×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

معالم الفتن (ج 2) / الصفحات: ٤٢١ - ٤٤٠

وروجتها بعض الفرق والأحزاب التي لبست المسوح ومضت تفلسف المعتقداتوالمبادئ الإسلامية. إلى غير ذلك من الاتجاهات التي كان لها أكبر الأثر فيتحوير الحقائق والتلاعب في حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم،بالإضافة إلى دور القصاصين والمرتزقة الذين اتخذوا القصص مهنة. فأخذالقائمين على هذا الأمر هذه المرويات ودونوها من غير تعديل أو تمحيص،ولهذا كثيرا ما نجد بين الرواة الكثير من الذين ينتسبون إلى هذه التيارات منجبرية وقدرية ومرجئة وغيرهم، وعلى سبيل المثال فرغم الهالة التي للبخاريوجامعه في نفوس آلاف العلماء والمحدثين، فقد تعرض للنقد وأبى الباحثونالمنصفون إلا أن ينظروا إلى البخاري كمحدث اجتهد في جمع الحديث وتدوينهيخطئ ويصيب، وإلى كتابه كغيره من مجاميع الحديث التي جمعت الغثوالسمين والصحيح والفاسد. والبخاري روى عن مروان بن الحكم، وأبا سفيان،ومعاوية وعمر بن العاص، والمغيرة بن شعبة، وعبد الله بن عمرو، والنعمان بنبشير. الذي لازم معاوية وولده يزيدا إلى اللحظة الأخيرة من حياته. واشتركمعهما في جميع الجرائم والفتن. ولم يذكر البخاري الحسن والحسين في جملةمن روى من الصحابة، مع العلم بأنهما يخضعان لقاعدة تعريف الصحابي. وأكثرما روى عنه البخاري أبو هريرة، وعائشة، وعمر بن الخطاب، وعبد الله بن عمر.

وقد روي عن أبي هريرة أربعمائة وستة وأربعين حديثا، وعن عبد الله بن عمرمائتين وسبعين حديثا، وعن عائشة مائتين واثنين وأربعين حديثا. ولم يرو عنفاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلا حديثا واحدا. وروي عنعلي بن أبي طالب تسعة وعشرين حديثا. وروي عن أبي موسى الأشعريسبعة وخمسين حديثا، وروي عن معاوية ثمانية أحاديث. وعن المغيرة بن شعبةأحد عشر حديثا، وعن النعمان بن بشير ستة أحاديث. ولم يرو عن المقداد بنالأسود إلا حديثا واحدا. ولا عن عمار بن ياسر إلا أربعة أحاديث ولا عنسليمان الفارسي إلا أربعة. وروي عن عبد الله بن عباس نحو من مائتين

٤٢١

وسبعة عشر حديثا (١). وقد صحت عنده أحاديث عبد الله لأن أكثرها جاء عنطريق عكرمة.. المتهم باعتناق فكرة الخوارج (٢).

وذكر في مقدمة فتح الباري أن أكثر من أربعمائة من رواة الصحيحتضاربت فيهم آراء المحدثين، من حيث وثاقتهم وجواز الاعتماد على مروياتهم،ونحن هنا سنلقي الضوء على البعض منهم من الذين لهم علاقة بالإفرازاتالفكرية التي طفحت على الساحة.

منهم: (حصن بن نمير أبو محصن الواسطي)، قال ابن معين ليسبشئ (٣)، وقال فيه جماعة: أنه كان ناصبيا يشتم عليا (٤): (ومحمد بن زيادالالهاني الحمصي) قال الحاكم: وهو ممن اشتهر عنهم النصب (٥) (وعبد الله بنسالم الأشعري) قال أبو داود: كان يذم علي. يعني أنه ناصبي (٦).

ومنهم: (ثور بن زيد)، اتهمه محمد بن البرقي بالقدر (٧)، (وثور بن يزيدالكلاعي) قال ابن معين: ما رأيت أحد يشك أنه قدري. وقال أحمد بن حنبل:

كان ثور يرى القدر (٨). وقد نهى ابن المبارك والأوزاعي عن كتابة حديثهوالاعتماد عليه (٩). (ووهب بن منبه) صاحب القصص قال الذهبي: من أحبارعلماء التابعين... كثير النقل من كتب الإسرائيليات. قال الجوزجاني:

كتب كتابا في القدر. وقال أحمد بن حنبل: كان يتهم بشئ من القدر.

(١) ضحى الإسلام ١١١، ١١٢ / ٢، الباعث الحثيث ص ٢٥، مقدمة فتح الباري ٢٤٨،٢٤٩ / ٣.

(٢) أنظر المعارف لابن قتيبة ص ٢٠١.

(٣) ميزان الاعتدال / الذهبي ص ٥٥٤ / ١.

(٤) دراسات في الحديث والمحدثون / هاشم معروف ص ١٧٨.

(٥) ميزان الاعتدال ٥٥١ / ٣، دراسات في الحديث ١٨٤.

(٦) ميزان الاعتدال ٤٢٦ / ٢، دراسات في الحديث ١٨٦.

(٧) ميزان الاعتدال ٣٧٣ / ١.

(٨) ميزان الاعتدال ٣٧٤ / ١.

(٩) ميزان الاعتدال ٢٧٤ / ١.

٤٢٢

ثم رجع (١).

ومنهم: (سالم بن عجلان الأفطس) قال أبو حاتم: صدوق مرجئ. وقالالفسوي: مرجئ معاند، وقال ابن حبان: تغرر بالمعضلات عن الثقات. ويقلبالأخبار (٢) (وعبد الحميد بن عبد الرحمن أبو يحيى)، قال النسائي: ليسبالقوي. وضعفه أحمد وقال أبو داود: كان داعيا في الأرجاء (٣).

ومنهم: (داود بن الحصين أبو سليمان) قال ابن حبان كان يذهب مذهبالشراة - يعني الخوارج كعكرمة.. تجب مجانبة حديثهم (٤)، (والوليد بن كثير)قال أبو داود: كان أباضي (٥). وقيل: كان خارجيا (٦) (وعمران بن حطانالسدوسي البصري الخارجي) قال العقيلي: كان خارجيا (٧). وعمران هذا هوالذي قال شعرا يشيد فيه بابن ملجم قاتل علي بن أبي طالب.

فهؤلاء رواة اعتمد عليهم البخاري في صحيحه. وغير هؤلاء كثير. وقدذكر ابن حجر في مقدمة البخاري أكثر من أربعمائة من رواة الصحيح تضاربتفيهم آراء المحدثين. وهذا أمام الباحث المنصف ليس فيه ذم للبخاري. ولالغيره من الذين جمعوا الحديث ودونوه. فهؤلاء قاموا بعمل لم يقم به الصحابةبعد وفاة الرسول. ولم يقل البخاري أو غيره عليكم بكتابي وقدسوه. ولم يفرضهعلى الذين جاؤوا من بعده. وهؤلاء المؤلفون كانوا يعتمدون على اجتهادهمحينا. وعلى غيرهم ممن يحسنون به الظن حينا آخر. فيخطئون ويصيبون ككلإنسان لم يعصمه الله من الخطأ والزلل. وعلى الرغم من أن مجاميع الحديثجمعت الغث والسمين والصحيح والفاسد. فإننا نعترف لأصحابها بالفضل

(١) ميزان الاعتدال ٣٥٣ / ٤.

(٢) ميزان الاعتدال ١١٢ / ٢.

(٣) ميزان الاعتدال ٥٤٢ / ٢.

(٤) ميزان الاعتدال ٦ / ٢.

(٥) ميزان الاعتدال ٣٤٥ / ٤.

(٦) دراسات في الحديث ١٩٠.

(٧) ميزان الاعتدال ٢٣٥ / ٣.

٤٢٣

والعمل الطيب والجهد المثمر. لأنهم وضعوا أمام الباحثين عن الحقيقة مادة غنيةيستطيعون بها أن يميزوا بين الغث والسمين وأن يحددوا الطريق إلى الصراطالمستقيم. رحم الله البخاري ومسلم وأحمد والترمذي وأبا داوود والحاكم وابنماجة وابن عساكر وأبا نعيم والديلمي والبغوي ونعيم بن حماد والبيهقي وابنحبان وابن خزيمة والضياء والسيوطي وغيرهم من الذين جمعوا لنا الأحاديث كيننظر فيها نظرة الدراية التي تقود إلى الحقيقة.

د - مرايا عالم الدراية:

لم يترك النبي صلى الله عليه وسلم أمته هملا. فالقرآن الذي بين يديالناس في يومنا هذا هو القرآن الذي جمع في عهده صلى الله عليه وسلم.

وليس صحيحا أن القرآن تم جمعة وترتيبه بعد وفاة الرسول. وكان النبي صلى اللهعليه وآله وسلم يبين تفسير كل آية ويأمر بكتابة ما يراه من هذا التفسير. لقد فسرصلى الله عليه وآله وسلم المعارف الإلهية والأحكام التشريعية وأظهر الفضائلالخلقية والمبادئ الإنسانية. وبما أن الكتاب وحي من الله تعالى فإن السنة هيأيضا وحي من الله تعالى. قال صلى الله عليه وسلم: " أوتيت القرآن ومثلهمعه " فسنة النبي وتفسيره لآيات الكتاب تبين بحمل القرآن وتخصص عامة وتقييدمطلقه. والكتاب والسنة ينظمان كل نواحي الحياة. ففيهما العقائد والعباداتوالفضائل والنظم الاجتماعية والاقتصادية والتربوية ونظام الحكم والسياسة.

فالسنة لم تترك شيئا إلا وبينته. ونصوص الكتاب والسنة جاءت منفصلة وموضحةكل المسائل التي لا تختلف باختلاف الزمان والمكان. فليس لأحد أن يزيد عليهاأو ينقص منها (١). والكتاب والسنة لا يخاطبان جنسيا دون جنس ولا شعبا دونشعب. وإنما يخاطبان الناس جميعا في كل زمان ومكان. ومن الدليل أن القرآنجمع في عهد النبي وأنه تم تفسيره للصحابة لإقامة الحجة عليهم، قوله تعالى:

(إن علينا جمعه وقرآنه * فإذا قرأناه فاتبع قرآنه * ثم إن علينا بيانه) (٢)،

(١) سورة القيامة: الآية ١٧ / ١٩.

(٢) أي العسب.

٤٢٤

فالجمع والبيان وحي من الله ينطق على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلمويرى في حركته. ومن الثابت أن بعض الصحابة كانوا يكتبون الوحي للنبي.

كعلي بن أبي طالب وزيد بن ثابت وأبي بن كعب، يقول الشيخ سيد سابق: فكانكلما نزلت آية دعاهم وأمرهم بكتابتها وأرشدهم إلى موضعها من السورة التييريد أن يلحقها بها. وكان بعض الصحابة يكتبون ما ينزل من القرآن من تلقاءأنفسهم... وكان الغرض من الكتابة تقوية ما علق بالذاكرة، وكانوا يكتبون فيجريد النخل (١) وصفائح الحجارة (٢) والرقاع والأقتاب (٣) والأكتاف (٤).

وكان النبي يأمرهم بحفظ آيات القرآن وما بينه لهم من أحكام وتفسير قالتعالى: (ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا) (٥)، قال سيدسابق: أي بيانا. وفي الاصطلاح. علم يفهم به معاني كلام الله ويستخرج بهأحكامه (٦)، والبيان يقتضي أن يبين لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ماخفي عليهم من ألفاظ القرآن ومعانيه. قال تعالى: (وأنزلنا إليك الذكر لتبينللناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون) (٧)، يقول سيد سابق: وقد امتثل الرسولصلى الله عليه وآله وسلم فبين للأمة ما هو في حاجة إلى بيان. روي عن أبيعبد الرحمن السلمي أنه قال: حدثنا الذين كانوا يقرؤوننا القرآن. أنهم كانوا إذاتعلموا من النبي صلى الله عليه وسلم عشر آيات لم يتجاوزوها حتى يعلمواما فيها من العلم والعمل. قالوا: فتعلمنا القرآن والعلم والعمل جميعا " (٨).

مما سبق علمنا أن جمع القرآن وبيان ما خفي من ألفاظه كان بوحي

(١) أي اللخاف.

(٢) أي الخشب الذي يوضع على ظهر البعير.

(٣) أي عظم البعير أو الشاة.

(٤) سورة الفرقان: الآية ٣٣.

(٥) مصادر التشريع ٣٩.

(٦) سورة النحل: الآية ٤٤.

(٧) مصادر التشريع ٤٥.

(٨) سورة الحشر: الآية ٧.

٤٢٥

من الله. وأن النبي صلى الله عليه وسلم بين للناس ما أنزل إليهم. وأمربكتابة القرآن والعلم وأن الصحابة كانوا يتعلمون القرآن والسنة جنبا إلى جنبلأمر الله تعالى بأن يأخذوا بما أتى به الرسول وأن ينتهوا عما نهى عنه قال تعالى:

(وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) (١)، وقال: (من يطعالرسول فقد أطاع الله) (٢)، وقال: (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمنكان يرجو الله واليوم الآخر...) (٣).

وبعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم. تفرغ الإمام علي لجمع القرآنوتفسيره بعد أحداث السقيفة. وكان هناك من الصحابة من جمع القرآن كلهومنهم: علي، وزيد بن ثابت وعبد الله بن مسعود وأبي بن كعب (٤). ورأىعمر بن الخطاب في خلافة أبي بكر أن يجمع القرآن ليكون في خزينة الدولة.

روى البخاري أن أبا بكر قال: أتاني عمر فقال: إن القتل قد استحر يوم اليمامةبقراء القرآن. وإني أخشى أن يستحر القتل بالقراء في المواطن فيذهب كثير منالقرآن. وإني أريد أن تأمر بجمع القرآن فقلت لعمر: كيف نفعل شيئا لم يفعلهرسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال عمر: هو والله خير. قال أبو بكر. فلميزل يراجعني حتى شرح الله صدري لذلك " (٥).

وبدأت عملية الجمع. وأثناء هذه العملية سقط الكثير من تفسير الآياتالتي تحذر من الفتن. بل وسقط تفسير بعض آيات الأحكام. ولذا وجدنا عمر بنالخطاب يقول أثناء خلافته فيما رواه البخاري: إن الله بعث محمدا صلى الله عليهوسلم بالحق وأنزل عليه الكتاب. فكان مما أنزل آية الرجم. فقرأناهاوعقلناها ووعيناها. رجم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. ورجمنا بعده

(١) سورة النساء: الآية ٨٠.

(٢) سورة الأحزاب: الآية ٢١.

(٣) مصادر التشريع الإسلامي / سيد سابق ص ٣٥ ط دار الفتح للإعلام.

(٤) مصادر التشريع ١٦.

(٥) البخاري باب جمع القرآن (الصحيح ٢٢٥ / ٣).

٤٢٦

فأخشى إن طال الناس زمان أن يقول قائل: والله ما نجد آية الرجم في كتاب اللهفيضلوا بترك فريضة أنزلها الله. ألا وإن الرجم حق على من زنى وقدأحصن.... (١)، وما ذكره عمر كان من التفسير وليس من القرآن. ولم يجدهعمر لأن عملية الجمع سقط منها كثير من التفسير. وقول عمر هذا اشتهر علىأنه يقصد به القرآن الكريم.

ولكن الحقيقة تخالف ذلك، فالآية من مقام البيان والتفسير. وهذا المقامكان قد استهدف بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم. عندما نقل الصحابة ماكان في الرقاع والأكتاف والعسب وجمعوه في مصحف واحد. ويقول الشيخ سيدسابق عن هذا الجمع: كان الجمع مقتصرا على ما لم تنسخ تلاوته (٢)!!

وبينما كان الإمام علي متفرغا لجمع القرآن والتفسير. كان ابن عباس يعلمتفسير بعض الآيات في المصحف الذي جمعه الصحابة في عهد أبي بكر. بينماكان عمر يجهل هذا التفسير. روى البيهقي بسند صحيح أن عمر بن الخطابسأل ابن عباس فقال: أرأيت قول الله تعالى لأزواج النبي صلى الله عليهوآله وسلم: " ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى "، هل كانت جاهلية غير واحدة؟

فقال ابن عباس: ما سمعت بأولى إلا ولها آخره، قال عمر: فأتني من كتاب اللهمما يصدق ذلك، فقال ابن عباس: قوله تعالى: (وجاهدوا في الله حق جهاده)،كما جاهدتم أول مرة. قال عمر: من أمرنا أن نجاهد؟ فقال ابن عباس: مخزوموعبد شمس " (٣)، فالجهاد آية في القرآن ومخزوم وعبد شمس تفسير لهذه الآية.

وبعد أن استفسر عمر من ابن عباس عن الذين أمرهم الله بجهادهم. رويأن عمر قال لعبد الرحمن بن عوف: أما علمت أنا كنا نقرأ (وجاهدوافي الله حق جهاده)، في آخر الزمان كما جاهدتم في أوله. فقالعبد الرحمن: ومتى ذلك؟ قال عمر: إذا كان بنو أمية الأمراء وبنو المغيرة

(١) البخاري (الصحيح ١٧٩ / ٤).

(٢) مصادر التشريع الإسلامي ص ٢٠.

(٣) رواه البيهقي وذكره ابن كثير في البداية ٢١٥ / ٦. ورواه الخطيب كنز العمال ٢٧١ / ١١.

٤٢٧

الوزراء " (١)، وما ذكره عمر ما هو إلا تفسير للآية المذكورة. وإذا كانت الآيةفي كتاب الله الذي تولى الله حفظه. وإذا كان التفسير قد سقط عند جمعالمصحف بعد ذلك. فإن السنة الشريفة بينت هذا التفسير عند الحفاظ الذيناحتفظوا بالتفسير داخل عقولهم وليس في صناديق بني أمية أو بني المغيرة. فعنأبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن أهل بيتيسيلقون بعدي من أمتي قتلا وتشريدا وإن أشد قومنا لنا بغضا بنو أمية وبنوالمغيرة وبنو مخزوم " (٢)، فهذا تفسير جامع بابه طويل وعريض.

وروي أن المصحف الذي جمعه أبو بكر كان عنده حتى توفاه الله، ثم عندعمر حياته. ثم عند حفصة بنت عمر (٣)، وعندما جاء عهد عثمان سليلالأمويين. أرسل عثمان إلى حفصة أن أرسلي إلينا بالصحف ننسخها فيالمصاحف ثم نردها إليك (٤). وروى البخاري أن حفصة أرسلت بها إلى عثمان.

فأمر زيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بنالحارث. فنسخوها في المصاحف. ورد عثمان الصحف إلى حفصة وأرسل إلىكل أفق بمصحف مما نسخوا. وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أومصحف أن يحرق " (٥).

وقيل إن عثمان فعل ذلك عندما اختلف الناس في تلاوته نظرا لأن القرآنيشمل على الأحرف السبعة. ولقد اختلف العلماء فيما هو المقصود بالأحرفالسبعة على خمسة وثلاثين قولا (٦)، فمنهم من قال: الأحرف السبعة. سبعلغات من لغات العرب في المعنى الواحد. واللغات السبع هي: لغات قريش

(١) رواه أبو عبيد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه (كنز العمال٤٨٠ / ٢).

(٢) رواه نعيم بن حماد والحاكم (كنز العمال ١٦٩ / ١١).

(٣) البخاري باب مجمع القرآن (الصحيح ٢٢٥ / ٣).

(٤) البخاري (الصحيح ٢٢٥ / ٣).

(٥) البخاري باب جمع القرآن (الصحيح ٢٢٦ / ٣).

(٦) مصادر التشريع الإسلامي ٢٩.

٤٢٨
٤٢٩

فالقرآن نزل بلغه قريش، ومن هذه اللغة خرج العلم وتمدد على صفحةالأرض. وعثمان نفسه قال للذين نسخوا المصاحف. " اكتبوه بلسان قريش فإنمانزل بلسانهم " (١)، ونحن لا ندري إذا كان قد نزل بلسان قريش فكيف يكتببلسان قريش؟ ومن الثابت والمحفوظ أن عبد الله بن مسعود تصدى لقرار عثمانفي هذا الشأن. يقول محب الدين الخطيب وهو من المتحمسين في الدفاع عنالدولة الأموية: أن ابن مسعود كان يكتب ما يوحى من القرآن في مصحفه كلمابلغه نزول آيات منه. وقد أثنى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على حسنتلاوة ابن مسعود للقرآن. وقد تسارع أبو بكر وعمر ليوصلا لابن مسعود هذا الثناءالنبوي (٢). وكانت تغلب على ابن مسعود لهجة قومه. والنبي صلى الله عليهوسلم رخص له أن يقرأ بلهجاتهم (٣). وعندما صدر قرار عثمان بحرقالمصاحف يقول أبو بكر بن العربي وهو أيضا من المتحمسين للدولة الأموية:

كان في بقائها فساد. أو كان فيها ما ليس من القرآن. أو ما نسخ منه. أو علىغير نظمه. إلا أنه روى عن ابن مسعود أنه خطب بالكوفة فقال: أما بعد فإن اللهقال: (ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة)، وإني غال مصحفي فمن استطاعمنكم أن يغل مصحفه فليفعل. وأراد ابن مسعود أن يأخذ مصحفه فأكرهه عثمانعلى رفع مصحفه. ومحا رسومه فلم تثبت له قراءة أبدا. ونصر الله عثمان والحقيمحوها من الأرض (٤). وفي تعليق لمحب الدين الخطيب يقول: إن عثمان كانعلى حق في غسل المصاحف كلها ومنها مصحف ابن مسعود لأن توحيد كتابةالمصحف على أكمل وجه ما كان في استطاعة البشر. وهو من أعظم أعمالعثمان (٥). ومن المعلوم أن عثمان ضرب ابن مسعود خلال هذه الأحداث.

وعلى أي حال فقد تم تفريغ القرآن من التفسير. أما المصاحف التي كانت عند

(١) البخاري (الصحيح ٢٢٦ / ٣).

(٢) مسند أحمد ١ / ٢٥، ٢٦.

(٣) العواصم من القواصم / ابن العربي تحقيق محب الخطيب ٧١.

(٤) العواصم من القواصم / ابن العربي ص ٧١.

(٥) المصدر السابق ص ٦٤.

٤٣٠

حفصة. فقد ظلت عندها حتى ماتت. ويقول الشيخ سيد سابق: ثم أخذتالمصاحف بعد موتها وغسلت غسلا وقيل: إن مروان بن الحكم أخذهاوأحرقها (١).

وهكذا أحرقت أحاديث عند المقدمة، ثم جاء مروان بن الحكم الذيلعنه الله على لسان رسوله وبدأ عملية حرق جديدة. والله غالب على أمره. يقولتعالى: (فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذابأليم) (٢)، وقال جل شأنه (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراأن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالامبينا) (٣).

وعندما جاء عهد الإمام علي كان يحتج على البغاة والمخالفين بالقرآنوالسنة. وكان القوم قد تعمقوا في عالم التأويل وتوغلوا في عالم إطفاء السنة.

وروي أنه قال لابن عباس حينما بعثه إلى الخوارج: لا تخاصمهم بالقرآن. فإنهحمال أوجه. ولكن حاججهم بالسنة. فإنهم لن يجدوا عنها محيصا " (٤)، ولكنعالم الحريق لم يفسح المجال الكافي لتلقي هذا الحوار. ولم ينصت لابن عباسإلا قليلا.

إن القرآن والسنة وحي من الله تعالى. فالقرآن محفوظ ولا يأتيه الباطل منبين يديه ولا من خلفه. والسنة ترجمان له وعلى طريقها يكون الامتحان ويترتبعلى الامتحان الثواب والعقاب كما نص القرآن وعلى طريق السنة يمكن أن تمتدالأيدي لتبدل أو تحرف ولكن الأيدي ليس لها أن تفعل ذلك مع القرآن. ولهذاساق النبي صلى الله عليه وسلم أمته إلى القرآن فقال:

" يا أيها الناس أنزل الله كتابه على لسان نبيه وأحل حلاله. وحرم حرامه.

(١) مصادر التشريع ص ٢٥.

(٢) سورة النور: الآية ٦٣.

(٣) سورة الأحزاب: الآية ٣٦.

(٤) مصادر التشريع الإسلامي ٦٢.

٤٣١

فما أحل في كتابه على لسان نبيه فهو حلال إلى يوم القيامة. وما حرم في كتابهعلى لسان نبيه فهو حرام إلى يوم القيامة " (١)، وقال: " لا يمكن الناس عليشيئا، إني لا أحل إلا ما أحل الله في كتابه. ولا أحرم إلا ما حرم الله فيكتابه " (٢)، وقال: " ستكون عني رواة يروون الحديث فاعرضوه على القرآن. فإنوافق القرآن فخذوه وإلا فدعوه " (٣)، وقال: " سئلت اليهود عن موسى فأكثروافيه وزادوا ونقصوا حتى كفروا - وفي رواية - وسئلت النصارى عن عيسى فأكثروافيه وزادوا ونقصوا حتى كفروا - وإنه ستفشو عني أحاديث فما أتاكم من حديثفاقرأوا كتاب الله واعتبروه فما وافق كتاب الله فأنا قلته وما لم يوافق كتاب الله فلمأقله " (٤).

فالقرآن هو العمود الفقري لحركة السنة. والقرآن وحي يتحكم في وحيالسنة المتحركة. والقرآن والسنة نور. والنور لا يرى ولكن ترى به الأشياء. فلولم يك حولنا ذرات وأجسام في هذا الكون ما رأينا النور ولكننا نراه! إذاانعكست أشعة النور على هذه المواد. ولقد علمنا أن موسى عليه السلام سألربه الرؤية فكان الجواب (قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانهفسوف تراني فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا...) (٥)، فنور الله له معالم تدلعليه. وكذلك نور السنة. ومن المعالم التي ينعكس عليها نور السنة دوائرالإيمان والعمل الصالح. فعلى هذه الدوائر فقط يمكن أن نرى نور السنة قالتعالى وهو يخاطب الذين آمنوا: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسولهيؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نورا تمشون به) (٦)، وقال تعالى: (ومن

(١) أبو نصر السجزي في الإبانة وحسنة (كنز العمال ١٩٦ / ١).

(٢) رواه الشافعي وابن سعد والبيهقي (كنز العمال ١٩٥ / ١).

(٣) رواه ابن عساكر (كنز العمال ١٩٧ / ١).

(٤) رواه الطبراني (كنز العمال ١٩٦ / ١).

(٥) سورة الأعراف: الآية ١٤٣.

(٦) سورة الحديد: الآية ٢٨.

٤٣٢

لم يجعل الله له نورا فما له من نور) (١).

إن النور في دائرة العباد لن يتحقق إلا بتقوى الله والإيمان برسوله. فهنافقط يعمل نور السنة ويكشف للعباد طريقهم الذي يمشون فيه. وكما أن الأنبياءوالرسل عليهم السلام يهدون الناس إلى نور الله. فكذلك الأئمة والأوصياء الذينعينهم الله عليه لسان رسله يهدون الناس إلى نور سنة الأنبياء. وهكذا كان لكلنور طريق يقود الناس إلى صراط العزيز الحميد.

والذي حدث في عهد الرسالة. أن الرسول اهتم بأهل بيته تربية وتثقيفاوتأهيلا وتفضيلا. ولم يكن هذا الاهتمام عاطفيا أو خاضعا لآصرة الدم أوالعرق. وإنما كان تنفيذا لأمر إلهي أوحي به إليه. وما على الرسول إلا البلاغالمبين. وكان من المتوقع أن يعرف الرعيل الأول لتلك الصفوة قدرها. وأنيضع تلك الأوامر الإلهية الواردة بحقهم نصب عينيه. غير أنه من المؤسف أنيذهل عنها ويضرب بها عرض الجدار، وقد رأينا من التاريخ أن آل محمدصلى الله عليه وسلم قد لاقوا الكثير من البطش والاضطهاد وتجرعوا الكثيرمن المحن والويلات وفي خضم ذلك كله كانوا صابرين محتسبين مقدرين للدورالرسالي المنوط بهم، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم قد أخبر بهذا كلهوهو يخبر بالغيب عن ربه جل وعلا. وعلى إثر المذابح التي أقيمت لأهل البيت،رفعت رايات الأنظمة السياسية الفاسدة المستبدة التي تمثلت في الدولة الأمويةوتحت هذه الرايات ظهرت الفرق والمذاهب والتشرذم والتحزب. كل حزب بمالديهم فرحون. وكان الحكام يقومون بتغذية تلك النعرة داخل الأمة وإذكاءنيرانها. وفي هذه الموجات ظهر الغلاة والمتصوفة وأصحاب الشطحات.

واجتاحت الأمة ثقافات غريبة دخيلة وفلسفات يونانية وهندية وفارسية قديمة.

وذلك بعد أن تم ترجمة العديد منها إلى اللغة العربية مما أدى إلى تهيئة المناخلظهور الدهريين والجدليين والملحدين والمشككين. فصار هناك من يتكلمون فيالذات الإلهية والأسماء والصفات والجوهر والعرض. وهل القرآن مخلوق أم غير

(١) سورة النور: الآية ٤٠.

٤٣٣

مخلوق إلى غير ذلك من قضايا منطقة الصفر.

وعلى امتداد الثورات والانقلابات كان الغالب الأعم يتجه إلى العلماء ولميجرؤ عالم على نقد معالم الشذوذ لأن هناك قاعدة تربطه تقول: القاتل والمقتولفي الجنة والمجتهد إن أخطأ له حسنة وإن أصاب فله عشرة، وإن العدالة ليستشرطا لقبول الحاكم المتغلب لأن الأصل: أطيعوا البر والفاجر. ولا شئ فيركوب قطار الإمام الفاسق لأن كل القطارات تصل إلى أهداف الله. وفي داخلمنطقة الصفر غرس في نفوس العامة الكثير من الآراء والمقالات وصرف الناسعن الاجتماع حول كلمة واحدة ورأي واحد وعندما جاء القرن الرابع. تصدىللإفتاء فقهاء قادوا المسيرة نحو إغلاق باب الاجتهاد. نظرا لحالة الفوضى التيسادت القضاء والإفتاء في ذلك الحين. وعلى هذا نرى أنهم عالجوا الفوضىوالاستغلال والفساد. بالجمود لا بالتنظيم القويم. فكان الدواء شرا من الداء.

ويقول الشيخ خلاف عن هذه الفترة: إن العلماء فشت فيهم أمراض خلقية.

جالت بينهم وبين السمو إلى مرتبة الاجتهاد. فقد ظهر بينهم التحاسد والأنانية.

فكانوا إذا طرق أحدهم باب الاجتهاد فتح على نفسه أبوابا من التشهير به وحطأقرانه من قدره، وإذا أفتى في واقعة برأيه. تصدوا إلى تسفيه؟ رأيه وتفنيد ما أفتىبه بالحق وبالباطل (١).

وكان من آثار الجمود لدى بعض العلماء أنهم تعصبوا لأئمتهم وأنزلواأقوال إمامهم مكانا فوق ما للقرآن والسنة من مقام... وانصرفوا عن الأساسالتشريعي الأول وهو القرآن والسنة بحيث أصبحوا لا يرجعون إلى نص قرآني أوحديث إلا ليلتمسوا فيه ما يؤيد مذهبهم ولو بضرب من التعسف في الفهموالتأويل (٢)، والواقع أن الجمود يتعارض مع طبائع الأشياء ومع سنة التطورالذي يعد بمثابة قانون يخضع له كل ما في الوجود حتى الصخور كما يقرر علماء

(١) علم أصول الفقه وتاريخ التشريع الإسلامي / عبد الوهاب خلاف ص ٣٢٧.

(٢) أزمة الفكر السياسي الإسلامي / د. عبد الحميد متولي ١٢٩.

٤٣٤

الجيولوجيا (١)، والجمود يؤدي دائما إلى الالتجاء للحيل التي توصف بالحيلالشرعية. للتخلص من اتباع أحكام الشريعة. بل وتعاليم الإسلام بوجه عام. بلوالإقدام على ارتكاب بعض المحرمات وأنواع الفساد. وفي ذلك يقول ابنالقيم: إن إقفال باب الاجتهاد أدى إلى التحايل. حتى وضعت الكتب في الحيلوالمخارج للهروب من كل التزام. حتى تحايل بعضهم في إسقاط حد السرقة.

وبعضهم لأخذ أموال الناس وظلمهم في نفوسهم وسفك دمائهم وإبطال حقوقهموإفساد ذات بينهم " (٢).

ومع الجمود الذي جاء نتيجة لجفاف نهر العلم في مدرسة رفعت للرأيوالأهواء أعلاما. ومع الحيل التي تزين كل شذوذ في عالم الفقيه الفاسق والإمامالجائر وقف الجميع تحت مظلة العذاب وهذه المظلة تجمع من ضربهم الخسففلا يستطيعون مضيا ولا يرجعون. والخسف لا يضرب إلا الذين استقالوا منحركة الحياة وجلسوا في منطقة الصفر يهتفون للسلطان أمام كل مصلوبويضربون بالدف حول كل قرد يأتيهم الدجال وهم على هذا الحال. يقول أبوحامد الغزالي: إن المعصية إذا أخفيت لم تضر إلا صاحبها. فإذا أعلنت ولم تغيرأضرت بالعامة " (٣) وفي هذا الوقت في دولة بني العباس كانت الكلمة قدتمزقت. وانقسمت ممالك الأرض. وحكم الناس بالعسف والظلم والجور (٤)،وكان هذا كله مقدمة لمجئ التتار والسبب الرئيسي لهجوم التتار هو التعصبالمذهبي بين الشافعية والحنفية (٥). وعندما جاء التتار أحاطوا بدار الخلافةورشقوها بالنبال من كل جانب وقتل هولاكو الخليفة العباسي رفسا بالأقدام (٦)

(١) المصدر السابق ١٣٠.

(٢) أعلام الموقعين / ابن القيم ٢٥٤ / ٢.

(٣) إحياء علوم الدين ١١٩٥ / ٨.

(٤) تاريخ الخلفاء ٢٤٠.

(٥) مجلة المنار عدد السنة ١٣١٨ ه‍، ١٣١٩ ه‍، بحثا بعنوان: القول الصحيح في الردعلى الشبهات ص ٢٠٥ وما بعدها، أزمة الفكر السياسي الإسلامي ص ١٢٧.

(٦) تاريخ الخلفاء ٤٣٤.

٤٣٥

وبدولة بني العباس تفرقت الجماعة (١).

والنبي صلى الله عليه وآله وسلم كان قد أخبر بالغيب عن ربه وذكر هذاالهجوم التتاري الذي يسلطه الله على الظالمين. فقال: " يوشك خيل الترك مخرمةأن تربط بسعف نخل نجد " (٢)، وقال: " لتنزل طائفة من أمتي أرضا يقال لهاالبصرة، يكثر بها عددهم ويكثر بها نخلهم ثم يجئ بنو قنطوراء عراض الوجوهصغار العيون حتى ينزلوا على جسر لهم يقال لها دجلة (٣)، وفي رواية: كأنوجوههم المجان المطرقة. ينتعلون الشعر ويتخذون الدرق حتى يربطوا خيولهمبالنخل " (٤).

ومن الطريف أن يقال إن الجماعة تفرقت بدولة بني العباس. ووجه الطرافةأن الذين ضيعوا الصلاة واتبعوا الشهوات قد تفرقوا من زمن طويل حتى قبلمجئ دولة بني العباس. وكيف تكون هناك جماعة تحت رايات الجبريةوالمرجئة. وسلاطين الاستبداد والظلم! إن الرسول الأكرم صلى الله عليهوسلم رفض شريحة زمنية على امتداد تاريخ الأمة. فلقد قيل له: يا رسول الله:

أي الناس خير؟ قال: أنا ومن معي. فقيل له: ثم من؟ قال: الذي على الأثرفقيل له: ثم من؟ فرفضهم رسول الله صلى الله عليه وسلم " (٥)، فهل معاويةوعمرو بن العاص والوليد بن عقبة وعبد الله بن أبي السرح ومروان بن الحكمكانوا معه؟ وهل بسر بن أرطأة وسمرة بن جندب ويزيد بن معاوية وعبيد الله بنزياد والحجاج بن يوسف وعبد الملك بن مروان. كانوا على الأثر؟ هل الناكثونوالقاسطون والمارقون كانوا معه أو كانوا على الأثر؟ كيف أمر بقتالهم إذن؟ هلأبناء عام ستين وما بعدها الذين ضيعوا لصلاة وأمر النبي بالاستعاذة بالله منهم

(١) المصدر السابق ٢٤٠.

(٢) رواه ابن قانع (كنز العمال ٢٣٩ / ١٤).

(٣) رواه أحمد (كنز ٢٣٩ / ١٤).

(٤) رواه أحمد وابن حبان وابن ماجة (كنز العمال ٢٠٦ / ١٤).

(٥) رواه أحمد ومسلم (الفتح الرباني ٢١٩ / ٢٣).

٤٣٦

كانوا على الأثر؟ كيف أمر بالاستعاذة إذن؟

إن الجماعة لم يرفع أعلامها البغاة، ومن الطريف أيضا أن الإمام علي بنالحسين بن علي بن أبي طالب سأل ابن المبارك. من الجماعة؟ فقال ابنالمبارك: أبو بكر وعمر. قال علي بن الحسين: قد مات أبو بكر وعمر. فقالابن المبارك: فلان وفلان، فقال له: قد مات فلان وفلان. فقال ابن المبارك:

أبو حمزة السكري جماعة! قال الترمذي: وأبو حمزة هو محمد بن ميمون وكانشيخا صالحا. وإنما قال هذا في حياته " (١).

إن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: " يد الله مع الجماعة " (٢)، فبيدمن قتل عمار وحجر بن عدي والحسين ومن معه وعلى يد من تم اجتياح المدينةوحوصرت مكة ورمي البيت بالحجارة؟ إن الذين كانوا مع النبي هو الذين لميرفعوا السلاح في وجه حبل النبي وسبيله وساروا من بعده على الأثر وظهرواتحت شعاع نور السنة، فالنور لا يرى ولكن ترى به الأشياء.

إن الأمة بجميع فرقها ومذاهبها متفقة على الكتاب والسنة. ورغم ذلكاختلفت الأمة ضروبا من الاختلاف في الأصول والفروع. وتنازعوا فيها فنونا منالتنازع في الواضح والمشكل من الأحكام والحلال والحرام والتفسير والتأويلوالعيان والخبر والعادة الاصطلاح. والعمود الفقري لهذا الاختلاف ينحصر في:

ممن تأخذ السنة؟ فهناك مدرسة نأخذ السنة من الصحابة. والصحابة عندهذه المدرسة ثقاة عدول. والقرآن يرد على هذه المدرسة قولها. قال تعالى فينفر من الصحابة: (إن الذين جاؤوا بالإفك عصبة منكم لا تحسبوه شرا لكم بلهو خير لكم لكل امرئ منهم ما اكتسب من الإثم والذي تولى كبره منهم لهعذاب عظيم) (٣)، فالصحابة الذين رموا فراش رسول الله هل يستبعد عليهم أنيكذبوا على رسول الله؟ كيف يدخل دائرة العدول من أدخله الله في دائرة الإثم

(١) رواه الترمذي (الجامع ٤٦٧ / ٤).

(٢) رواه الترمذي (الجامع ٤٦٦ / ٤).

(٣) سورة النور: الآية ١١.

٤٣٧

وأوعد من تولى كبره منهم عذابا عظيما؟ ويقول تعالى في طائفة أخرى منهم:

(وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما قل ما عند الله خير من اللهوومن التجارة والله خير الرازقين) (١)، فهل يدخل دائرة العدول من ترك الصلاةوراء رسول الله يوم الجمعة وتركه قائما وانطلق إلى الطبل والتجارة؟ وروىالبخاري حديث الارتداد وقد ذكرناه فيما سبق وفيه: " فأقول يا رب أصحابيأصحابي فيقال إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك " (٢)، وروى أيضا: " إنك لا علملك بما أحدثوا بعدك. إنهم ارتدوا على أدبارهم القهقرى " (٣)، فهل المرتد ثقة؟

هل المرتد في دائرة العدول؟ وقال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسقبنبأ فتبينوا) (٤)، فهل يجوز للذي لم يأتمنه الله على نبأ. أن تأتمنه الأمة علىقيادتها؟ هل الفاسق يمكن أن يقود الناس إلى صراط الله؟ هل يجوز للفاسق أنيعلم الناس تأويل القرآن؟

وهناك مدرسة لا ترفع إلا أعلام النبي صلى الله عليه وسلم وتأخذبسنته من الذين عينهم الله على لسان نبيه، وترى على طرف هذه المدرسة دموعأبي بن كعب وأبي ذر الغفاري والمقداد وسلمان الفارسي وترى عليها أيضا دماءعمار وحجر بن عدي، وترى أعلام الحسين ومن معه، وإذا كان هؤلاء جميعاحججا على الجيل الأول. وإذا كانت حركتهم دعوة للنجاة لينظر الله تعالى إلىعباده في القرن الأول كيف يعملون. فإنهم أيضا حجج على الحاضر وعلىالمستقبل. لأن التاريخ وحدة واحدة تنقسم إلى ماض وحاضر ومستقبل فإذاعملت الخطيئة في الأرض كان من شهدها فكرهها كمن غاب عنها. ومن غابعنها فرضيها كان كمن شهدها (٥)، فالحاضر يشارك الماضي في الإثم وإن بعدتالمسافة بينهما. ولهذا كان حجج الجيل الأول كمفتاح في يد الحاضر يفتح به

(١) سورة الجمعة: الآية ١١.

(٢) البخاري (الصحيح ١٤١ / ٤) ومسلم (الصحيح ٥٩ / ١٧).

(٣) البخاري (الصحيح ١٤٢ / ٤).

(٤) سورة الحجرات: الآية ٦.

(٥) رواه أبو داوود حديث ٤٣٤٥.

٤٣٨

خزانة الماضي ليبحث فيها عن الحقيقة، والحقيقة في يديه، وهذا من فضل اللهعليه.

وهناك مدرسة ولدت في عالم الجمود وسهر عليها أساتذة التبشيروالصهيونية. وهذه المدرسة تكتفي بإطلاق الأسماء الإسلامية على أبنائها فيأغلب الأحيان. الإسلام عندهم اسم والقرآن رسم إذا رتلوا القرآن فانظر حولهم.

حتما ستجد أما قبرا أو سرادق عزاء أو حفلة من حفلات النفاق التي يلبسون بهاعلى شعوبهم. وتلاميذ هذه المدرسة عندهم جواب لكل سؤال. وكل جواب لبنةفي صرحهم العتيق الذي أقاموه للصد عن سبيل الله. ولا يطلقون إجاباتهم إلا إذااعتمدت من أساتذة التعتيم اليهود والنصارى وإذا كان أساتذة التعتيم قديمااعتمدوا مذهب الجبرية والمرجئة. فهم اليوم يتحركون بملابس نظيفة ويحملونحقائب أنيقة فيها جميع الأسئلة والأجوبة التي هدفها الصد عن سبيل الله ولكنتحت شعار حقوق الإنسان وتقديم الخدمات الاجتماعية. ونحن نطلق على أتباعهذه المدرسة اسم " الرويبضة " لأن مجال عملهم هو ساحة الذين لا يعلمون.

الذين قتلوا العلم فأصابهم الجمود. والذين تركوا الطهر فوقعوا في الرجسليلتقطهم النجس ثم ليقودهم النجس بعد ذلك إلى المسيح الدجال الذي ماصنعت فتنة منذ خلقت الدنيا إلا ستصب في إنائه آخر الزمان يقول النبي صلى اللهعليه وآله وسلم: " إن أمام الدجال سنين خداعة يكذب فيها الصادق ويصدق فيهاالكاذب. ويخون فيها الأمين ويؤتمن فيها الخائن. ويتكلم فيها الرويبضة "،قالوا: وما الرويبضة يا رسول الله؟ قال: التافه يتكلم في شؤون العامة " (١)، وفيرواية: الفاسق يتكلم في شؤون العامة (٢)، وفي رواية: السفيه يتكلم في شؤونالعامة " (٣).

(١) رواه الحاكم دائرة الذهبي (المستدرك ٤٦١ / ٤).

(٢) رواه أحمد (كنز العمال ٢٢٩ / ١٤).

(٣) رواه الحاكم وأقره الذهبي (المستدرك ٥١٢ / ٤).

٤٣٩

ثانيا - آراء وشهود

على امتداد هذا الكتاب علمنا أن تاريخ الإسلام هو تاريخ الدفاع عنالفطرة. ولم يترك النبي صلى الله عليه وسلم أمته إلا وقد بين لهم حركةالأمم الماضية ليتدبروا فيها وليعلموا أن الإسلام منصور منصور منصور، فإذاأرادوا أن يقفوا تحت رايات هذا النصر فما عليهم إلا أن يتحركوا الحركة التيتستقيم معه، أما إذا أرادوا غير ذلك فما قوم نوح وعاد وثمود وقوم لوطوأصحاب الأيكة منهم ببعيد، والدجال على الطريق، وعلمنا أيضا أن تاريخالمسلمين كان كغيره من تاريخ بني الإنسان فيه ضعف الإنسان وخوفه وفيه أيضاأصحاب النفس اللوامة الذين يتذكرون حركتهم فيلومون أنفسهم ويودون أنهمتحركوا الحركة التي يحبون أن ينظر الله إليهم وهم على طريقها.

ويخطئ من يظن أن حركة المسلمين على صفحة التاريخ لم تقدم جديداللبشرية، فلقد رأينا حركة الذين دافعوا عن الفطرة وهذا في حد ذاته دفاع عنالبشرية، وعلمنا حركة الذين نشروا الإسلام في ربوع العالم بوسائلهم البسيطة،فبعملهم هذا أقاموا ينابيع الماء الطاهر الذي يوفر الارتواء ويدعو إلى البحث،وعالم البحث لا يكون في دائرة مغلقة على الإيجابيات والمناقب، وإنما وجدالبحث ليفتش بين الإيجابيات وبين السلبيات، وهذا في حد ذاته حركة بينالماضي والحاضر والمستقبل حركة تقرأ في أصول الإسلام وتنظر في حركةالمسلمين، وليس هذا من أجل محاكمة التاريخ وإنما من أجل ضرب الباطل.

٤٤٠