبول الحق معاندةوتكبرا (٤).

* ٢ - استهداف الدعوة:

استهدف كتاب الدعوة منذ يوم الانذار الأول، فقالوا أساطير الأولين.

وغير ذلك من أقوالهم التي تصدى لها القرآن ونسفها نسفا ورد كيدهم إلىنحورهم. وعندما لم يستطيعوا النيل من كتاب الله، استهدفوا الدعوة من خلال

(١) رواه الإمام أحمد (الفتح الرباني: ٢٠٢ / ٢١).

(٢) سورة الأعراف: الآية ٤٠.

(٣) سورة الأنعام: الآية ١٥٨.

(٤) لسان العرب: ص ٣٨٠٨.

٦٩

حركتها وشعائرها بواسطة المنافقين، لضربها وضرب قوتها في وقت واحد. كانالجهاز التخريبي يدخل للصلاة وهدفه لا يعرف طريق الاهتداء، وبلغت ذروةالاستهداف للدعوة في آخر أيام النبي صلى الله عليه وسلم. وذلك عندماقاموا ببناء مسجد مهمته تخريب الصف الإسلامي وبث ثقافة معادية للدعوة،ووضع بذور بواسطتها تظهر الأحزاب والمذاهب بين المؤمنين.. فكل هذا تحتسقف مسجد يرفع عليه الآذان، وهذا العمل اشترك فيه جميع أتباع برنامجالشيطان، من مشركين وأهل كتاب وعلى رأس الجميع قيصر الروم. وقد كانمقدرا أن يعمل مسجدهم هذا في الفترة الزمنية التي حدثت فيها غزوة تبوك. لقدفرغوا من البناء قبل الغزوة، ثم وجهوا الدعوة إلى النبي صلى الله عليهوسلم كي يفتتح المسجد بالصلاة فيه. لكن الله عصمه، وبعد العودة من تبوكحدثت محاولة الاغتيال. باختصار كانت هذه الفترة الزمنية، فترة عصيبة لا يرىحجم الخطورة فيها إلا بتجميع أحداثها.

لقد أقاموا مسجدا، وهم الذين قال فيهم الله تعالى: * (قل أنفقوا طوعا أوكرها لن يتقبل منكم إنكم كنتم قوما فاسقين) * (١). فالإنفاق منهم لغو لا يترتبعليه أثر. وهم فاسقون والله لا يقبل عمل الفاسقين، قال تعالى: * (إنما يتقبل اللهمن المتقين) (٢)، والتقبل أبلغ من القبول. وقال فيهم أيضا: * (يحلفون لكملترضوا عنهم فإن ترضوا عنهم فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين) * (٣). وقالتعالى: * (يحلفون بالله لكم ليرضوكم والله ورسوله أحق أن يرضوه إن كانوامؤمنين) * (٤). لقد كانوا يحاربون معركة سرية غايتها أن ينالوا رضى المؤمنين،وتحت هذه اللافتة يتم المخطط الإجرامي. ولكن آيات الله وقفت لهم بالمرصاد،وأخبرت أن الواجب على كل مؤمن أن يرضي الله ورسوله. ولا يحاد اللهورسوله، لأن في هذا خزيا عظيما. وأخبر سبحانه أن حلفهم هذا كان من أجل

(١) سورة التوبة: الآية ٥٣.

(٢) سورة المائدة: الآية ٢٧.

(٣) سورة التوبة: الآية ٩٦.

(٤) سورة التوبة: الآية ٦٢.

٧٠

صرف المؤمنين عنهم ليأمنوا الذم، فأمر جل شأنه بالإعراض عنهم لأنهم رجسولا ينبغي لنزاهة الإيمان وطهارته، أن يتعرض لرجس النفاق والكذب، وقذارةالكفر والفسق. وأخبر تعالى، إنكم إن رضيتم عنهم، فقد رضيتم عمن لم يرضالله عنه. أي رضيتم بخلاف رضا الله، ولا ينبغي لمؤمن أن يرضى عما يسخطربه.

فهؤلاء الذين لم يرض عنهم الله بنوا مسجدا لهدف، قال تعالى: * (والذيناتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا وتفريقا بين المؤمنين وإرصادا لمن حارب اللهورسوله من قبل وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى والله يشهد أنهم لكاذبون) * (١).

قال المفسرون: بين الله تعالى أهداف هذه الطائفة من المنافقين في اتخاذ هذاالمسجد وهو:

* الإضرار بغيرهم * والكفر * والتفريق بين المؤمنين * والإرصاد لمنحارب الله ورسوله. والقصة التي اتفق عليها أهل النقل: إن رجلا يقال له أبوعامر الراهب كان يعيش بالمدينة. وبعد هجرة النبي صلى الله عليه وسلم خرجمن المدينة فارا إلى كفار مكة، يمالئهم على حرب رسول الله صلى الله عليهوسلم. وكان ذلك بعد غزوة بدر، فاجتمعوا بمن وافقهم من أحياء العرب،وقدموا يوم أحد. وقام أبو عامر بحفر حفر بين الصفين، وقع في إحداهن رسولالله صلى الله عليه وسلم. وأصيب ذلك اليوم. فجرح وجهه الشريف. وشجرأسه صلى الله عليه وسلم. ولما فرغ الناس من أحد، ولم ينل المجرمون منالنبي ودعوته شيئا، ذهب أبو عامر إلى هرقل ملك الروم، يستنصره على النبيصلى الله عليه وسلم. فوعده ومناه، فكتب إلى جماعة من أهل النفاق والريبيعدهم ويمنيهم إنه سيقدم بجيش يقاتل به رسول الله ويغلبه ويرده عماهو فيه. وأمرهم أن يبنوا له معقلا يقدم عليهم فيه من يقدم من عنده،ويكون مرصدا له إذا قدم عليهم بعد ذلك. فشرعوا في بناء مسجد مجاورلمسجد قباء، وفرغوا منه قبل خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى

(١) سورة التوبة: الآية ١٠٧.

٧١
٧٢

الفطرة فإنه يكره الاعتداء، قال تعالى: * (ولا تعتدوا إن الله لا يحبالمعتدين) * (١). وقال: * (وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثموالعدوان) * (٢). القتال في الإسلام له قانون، وهذا القانون للفطرة ومن أجلها.

ولقد دأب أعداء الفطرة في وضع العراقيل أمام القوة الإسلامية حتى لا يشتدساعدها. في مكة استهدفوا الأجساد التي لم يكتب عليها القتال بعد، أرادوا لهاأن تخاف وأن تتقوقع. وفي المدينة حشدوا الحشود وتعاونوا مع أعداء الدعوةفي كل مكان للقضاء على القوة العسكرية الناهضة، ورد الله كيدهم. وبدأأصحاب برنامج الشيطان، يعتمدون على ورقة النفاق تلك الورقة التي اخترقأصحابها الصف الإسلامي. واستطاعوا أن يبثوا ثقافتهم بين المسلمين. وكان فيالصف الإسلامي سماعون لهم، وهؤلاء السماعون استطاعوا أن يجعلوا من القوةالواحدة فئتين فئة تعطي أصواتها للمنافقين والأخرى ترفض الانصات وتطالببقتال المنافقين الذين انسحبوا من أرض المعركة. باختصار كان للمنافقين أثرابالغا في تعريض القوة المسلحة الإسلامية للعديد من الضربات.

وبإلقاء نظرات على عمليات التخريب الكبرى التي قام بها المنافقون، نجدأنهم كانوا أسرع الناس في التخلف والقعود عن الجهاد، واستئذان الجنود فيالتخلف والقعود من غير عذر، جريمة في حق الفطرة. يقول تعالى: * (لايستأذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم والله عليمبالمتقين) * (٣)، فالمؤمن يقف على أرضية العبادة الحق، التي تجعله على بصيرةمن وجوب الجهاد في سبيل الله بماله ونفسه. ولما كانت معارك الإسلام يتقدمهاعمليات للاستطلاع وعليها يتم تقدير الموقف وعليه يتم تنظيم التعاون بينالقوات المشتركة. فإن الاستئذان بعد هذه الإجراءات أو أثناء المعركة نفسها،يترتب عليه إعادة التنظيم وبهذا يكون ضياع الوقت في صالح العدو. أو إتاحة

(١) سورة البقرة: الآية ١٩٠.

(٢) سورة المائدة: الآية ٢.

(٣) سورة التوبة: الآية ٤٤.

٧٣

الفرصة للقوات المعادية للتقدم وإجراء عمليات الالتفاف والتطويق في المناطقالتي أخليت عن طريق الذين استأذنوا أو انسحبوا. وحركة النفاق كان الاستئذانوالانسحاب أصل أصيل فيهم، قال تعالى: * (إنما تستأذنك الذين لا يؤمنون باللهواليوم الآخر وارتابت قلوبهم فهم في ريبهم يترددون) * (١). فالمنافق لعدم إيمانهبالله واليوم الآخر يكون فاقدا لصفة التقوى، فخروجه مع المؤمنين يكون من بابالنفاق. وعلى امتداد خروجه يتردد في دائرة عريضة مادتها التذبذب والارتياب.

فهو يريد مغنما ما، وفي نفس الوقت لا يريد أن يموت، ثم يأخذ القرار المناسبفي الوقت المناسب بما يحقق أمن الفرد وأمن الدائرة.

وفي غزوة أحد، كان مؤسس المسجد الضرار يطوف على جبابرة قريش فيمكة لتعبئتهم ضد النبي صلى الله عليه وسلم. وعندما تم حشد القوةالإسلامية وبدأ التوجه إلى أحد، انسحب المنافقون وكانت قواتهم تقدر بثلثالجيش (٢) ولم يؤثر فيهم أي موعظة وإلحاح. ويقول تعالى في اعتذارهم يومئذ:

* (وليعلم الذين نافقوا وقيل لهم تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا قالوا لو نعلمقتالا لاتبعناكم هم للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان) * (٣). قال المفسرون: رجعالمنافقون أثناء توجه المسلمون إلى أرض المعركة فاتبعهم رجال من المؤمنينيحرضونهم على الإتيان والقتال والمساعدة. فإن لم يكن في سبيل الله فليدفعواعن أولادهم وحريمهم وأنفسهم. فتعللوا قائلين: لو نعلم أنكم تلقون حربالجئناكم. ولكن لا تقاتلون قتالا. وقولهم هذا جعلهم من الكفر الصريحأقرب (٤). وهذا العمل الذي يلتقي مع عمليات حشد مؤسسي المسجد الضرارفي نقطة واحدة، كان أحد الأسباب العاملة لانهزام المسلمين يومئذ. وإذا كانتدائرة النجس قد نسقت بصورة أو بأخرى مع الأطراف في مكة يوم أحد فإنهمنسقوا أيضا مع يهود بني النضير بالمدينة. روي أن بني النضير تآمروا على قتل

(١) سورة التوبة: الآية ٤٥.

(٢) تفسير ابن كثير: ٥٣٢ / ١.

(٣) سورة آل عمران: الآية ١٦٧.

(٤) الميزان: ٦٠ / ٤.

٧٤

النبي صلى الله عليه وسلم. فأخبر الوحي النبي ما هم به يهود بني النضير. فبعثإليهم النبي أن أخرجوا من المدينة ولا تساكنوني بها. فبدأوا يتجهزون للخروج،فأرسل إليهم عبد الله بن أبي زعيم المنافقين، أن لا تخرجوا فإن معي ألفينيدخلون معكم حصنكم ويموتون دونكم، وسينصركم بنو قريظة وحلفاؤكم منغطفان. ولم يتركهم حتى أقنعهم وأرضاهم فبعث اليهود إلى النبي صلى الله عليهسلم: إنا لا نخرج من ديارنا، فاصنع ما بدا لك. فكبر النبي صلى الله عليهوسلم وكبر أصحابه. وساروا إليهم وأحاطوا بديارهم (١). قال تعالى: " ألم ترإلى الذين نافقوا يقولون لإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب لئن أخرجتملنخرجن معكم ولا نطيع فيكم أحدا أبدا وإن قوتلتم لننصرنكم والله يشهد إنهملكاذبون) * (٢).

لقد ربط القرآن بينهم بأخوة واحدة لاشتراكهم في اعتقاد أو صداقة. ولميف المنافقون بما وعدوا به إخوانهم من أهل الكتاب، لقد ساندوهم فقط بالقولنظرا لأن عدوهما واحد. وكل منهما وقف خلف جدار الآخر، كل طرف يتمنىأن يبادر صاحبه بإتمام المهمة التي عليه بصمات الشيطان. ولما كانت حركةالنفاق مهمتها التخريب والتأليب وتعريض الصف الإسلامي القتالي للخطر. فإنالله تعالى زهدهم في الخروج، يقول تعالى: * (ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدةولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين) * (٣). قال المفسرون:

لو أرادوا الخروج لأعدوا له العدة. ومن الإعداد الاعتقاد الصحيح والإيمانالحق. ولأنهم لم يعدوا العدة ولم يتأهبوا لها، كره الله خروجهم فزهدهم فيهلئلا يفسدوا جمع المؤمنين (٤).

لقد زهدهم الله في الخروج لأن في خروجهم كارثة، ولم يقتصر خروجهم

(١) الميزان: ٢٠٨ / ١٩.

(٢) سورة الحشر: الآية ١١.

(٣) سورة التوبة: الآية ٤٦.

(٤) الميزان: ٢٩٠ / ٩.

٧٥

على الانسحاب والاستئذان. وإنما كانوا يلقون بالفتن ليفرقوا كلمة المسلمين.

وذلك عن طريق الذين كانوا يسمعون لهم، قال تعالى: * (لو خرجوا فيكم مازادوكم إلا خبالا ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة وفيكم سماعون لهم والله عليمبالظالمين) * (١). قال المفسرون: وفيكم سماعون لهم: أي مطيعون لهمومستجيبون لحديثهم وكلامهم، يستنصحونهم وإن كانوا لا يعلمون حالهم.

فيؤدي إلى وقوع شر بين المؤمنين وفساد كبير (٢). وقيل: * (وفيكم سماعونلهم) * السماع: أي السريع الإجابة والقبول (٣). وإذا كان القرآن قد أشار إلىجماعة أو أفراد يسمعون للمنافقين. فإنه في موضع آخر يبين أن المؤمنين فيوقت ما انقسموا إلى فئتين لكل فئة رأي في المنافقين، قال تعالى مخاطباالمؤمنين: * (فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا تريدون أنتهدوا من أضل الله ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا) * (٤). قال المفسرين: خرجرسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أحد، فرجع ناس خرجوا معه. فكانأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم فرقتين. فرقة تقول: نقتلهم. وفرقةتقول: لا. وهم المؤمنون فأنزل الله * (فما لكم في المنافقين فئتين) * (٥). وقالتعالى منكرا على المؤمنين في اختلافهم في المنافقين، أنه سبحانه أركسهم بسببعصيانهم ومخالفتهم الرسول واتباعهم الباطل. أتريدون أن تهدوا من لا طريق لهإلى الهدى، وهم يودون لكم الضلالة لتستووا أنتم وإياهم، وما ذاك إلا لشدةعداوتهم وبغضهم لكم (٦).

فالمنافقون وضعوا العراقيل العديدة، ولكن الذين آمنوا استطاعوا بإيمانهمالراسخ أن يعبروا هذه العقبات نظرا لتمسكهم بتعليمات النبي صلى الله عليه

(١) سورة التوبة: الآية ٤٧.

(٢) تفسير ابن كثير: ٣٦١ / ٢.

(٣) الميزان: ٢٩٠ / ٩.

(٤) سورة النساء: الآية ٨٨.

(٥) تفسير ابن كثير: ٥٣٢ / ١.

(٦) تفسير ابن كثير: ٥٣٣ / ١.

٧٦

وسلم. ولم يؤثر كيد النفاق، كما لو يؤثر كيد المشركين من قبل. ولقد حاولالنفاق أن يبث ثقافة القعود عن الجهاد، بعد أن نال المسلمين من أعدائهم كلنيل ولكن هذه المحاولة هي الأخرى باءت بالفشل. وبث ثقافة القعود وصلتإلى ذروتها عند التحضير لغزوة تبوك. تلك الغزوة التي حاولوا فيها قتل النبيصلى الله عليه وآله وانتهوا قبلها من تشييد المسجد الضرار. ولقد هددالقرآن الكريم الذين تثاقلوا عن الجهاد وقتئذ بالعذاب الأليم إذ لم ينفروا إلىالله. قال تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتمإلى الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلاقليل * ألا تنفروا يعذبكم عذابا أليما ويستبدل قوما غيركم ولا تضروه شيئا) * (١).

قال المفسرون: هذا شروع في عتاب من تخلف عن رسول الله صلى الله عليهوآله وسلم في غزوة تبوك حين طابت الثمار والظلال في شدة الحر (٢). ومعنىالآية: يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قال لكم رسول الله صلى الله عليه وسلم - لميصرح باسمه صونا وتعظيما - اخرجوا إلى الجهاد أبطأتم. كأنكم لا تريدونالخروج، أقنعتم بالحياة الدنيا راضين بها من الآخرة. فما متاع الحياة الدنيابالنسبة إلى الحياة الآخرة إلا قليل (٣). ثم هددهم الله تعالى بالعذابوالاستبدال. ولا يضروه شيئا بتوليهم عن الجهاد.

وإذا كانت ملامح النفاق تبدو واضحة على طريق أحد وتبوك، فإن آخرجولاتهم كانت والنبي صلى الله عليه وسلم على فراش المرض. فلقد أمر عليهالصلاة والسلام بأن ينتظم الجيش تحت قيادة أسامة لإنجاز مهمة قتالية، ووضعالنبي أكابر الصحابة تحت قيادة أسامة، وأمرهم بالخروج (٤). ولكن النفاقمارس مهمته المعتادة يقول ابن حجر في فتح الباري (٥): طعن المنافقون

(١) سورة التوبة: الآية ٣٨ - ٣٩.

(٢) تفسير ابن كثير: ٣٥٧ / ٢.

(٣) الميزان: ٢٧٨ / ٩.

(٤) بعث أسامة في البخاري (٣٠٣ / ٢)، ومسند أحمد (الفتح الرباني: ٢٢٢ / ٢١).

(٥) فتح الباري: ١٨٠ / ١٣.

٧٧

في إمارة أسامة. وعندما علم النبي صلى الله عليه وسلم بما قالوا، جلسعلى المنبر وقال: " إن تطعنوا في إمارته فقد طعنتم في إمارة أبيه في قبل..

وحثهم على الخروج. ولم يخرج البعث إلا بعد وفاة النبي صلى الله عليهوسلم.

٤ - جهاد الرسول صلى الله عليه وسلم لتيارات الصد الداخلية:

بعد أن هرول أعداء الدعوة إلى أرض الدعوة، ينطقون بألسنتهم شعاراتالدعوة وتختزن قلوبهم أوجال الصد عن سبيل الله. بعد أن تدثروا بجلبابالإسلام سواء كان مصنوعا من قماش الخوف أو قماش المنفعة، بعد هذا أصبحالتصدي لما يرتكبوه من جرائم غرض يتخذونه لتشويه الدعوة، تحت شعار أنمحمدا يقتل أصحابه. فشعار مثل هذا وسط قبائل وعصبيات ودوائر عديدة للصدداخلية وخارجية، سيضع بلا أدنى شك عقبات أمام الدعوة يجد فيها برنامجالشيطان متسعا للانطلاق. ولهذه الأسباب وغيرها كان النبي صلى الله عليهوسلم يسير بالدعوة بين نفوس من صخر وبين نفوس نقية تقية. والدعوة فيالأساس أخروية الثواب، ويقف تحت سقفها كل من قبلها وأدى شعائرها.

والدعوة تتحرك وفقا لوحي يحركها. وإذا نظرنا إلى حركة الدعوة في مواجهةالمنافقين والذين في قلوبهم مرض وغيرهم. نجد أن القرآن الكريم قد حدد هذهالحركة بما يتلائم مع النفس الإنسانية عموما ليصل بها في النهاية إلى المخزونالفطري. قال تعالى: * (فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلبلانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمتفتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين) * (١).

فالدعوة تحركت على محاور فيها الرحمة والعفو والاستغفار والمشورةالتي تنتهي في نهاية الأمر إلى قرار رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال فيالميزان: * (فبما رحمة من الله لنت لهم) *، أصل المعنى: فقد لان لكم رسولنا

(١) سورة آل عمران: الآية: ١٥٩.

٧٨

برحمة منا. لذلك أمرناه أن يعفو عنكم ويستغفر لكم ويشاوركم في الأمر. وأنيتوكل علينا إذا عزم (١).

وعلى هذا الأساس شقت الدعوة طريقها وسط الصخور، فقد كان صلى اللهعليه وسلم يعفو عن بعض أفعالهم غير أن هذا العفو لا يشمل موارد الحدودالشرعية وما يناظرها وإلا لغي التشريع. وكان يشاورهم في الأمر، قال ابن كثير:

كان يشاور أصحابه في الأمر إذا حدث، تطيبا لقلوبهم، ليكون أنشط لهم فيمايفعلونه (٢). ولقد شاورهم يوم بدر وفي مواطن كثيرة على امتداد سيرته صلى اللهعليه وسلم. ولا يجب أن يفهم من مشاورتهم في الأمر أن هذه المشاورة فيأمور عقائدية أو أمور حسمها الوحي. وإنما المشاورة كما نصت الآية * (فيالأمر) * أي الأمر الذي يعزمون عليه. والذي يدخل في إطار الأمور العامة التيتجوز فيها المشاورة. وبعد المشاورة إذا عزم الرسول صلى الله عليه وسلم. فإنمن أحبه كان وليا وناصرا له غير خاذله. وكان صلى الله عليه وسلم يشعرهم علىامتداد المسيرة، بأنه إنما يفعل ما يؤمر. والله سبحانه عن فعله راض، وهومتوكل على الله. وعليهم أن يتوكلوا عليه لأن الله يحب المتوكلين.

وهكذا ضربت الدعوة وجهة الجحود بالرحمة، وحاصرت جميع الدوائربالمشورة. وساقت الجميع إلى التوكل على الله. وأمام هذا العطاء كان أصحابالرقاب الغليظة يعضون على أناملهم من الغيظ لأنهم عجزوا عن اختراق حاجزالرحمة وحاجز المشورة اللذين ينتهيان إلى الله قاصم الجبارين. كانت دوائر الصدتموج بأصحاب المخالب ويرتد فيها صدى قرقعة أنياب الحيتان. وأمام العوائقوالمخالب أمر الله تعالى بجهادهم. قال تعالى: * (يا أيها النبي جاهد الكفاروالمنافقين واغلظ عليهم ومأواهم جهنم) * (٣). أما جهاد الكفار الذين تجاهروابالكفر وخرجوا للصد عن سبيل الله، ففي قتالهم آيات كثيرة ولهذه الآيات تفسير

(١) الميزان: ٥٦ / ٤.

(٢) تفسير ابن كثير: ٤٢٠ / ١.

(٣) سورة التوبة: ٧٣.

٧٩

يبين لماذا ومتى وكيف. فمن أراد فليراجعها في مواضعها، أما قتال المنافقينالذين يرتدون جلباب الإسلام ويدخلون مساجده ويرتلون كتابه، فله شأن آخر.

قال ابن كثير في جهاد المنافقين: عن ابن مسعود قال: بيده فإن لم يستطعفليكفهر في وجهه. وعن ابن عباس قال: باللسان. وعن الحسن وقتادةومجاهد: مجاهدتهم إقامة الحدود عليهم (١). وقال في الميزان عن جهادهم:

المجاهدة بذل غاية الجهد في مقاومتهم، والجهاد يكون باللسان وباليد حتىينتهي إلى القتال. وشاع استعمال الجهاد في القرآن في قتال الكفار، لكونهممتجاهرين بالخلاف والشقاق. فأما المنافقون، فهم الذين لا يتظاهرون بكفر ولايتجاهرون بخلاف. وإنما يبطنون الكفر ويقلبون الأمور كيدا ومكرا. ولا معنىللجهاد معهم بمعنى قتالهم ومحاربتهم.. والمراد بجهادهم - في الآية - مطلق ماتقتضيه المصلحة من بذل الجهد في مقاومتهم. فإن اقتضت المصلحة هجروا ولميخالطوا ولم يعاشروا وإن اقتضت وعظوا باللسان. وإن اقتضت أخرجوا وشردواأو قتلوا إذا أخذ عليهم الردة أو غير ذلك. ويشهد لهذا المعنى عن كون المرادبالجهاد في الآية هو: مطلق بذل الجهد. تعقيب قوله تعالى: * (جاهد الكفاروالمنافقين) * بقوله: * (واغلظ عليهم) * أي شدد عليهم وعاملهم بالخشونة (٢).

وقد تعامل النبي صلى الله عليه وسلم على امتداد مسيرته بين دوائر الصدفي الداخل، وفقا لمصلحة الدعوة. وقول الله تعالى لرسوله في شأن المنافقين:

* (لا تصلي على أحد منهم مات أبدا) * (٣) يدل على أنه صلى الله عليه وسلم كانيعرفهم بأعيانهم وأنه كان يتصرف التصرف الذي يمنع المنافقين من قطع الشوطالكبير في إفساد الأمر. فكان صلى الله عليه وسلم يخرج بعض المنافقينمن المسجد على سمع ومرأى من الجميع تارة، وكان يسر بأسماءبعضهم إلى أصحابه تارة. وكان يسر بأسماء البعض الآخر إلى خاصة

(١) ابن كثير في التفسير: ٣٧١ / ٢.

(٢) الميزان: ٣٢٩ / ٩.

(٣) سورة التوبة: الآية ٨٤.

٨٠