×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

معالم الفتن (ج 2) / الصفحات: ٤٤١ - ٤٦٠

حتى يخرج الحق من جنبه، لأن الإسلام لا يجامل أحدا وطريقه إما إلى جنةوإما إلى نار.

وهناك فرق بين حركة المسلمين عبر تاريخهم وبين حركة أهل الكتاب علىامتداد تاريخهم. روي أن بعض اليهود قال للإمام علي بن أبي طالب: ما دفنتمنبيكم حتى اختلفتم فيه. فقال له الإمام: إنما اختلفنا عنه لا فيه، ولكنكم ماجفت أرجلكم من البحر حتى قلتم لنبيكم " اجعل لنا إلها كما لهم آلهة. قال:

إنكم قوم تجهلون " (١)، إن الفرق يكمن في دائرة (عنه) وليس في دائرة (فيه)وهذا فرق جوهري عند المقارنة بين تاريخ المسلمين وبين تاريخ اليهودوالنصارى. ونحن في هذا الباب سنقدم بعض آراء علماء المسلمين حولالأحداث التي ذكرناها على امتداد هذا الكتاب. ومنها نعلم كيف كانوا ينظرونإلى التاريخ. هل كانوا ينظرون إليه بعيون السلطان وفقهائه؟ أم كانوا ينظرون إليهمن ثقوب الخوف أم نظروا إليه من خلال تاريخ الإسلام وخفقات الفطرة؟ ثمنقدم بعد ذلك أقوال الشهود الذين عاصروا هذه الأحداث.

١ - آراء....:

* نلقي الضوء هنا على رأي شيخ المسلمين أحمد بن تيمية في الأحداثالتي عصفت بالأمة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم. ولقد بينا رأيالشيخ أبي زهرة في ابن تيمية حامل لواء مذهب السلفية. وكذا رأي ابن حجرالهيثمي (٩٠٩ - ٩٧٤ ه‍) الذي ذكر أن ابن تيمية قال: إن عليا أخطأ في أكثر منثلاثمائة مكان " (٢)، وقبل أن نقدم رأي ابن تيمية في الأحداث نرى من الضروريأن نلقي بعض الضوء على حركته في عصره. ذكر ابن كثير في البداية والنهاية:

أن العلماء كان منهم من يحسده لتقدمه عند الدولة ومنهم من كان يبغضه لآرائه،وذكر أنه خلال اجتياح التتار لدمشق اجتمع ابن تيمية مع أعيان البلد واتفقوا على

(١) الكشاف / للزمخشري ١٥٠ / ٢، نهج البلاغة خطبة ٣١٧ / ٤.

(٢) الفتاوى الحديثية ١١٦.

٤٤١

المسير إلى القائد التتاري وأخذ الأمان منه لاهل دمشق، وأعطاه القائد الأمان،ونزلت خيول التتار إلى المدينة وطلبوا السلاح والأموال المخبأة عند الناس منجهة الدولة، وعندما قام التتار بالتخريب في المدينة وما حولها ذهب ابن تيميةإلى ملك التتر وعاد بعد يومين، وفي هذه الفترة كان التتار قد قتلوا الكثير منالفقهاء والمشايخ وعلى وجه الخصوص في دير الحنابلة (١). ويقول ابن كثير:

وفي جمادى الأولى وقع بيد نائب سلطان المسلمين كتاب فيه: إن الشيختقي الدين بن تيمية والقاضي شمس الدين بن الحريري. وجماعة من الأمراءوالخواص الذين بباب السلطنة يناصحون التتر ويكاتبونهم، ويريدون تولية قبجقعلى الشام. وأن الشيخ كمال الدين الزملكاني يعلمهم بأحوال الأمير. ثم ذكرابن كثير أن هذا الكتاب مزور (٢). فزيارات ابن تيمية كلها للتتار كانت في صالحالإسلام والمسلمين. وذكر ابن كثير: عندما حضر ابن تيمية إلى القاهرة، اشتكىمنه الصوفية وردوا الأمر في ذلك إلى القاضي الشافعي. فعقد له مجلسا. وفيأثناء ذلك قال ابن تيمية: لا يستغاث إلا بالله ولا يستغاث بالنبي. فرأى القاضيالشافعي أن هذا فيه قلة أدب، وحضرت رسالة إلى القاضي أن يعمل معه ماتقتضيه الشريعة. فقال القاضي: " قد قلت له ما يقال لمثله " (٣).

ورأى ابن تيمية في الأحداث نبدأه من عقيدته في أهل البيت. يقول: آيةالتطهير ليس فيها إخبار بطهارة أهل البيت وذهاب الرجس عنهم (٤)، وقال فيحديث الكساء: إن مضمون هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم دعالهم بأن يذهب عنهم الرجس ويطهرهم تطهيرا. وغاية ذلك أن يكون دعا لهم بأنيكونوا من المتقين الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا. واجتنابالرجس واجب على المؤمنين والطهارة مأمور بها كل مؤمن (٥)، والسابقون

(١) البداية والنهاية ٧، ٨، ٩، ٢٢، ٤٥ / ١٤.

(٢) وهذه التهمة ظلت لصيقة بابن تيمية وعالقة في أذهان شيوخ عصره.

(٣) المصدر السابق ٤٩ / ١٤.

(٤) منهاج السنة ١١٧ / ٢.

(٥) المصدر السابق ٤ / ٣.

٤٤٢

الأولون لا بد وأن يكونوا قد فعلوا المأمور وتركوا المحظور. وحينئذ فيكونذهاب الرجس عنهم وتطهيرهم من الذنوب بعض صفاتهم (١)، ثم يقول في آيةالمودة: (قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى) (٢)، قال: إيجابالمودة غلط (٣) ثم بدأ يفسر حتى استقر عند قوله: ثبت أن الصديق كان أتقىالأمة بالكتاب والسنة وتواتر عن النبي أنه قال: لو كنت متخذا من أهل الأرضخليلا لاتخذت أبا بكر خليلا، وقال في آية المباهلة: (قل تعالوا ندع أبناءنا) لايقتضي أن يكون من باهل بهم الرسول أفضل من جميع الصحابة (٤).

ثم يقول في الأحداث مبررا لاقتحام أبي بكر لبيت فاطمة بعد أحداثالسقيفة: غاية ما يقال: إنه كبس البيت لينظر هل فيه شئ من مال الله الذييقسمه لكي يعطيه لمستحقه، ثم رأى أنه لو تركه لهم لجاز فإنه يجوز أن يعطيهممن مال الفئ (٥). لاحظ أن ابن تيمية لا يقول إلا رأيا ولا يستند في ذلك علىحديث أو أثر وهذا من شأنه في رؤيته للتاريخ. ثم يقول عن عهد عمر: كانعمر يسوغ التفضيل من الصحابة في العطاء للمصلحة. فهو الذي ضرب الله الحقعلى لسانه وقبله (٦)، ثم يقول في قتل عمر: وما فعله أبو لؤلؤة كرامة في حقعمر. وهو أعظم مما فعله ابن ملجم بعلي وما فعله قتلة الحسين به. فإن أبالؤلؤة كافر قتل عمر. وهذه الشهادة أعظم من شهادة من يقتله مسلم (٧). وقال:

إن عمر لما فتح الأمصار بعث علماء الصحابة إليهم لبث العلم. واتصل العلممن أولئك إلى سائر المسلمين. ولم يكن ما بلغه علي بن أبي طالب للمسلمينأعظم مما بلغه ابن مسعود ومعاذ وأمثالهما. ولو لم يحفظ الدين إلا بالنقل عن

(١) المصدر السابق ٤ / ٣.

(٢) سورة الشورى: الآية ٢٣.

(٣) منهاج السنة ٨ / ١.

(٤) منهاج السنة ٣٥ / ٤.

(٥) المصدر السابق ٢٢٠ / ٤.

(٦) المصدر السابق ١٥٣ / ٣.

(٧) المصدر السابق ١٣٧ / ٣.

٤٤٣

علي بن أبي طالب لبطل عامة الدين لأنه لم ينقل عن علي إلا أمر قليل لا يحصلبه المقصود (١).

وإذا كان ابن تيمية يعتقد بأن الله أذهب الرجس من الصحابة وطهرهمتطهيرا على الرغم من قول الله تعالى للذين بايعوا رسول الله صلى الله عليهوسلم: (إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم فمن نكث فإنماينكث على نفسه) (٢)، وقوله في أئمة الكفر: (وإن نكثوا أيمانهم من بعدعهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم) (٣)، وعلىالرغم من أن بعض الصحابة رموا فراش رسول الله بحديث الإفك وعلى الرغممن حديث البخاري الذي يصرح بارتداد بعضهم بعد وفاة الرسول، فإن ابن تيميةفتح أبواب الجنة واعتبر أن جميع الجرائم التي حدثت بعد وفاة الرسول. كانتنابعة من الاجتهاد ولا عقاب على الذين ارتكبوها يوم القيامة، وهذا تطرف فيالرأي يفوق تطرف المرجئة في رأينا على الأقل، يقول ابن تيمية: إن أهل السنةعندهم أن أهل بدر كلهم في الجنة... وأهل السنة يقولون: إن أهل الجنة ليسمن شرطهم سلامتهم عن الخطأ بل ولا عن الذنب. بل يجوز أن يذنب الرجلمنهم ذنبا صغيرا أو كبيرا ويتوب منه، ولو لم يتب فالصغائر تمحى باجتنابالكبائر. بل أن الكبائر تحمى بالحسنات التي هي أعظم منها (٤)، وقال: الواجبعلى كل مسلم أن يعلم أن أفضل الخلق بعد الأنبياء الصحابة (٥). فإن الهدىيدور مع الرسول حيث دار ويدور مع الصحابة حيث داروا فإذا اجتمعوا لميجتمعوا على خطأ قط (٦).

ويقول على عهد عثمان: أما رد عثمان للحكم بن أبي العاص فغاية ذلك

(١) منهاج السنة ٢٧٢ / ٣.

(٢) سورة الفتح: الآية ١٠.

(٣) سورة التوبة: الآية ١٢.

(٤) منهاج السنة ١٨٤ / ٢.

(٥) المصدر السابق ٦٦ / ٣.

(٦) المصدر السابق ٦٦ / ٣.

٤٤٤

أن يكون اجتهادا اجتهده عثمان، وفي رده لصاحبه أجر مغفور له، أو ذنب لهأسباب كثيرة توجب غفرانه (١). ويقول: عثمان ولى من يعلم أن غيره أصلحمنه، وهذا من الاجتهاد، أو يقال إن محبته لأقاربه ميلته إليهم حتى صار يظنهمأحق من غيرهم. وإن ما فعله كان ذنبا وإن ذنبه لا يعاقب عليه في الآخرة!! (٢).

ويقول: في خلافة عثمان توسع الأغنياء حتى زاد كثير منهم على قدرالمباح في المقدار والنوع. وتوسع أبو ذر في الانكار (٣). واحتج أبو ذر بما لاحجة فيه من الكتاب والسنة (٤). وكان أبو ذر يريد أن يوجب على الناس ما لميوجب الله عليهم. ويذمهم على ما لم يذمهم الله عليه (٥). وليس معنى أن أبا ذرأصدق الناس أنه أفضل من غيره... فأهل الشورى مؤمنون أقوياء وأبو ذروأمثاله مؤمنون ضعفاء (٦). ثم يقول عن جريمة مروان بن الحكم التي أدت إلىقتل عثمان: غاية ما قيل: إن مروان كتب كتابا بغير علم عثمان، وإن أهل مصرطالبوا عثمان أن يسلم إليهم مروان فامتنع، فإن كان قتل مروان لا يجوز فقد فعلعثمان الواجب، وإن كان يجوز ولا يجب فقد فعل عثمان الجائز، وإن كان قتلهواجبا فعدم تسليمه من موارد الاجتهاد (٧). وغاية الأمر أن يكون مروان قد أذنبفي إرادته قتلهم، ولكن لم يتم غرضه، ومن سعى في قتل إنسان ولم يقتله لميجب قتله، فما كان يجب قتل مروان بمثل هذا (٨).

ثم يقول عن دور عائشة في الأحداث: هب أن عائشة قالت: اقتلوا نعثلا،فإن هذا القول لا نكارة فيه، فليس القول قدحا فلا إيمان القائل ولا المقول له،

(١) المصدر السابق ٢٣٦ / ٣.

(٢) المصدر السابق ١٨٧ / ٣.

(٣) منهاج السنة ١٩٩ / ٣.

(٤) المصدر السابق ١٩٨ / ٣.

(٥) المصدر السابق ١٩٩ / ٣.

(٦) المصدر السابق ١٩٩ / ٣.

(٧) المصدر السابق ١٨٨ / ٣.

(٨) المصدر السابق ١٩٠ / ٣.

٤٤٥

بل كلاهما ولي الله من أهل الجنة (١). وقال: إذا ثبت أن عائشة أو عمارا أوغيرهما كفرا آخر من الصحابة عثمان أو غيره. أو أباح قتله على وجه التأويل.

لم يقدح ذلك فلا إيمان واحد منهم ولا في كونه من أهل الجنة (٢).

ويقول ابن تيمية في علي بن أبي طالب: لم يكن لعلي في الإسلام أثرحسن إلا ولغيره مثله ولبعضهم آثار أعظم من آثاره (٣). وقال: كثير من الصحابةأشجع من علي وأبو بكر وعمر كانا أكثر جهادا منه (٤). وعلي تعلم من أبي بكرالسنة ولم يتعلم أبو بكر من علي شيئا (٥). وأبو بكر وعمر لا يضاهيهما أحد فيالزهد وكانوا فوق علي في ذلك (٦). وقال: إن الله أخبر أنه سيجعل للذين آمنواوعملوا الصالحات ودا وهذا وعد منه صادق ومعلوم. والله قد جعل للصحابةمودة في قلب كل مسلم لا سيما الخلفاء أبو بكر وعمر فإن عامة الصحابةوالتابعين كانوا يودونهم وكانوا خير القرون، ولم يكن ذلك علي بن أبي طالبفإن كثيرا من الصحابة والتابعين كانوا يبغضونه ويسبونه ويقاتلونه (٧)، وقال عنثقافة السب: فهذا كله سواء كان ذنبا أو اجتهادا أو مخطئا أو عاصيا، فإنمغفرة الله ورحمته تتناول ذلك بالتوبة والحسنات الماضية (٨). وقال: كان عليصغيرا ليلة المعراج لم يحصل له هجرة ولا جهاد، والأنبياء السابقون لم يذكرواعليا في كتبهم، بل ذكر أن المقوقس كان عنده تابوت به صور الأنبياء وصورةأبي بكر وعمر مع صورة النبي!! (٩).

(١) المصدر السابق ١٨٨ / ٢.

(٢) المصدر السابق ١٨٩ / ٢.

(٣) المصدر السابق ٥٤ / ٤.

(٤) المصدر السابق ١٦٦ / ٤.

(٥) المصدر السابق ١٣٧ / ٤.

(٦) المصدر السابق ١٣٠ / ٤.

(٧) المصدر السابق ٣٨ / ٤.

(٨) المصدر السابق ٢٢٤ / ٢.

(٩) المصدر السابق ٤٦ / ٤.

٤٤٦

وقال عن يوم الجمل: لم يكن قتال علي يوم الجمل وصفين بأمر النبي (١)وإنما كان رأيا رآه (٢). وعندما خرجت عائشة يوم الجمل لم تتبرج تبرجالجاهلية. والأمر بالاستقرار في البيوت لا ينافي الخروج لمصلحة مأمور بها (٣).

ثم وصف القتال فقال: لم يكن يوم الجمل لهؤلاء قصد في القتال، ولكن وقعالاقتتال بغير اختيارهم، لقد خشي القتلة أن يتفق علي مع عائشة، فحملوا علىمعسكر طلحة والزبير، فظن طلحة أن عليا حمل عليهم، فحملوا دفعا عنأنفسهم، فظن علي أنهم حملوا عليه، فحمل دفعا عن نفسه، فوقعت الفتنة بغيراختيارهم وعائشة راكبة!! (٤)، ثم يقول شيخ المسلمين: يوم الجمل إذا كان قدوقع خطأ أو ذنب من أحد الفريقين أو كليهما، فقد عرفنا أن هذا لا يمنع ما دلعليه الكتاب والسنة من أنهم خيار أولياء الله المتقين وعباده الصالحين وأنهم منأهل الجنة (٥).

ثم يقول عن صفين: كان علي عاجزا عن الحق والعدل، وليس لأهل الشامأن يبايعوا عاجزا عن العدل (٦). لقد بادر علي بعزل معاوية ولم يكن يستحقالعزل (٧). إن أهل الشام خير الناس للإسلام. ومعاوية كان خيرا من كثير: فلميكن يستحق أن يعزل ويولى من هو دونه (٨). وقال شيخ المسلمين: من قاتل علياإن كان باغيا فليس ذلك بمخرجه من الإيمان ولا موجبا له النيران ولا مانعا له من

(١) أخرج أحمد والحاكم بسند صحيح قول النبي لعلي: " إنك تقاتل على القرآن كما قاتلتعلى تنزيله ".

(٢) المصدر السابق ٢٣١ / ٢.

(٣) المصدر السابق ١٨٦ / ٢.

(٤) المصدر السابق ١٨٥ / ٢.

(٥) المصدر السابق ٢٤١ / ٣.

(٦) المصدر السابق ٢٠٣ / ٢.

(٧) المصدر السابق ٢٢٢ / ٢.

(٨) المصدر السابق ٢٢٣ / ٢.

٤٤٧

الجنان (١)، وقال: القول بأن أول من يدخل النار مبغض علي وأن أول منيدخل الجنة محبه..، هل تعلق السعادة والشقاوة بمجرد حب علي دون حبالله ورسوله إلا كتعلقها بحب أبي بكر وعمر وعثمان ومعاوية رضي الله عنهم (٢).

وقال: إن عليا ليس قائدا لكل البررة ولا هو أيضا قاتلا لكل الكفرة، وكذلكالقول: منصور من نصره فهو خلاف الواقع... فمن المعلوم أن الأمة كانتمنصورة في عصور الخلفاء الثلاثة... فلما قتل عثمان... لم يكن الذين قاتلوامع علي منصورين.. بل أولئك الذين انتصروا عليه عندما صار الأمر إليهم لماتولى معاوية انتصروا على الكفار وفتحوا البلاد (٣) والعسكر الذين قاتلوا معمعاوية ما خذلوه قط في قتال علي. فكيف يكون النبي قال له: اللهم اخذل منخذله؟ (٤)، ولو كان حرب علي حربا للرسول ولله تعالى لوجب أن يغلبمحارب رسول الله، ولم يكن الأمر كذلك، فقد طالب علي مسالمة معاويةومهادنته وأن يكف عنه (٥). إن عليا قاتل على الخلافة حتى غلب وسفك الدماءبسبب المنازعة التي بينه وبين منازعه، ولم يحصل بالقتال لا مصلحة الدين ولامصلحة الدنيا (٦). واجتهاد علي في سفك دماء المسلمين بعضهم بعضا ذلالمؤمنين (٧). إن الخلفاء الثلاثة اتفق المسلمون عليهم، وكان السيف في زمانهممسلولا على الكفار أما علي بن أبي طالب فلم يتفق المسلمون عليه وكان السيففي مدته مكفوفا عن الكفار مسلولا على أهل الإسلام (٨). إن الله أظهر الدينعلى أيدي الخلفاء الثلاثة وعلي لم يظهر الدين في خلافته (٩). ولم يكن في

(١) المصدر السابق ٢٠٥ / ٢.

(٢) المصدر السابق ١٠٧ / ٤.

(٣) المصدر السابق ٦ / ٤.

(٤) المصدر السابق ١٧ / ٤.

(٥) السابق ٢٣٤ / ٢.

(٦) المصدر السابق ١٢١ / ٤.

(٧) المصدر السابق ٢٢٣ / ٢.

(٨) المصدر السابق ١٤٨ / ٢.

(٩) المصدر السابق ١٣٨ / ٢.

٤٤٨

خلافة علي للمؤمنين الرحمة التي كانت في زمن عمر وعثمان، بل كانوا يقتتلونولم يكن لهم على الكفار سيف، فكيف يظن مع هذا تقدم علي في هذا الوصفعلى أبي بكر وعمر وعثمان (١). ثم قال: وبعد علي لم يعرف أحد إلا أهل السنةالذين نصروا دين الله (٢).

ثم يقول شيخ المسلمين عن قتل معاوية للحسن: إن كان معاوية دس السمللحسن فهو من باب قتال بعضهم بعضا، وقتال المسلمين بعضهم بعضا بتأويلباب عظيم - أي لا يمنعهم من دخول الجنة (٣). ثم يقول عن استخلاف يزيد:

أهل السنة يعتقدون أن يزيد ملك جمهور المسلمين وكان خليفتهم فيزمانهم (٤). ولقد كان كل واحد من الخلفاء إماما وخليفة وسلطانا (٥). وأهلالسنة إذا اعتقدوا إمامة واحد من هؤلاء يزيد أو عبد الملك أو المنصور كان بهذاالاعتبار، ومن نازع في هذا فهو شبيه بمن نازع في ولاية أبي بكر وعمروعثمان (٦). وقال: إن يزيد رغم ما فيه من ظلم وقتل وفعل ما فعل يوم الحرة،فإنه لا يخرج عليه لأن من لم يكن مطيعا لولاة الأمور مات ميتة جاهلية (٧).

وقال شيخ المسلمين في قتل الحسين: قالوا للحسين: لا تخرج. وهمبذلك قاصدون نصيحته ومصلحة المسلمين والله ورسوله يأمر بالصلاح لابالفساد، فتبين أن الأمر على ما قاله هؤلاء، إذ لم يكن في خروج الحسينمصلحة لا في دين ولا في دنيا (٨)، وقال عن جهاد الحسن والحسين: جهاد

(١) المصدر السابق ٢٢٨ / ٢.

(٢) المصدر السابق ١٣٨ / ٢.

(٣) المصدر السابق ٢٢٥ / ٢.

(٤) المصدر السابق ٢٣٩ / ٢.

(٥) المصدر السابق ٢٣٩ / ٢.

(٦) المصدر السابق ٢٤ / ٢.

(٧) المصدر السابق ٣٧ / ١.

(٨) المصدر السابق ٢٤١ / ٢.

٤٤٩

الحسنين في سبيل الله كذب عليهما (١). وقال عن قتل الحسين: قتل الحسين لميجلب فسادا على الأمة (٢). وقال: لم يعظم إنكار الأمة لقتل الحسين كما عظملقتل عثمان، ولا انتصر له جيوش كالجيوش التي انتصرت لعثمان، ولا انتقمأعوانه من أعدائه كما انتقم أعوان عثمان من أعدائه، ولا حصل بقتله من الفتنوالشرور والفساد ما حصل بقتل عثمان ولا كان قتله أعظم إنكارا عند الله ورسولهوعند المؤمنين من قتل عثمان (٣). وقال: " إن عثمان أعظم أجرا. وقتلته أعظمإثما ممن لم يكن متوليا فخرج يطلب الولاية ولم يتمكن حتى قتل، ولا ريب أنقتال الدافع عن نفسه وولايته أقرب من قتال الطالب لأن يأخذ الأمر من غيره،وعثمان ترك القتال دفعا عن نفسه وولايته أقرب من الحسين (٤).

ثم يقول: من قال إن عثمان كان مباح الدم، لم يمكنه أن يجعل عليامعصوم الدم ولا الحسين، فإن عصمة دم عثمان أظهر من عصمة دم الحسين،وعثمان أبعد من موجبات القتل من علي والحسين، وشبهة قتل عثمان أضعفبكثير من شبهة قتل علي والحسين فإن عثمان لم يقتل مسلما ولا قاتل أحدا علىولايته (٥). ثم يقول: كان المنتصرون لعثمان معاوية وأهل الشام، والمنتصرونمن قتلة الحسين المختار، ولا يشك عاقل أن معاوية خير من المختار (٦).

وعمر بن سعد قائد السرية التي قتلت الحسين لم يصل في الجرم إلى ما وصلإليه المختار الذي تتبع قتلة الحسين (٧). وفي الختام يقول: إن عثمان تاب توبةظاهرة من الأمور التي صاروا يذكرونها ويظهر له أنها منكرة. وكذلك عائشةندمت على مسيرها إلى البصرة وكانت إذا ذكرته تبكي حتى تبل خمارها، وطلحة

(١) المصدر السابق ١١٨ / ٢.

(٢) المصدر السابق ١٦٤ / ١.

(٣) المصدر السابق ١٨٨ / ٢.

(٤) المصدر السابق ١٨٨ / ٢.

(٥) المصدر السابق ١٢٩ / ٣.

(٦) المصدر السابق ١٨٨ / ٢.

(٧) المصدر السابق ١٦٥ / ١.

٤٥٠
٤٥١

والبخاري أعرض عنه بخلاف أحاديث الأنصار... وأهل العلم شكوا في حديثعلي (١). ولم يذكر الشيخ من هم أهل العلم الذين شكوا في أحاديث الإماممسلم؟ ولو صح هذا لانهدم جانب كبير من السنة، وقال الشيخ أيضا في حديثالثقلين كتاب الله فذكر كتاب الله وحض عليه ثم قال: وعترتي أهل بيتيأذكركم الله - ثلاثا. قال الشيخ: هذا مما انفرد به مسلم ولم يروه البخاري،والحديث الذي رواه مسلم إذا كان النبي قد قاله، فليس فيه إلا الوصية باتباعكتاب الله، وهذا أمر قد تقدمت الوصية به في حجة الوداع قبل ذلك، وهو لميأمر باتباع العترة!! (٢).

وإذا كان ابن تيمية يرد كل شئ إلى البخاري ويشكك في الحديث الذييرويه مسلم ولم يروه البخاري، فإننا نجده يشكك في البخاري نفسه عندما روىحديثا لم يصادف هوى ابن تيمية. روى البخاري عن النبي صلى الله عليهوسلم أنه قال: " ويح عمار. تقتله الفئة الباغية يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلىالنار "، فقال الشيخ: حديث عمار " تقتلك الفئة الباغية "، رواه مسلم ورواهالبخاري، ولكن البخاري في كثير من النسخ لم يذكره تاما (٣). وعندما لم يجدمفرا قال: ولكن لا يختلف أهل العلم بالحديث أن هذه الزيادة " يدعوهم إلىالجنة ويدعونه إلى النار " هي في الحديث (٤). لقد وضع الشك أولا ليتأرجحالباحث بين الحقيقة والخيال. وشكك أيضا في أقوال أحمد بن حنبل فقال:

وأحمد بن حنبل لم يقل إنه صح لعلي من الفضائل ما لم يصح لغيره، بلأحمد أجل من أن يقول مثل هذا الكذب (٥). وشكك في حديث " وأنذرعشيرتك الأقربين " الذي رواه أحمد وغيره بسند صحيح كما ذكرنا من قبل،وطعن في الترمذي والنسائي وقال: رويا أحاديث ضعيفة في فضل

(١) منهاج السنة ص ٤٠ / ٤.

(٢) منهاج السنة ٨٥ / ٤.

(٣) منهاج السنة ٢١٠ / ٢.

(٤) المصدر السابق ٢١١ / ٢.

(٥) المصدر السابق ٩٩ / ٤.

٤٥٢

علي (١)، وطعن في تفسير ابن جرير وابن أبي حاتم والثعلبي والبغوي (٢).

والواحدي وابن حميد وعبد الرزاق (٣)، وأبي نعيم (٤) والكلبي (٥) والديلمي (٦)والحاكم وابن عبد ربه وابن عقدة (٧) وابن خلويه (٨) وابن عساكر (٩) وابنإسحاق (١٠) وجريمة هؤلاء جميعا في نظر ابن تيمية أنهم رووا أحاديث في فضلأهل البيت. حتى أنه قال في الحديث الذي رواه الإمام أحمد بسند صحيح أنرسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ بيد حسن وحسين وقال: من أحبنيوأحب هذين وآباهما وأمهما فهو معي في درجتي يوم القيامة "، قال الشيخ:

وبتقدير أن يكون أحمد روى الحديث فمجرد رواية أحمد لا توجب أن يكونصحيحا يجب العمل به، بل الإمام أحمد روى أحاديث كثيرة ليعرف ويبينللناس ضعفها!! (١١)مما سبق نعلم أن الشيخ لجم العقل ولم يجعل فيه نافذة مفتوحة إلالاستقبال رأيه فقط، ونحن فيما سبق دعونا الله أن يرحم العلماء الذين جمعوا لناالحديث لأنهم بهذا العمل وضعوا أمام العقل في كل مستقبل المادة الغزيرة التيمن خلالها يتم البحث عن الحقيقة، ولكن الأمر مختلف عن ابن تيمية. لقدجاهد من أجل أن يري الناس ما يراه مبينا لهم أن أي حديث لا يعرفه هو فليسبحديث، وعلى أي حال إذا كانت هذه المحاولة قد حققت نجاحا في فترة من

(١) المصدر السابق ٤٨ / ٤.

(٢) المصدر السابق ٨٠ / ٤.

(٣) المصدر السابق ٤ / ٤.

(٤) المصدر السابق ١٠ / ٤.

(٥) المصدر السابق ١٨ / ٤.

(٦) المصدر السابق ٣٨ / ٤.

(٧) المصدر السابق ٩٩ / ٤.

(٨) المصدر السابق ١٠٦ / ٤.

(٩) المصدر السابق ١١١ / ٤.

(١٠) المصدر السابق ٤٨ / ٤.

(١١) المصدر السابق ١٠٦ / ٤.

٤٥٣

الزمان، ألا أنه بالتأكيد لن يكتب له الخلود.

* ويقتضي الأمر أن نبين رأي المعتزلة في الأحداث كما بينا الرأي السلفيالذي يمثله ابن تيمية. يقول ابن أبي الحديد المعتزلي.

فأما علي كرم الله وجهه فإنه عندنا بمنزلة الرسول في تصويب قولهوالاحتجاج بفعله ووجوب طاعته، ومتى صح عنه أنه قد برئ من أحد منالناس برئنا منه كائنا من كان، ولكن الشأن في تصحيح ما يروى عنه فقد كثرالكذب عليه... وأما براءته كرم الله وجهه من المغيرة وعمرو بن العاص ومعاويةفهو عندنا معلوم جار مجرى الأخبار المتواترة، فلذلك لا يتولاهم أصحابنا، ولايثنون عليهم، وهم عند المعتزلة في مقام غير محمود (١)، وقال ابن أبي الحديد:

فأما الأفاضل من المهاجرين والأنصار الذين ولوا الإمامة قبله فلو أنه أنكرإمامتهم وغضب عليهم وسخط فعلهم فضلا عن أن يشهر عليهم السيف أو يدعوإلى نفسه لقلنا: إنهم من الهالكين كما لو غضب عليهم رسول الله صلى الله عليهوسلم لأنه قد ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: " حربك حربيوسلمك سلمي " وقال: " اللهم والي من والاه وعادي من عاداه "، وقال: " لايحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق "، ولكنا رأيناه رضي إمامتهم فلم يكن لناأن نتعدى فعله ولا نتجاوز ما اشتهر عنه، إلا ترى أنه لما برئ من معاوية برئنامنه ولما لعنه لعناه، ولما حكم بضلال أهل الشام ومن كان فيهم من بقاياالصحابة كعمرو بن العاص وعبد الله ابنه وغيرهما حكمنا أيضا بضلالهم،والحاصل: أنا لم نجعل بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم إلا رتبة النبوة.

وأعطيناه كل ما عدا ذلك من الفضل والمشترك "، ولم نطعن في أكابر الصحابةالذين لم يصح عندنا أنه طعن فيهم، وعاملناهم بما عاملهم به (٢).

قال ابن أبي الحديد: لو نازع عقب وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم،وسل سيفه لحكمنا بهلاك كل من خالفه وتقدم عليه، كما حكمنا بهلاك

(١) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد ٧٦٤ / ٥.

(٢) المصدر السابق ٨٨١ / ٥.

٤٥٤

من نازعه حين أظهر نفسه، ولكنه مالك الأمر وصاحب الخلافة، إذا طلبها وجبعلينا القول تنسيق من ينازعه فيها، وإذا أمسك عنها وجب القول بعدالة منأغضى له عليها، وحكمه في ذلك حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأنه قدثبت عنه في الأخبار الصحيحة أنه قال: " علي مع الحق والحق مع علي يدورحيثما دار " وقال له غير مرة: " حربك حربي وسلمك سلمي " وهذا المذهب هوأعدل المذاهب عندي وبه أقول (١).

وقال: ومذهب أصحابنا من البغداديين أنه الأفضل والأحق بالإمامة وأنهلولا ما يعلمه الله ورسوله من أن الأصلح للمكلفين من تقديم المفضول عليهلكان من تقدم عليه هالكا، فرسول الله صلى الله عليه وسلم أخبره أن الإمامةحقه، وأنه أولى بها من الناس أجمعين، وأعلمه أنه في تقديم غيره وصبره علىالتأخر عنها مصلحة راجعة إلى المكلفين، وأنه يجب عليه أن يمسك عن طلبهاويغض عنها لمن هو دون مرتبته، فامتثل ما أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم،ولم يخرجه تقدم من تقدم عليه من كونه الأفضل والأولى والأحق (٢).

ومعنى هذا أن قول النبي صلى الله عليه وسلم: " من كنت مولاه فعليمولاه " فيه إشارة إلى مخاطبة دائرة الاختيار والإرادة عند الصحابة. بمعنى إذاأردتم سلوك طريقي والنجاة من الفتن التي حدثتكم عنها فهذا هو طريق ولاإجبار في دين الله، وهذا أصل في حكمة الوجود وخلافة الوجود وخلافة الإنسانفي الأرض، فحركة الإنسان تدور في فلك عظيم لينظر الله كيف يعملون ويترتبعلى هذا العمل إما الثواب وإما العقاب وليس معنى قول النبي صلى الله عليهوسلم: " من كنت مولاه فعلي مولاه " أنه اكتفى بمخاطبة دائرة الاختيار عنالصحابة، لا فلقد روى في أحاديث صحيحة قوله: " فإنه مني وأنا منه وهووليكم بعدي " فهناك خاطب ملكة الاختيار وهنا ثبت الأمر في هذه الملكة.

وقال ابن أبي الحديد في حروب الإمام: كان لا يستعمل في حربه إلا ما

(١) المصدر السابق ٤٨٠ / ١.

(٢) المصدر السابق ٤٨٠ / ١.

٤٥٥

وافق الكتاب والسنة، وكان معاوية يستعمل خلاف الكتاب والسنة ويستعملجميع المكايد حلالها وحرامها ويسير في الحرب بسيرة ملك الهند إذا لاقىكسرى، وعلي يقول: لا تبدأوهم بالقتال حتى يبدأوكم ولا تتبعوا مدبرا ولاتجهزوا على جريح ولا تفتحوا بابا مغلقا.. فعلي كان ملجما بالورع من جميعالقول إلا ما هو لله عز وجل رضا، وممنوع اليدين من كل بطش إلا ما هو للهرضا، ولا يرى الرضا إلا فيما يرضاه الله ويحبه، ولا يرى الرضا إلا فيما دل عليهالكتاب والسنة (١).

وبعد أن ألقينا شعاعا من الضوء على رأي المعتزلة في الخطوط العريضةللأحداث نقدم هنا رأي الأستاذ سيد قطب صاحب " في ظلال القرآن " ورأيه الذيسنقدمه جاء في كتاب " كتب وشخصيات " (٢)، وفي هذا الكتاب يعلق سيد قطبعلى بعض الكتب المختارة فيقول: حلقة من سلسلة (اقرأ) استعرض فيها الأستاذشفيق جبري بعض الواقف والمواقع من تاريخ صدر الإسلام وتاريخ بني أميةمبرزا فيها العنصر النفسي الذي قامت عليه ليكشف عن دراية صاحب الموقف أوالموقعة بذلك العنصر النفسي أو عدم درايته وعن أثر العلم بهذا العنصر أوالجهل به في هذا الموقف أو الموقعة، ويقول سيد قطب عن إحدى ملاحظاتالكاتب:

" أما الملاحظة الثانية فتبدو على أتمها في الحكم على موقف عمر بنالخطاب من العهد بالخلافة، وندع المؤلف يبين رأيه في هذه السطور: " مرضرسول الله صلى الله عليه وسلم مرضه الذي قبض فيه، فأمر أبا بكر أن يصلي،بالناس... ثم كان أمر السقيفة ما كان... ثم مرض أبو بكر المرض الذي ماتفيه، فاستخلف على المسلمين عمر بن الخطاب، ثم طعن عمر، فدخلوا عليهوهو في البيت وسألوه أن يستخلف عليهم، فجعل الخلافة شورى بين هؤلاءالستة من المهاجرين الأولين... وكل هذا يدل على الارتباك، ولقد كانت هذه

(١) المصدر السابق ٥٢٩ / ٣.

(٢) كتب وشخصيات / سيد قطب ط دار الشروق.

٤٥٦

الطريقة سبيلا إلى المخاصمة، فقد تشاح أصحاب الشورى على الخلافة، وأخرواإبرام الأمر، ورجا كل واحد منهم أن يكون خليفة... وكاد يؤدي هذا الأمر إلىالفتنة، فقد تطلع الناس إلى معرفة خليفتهم وإمامهم، واحتاج من أقام لانتظارذلك من أهل البلدان إلى الرجوع إلى أوطانهم، ولسنا ندري ما الذي حمل سيدناعمر على الوقوع في هذا الارتباك، وقد كان قادرا على أن يستخلف أصلحالقوم، وهو يعرفهم واحدا واحدا، ويعرف عيوبهم وفضائلهم، ولكنه عدل عنذلك، وإذا لجأت إلى الحرية في الكلام قلت: خاف التبعة ففر منها، فإنه جعلالأمر شورى بين جماعة كل واحد منهم يريد الخلافة لنفسه مخالفا للقواعدالنفسية في السياسة، ولقد أنقذ الله المسلمين من فتنة الشورى، وكانوا في غنىعنها لو حزم عمر... ففكرة عمر في أن يجعل أمر المسلمين شورى بين ستةيتزاحمون على الخلافة غلطة نفسية، وقد أدرك معاوية هذه الغلطة، ومثله لايكاد يفوته شئ من أسرار السياسة النفسية، فقد ذكروا أن زيادا أوفد ابن حصينإلى معاوية، فأقام عنده ما أقام، ثم إن معاوية بعث إليه ليلا فخلا به، فقال له:

يا ابن حصين قد بلغني أن عندك ذهنا وعقلا فأخبرنا عن أي شئ أسألك عنه؟

قال: سلني عما بدا لك، قال: أخبرني ما الذي شتت أمر المسلمين وملأهموخالف بينهم؟ قال ابن حصين: نعم، قتل الناس عثمان، فقال معاوية: ماصنعت شيئا. قال: فمسير علي إليك وقتاله إياك. فقال: ما صنعت شيئا، قالابن حصين: فمسير طلحة والزبير وعائشة وقتال علي إياهم، فقال: ما صنعتشيئا. قال: ما عندي غير هذا يا أمير المؤمنين. فقال معاوية: فأنا أخبرك، إنهلم يشتت بين المسلمين، ولا فرق أهواءهم إلا الشورى التي جعلها عمر إلى ستةنفر.... فلم يكن رجل منهم إلا رجاها لنفسه وجاها له قومه وتطلعت إلى ذلكنفسه، ولو أن عمر استخلف عليهم كما استخلف أبو بكر ما كان في ذلكخلاف... وعلى هذا فالشورى غلطة نفسية رحم الله من غلطها.

ويعلق سيد قطب على هذا الكلام فيقول:... إن الشخصية التي يصدرعليها مثل هذا الحكم السريع شخصية جليلة ضخمة فذة في تاريخ الإسلام...

على أنني لست من أنصار القداسة المطلقة للشخصيات الإسلامية، ولست أعني

٤٥٧

مما تقدم أن أحرم المعاصرين حق الحكم على هذه الشخصيات، ولكني أريد أنتتوافر أسباب الحكم كاملة... وليس ما نقله الأستاذ من أقوال معاوية حجة،فمعاوية كان يريد بهذا القول التمهيد لاستخلاف ابنه يزيد، وهنا عنصر نفسيفات الأستاذ جبري ملاحظته، ولست أجزم الجزم القاطع برأيي هذا، كما فعلالأستاذ في تخطئة عمر، ولكني أريد فقط ألا نسارع إلى الحكم القاطع وبينأيدينا كفتا الميزان على الأقل تتأرجحان (١).

ثم يتطرق الكاتب إلى معركة صفين، فوصف الإمام بأنه كان يجهلالعناصر النفسية في صراعه مع معاوية فقال: لم تكن معرفته بالأمور النفسية علىقدر صراحته، فإذا لم تنجح سياسته النجاح كله، فهذا سببه أنه لم يخطر علىباله أن طلب الحقوق يستلزم كثيرا من حسن الموارد والمصادر... ولم يدرالإمام أن الناس عامة إنما همهم حطام هذه الدنيا، فكان يعز عليه أن يعتقد أنالناس يدورون كيف دارت مصالحهم ومنافعهم، فلم يعاملهم كنا يجب أنيعاملهم رجل السياسة، وإنما عاملهم كما يعاملهم رجل الأخلاق، فكان منعواقب هذه المعاملة شكوه منهم في كل كلام وفي كل خطبة.

ويعلق سيد قطب فيقول: وهكذا يحكم على علي كرم الله وجهه بأنه كانيجهل النفس البشرية لمجرد أنه لم يستخدم الوسائل السياسية التي استخدمهاخصماه معاوية وعمرو بن العاص، وأبسط نظرة تكشف أن هناك فرقا كبيرا بينمعرفة السلاح واستخدام هذا السلاح، فلم يكن الفرق بين علي وبين خصميه أنهيجهل النفس البشرية وأنهما يعرفانها، إنما كان الفرق في حقيقته هو الرضىباستخدام كل سلاح يرضاه الخلق العالي أو يأباه، فعلي لم تكن تنقصه الخبرةبوسائل الغلبة ولا بنوازع النفوس البشرية وأهوائها، ولكنه لم يكن يتدنىلاستخدام الأسلحة القذرة جميعا، وفي رده على من أشاروا عليه بتوزيع الماللرشوة الضمائر ما يكفي " أتأمروني أن أطلب النصر بالجور فيمن وليت عليه منالإسلام. فوالله لا أفعل ذلك ما لاح في السماء نجم "

(١) أي كفة الغلطة النفسية لعمر. وكفة الغلطة النفسية لمعاوية.

٤٥٨

فحين قالها لم يكن جاهلا أن الناس عامة همهم حطام هذه الدنيا، ولكنهكان مترفعا عن استخدام سلاح تستقذره نفسه الكريمة ويستخدمه خصمه بلاتحرج وكذلك رده على ابن عباس. حينما استصوب إشارة المغيرة بن شعبة علىعلي بأن يولي الزبير البصرة ويولي طلحة الكوفة يدل على هذا، فلقد قال: ولوكنت مستعملا أحدا لضره ونفعه لاستعملت معاوية على الشام "، فهو إذن لم يكنبجهل ما يضر وما ينفع، ولكنه كان يأبى ويترفع. ثم يقول سيد قطب رحمه الله:

إن معاوية وزميله عمرو لم يغلبا عليا لأنهما أعرف منه بدخائل النفوس وأخبر منهبالتصرف النافع في الظرف المناسب، ولكن لأنهما طليقان في استخدام كلسلاح، وهو مقيد بأخلاقه في اختيار وسائل الصراع، وحين يركن معاوية وزميلهإلى الكذب والغش والخديعة والنفاق والرشوة وشراء الذمم. لا يملك علي أنيتدنى إلى هذا الدرك الأسفل. فلا عجب ينجحان ويفشل، وإنه لفشل أشرف منكل نجاح، على أن غلبة معاوية على علي كانت لأسباب أكبر من الرجلين،كانت غلبة جيل على جيل، وعصر على عصر، واتجاه على اتجاه، كان مدالروح الإسلامي العالي قد أخذ ينحسر، وارتد الكثيرون من العرب إلى المنحدرالذي رفعهم منه الإسلام، بينما بقي علي بن أبي طالب في القمة لا يتبع هذاالانحسار، ولا يرضى بأن يجرفه التيار، من هنا كانت هزيمته، وهي هزيمةأشرف من كل انتصار ثم يقول الأستاذ سيد قطب رحمه الله.

لقد كان انتصار معاوية هو أكبر كارثة دهمت روح الإسلام التي لم تتمكنبعد من النفوس، ولو قد قدر لعلي أن ينتصر، لكان انتصاره فوزا لروح الإسلامالحقيقية، الروح الخلقية العادلة المترفعة التي لا تستخدم الأسلحة القذرة فيالنضال، ولكن انهزام هذه الروح ولما يمض عليها نصف قرن كامل، وقد قضىعليها فلم تقم لها قائمة بعد - إلا سنوات على يد عمر بن عبد العزيز - ثم انطفأذلك السراج، وبقيت الشكليات الظاهرية من روح الإسلام الحقيقية. قد تكونرقعة الإسلام قد امتدت على يدي معاوية ومن جاء بعده، ولكن روح الإسلام قدتقلصت، وهزمت، بل انطفأت، فإن يهش إنسان لهزيمة الروح الإسلاميةالحقيقية في مهدها وانطفاء شعلتها بقيام ذلك الملك العضوض، فتلك غلطة نفسية

٤٥٩

وخلقية لا شك فيها.

ثم يقول رحمه الله: على أننا لسنا في حاجة يوما من الأيام أن ندعو الناسإلى خطة معاوية، فهي جزء من طبائع الناس عامة، إنما نحن في حاجة لأنندعوهم إلى خطة علي بن أبي طالب، فهي التي تحتاج إلى ارتفاع نفسي يجهدالكثيرون أن ينالوه، وإذا احتاج جيل لأن يرعى إلى خطة معاوية، فلن يكون هوالجيل الحاضر على وجه العموم، فروح " مكيافيلي " التي سيطرت على معاويةقبل مكيافيلي بقرون هي التي تسيطر على أهل هذا الجيل، وهم أخبر بها من أنيدعوهم أحد إليها، لأنها روح " النفعية " التي تظلل الأفراد والجماعات والأمموالمحكومات.

ثم يقول رحمه الله: وبعد، فلست " شيعيا " لأقرر هذا الذي أقول، إنما أناأنظر إلى المسألة من جانبها الروحي الخلقي، ولن يحتاج الإنسان أن يكون شيعيالينتصر للخلق الفاضل المترفع عن الوصولية الهابطة المتدنية، ولينتصر لعلي بنأبي طالب على معاوية وعمرو، إنما ذلك انتصار للترفع والنظافةوالاستقامة......... (١).

٢ - الشهود:

بعد أن قدمنا الآراء حول الأحداث، نقدم الشهود على هذه الأحداثبمعنى أن كل مساحة تاريخية بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم سنقدمشاهدا منها، وفي النهاية يمكن أن نحكم على المسيرة بوجه عام، وهؤلاءالشهود اعتبرهم من الموازين التي يوزن بها الأحداث التي رصدتها في هذاالكتاب، فشهادة الشهود هنا تلتقي مع النتيجة التي انتهى إليها هذا البحث.

وشهود الفترة من وفاة النبي صلى الله عليه وسلم إلى مقتل عثمان هم

(١) كتب وشخصيات / سيد قطب ص ٢٣٥، ٢٣٦، ٢٣٧، ٢٣٨، ٢٤٠، ٢٤١، ٢٤٢،٢٤٣.

٤٦٠