×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

معالم الفتن (ج 2) / الصفحات: ٢١ - ٤٠

الناس للنفير (١).

وروي عن زيد بن علي عن ابن عباس قال: لما نزلنا مع علي ذي قار،قلت: يا أمير المؤمنين ما أقل من يأتيك من أهل الكوفة فيما أظن. فقال: واللهليأتيني منهم ستة آلاف وخمسمائة وستون رجلا. لا يزيدون ولا ينقصون. قالابن عباس: فدخلني والله من ذلك شك شديد في قوله. وقلت في نفسي: واللهإن قدموا لأعدنهم. وروى ابن إسحاق عن عمه بن يسار قال: نفر إلى علي إلىذي قار من الكوفة في البحر والبر ستة آلاف وخمسمائة وستون رجلا حتىسمع صهيل الخيل وشحيح البغال حوله - فلما سار بهم منقلة (٢) قال ابن عباس:

والله لأعدنهم فإن كانوا كما قال: وإلا أتممتهم من غيرهم. فإن الناس قد كانواسمعوا قوله: قال: فعرضتهم فوالله ما وجدتهم يزيدون رجلا ولا ينقصون رجلا.

فقلت: الله أكبر. صدق الله ورسوله. ثم سرنا (٣)، وقبل أن يأخذ الإمام علىالخطوة التالية بعث عبد الله بن عباس وزيد بن صوحان إلى عائشة وقال لهما:

إذهبا إلى عائشة وقولا لها إن الله أمرك أن تقري في بيتك وألا تخرجني منه.

وإنك لتعلمين ذلك، غير أن جماعة قد أغروك فخرجت من بيتك. فوقع الناسلاتفاقك معهم في البلاء والعناء. وخير لك أن تعودي إلى بيتك. ولا تحوميحول الخصام والقتال. وإن لم تعودي ولم تطفئي هذه النائزة فإنها سوف يعقبالقتال. ويقتل فيها خلق كثير. فاتقي الله يا عائشة وتوبي إلى الله فإن الله يقبلالتوبة من عباده ويعفو. وإياك أن يدفعك حب عبد الله بن الزبير وقرابة طلحة إلىأمر تعقبه النار. فجاءا إلى عائشة وبلغا رسالة علي إليها. فقالت: إني لا أردعلي بن أبي طالب بالكلام لأني لا أبلغه في الحجاج. فرجعا إليه وأخبراه بماقالت (٤)، ثم بعث عبد الله بن عباس إلى الزبير قبل وقوع الحرب ليستفيئه إلى

(١) البداية والنهاية ٢٣٧ / ٧.

(٢) مرحلة السفر.

(٣) ابن أبي الحديد ٤٠٦ / ١، البداية والنهاية وقال ابن كثير رواه الطبراني ٢١٢ / ٦.

(٤) تاريخ ابن أعثم ص ١٧٥.

٢١

طاعته (١) وقال له: " لا تلقين طلحة. فإنك إن تلقه تجده كالثور عاقصا قرنه (٢).

يركب الصعب (٣) ويقول: هو الذلول، ولكن الق الزبير فإنه ألين عريكة (٤) فقلله: يقول لك ابن خالك. عرفتني بالحجاز وأنكرتني بالعراق. فما عدا ممابدا " (٥).

ورجع رسل الإمام يؤذونه بالحرب، فقام فحمد الله وأثني عليه وصلىعلى رسول الله ثم قال: أيها الناس إني راقبت هؤلاء القوم كي يرعووا أن يرجعواووبختهم بنكثهم. وعرفتهم بغيهم فلم يستجيبوا. وقد بعثوا إلى أن أبرز للطعان.

وأصبر للجلاد. وإنما تمنيك نفسك أماني الباطل. وتعدك الغرور. ألا هبلتهم.

الهبول. لقد كنت وما أهدد بالحرب. ولا أرهب بالضرب. ولقد أنصف القارةمن رماها فليرعدوا وليبرقوا. فقد رأوني قديما. وعرفوا نكايتي. فكيف رأوني.

أنا أبو الحسن. الذي فللت حد المشركين. وفرقت جماعتهم. وبذلك القلبألقى عدوي اليوم. وإني لعلى ما وعدني ربي من النصر والتأييد. وعلى يقين منأمري. وفي غير شبهة من ديني أيها الناس. إن الموت لا يفوته المقيم. ولايعجزه الهارب. ليس عن الموت محيد ولا محيص. من لم يقتل. مات، إنأفضل الموت القتل. والذي نفس علي بيده لألف ضربة بالسيف أهون من موتةواحدة على الفراش. الله إن طلحة نكث بيعتي وألب على عثمان حتى قتله. ثمعضهني (٦) به ورماني. اللهم فلا تمهله. اللهم إن الزبير قطع رحمي ونكثبيعتي، وظاهر علي عدوي. فاكفينه اليوم بما شئت... ثم نزل (٧).

(١) ليستفيئه / أي يسترجعه.

(٢) عاقصا قرنه / أي قد التوى قرناه على أذنيه.

(٣) يركب الصعب / أي يستهين بالمستصعب من الأمور.

(٤) العريكة / أي الطبيعة.

(٥) ابن أبي الحديد ٣٨٨ / ١.

(٦) عضهه / قال فيه ما لم يكن.

(٧) ابن أبي الحديد ٢٤٧ / ١.

٢٢

٣ - على أعتاب الحرب:

واجه الإمام علي صعوبات كثيرة على طريق الحرب وكان تفادي هذهالصعوبات ليس بالأمر اليسير. فهي ستدور بين أهل القبلة وفي كل طرف منالأطراف يوجد رجال من أهل بدر. وعلى رأس هذه الأطراف أعلام لا يمكنتجاهلها. والحرب ستدور بعد أن غاب عن ذهن الغالب الأعم أحاديث كثيرةكان النبي صلى الله عليه وسلم يحذر فيها من أمور ويسمى فيها رؤوس الفتنبأسمائهم وأسماء آبائهم كما في حديث حذيفة وغيره. وعندما أمر الإمام بروايةالحديث لم يعط الوقت الكافي لغربلة هذه الأحاديث وبيان مقاصد الصحيحمنها. فعندما أصبحت الحرب على الأبواب ظهرت أحاديث الاعتزال والتماسسيوف من خشب والقاتل والمقتول في النار. وأحاديث في أعماقها سلب مهمةالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كي تصبح الأمة بلا مهمة وتمهد الطريقلأغيلمة قريش، وكان الإمام علي وسط هذه الأمواج المتلاطمة حجة بذاته ومنحوله نجوم ساطعة كعمار وزيد وحذيفة وغيرهم، وفي هؤلاء نصوص من النبيصلى الله عليه وسلم تدعو للالتفاف حول علي. وعلى الرغم من هذا فإنالإنسان هو الإنسان. فالإنسان الذي ارتدي ثياب النفاق بينما كان الوحي ينزلعلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان من السهل عليه أن يشق طريقه فيعهود ما بعد النبي وإن كان في هذه العهود من هو خبير بمعرفة الرجال، ولأنالساحة بها الحق والباطل وبها باطل ابتلع الحق في بطنه ليتكلم على لسانه. كانالإمام علي يحشد الناس من حوله متفاديا لكل جدل عقيم يكون في صالحالتيارات المعادية. كان يسأل فيجب إجابة الخبير، وكان يعرض عن كل إنسانلا يريد أن ينتظم في جيشه. وذلك لأنه يعرف نتيجة الحرب مقدما وفقا لما كانالنبي صلى الله عليه وسلم يخبره. ومن كان هذا شأنه فهو في دائرة الحجة وليسفي دائرة الحشد من أجل الأموال والغنائم. ونحن هنا سنلقي ضوءا على بعضما كان يجري على أعتاب الحرب، لنري حجم الصعوبات التي كان الإماميواجهها وهو يأخذ بالأسباب ليصل إلى نتيجة وهو يعرفها مقدما. وكان يسير فياتجاهها على الرغم من معرفته أنه مقتول في نهاية طريقها. لأنه كان

٢٣

يعلم أن الاختبار سنة إلهية جارية، وأن جيله يختبر بأحداث يمثل الإمام نفسهالحق فيها، وأن نتائج هذه الأحداث سوف تمتد إلى أجيال قادمة.

وأول ضوء نلقيه هنا سيكون على ما برز من طروحات فكرية في هذهالآونة، روي أن الحارث الليثي دخل على أمير المؤمنين فقال: يا أمير المؤمنين.

أي فتنة أعظم من هذه، إن أصحاب بدر يمشون بعضهم إلى بعض بالسيف،فقال الإمام: ويحك أتكون فتنة أنا أميرها وقائدها. والذي بعث محمدا بالحقوكرم وجهه. ما كذبت ولا كذبت. ولا ضللت ولا ضل بي. ولا زللت ولا زلبي. وإني لعلى بينة من ربي. بينها الله لرسوله. وبينها رسوله لي. وسأدعى يومالقيامة ولا ذنب لي. ولو كان لي ذنب لكفر عني ذنوبي ما أنا فيه منقتالهم " (١).

وروي أن الإمام خطب الناس فقال عن الفتن: إنما بدء وقوع الفتن أهواءتتبع. وأحكام تبتدع. يخالف فيها كتاب الله. ويتولى عليها رجالرجالا... " (٢)، وذكر ابن أبي الحديد: إن الإمام تكلم عن الفتنة. فقال:

" عليكم بكتاب الله " أي إذا وقع الأمر واختلط الناس. فعليكم بكتاب الله. وقدقام إليه من سأله عن الفتنة فقال: أخبرنا عن الفتنة وهل سألت عنها رسول اللهصلى الله عليه وسلم؟ وقد روى كثير من المحدثين عن علي أن رسول اللهصلى الله عليه وسلم قال له: إن الله قد كتب عليك جهاد المفتونين. كماكتب علي جهاد المشركين. فقال علي: يا رسول الله. ما هذه الفتنة التي كتبعلي فيها الجهاد؟ قال: قوم يشهدون أن لا إله إلا الله وأني رسول الله. وهممخالفون للسنة. فقلت: يا رسول الله، فعلام أقاتلهم وهم يشهدون كما أشهد؟

قال: علي الإحداث في الدين. ومخالفة الأمر. فقلت: يا رسول الله. إنك كنتوعدتني الشهادة. فأسأل أن يجعلها لي بين يديك. قال: فمن يقاتل الناكثين

(١) ابن أبي الحديد.

(٢) ابن أبي الحديد ٦٦٧ / ١.

٢٤

والقاسطين والمارقين. أما إني وعدتك الشهادة وتستشهد. تضرب على هذه.

يعني رأسك. فتخضب هذه - يعني لحيتك. فكيف صبرك إذن؟ قلت: يارسول الله ليس ذا بموطن صبر. هذا موطن شكر. قال: أجل. فأعد للخصومةفإنك مخاصم. فقلت: يا رسول الله. لو بينت لي قليلا. فقال: إن أمتي ستفتتنمن بعدي. فتتأول القرآن وتعمل بالرأي. وتستحل الخمر بالنبيذ. والسحتبالهدية. والربا بالبيع... فكن جليس بيتك حتى تقلدها. فإذا قلدتها جاشتعليك الصدور. وقلبت لك الأمور. تقاتل حينئذ على تأويل القرآن. كما قاتلتعلى تنزيله... فقلت يا رسول الله: فبأي المنازل أنزل هؤلاء المفتونين منبعدك أبمنزلة فتنة أم بمنزلة ردة؟ فقال: بمنزلة فتنة يعمهون فيها إلى أن يدركهمالعدل. فقلت: يا رسول الله. أيدركهم العدل منا أم من غيرنا؟ قال: بل منا. بنافتح الله وبنا يختم. وبنا ألف الله القلوب بعد الشرك. وبنا يؤلف بين القلوب بعدالفتنة " (١).

وقتال المفتونين وشدته وضع في دائرة الذهن. وكان أبو ذر رضي الله عنهيحدث به. قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، " والذي نفسي بيده.

إن فيكم لرجلا يقاتل الناس من بعدي على تأويل القرآن كما قاتلت المشركينعلى تنزيله. وهم يشهدون أن لا إله إلا الله. فيكبر قتلهم على الناس. حتىيطعنون على ولي الله ويسخطون عمله كما سخط موسى أمر السفينة والغلاموالجدار. فكان ذلك كله رضي الله تعالى " (٢)، ورغم أن أبا ذر كان يحدث بقتالالمفتونين قبل أن يأتي زمانه. إلا أن زمانه عندما جاء، قال من قال: يا أميرالمؤمنين أي فتنة أعظم من هذه. ولقد رأينا كيف أجاب الإمام على هذا. ولمتكن هذه العقبة الوحيدة التي أزاحها الإمام. وإنما كانت هناك عقبات وعقباتأوجدتها ثقافات متعددة، وروي أن الحارث بن حوط الليثي دخل على أميرالمؤمنين. فقال: يا أمير المؤمنين ما أري طلحة والزبير وعائشة: أضحوا إلا

(١) ابن أبي الحديد ٢٧٧ / ٣، ورواه وكيع (كنز المال ١٨٣ / ١٦).

(٢) رواه الديلمي (كنزل العمال ٦٠٦ / ١١).

٢٥

على الحق، والحارث ما قال ذلك إلا من بريق العناوين التي يحملها هؤلاء.

ولكن الإمام في إجابته أخذ الحارث بعيدا عن البريق والزخرف. فقال: ياحارث. إنك نظرت تحتك ولم تنظر فوقك: إن الحق والباطل لا يعرفانبالناس. ولكن إعرف الحق باتباع من اتبعه. والباطل باجتناب من اجتنبه (١).

وعلق الغزالي في كتابه المنقذ من الضلال على هذا القول فقال: العاقل منيقتدي بسيد العقلاء علي كرم الله وجهه حيث قال: " لا يعرف الحق بالرجالإعرف الحق تعرف أهله ".

وإذا كانت هناك عقبات فكرية قد واجهت الإمام. فلقد رأينا كيف تعاملالإمام مع أصحاب هذا الفكر بالمنطق وإقامة الحجة. وبنفس المنطق واجه الإمامالعقبات التي واجهته عند التعبئة العامة قبل الحرب، وكما ذكرنا أن بعضالأحاديث قد ظهرت على السطح ويكمن فيها الاعتزال في غير موضعه. ومنهذه الأحاديث ما روي عن الأحنف أنه قال: خرجت وأنا أريد نصر ابن عمرسول الله صلى الله عليه وسلم فلقيني أبو بكرة فقال: يا أحنف ارجع فإنيسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إذا تواجه المسلمان بسيفيهمافالقاتل والمقتول في النار. فقلت: يا رسول الله هذا القاتل، فما بال المقتول؟

قال: إنه قد أراد قتل صاحبه " (٢)، يقول سعيد حوي وهو يعقب على هذاالحديث: إن القتال مع علي بن أبي طالب كان حقا وصوابا. ولكن أبو بكرةحمل حديثا ورد في غير الحالة التي قاتل فيها علي. على حالة قتال عليللباغين. وهو فهم من أبي بكرة. ولكنه فهم في غير محله. ومن هذه الرواياتندرك أن عقبات متعددة واجهت عليا في معركته مع الآخرين. منها أمثال هذهالفتوى التي هي أثر من الورع أكثر منها أثر عند فتوى تصيب محلها " (٣).

وورد عن الإمام علي قد حث الناس أن يعقلوا الخبر فقال: " إعقلوا الخبر

(١) البيان والتبين / الجاحظ ١١٢ / ٢، تاريخ اليعقوبي ١٥٢ / ٢.

(٢) رواه مسلم (الصحيح ١١ / ١٨).

(٣) الأساس في السنة ١٧١١ / ٤.

٢٦
٢٧

سيفا من خشب، فهذا سيفي فإن شئت خرجت به معك، فقال الإمام: لا حاجةلنا فيك ولا في سيفك. ورجع من باب الحجرة ولم يدخل " (١).

لقد رجع الإمام دون أن يوجه أي اتهام إلى أن أحد. فكما ذكرنا أن المقاممقام حجة، والاختيار مفتوح. وهو يأخذ بالأسباب ويكدح من أجل نهاية سيقتلعندها. والله يفعل ما يريد. ليبتلي الحاضرين وينظر كيف يعملون ويبتلي الذينمن بعدهم في مواقفهم من هذه الأحداث. والإمام قبل اتخاذه قرار الحرب فيجميع معاركه. كان يشاور ثم يضع الجميع أمام قراره وفي قراره لا تجد إلامصلحة الدعوة فعن طارق بن شهاب قال: رأيت عليا عليه رحل رث بالربذة وهويقول للحسن والحسين: ما لكما تحنان حنين الجارية. والله لقد ضربت هذاالأمر ظهرا لبطن. فما وجدت بدا من قتال القوم أو الكفر بما أنزل علىمحمد " (٢)، إن الإمام إذا رفض القتال فلا معنى لعهد النبي له بقتال الناكثينوالفاسقين والمارقين. لذا فهو يخوض الصعب. ولا يخوض الصعب أحد سواه.

وعلى طريق الصعب كان يخفف عن اتباعه فيخبرهم قبل كل معركة خاضهابنتيجتها وأهم معالمها. قال ذلك يوم الجمل وأيام صفين وفي قتال الخوارج.

وروي عن ابن عباس قال: لما بلغ أصحاب علي حين ساروا إلى البصرة. أنأهل البصرة وليقتلن طلحة والزبير. وليخرجن إليكم من الكوفة ستة آلافوخمسمائة رجلا... " (٣)، ولقد تحدثنا من قبل أن ابن عباس وجد أن العددكما ذكر الإمام وذلك لما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبره.

والخلاصة: أن مجمل الصعوبات التي واجهت الإمام كانت نتيجة لعدم الروايةبعد رسول الله. فهناك أحاديث تحذير فيها أسماء رؤوس الفتن كل ذلك علىامتداد ربع قرن كان قد ضاع من ذاكرة البعض أو تناسوه كما في حديث حذيفة.

ومن الأسباب أيضا تعدد مصادر الفتوى ومنها من لا يصل بالإنسان إلى حقيقة.

(١) رواه أحمد والترمذي وحسنه وابن ماجة ونعيم ابن حماد وأورده ابن حجر في الإصابةوابن كثير في البداية (الفتح الرباني ١٣٨ / ٢٣)، (جامع الترمذي ٤٩٠ / ٤).

(٢) رواه الحاكم (المستدرك ١١٥ / ٣)، (كنز العمال ٣٤٩ / ١١).

(٣) رواه الطبراني، وابن كثير في البداية (البداية ٢١٢ / ٦).

٢٨

٤ - الحرب:

فشلت جميع محاولات أمير المؤمنين لتجنب القتال وأبى الناكثون إلاالمواجهة. وكان الأحنف بن قيس عندما سمع ومن معه فتوى أبي بكرة قد اعتزلالقتال. وأعلن هذا أمام معسكر أمير المؤمنين. وعلى الرغم من هذا إلا أن وجدأن الأحنف كان مع علي. فأرسل إليه. إن شئت أتيتك وإن شئت كففت عنكعشرة آلاف سيف. وكان علي قد علم أن الأحنف قد أعلن الاعتزال أمامالمعسكر الآخر. وفي هذا الوقت العصيب لم يقل له الإمام: تعال إلي وأعني.

وإنما قال له: كيف بما أعطيت أصحابك من الاعتزال، فقال الأحنف: إن منالوفاء الله عز وجل قتالهم.

لقد كان للفتوى أثر سئ. لأنه قد ترتب عليها عهود، والإمام يحترم عهودالناس حتى في أحلك الأوقات. ولذا قال له: كف من قدرت على كفه " (١)،وفي ميدان القتال وقف الإمام علي في مواجهة الناكثين على أول طريق البغيالطويل. كان الإمام يركب بغلة النبي صلى الله عليه وسلم (٢).

وروى البلاذري أنها بقيت إلى زمن معاوية (٣). وكان محمد بن الحنفيةيرفع راية رسول الله السوداء وتعرف بالعقاب. وروي أن أم المؤمنين عائشة كانتعلى جمل يدعى عسكر اشتراه لها يعلى بن أمية. وكان الجمل لواء القوم (٤)وألبسوا هودج أم المؤمنين الأدرع (٥) ووضعوا عليه جلود البقر (٦)، وفيلحظات السكون قبل بدء المعركة خرج طلحة والزبير. فخرج إليها الإمام علي،

(١) الكامل ١٢٢ / ٣، الطبري ١٩٩ / ٥.

(٢) البداية والنهاية ٢٤٢ / ٧، مروج الذهب ٣٩٠ / ٢.

(٣) أنساب الأشراف ٥١١ / ١.

(٤) ابن أبي الحديد ٤١٦ / ٢.

(٥) الطبري ٢٠٣ / ٥.

(٦) مروج الذهب ٤٠٠ / ٢.

٢٩

حتى اختلفت أعناق دوابهم فقال الإمام: لعمري قد أعددتما سلاحا وخيلاورجالا. فهلا أعددتما عذرا يوم القيامة فاتقيا الله. ولا تكونا كالتي نقضت غزلهامن بعد قوة أنكاثا. ألم أكن حاكما في دمكما. تحرمان دمي وأحرم دمكما فهلمن حدث أحل لكم ذمي؟ قال طلحة: ألبت الناس على عثمان. فقال الإمام:

يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق. يا طلحة، تطلب بدم عثمان! فلعن الله قاتلعثمان! يا طلحة أجئت بعرس رسول الله تقاتل بها وخبأت عرسك في البيت، أمابايعتني؟ قال: بايعتك والسيف على عنقي!! ثم قال الإمام: يا زبير ما أخرجك؟

قال: أنت! ولا أراك لهذا الأمر أهلا ولا أولى به مني!!؟ فقال الإمام: ألست لهأهلا بعد عثمان. قد كنا نعدك من بني عبد المطلب حتى بلغ ابنك ابن السوءففرق بيننا " (١).

لقد كان الزبير أكثر صراحة. فعندما سأله الإمام عن سبب الخروج. حدثهعن الحكم والكرسي. وبعد هذا الحديث عادت الخيول إلى مواقعها. ثم وقفالإمام علي بين الصفين ودعا الزبير وقال: أنت آمن. تعالى حتى أعلمك. فأتاه.

فقال له الإمام: أنشدك الله؟ أسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

إنك تقاتل عليا وأنت له ظالم؟ قال: نعم ولم أذكر ذاك إلا في مقامي هذا. ثمانصرف (٢). وفي رواية: لتقاتلنه وأنت له ظالم ثم لينصرن عليك. قال: قدسمعت لا جرم. لا أقاتلك (٣) وعندما انصرف قال له ابنه: ما لك؟ فقال: ذكرنيعلي حديثا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم. يقول: لتقاتلنه وأنتله ظالم. فقال عبد الله ابنه: وللقتال جئت! إنما جئت تصلح بين الناس.

ويصلح الله هذا الأمر. قال: لقد حلفت أن لا أقاتله فقال: فاعتق غلامك وقف.

(١) الكامل ١٢٢ / ٣، البداية والنهاية ٢٤١، ٢٦٣ / ٧.

(٢) رواه أبو يعلى والبيهقي وابن عساكر (كنز العمال ٣٤٠ / ١١) والبداية والنهاية ٢٤١ / ٧،أسد الغابة ٢٥٢ / ٢، الكامل ١٢٢ / ٣، مروج الذهب ٤٠١ / ٢، الطبري ٢٠٠ / ٥، ابنأبي الحديد ٢٠٧ / ٣.

(٣) فتح الباري ٥٥ / ١٣.

٣٠

فأعتق غلامه ووقف (١) وفي بداية القتال انطلق الزبير بفرسه وخرج من أرضالمعركة. فنزل بوادي السباع وقام يصلي فأتاه ابن جرموز فقتله (٢).

وبعد أن أقام الإمام الحجة على طلحة والزبير مرة وعلى الزبير وحده مرة.

بعث إلى طلحة. أن القني. فلقيه فقال: أنشدك الله أسمعت رسول الله صلى اللهعليه وآله وسلم يقول: من كنت مولاه فعلي مولاه. اللهم وال من ولاه وعاد منعاداه. قال: نعم، فقال: فلم تقاتلني!! (٣) وانطلق طلحة للقتال ولم يفعل مافعل الزبير. ولم يبق غير أم المؤمنين لم تسمع من أمير المؤمنين كما سمع طلحةوالزبير. وشاء الله أن تخاطب أم المؤمنين علي بن أبي طالب وعمار بن ياسر قبلالمعركة، روي أن عمارا دنا من موضع أم المؤمنين وقال: ماذا تدعين؟ قالت:

الطلب بدم عثمان. فقال: قاتل الله في هذا اليوم الباغي والطالب بغير الحق. ثمقال: أيها الناس إنكم لتعلمون أينا الممالئ في قتل عثمان (٤). وما أن انتهىعمار حتى جاء في اتجاه أم المؤمنين فوارس أربعة. فهتفت: فيهم رجل عرفته.

ابن أبي طالب ورب الكعبة. سلوه ما يريد فقال لها أمير المؤمنين: أنشدك باللهالذي أنزل الكتاب على رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيتك. أتعلمينأن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعلني وصيا على أهله وفي أهله، قالت:

اللهم نعم. قال: فما لك؟ قالت: أطلب بدم أمير المؤمنين عثمان قال: أرينيقتلة عثمان، ثم انصرف (٥).

مما سبق علمنا أن عمارا ذكر أم المؤمنين بقتال البغاة وذلك في قوله:

" قاتل الله في هذا اليوم الباغي " أما أمير المؤمنين لقد تحدث على في أمر لا نعلمباطنه. لقد كشف أنه وصي على أهل النبي صلى الله عليه وسلم وفيهم.

(١) الكامل ١٢٢ / ٣، البيهقي وابن عساكر (كنز العمال ٣٣٠ / ١١).

(٢) أسد الغابة ٢٥٢ / ٥٢، الطبري ٢١٩ / ٥.

(٣) رواه الحاكم (المستدرك ٣٧١ / ٣)، وابن عساكر (كنز العمال ٣٣٣ / ١١) مروج الذهب٤٠٣ / ٢، الطبري ٣٠٤ / ٥.

(٤) مروج الذهب ٣٧١ / ٢.

(٥) رواه الطبراني (كنز العمال ٢٣٨ / ٧)، (الزوائد ٢٣٨ / ٧).

٣١

ومن المعروف أن لقب أمهات المؤمنين لا ينزع عنهن بوفاة الرسول، وإنما هولقب ملاصق لهن حتى قيام الساعة. ولحاملة اللقب حقوق وواجبات حددهاالشرع الحكيم. وهذا الامتداد لا بد له من عين تحرسه. ولقد ورد أنه لا يؤديعن النبي في حياته إلا علي وبما أن اسم النبي تحمله أمهات المؤمنين ولا ينزعبوفاة النبي فإن الذي يسهر على مصلحة أمهات المؤمنين حتى لا يطمع الذي فيقلبه مرض أو أصحاب المخططات، لا يكون غير رأس الدولة. وهذا على أيحال تفسير لقول الإمام بأن النبي جعله وصيا على أهله وفي أهله. فالسؤال طرحأثناء معركة. وعندما وافقت أم المؤمنين على قول أمير المؤمنين قال: فما لك؟

والله أعلم بمراده. ولقد روى أن أم المؤمنين صفية قالت للنبي لما حضر: فإنحدث حدث فإلي من؟ قال: إلى علي بن أبي طالب " (١)، وبعد أن بين الإماموصايته. سألها عن قتلة عثمان فقال: أريني قتلة عثمان. فإذا كانت قد جاءتبالقوات من أجل هذا. فعليها إن كانت تعرفهم أن تدل الإمام عليهم كي تجريمحاكمتهم وتحقن دماء المقاتلين، وإن كانت لا تعرفهم فما فائدة الحشد - فلقدكان من الواجب أن تعطي للإمام فرصة ليجمع أطراف القضية. وبعد أن قالالإمام هذا انصرف.

وصدر أمر القتال. قال الإمام: عباد الله، اتقوا الله، وغضوا الأبصار.

واخفضوا الأصوات، وأقلوا الكلام، ووطئوا أنفسكم على المنازلة والمجادلةوالمبارزة والمناضلة والمبادلة والمعانقة والمكادمة والملازمة فاثبتوا. واذكروا اللهكثيرا لعلكم تفلحون. ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم. واصبروا إن الله معالصابرين. اللهم ألهمهم الصبر وأنزل عليهم النصر وأعظم لهم الأجر (٢)، ثمنادي مناديه: لا يتبع مدبر. ولا يذفف على جريح، ولا يقتل أسير ومن أغلقبابه فهو آمن ومن ألقى سلاحه فهو آمن (٣)، ثم نادي المنادي: لا تبدأوا القوم

(١) رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح (الزوائد ١١٢ / ٩).

(٢) الطبري ٦ / ٦.

(٣) رواه ابن أبي شيبة والبيهقي (كنز العمال ٣٣٥ / ١١).

٣٢

بالقتال وكلموهم بألطف الكلام. فإن هذا مقام من فلج فيه فلج يوم القيامة.

فنادي معسكر عائشة: يا ثأرات عثمان. فقال الإمام: ما يقولون؟ فقال محمد بنالحنفية: يقولون يا ثأرات عثمان فرفع الإمام يديه وقال: اللهم كب اليوم قتلةعثمان لوجوههم (١) اللهم خذ أيديهم وأقدامهم (٢)، ثم قال الإمام لأصحابه:

أيكم يعرض عليهم هذا المصحف. فإن قطع يده أخذه بيده الأخرى. فقال لهفتى شاب: أنا، قال: اعرض عليهم هذا، وقل هو بيننا وبينكم من أوله إلىآخره. والله الله في دمائنا ودمائكم. فلما جاءهم الفتى حملوا عليه حتى قتل.

فقال الإمام: قد طاب لكم الضراب فقاتلوهم (٣).

وما إن بدأت المعركة حتى لاحت هزيمة أصحاب الجمل، يقول ابن كثير.

تقدم علي بالراية. وقتل خلق كثير وجم غفير ولم تر واقعة أكثر من قطع الأيديوالأرجل فيها من هذه الواقعة (٤). وقال عبد الله الكاهلي: لما كان يوم الجملترامينا بالنبل حتى فنيت وتطاعنا الرماح حتى تكسرت. وتشبكت صدورناوصدورهم حتى لو سيرت الخيل عليها لسارت. وعلم أهل المدينة بالواقعة يومالحرب قبل أن تغرب الشمس من نسر مر بماء حول المدينة ومعه شئ معلقفسقط معه. فإذا أكف فيه خاتم نقشه عبد الرحمن بن عتاب وعلم من بين مكةوالمدينة والبصرة بالوقعة بما نقل إليهم النسور من الأيدي والأقدام (٥)، وكانهدف قوات أم المؤمنين الحفاظ على الجمل. فكان لا يأخذ بالراية ولا بخطامالجمل إلا شجاع معروف (٦)، ومن حرص الرجال على الجمل وحبهم له. رويأن رجالا من الأزد كانوا يأخذون بعر الجمل فيفتتونه ويشمونه ويقولون بعر جمل

(١) رواه البيهقي (كنز العمال ٣٣٨ / ١١).

(٢) البداية والنهاية ٧ / ٨.

(٣) الطبري ٣٠٤، ٣٠٥ / ٥، مروج الذهب ٣٩٩ / ٢، ابن أبي الحديد ٢٠٨ / ٣، كنز العمال٣٣٨ / ١١، الكامل ١٣٣ / ٣.

(٤) البداية ٢٤٣ / ٧.

(٥) الكامل ١٣٣ / ٣، البداية ٢٤٧ / ٧، الطبري ٢١٨ / ٥.

(٦) البداية ٢٤٤ / ٧.

٣٣

أما ريحه مسك (١). وكان معسكر علي يقولون: لا تزال الحرب قائمة ما دامهذا الجمل واقفا. وذلك لأن معسكر عائشة يدافعون عنه ويعملون على رفعرأسه وكلما قتل منهم أحد سارع الآخر ليمسك بزمام الجمل. وعندما فنى بنوضبة. أخذ الخطام سبعون رجلا من قريش. وكل واحد يقتل بعد صاحبه. وكانمحمد بن طلحة منهم قال لعائشة: مريني بأمرك يا أمه، فقالت: أمرك أن تكونكخير ابني آدم. فثبت في مكانه يقول: حم لا ينصرون. فتقدم إليه نفر فحملواعليه فقتلوه (٢).

وأمر الإمام بقتل الجمل (٣)، ولما سقط البعير على الأرض انهزم من حولهمن الناس. وحمل هودج عائشة، وإنه كالقنفذ من السهام. ونادي منادي علي فيالناس: أنه لا يتبع مدبر ولا يذفف على جريح (٤)، وبعد أن هدأ غبار المعركة.

ظهر على أرض القتال عشرة آلاف قتيل (٥). أما الجرحى فلا يحصون (٦).

وكان من بين القتلى طلحة بن عبيد الله. قتله مروان بن الحكم وكان معهفي معسكر واحد وتحت قيادة واحدة. ولكن مروان كانت له مهمة تختلف عنمهمة طلحة. وهي قتل طلحة (٧). ولم تعلم أم المؤمنين بقتل طلحة والزبير إلاعندما علمت بهزيمة قواتها. فلقد علمت رضي الله عنها بالأمور الثلاثة في وقتواحد. كما علمت في نفس الوقت بمقتل زيد بن صوحان الذي قال فيه رسول اللهصلى الله عليه وسلم: " من سره أن ينظر إلى من يسبقه بعض أعضائه إلى

(١) الطبري ٢٦٣ / ٥.

(٢) البداية ٢٤٤ / ٧، الطبري ٢١٤ / ٥.

(٣) البداية ٢٦٦ / ٧، الطبري ٢١٠ / ٥.

(٤) البداية ٢٤٥ / ٧، الطبري ٢٠٨ / ٥.

(٥) الكامل ١٣١ / ٣، البداية ٢٤٧ / ٧، الطبري ٢٢٢ / ٥، وقيل قتل فيها من أصحاب الجملثلاثة عشر ألفا ومن أصحاب علي خمسة آلاف (مروج الذهب ٣٨٧ / ٢).

(٦) البداية ٢٤٧ / ٧.

(٧) لا خلاف بين أهل العلم على أن مروان بن الحكم هو الذي قتل طلحة راجع (البدايةوالنهاية ٢٧٨ / ٨)، (أسد الغابة ٨٨ / ٣).

٣٤

الجنة فلينظر إلى زيد بن صوحان " (١). روي أن عائشة قالت يوم الجمللخالد بن الواشمة: أنشدك الله أصادقي أنت إن سألتك. قال: نعم، قالت: مافعل طلحة؟ قال، قتل! فقالت: إنا لله وإنا إليه راجعون. ثم قالت: ما فعلالزبير؟ قال: قتل! قالت: إنا لله وإنا إليه راجعون. فقال لها: بل نحن لله ونحنإليه راجعون. على زيد وأصحاب زيد قالت: زيد بن صوحان، فقال: نعم،قالت: خيرا، فقال لها: والله لا يجمع الله بينه وبينهما في الجنة أبدا. قالت: لاتقل ذاك فإن رحمته واسعة وهو على كل شئ قدير " (٢).

وروي عن زيد من وجوه أنه قال: " شدوا علي ثيابي ولا تنزعوا عني ثوبا.

ولا تغسلوا عني دما. فإني رجل مخاصم - أو قال - فإنا قوم مخاصمون " (٣).

وانتهت حرب الجمل وهرب رؤوس بني أمية الذين وقفوا بالأموال والعتاد وراءطلحة والزبير (٤). وروي أن الإمام علي وقف عند عائشة فضرب الهودج بقضيبوقال: يا حميراء رسول الله أمرك بهذا. ألم يأمرك أن تقري في بيتك. والله ماأنصفك الذين أخرجوك إذا صانوا عقائلهم وأبرزوك. وأمر أخاها محمد فأنزلهافي دار صفية بنت الحارث (٥)، وروي أن عمارا قال لعائشة لما فرغوا منالجمل: " ما أبعد هذا المسير من العهد الذي عهد إليكم - يشير إلى قوله تعالى:

" وقرن في بيوتكن - فقالت: أبو اليقظان؟ قال: نعم، قالت، والله إنك ما علمتلقوال بالحق، قال: الحمد لله الذي قضى لي على لسانك " (٦).

وروي عن أبي البحتري أنه قال: لما انهزم أهل الجمل قال علي: لا يطلبنعبد خارج المعسكر وما كان من دابة أو سلاح فهو لكم. وليس لكم أم ولد:

(١) رواه أبو يعلى وابن مندة (الإصابة ٥٨٢ / ١)، والبيهقي (٢١٤ / ٦).

(٢) رواه ابن منده والبيهقي (الإستيعاب ٥٦٠ / ١).

(٣) رواه البخاري ويعقوب بن سفيان في تاريخهما. وابن منده (الإصابة ٥٨٣ / ١)،(الإستيعاب ٥٦٠ / ١).

(٤) الطبري ٢٢٠ / ٥.

(٥) مروج الذهب ٣١٧٦ / ٢.

(٦) الطبراني بسند صحيح (فتح الباري ٥٨ / ١٣)، الكامل ١٣٣ / ٣، الطبري ٢٢٥ / ٥.

٣٥

والمواريث على فرائض الله. وأي امرأة قتل زوجها. فلتعتد أربعة أشهر وعشرا.

قالوا: يا أمير المؤمنين تحل لنا دماؤهم ولا تحل لنا نساؤهم. فقال: كذلكالسيرة في أهل القبلة. فخاصموه. فقال: فهاتوا سهامكم واقرعوا على عائشة.

فهي رأس الأمر وقائدهم. قال: ففرقوا وقالوا: نستغفر الله فخصمهم أميرالمؤمنين " (١).

وانتقلت أم المؤمنين إلى دار صفية زوجة عبد الله بن خلف الذي قتلهالإمام يوم الجمل. وروي أن أمير المؤمنين أقبل إلى منزل عائشة. فإذا عائشةجالسة حولها نسوة من نساء أهل البصرة. وهي تبكي وهن يبكين معها. فنظرتصفية بنت الحارث فرأت عليا. فصاحت هي ومن كان معها هناك من النسوةوقلن: يا قاتل الأحبة. يا مفرق بين الجميع، أيتم الله بنيك كما أيتمت ولدعبد الله بن خلف. فنظر إليها علي فعرفها فقال: أما إني لا ألومك أن تبغضيني.

وقد قتلت جدك يوم بدر. وقتلت عمك يوم أحد. وقتلت زوجك الآن. ولوكنت قاتل الأحبة كما تقولين. لقتلت من في هذا البيت ومن في هذه الدار. ثمأقبل على عائشة فقال: ألا تنحين كلابك هؤلاء عني. أما إني قد هممت أن أفتحباب هذا البيت فأقتل من فيه. ولولا حبي للعافية. لأخرجتهم الساعة فضربتأعناقهم صبرا. فسكتت عائشة وسكتت النسوة فلم تنطق واحدة منهن (٢). ورويأن الأبواب التي هدد علي بفتحها كان من ورائها أناس من الجرحى قد لجأوا إلىعائشة (٣). وتغافل عنهم علي لأن مذهبه كان لا يقتل مدبرا ولا يذفف علىجريح ولا يكشف سترا ولا يأخذ مالا (٤).

وروي أن ابن عباس دخل على عائشة في دار صفية بغير إذنها. واجتذب

(١) ابن أبي شيبة (كنز ٣٣٦ / ١١).

(٢) فتوح ابن أعثم (٣٣٩ / ٢، الطبري ٢٢٤ / ٥، الكامل ١٣١ / ٣. واللغط لابن أعثم،مروج الذهب ٢ / ٤٠٨.

(٣) الطبري ٢٢٢ / ٥، الكامل ١٣١ / ٣.

(٤) الكامل ١٣١ / ٣.

٣٦

وسادة فجلس عليها. فقالت: يا ابن عباس أخطأت السنة المأمور بها. ودخلتإلينا بغير إذننا. وجلست على رحلنا بغير أمرنا. فقال: لو كنت في البيت الذيخلفك فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم. ما دخلت إلا بإذنك. وما جلسناعلى رحلك إلا بأمرك. وإن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب يأمرك بسرعة الأوبةوالتأهب للخروج إلى المدينة " (١)، وعندما كانت أم المؤمنين تستعد للذهاب إلىالمدينة. كان قد سبقها بعض الذين يبحثون عن الحقيقة. روي عن ثابت مولىأبي ذر أنه قال: كنت مع علي يوم الجمل. فلما رأيت عائشة واقفة دخلني بعضما يدخل الناس (٢)، فكشف الله عني ذلك عند صلاة الظهر. فقاتلت مع أميرالمؤمنين. فلما فرغ ذهبت إلى المدينة. فأتيت أم سلمة. فقلت: إني والله ماجئت أسأل طعاما ولا شرابا، ولكني مولى لأبي ذر. فقالت مرحبا، فقصصتعليها قصتي. فقالت: أين كنت حين طارت القلوب سطائرها. قلت: إلى حيثكشف الله عني عند زوال الشمس. قالت: أحسنت. سمعت رسول الله صلى اللهعليه وآله وسلم يقول: علي مع القرآن والقرآن مع علي. لن يتفرقا حتى يرداعلى الحوض " (٣) وعن حري بن سمرة قال: لما كان من أهل البصرة ما كانبينهم وبين علي بن أبي طالب انطلقت حتى أتيت المدينة، فأتيت ميمونة بنتالحارث فقالت: ما جاء بك، قال: كان بين علي وطلحة الذي كان فأقبلتفبايعت عليا. قالت: فالحق به فوالله ما ضل ولا ضل - قالتها ثلاث مرات " (٤).

كان هذا في المدينة أما في البصرة، فلقد روي أن الإمام عندما دخلهامنتصرا خطب في الناس خطبة طويلة جاء فيها: " يا أهل السبخة (٥) يا أهلالمؤتفكة. أئتفكت بأهلك من الدهر ثلاثا. وعلى الله تمام الرابعة يا جند المرأة.

(١) مروج الذهب ٣٧٧ / ٢.

(٢) أي أنه استصعب قتالها.

(٣) رواه الحاكم وصححه وأقره الذهبي (المستدرك ١٢٤ / ٣).

(٤) رواه الطبراني وقال الهيثمي رجاله ثقات (الزوائد ٩ / ١٣٥)، والحاكم وصححه(المستدرك ١٤١ / ٣).

(٥) موضع يعلوه الملوحة.

٣٧

يا أتباع البهيمة. رغا فأجبتم، وعقر فانهزمتم، أخلاقكم رقاق. وأعمالكم نفاق.

ودينكم زيغ وشقاق، وماؤكم أجاج وزعاق " (١).

وقوله رضي الله عنه: " يا أهل السبخة " إشارة إلى حديث النبي صلى اللهعليه وآله وسلم: " إن الناس يمصرون أمصارا وإن مصرا منها يقال لها البصرة.

فإن أنت مررت بها أو دخلتها فإياك وسباخها وكلاءها وسوقها وباب أمرائهاوعليك بضواحيها. فإنه يكون بها خسف وقذف ورجف وقوم يبيتون فيصبحونقردة وخنازير " (٢)، فلقد وصفها النبي صلى الله عليه وآله وسلم بفساد العقولوكثرة الظلم الواقع بها، والبصرة كما ذكرنا من قبل أن يمصرها مصرها عمر بنالخطاب وسكنتها أجناس مختلفة كان لهم تأثير بالغ على ثقافتها. وأبرز معالمهذه الثقافة هي القردية والخنزيرة. أي تلجيم العقل كل تافه ورخيص والسير فيطريق المادة لاتهام غذاء الدنس والعار.

وروي أن رجلا قال للإمام بعد الفراغ من يوم الجمل: يا أمير المؤمنين.

وددت أن أخي فلانا كان شاهدنا. ليري ما نصرك الله به على أعدائك. فقالالإمام: أهوى أخيك معنا؟ قال: نعم، فقال: فقد شهدنا. ولقد شهدنا فيعسكرنا هذا، أقوام في أصلاب الرجال وأرحام النساء. سيرعف بهم الزمانويقوى بهم الإيمان " (٣)، وفي كلام الإمام إشارة إلى قول النبي صلى الله عليهوآله وسلم: " المرء مع من أحب " (٤)، وقوله: " إذا عملت الخطيئة في الأرضكان من شهدها فكرهها. كمن غاب عنها. ومن غاب عنها فرضيها كان كمن

(١) مروج الذهب ٤٠٧ / ٢.

(٢) رواه أبو داود حديث رقم ٤٢٨٥، والطبراني (عون المعبود ٤٢٠ / ١١)، وقالالسيوطي: هذا الحديث أورده ابن الجوزي في الموضوعات من غير الطريق الذيأخرجه منها المصنف، وغفل عن هذا الطريق. وقد تعقبته فيما كتبت على كتابه (عونالمعبود ٤٢٠ / ١١).

(٣) ابن أبي الحديد.

(٤) البخاري (الصحيح ٧٧ / ٤).

٣٨

شهدها " (١).

وانتهى يوم الذي نادى الإمام في بداية طريقه بالمصالحة. ولكنأحدا لم يتقدم ليصلح بين الطائفتين. ولم ينصت أصحاب الجمل إلى رسائلالإمام ورسله إليهم. ولو قام الذين اعتزلوا القتال وغيرهم بالوساطة من أجلالمصالحة. لعلمنا بكل يسر من هم البغاة. ولكنهم لم يفعلوا ذلك. وترتب علىهذا أن البحث عن الحقيقة كان لا بد أن يتم على طريق شاق نظرا لوجود راياتمتعددة الأسماء.

(١) رواه أبو داوود حديث ٤٣٤٥.

٣٩

ثانيا - أيام صفين

في سنة ست وثلاثين قامت موقعة الجمل وانتهت. وقيل: إنه كان بينخلافة علي إلى وقعة الجمل خمسة أشهر وإحدى وعشرون يوما. وقتل في هذهالوقعة ما يقرب من عشرين ألفا منهم خمسة آلاف من قوات أمير المؤمنين.

وبينما الدماء لم تجف بعد، وإذا بمعاوية بن أبي سفيان يخرج على رأس أهلالشام في خمس وثمانين ألف مقاتل، ليقابل جيش أمير المؤمنين بعد فراغه منيوم الجمل بحوالي أربعة أشهر. وبقراءة سريعة لخلفية معاوية نجد أن عمر بنالخطاب ولاه الشام بعد موت أخيه يزيد. وكانت وصية هند لولدها معاوية " إنهذا الرجل استنهضك في هذا الأمر. فاعمل بطاعته فيما أحببت وكرهت " (١)،ووصاه والده أبو سفيان: " وقد ولوك جسيما من أمورهم فلا تخالفهم. فإنكتجري إلى أمد. فنافس فإن بلغته أورثته عقبك " (٢)، وكان معاوية يقول لعمر:

" مرني يا أمير المؤمنين بما شئت. فيقول له: لا آمرك ولا أنهاك " (٣)، وكان عمرلا يذكر معاوية إلا بخير. كان يقول للناس: " تذكرون كسرى وعندكم

(١) البداية والنهاية ١١٨ / ٨.

(٢) البداية والنهاية ١١٨ / ٥.

(٣) البداية والنهاية ١٢٥ / ٨، الطبري ١٨٤ / ٦.

٤٠