×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

معالم الفتن (ج 2) / الصفحات: ٤١ - ٦٠

معاوية " (١)، ويقول: " دعوا فتى قريش وابن سيدها " (٢)، وكان يدخر قواتالشام للحفاظ على حدود الدولة ولذا أطلق عمر صيحة: " يا أهل الشام استعدوالأهل العراق. فإن الشيطان قد باض فيهم " (٣)، وفي عهد عثمان كان معاويةيتفاخر بأبيه ويقول: " قد عرفت قريش أن أبا سفيان كان أكرمها وابن أكرمها...

ولا أظن أن أبا سفيان لو ولد الناس لم يلد إلا حازما " (٤)، وفي نفس العهد بدأكعب الأحبار يلقي في نفس معاوية طلب الخلافة. فقال له: أنت الأمير بعدعثمان (٥). وعندما استنجد عثمان بقوات الشام أثناء محنته تباطأ معاوية (٦).

كانت هذه خلفية معاوية وقد بينا هذا في موضعه من الأحداث فيما ذكرنا.

وهناك شخصية أخرى وهو عمرو بن العاص سنلقي ضوءا على خليفته نظرالأهمية دوره في أحداث صفين. وعمرو استخدمه رسول الله صلى الله عليهوسلم واستخدام الرسول لأنماط عديدة من الناس يخضع في المقام الأول لحركةالدعوة وهذه الحركة كانت تقتفي التأليف بين القلوب. وكان جميع العاملين علىطريقها. يخضعون لكشف سرائرهم بواسطة الوحي فتحت الوحي يعلم النبيصلى الله عليه وسلم حقائقهم، ولهذا كان استخدام الرسول الإنسان مايختلف عن استخدام غيره لهذا الإنسان. ففي عهد عمر بن الخطاب لمع نجمعمرو بن العاص حتى أن عمر كان يقول: ما ينبغي لأبي عبد الله أن يمشي علىالأرض إلا أميرا " (٧)، وولاه فلسطين والأردن ثم مصر. فلم يزل واليا عليهاحتى مات عمر. وأقره عثمان عليها أربع سنين أو نحوها ثم عزله عنها وولاهاعبد الله بن أبي السرح. وعندما عزله عثمان جعل يطعن عليه ويسعى في إفساد

(١) الطبري ١٨٤ / ٦.

(٢) البداية والنهاية ١٢٤ / ٨، الديلمي (كنز العمال ٥٨٧ / ١٣).

(٣) ابن سعد (كنز العمال ٣٥٤ / ١٢).

(٤) الطبري ٨٩ / ٥.

(٥) الطبري ١٠٠ / ٥، البداية والنهاية ٨٥ / ٥.

(٦) الطبري ١١٥ / ٥.

(٧) الإصابة ١١٣ / ٦ ترجمة عمرو.

٤١

أمره. فلما بلغه قتل عثمان وكان معتزلا بفلسطين قال: إني إذا أنكأت قرحةأدميتها " (١).

وروى الطبري وغيره: عندما قتل عثمان وعلم بمبايعة الناس لعلي وما وقعلأهل الجمل. ارتحل يبكي كما تبكي المرأة ويقول: واعثماناه، أنعي الحياءوالدين حتى قدم دمشق (٢)، فوجد أهل الشام يحضون معاوية على الطلب بدمعثمان، فقال عمرو: أنتم على الحق اطلبوا بدم الخليفة المظلوم (٣). وقالمعاوية لعمرو: بايعني فقال: لا والله لا أعطيك من ديني حتى أنال من دنياكقال: سل، فقال: مصر طعمة. فأجابه إلى ذلك وكتب له به كتابا (٤). وكانتمصر في نفس عمرو بن العاص. لأنه هو الذي فتحها. ويقول الجاحظ: فكانلعظمها في نفسه وجلالتها في صدره، وما قد عرفه من أموالها وسعة الدنيا، لايستعظم أن يجعلها ثمنا من دينه (٥). وروي أنه عندما خرج عمرو من عندمعاوية. قال له ابناه: ما صنعت؟ قال: أعطانا مصر طعمة. قالا: وما مصر فيملك العرب! فقال: لا أشبع الله بطونكما إن لم تشبعكما مصر " (٦).

فوفقا لخليفة هذا وذاك نرى أن الأول هدفه الخلافة. والثاني هدفه الإمارةوبالتحديد أن تكون له مصر ما بقي حيا، وهذه الأهداف تسير في طريق البغاةوعليها قميص عثمان. ذلك الشعار البراق الذي يلتف من حوله العامة. وهذهالفئة على طريق البغاة تعرف باسم " القاسطين " وليس معنى القاسط: أنه المطالببدم عثمان، وإنما معناه: " الجائر عن الحق الناكب عنه " فاللفظ والمعنى يتحدثانعن حقيقة الهدف وليس عن بريق الشعار. وقول أمير المؤمنين " أمرني رسول الله

(١) الإستيعاب ٣٧٦ / ٢.

(٢) الطبري ٢٣٣ / ٥، الكامل ١٤٠ / ٣.

(٣) الطبري ٢٣٤ / ٥، الكامل ١٤١ / ٣.

(٤) مروج الذهب ٣٩٠ / ٢، الكامل ١٧٩ / ٣ الطبري ٥٦ / ٦.

(٥) ابن أبي الحديد ٣٢١ / ١.

(٦) ابن أبي الحديد ٣٢٢ / ١.

٤٢

صلى الله عليه وسلم بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين " يعني أن هذاالقتال لا علاقة له بالشعارات المرفوعة. وإنما علاقته بالأهداف الحقيقية التيتخفيها الجلود الآدمية. ولقد عبر الإمام علي عن مبايعة عمرو لمعاوية بأنها مبايعةمبتورة ومشلولة وفقا لميزان الحقيقة الذي يقر الزيف. فقال: قد بلغني أنعمرو بن العاص الأبتر بن الأبتر (١) بايع معاوية على الطلب بدم عثمان وحضهمعليه. فالعضد والله الشلاء عمرو ونصرته " (٢).

١ - إقامة الحجة:

بعد مقتل عثمان بدأ الإمام علي يجري تغييرات تستقيم مع سياسته. ولكنمعاوية رفض هذه التغييرات والتي كان من بينها عزله عن الشام. وبينما كانالإمام يستعد للذهاب إلى الشام لإزالة هذه العقبة التي على أرض الدولة. خرجعليه أصحاب الجمل. وما أن فرغ من أهل الجمل حتى بلغه أن أهل الشاميتجهزون للقتال. وأن عمرو بن العاص يذيع عليهم " أن أهل العراق قد فرقواجمعهم وأوهنوا شوكتهم وفلوا حدهم. وأن أهل البصرة مخالفون لعلي بعد أنوترهم وقتلهم. وقد تفانت صناديدهم وصناديد أهل الكوفة يوم الجمل. وأنعليا قد سار في شرذمة قليلة منهم وقد قتل خليفتكم. فالله الله في حقكم أنتضيعوه وفي دمكم أن تبطلوه " (٣)، وعمرو في بيانه لم يهمل موقف خصمهالقتالي. وإنما أخبرهم بأن الصناديد قد قتلوا إشارة إلى أن المهملة لن تكونعسيرة بعد أن نضجت الثمرة. وبينما أهل الشام يشقون طريقهم بمراكب الدهاءوالكيد. كان الإمام علي يشق طريقه إليهم بمراكب الحجة. حتى لا تكون لهمحجة في يوم لا يغني فيه الندم. فبعث إليهم جرير بن عبد الله البجلي يدعوه إلىالبيعة. ولكن معاوية ركب الصعب. ثم بعث إليه الإمام برسالة جاء فيها: إن الله

(١) روى ابن كثير أن قوله تعالى: (إن شانئك هو الأبتر) نزلت في العاص بن وائل (تفسيرابن كثير ٥٥٩ / ٤).

(٢) الطبقات الكبرى ٢٥٤ / ٤.

(٣) البداية والنهاية ٢٥٥ / ٧، الطبري ٢٣٦ / ٥.

٤٣

سبحانه جعل الدنيا لما بعدها. وابتلى فيها أهلها. ليعلم أيهم أحسن عملا.

ولسنا للدنيا خلقنا. ولا بالسعي فيها أمرنا. وإنما وضعنا فيها لنبتلي بها. وقدابتلاني الله بك وابتلاك بي. فجعل أحدنا حجة على الآخر. فغدوت على طلبالدنيا بتأويل القرآن. وطلبتني بما لم تجن يدي ولا لساني. وعصبته أنت وأهلالشام بي. وألب عالمكم جاهلكم. وقائمكم قاعدكم. فاتق الله في نفسك.

ونازع الشيطان قيادك. واصرف إلى الآخرة وجهك. فهي طريقنا وطريقك.

واحذر أن يصيبك الله منه بعاجل قارعة تمس الأصل. وتقطع الدابر. فإني أولىلك بالله ألية غير فاجرة. لئن جمعتني وإياك جوامع الأقدار لا أزال بباحتك " حتىيحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين " (١).

لقد أخبره أن الله جعل الدنيا طريقا إلى الآخرة. وابتلى فيها أهلها أياختبرهم ليعلم أيهم أحسن عملا، وأخبره بأن الإنسان لم يؤمر بالسعي في الدنيالها. بل أمر بالسعي فيها لغيرها. وكشف له الحقيقة التي يدثرها شعار قميصعثمان فقال: " فغدوت على طلب الدنيا بتأويل القرآن " أي تعديت وظلمت ومنهذا الظلم قولك: " أنا ولي عثمان ". وعلى طريق الظلم ألزمتني بما لم تجن يديولا لساني. وحرضتم الناس على هذا. ولم يلتفت معاوية إلى الحجة. وظليتاجر بقميص عثمان فأرسل إليه الإمام رسالة قال فيها: فسبحان الله. ما أشدلزومك للأهواء المبتدعة، والحيرة المتبعة. مع تضييع الحقائق واطراح الوثائق:

التي هي لله تعالى طلبة. وعلى عباده حجة. فأما إكثارك الحجاج على عثمانوقتلته. فإنك إنما نصرت عثمان حيث كان النصر لك. وخذلته حيث كان النصرله، والسلام " (٢).

ولقد رأينا كيف تثاقل معاوية عن نصرة عثمان، وفي هذا التخاذل والتثاقليقول البلاذري وهو المعروف بالثقة والضبط " وإنما صنع ذلك معاوية ليقتل

(١) ابن أبي الحديد ٩٨ / ٥.

(٢) ابن أبي الحديد ٧٨٤ / ٤.

٤٤

عثمان فيدعوا إلى نفسه " (١)، ولم يكتف الإمام بإرسال الرسائل. وإنما بعث إليهبالصحابة ليقيموا عليه الحجة على امتداد الطريق إلى صفين. روي أن الإمامبعث إليه عدي بن حاتم... فقال عدي لمعاوية: إنا أتيناك ندعوك إلى أمر يجمع الله بهكلمتنا وأمتنا ويحقن به الدماء ونصلح ذات البين، إن ابن عمك سيد المسلمينأفضلها سابقة وأحسنها في الإسلام أثرا. وقد استجمع له الناس. ولم يبق أحدغيرك وغير من معك. فاحذر يا معاوية أن يصيبك وأصحابك مثل يوم الجمل.

فقال له معاوية: كأنك إنما جئت متهددا لم تأت مصلحا. هيهات يا عدي. كلاوالله إني لابن حرب لا يقعقع له بالسنان. وإنك والله من المجلبين على عثمانوإنك من قتلته وإني لأرجو أن تكون ممن يقتله الله به. فقال شبث وزياد بنخصفة: يا معاوية. جوابا واحدا، أتيناك فيما يصلحنا وإياك. فأقبلت تضرب لناالأمثال. دع ما لا ينفع وأجبنا فيما يعم نفعه. وقال له يزيد بن قيس: إنا لم نأتإلا لنبلغك ما أرسلنا به إليك. ونؤدي عنك ما سمعنا منك. ولن ندع أن ننصحلك وأن نذكر ما يكون به الحجة عليك ويرجع إلى الألفة والجماعة. إن صاحبنامن قد عرف المسلمون فضله ولا يخفى عليك. فاتق الله يا معاوية ولا تخالف.

فإنا والله ما رأينا في الناس رجلا قط أعمل بالتقوى ولا أزهد في الدنيا ولا أجمعلخصال الخير كلها منه. فقال لهم معاوية: إنكم دعوتم إلى الطاعة والجماعة.

فأما الجماعة التي دعوتم إليها فمعنا هي. وأما الطاعة لصاحبكم فإنا لانراها " (٢)وبعد بعث عدي بن حاتم ثم بعث إليه إليه أبا عمر وبشير بن عمرو بن.

محصن وسعيد بن قيس... وعندما دخلوا عليه قال بشير: يا معاوية إن الدنيا عنكزائلة وإنك راجع إلى الآخرة. وإن الله محاسبك بعملك ومجازيك عليه، وإنيأنشدك الله ألا تفرق جماعة هذه الأمة وألا تسفك دماءها بينها. فقطع عليه معاويةالكلام وقال: هلا أوصيت بذلك صاحبك؟ فقال أبو عمر: إن صاحبي ليسمثلك. إن صاحبي أحق البرية كلها بهذا الأمر في الفضل والدين والسابقة في

(١) ابن أبي الحديد ٧٨٥ / ٤.

(٢) الكامل ١٤٨ / ٣، الطبري ٢ / ٦.

٤٥

الإسلام والقرابة بالرسول صلى الله عليه وسلم قال معاوية: فماذا يقول؟

فقال أبو عمر: يأمرك بتقوى الله وأن تجيب ابن عمك إلى ما يدعوك إليه منالحق. فإنه أسلم لك في دنياك وخير لك في عاقبة أمرك. قال: ونترك دم ابنعفان لا والله لا أفعل ذلك أبدا. فبادره شبث بن ربعي وقال: يا معاوية إنك لمتجد شيئا تستغوي به الناس وتستميل به أهواءهم وتستخلص به طاعتهم إلاقولك: (قتل إمامكم مظلوما فنحن نطلب بدمه) فاستجاب لك سفهاء طغام. وقدعلمنا أنك أبطأت عنه بالنصر. وأحببت له القتل لهذه المنزلة التي أصبحتتطلب. ورب متمن أمر وطالبه يحول الله دونه. وبما أوتي المتمني أمنيته وفوقأمنيته. ووالله ما لك في واحدة منهما خير. والله إن أخطأت ما ترجو إنك لشرالعرب حالا. ولئن أحببت ما تتمناه لا تصيبه حتى تستحق من ربك صلى النار.

فاتق الله يا معاوية. ودع ما أنت عليه. ولا تنازع الأمر أهله فقال له معاوية: لقدكذبت ولؤمت أيها الأعرابي الجلف الجافي في كل ما ذكرت ووصفت. انصرفوامن عندي وليس بيني وبينكم إلا السيف " (١).

لم ينصت معاوية لصوت الحجة. لأن وصية أمه وأبيه وفتوى كعبالأحبار. كل ذلك كان قد استولى عليه. وما استولى عليه هذا إلا لأنه يوافقهواه الذي تحت جلده.

٢ - معاوية وسياسة التشكيك:

سارت سياسة تعبئة الناس تحت لافتة " قميص عثمان " جنبا إلى جنب معسياسة التشكيك في الأحاديث التي رويت في فضل أهل البيت ومناقب علي بنأبي طالب فمعاوية كان يدرك خطورة هذه الأحاديث وغيرها من الأحاديث التيحذر فيها النبي صلى الله عليه وسلم من الفتن. ولعن فيها قبائل وبيوتا نظرالخطورتها على الدعوة. لهذا رفع معاوية أمام هذه الأحاديث لافتة " أساطيرالأولين " ولم يكتف معاوية بهذه اللافتة وإنما تاجر بقتل طلحة والزبير وهزيمة

(١) الكامل ١٤٦ / ٣، الطبري ٢٤٣ / ٥.

٤٦

عائشة. وحاول أن يجذب علي بن أبي طالب إلى معركة كلامية. حول الخلافةبعد رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن دخول الإمام في هذه الدائرةسيجعله من وجهة نظر معاوية يفقد أصوات العامة في الأمصار مما يسهل علىمعاوية اختراق الساحة بعد ذلك. وبالجملة: لم يترك معاوية طريقا فيه هواه إلاوطرقه ووضع فيه العوائق.

وسياسة شكيك في الروايات عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلمظهرت معالمها في رسالة أرسلها معاوية إلى أمير المؤمنين علي يقول له فيها:

أما بعد. فدعني من أساطيرك. واكفف عني من أحاديث. وأقصر عن تقولكعلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وافترائك من الكذب ما لم يقل. وغرورمن معك والخداع لهم. فقد استغويتهم. ويوشك أمرك أن ينكشف لهمفيعتزلوك. ويعلموا أن ما جئت به باطل مضمحل. والسلام " (١).

فكتب إليه أمير المؤمنين: أما بعد. فطالما دعوت أنت وأولياؤك أولياءالشيطان الرجيم الحق أساطير الأولين ونبذتموه وراء ظهوركم. وجهدتم بإطفاءنورا الله بأيديكم وأفواهكم. والله متم نوره ولو كره الكافرون. ولعمري ليتمن النورعلى كرهك. ولينفذن العلم بصغارك. ولتجازين بعملك. فعث في دنياكالمنقطعة عنك ما طاب لك. فكأنك بباطلك وقد انقضى. وبعملك وقد هوى.

ثم تصير إلى لظى. لم يظلمك الله شيئا. وما ربك بظلام للعبيد.

ولم تكتف الحملة الإعلامية للقاسطين على رفع لافتة " أساطير الأولين "وإنما قامت بتغذية الساحة بمادة إعلامية هدفها التقليل من شأن أمير المؤمنين فيأول الطريق ليتمكنوا من سبه في نهاية الطريق. يقول معاوية في رسالة له إلىأمير المؤمنين: أما بعد فما أعظم الدين على قلبك. والغطاء على بصرك. الشرهمن شيمتك. والحسد من خليقتك. فشمر للحرب واصبر إلى الضرب. فواللهليرجعن الأمر إلى ما علمت. والعاقبة للمتقين!!... " (٢).

(١) ابن أبي الحديد ٧٦٩ / ٤.

(٢) المصدر السابق ٧٦٩ / ٤.

٤٧

يقول ابن أبي الحديد: وأعجب وأطرب ما جاء به الدهر، وإن كانتعجائبه وبدائعه جمة - أن يفضي أمر علي كرم لله وجهه إلى أن يصير معاوية نداله ونظيرا مماثلا. يتعارضان الكتاب والجواب. ويتساويان فيما يواجه به أحدهماصاحبه. ولا يقول له علي كرم الله وجهه كلمة إلا قال مثلها. وأخشن مسا منها.

فليت محمد صلى الله عليه وسلم كان شاهد ذلك ليرى عيانا لا خبرا أنالدعوة التي قام بها. وقاسي أعظم المشاق في تحملها. وكابد الأهوال في الذبعنها. وضرب بالسيوف عليها لتأييد دولتها. وشيد أركانها. وملأ الآفاق بها.

خلصت صفوا عفوا لا عدائه الذين كذبوه لما دعا إليها. وأخرجه عن أوطانه لماحصن عليها. وأدموا وجهه وقتلوا عمه وأهله. فكأنه كان يسعى لهم ويدأبلراحتهم، كما قال أبو سفيان في أيام عثمان.

وقد مر بقبر حمزة. وضربه برجله وقال: يا أبا عمارة: إن الأمر الذياختلفنا عليه بالسيف أمسي في يد غلماننا اليوم يتلعبون به ثم آل الأمر أن يفاخرمعاوية عليا. كما يتفاخر الأكفاء والنظراء! ثم أقول ثانيا لأمير المؤمنين عليكرم الله وجهه ليت شعري. لماذا فتح باب الكتاب والجواب بينه وبين معاوية؟

وإذا كانت الضرورة قد قادت إلى ذلك فهلا اقتصر في الكتاب إليه علىالموعظة من غير تعرض للمفاخرة (١) والمنافرة. وإذا كان لا بد منهما. فهلااكتفى بهما من غير تعرض لأمر آخر يوجب المقابلة والمعارضة بمثله. وبأشد منه(ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم) (٢)، وهلا دفعهذا الرحل العظيم الجليل نفسه عن سباب هذا السفيه الأحمق. هذا مع أنهالقائل: من واجه الناس بما يكرهون قالوا فيه ما لا يعلمون. أي افتروا عليه

(١) المصدر السابق ٧٦٩ / ٤.

(٢) كان الإمام قد تفاخر في رسالة وقال: إن كنت صادقا فيما تسطر.. فدع الناس جانبا.

وتيسر لما دعوتني إليه من الحرب... واعف الفريقين من القتال. ليعلم أينا المرينعلى قلبه. المغطي على بصره، فأنا أبو الحسن، قاتل جدك وأخيك وخالك. (ابن أبيالحديد ٧٧٠ / ٤).

٤٨

وقالوا فيه الباطل " (١).

وأقول: شاء الله أن يرد الإمام ردا يوجب المقابلة والمعارضة. وشاء الله أننجد هذه الرسائل في أكثر من مصدر لتعلم منها أصول الحقيقة الغائبة. والإماملا يضره سباب ألف سفيه أحمق. لأن هؤلاء لا يكتب لسبابهم وعروشهمالخلود. فانظر إلى الوراء منذ عهد آدم عليه السلام كم من كلاب نبحت علىقافلة الأنبياء. لقد ذهب النباح كهباء ضائع في خلاء يصلي أصحابه لظى. وكتبالخلود لدعوة الرسل والأنبياء. وكذلك ترى سيرة الأئمة والهداة لقد رصدتهمألسنة أصحاب السوء وشوهتهم الأقلام المأجورة. وفي النهاية ذهب أهل السوءوالباطل ولم يكتب لأقوالهم الخلود ولم يبق إلا السائرون على طريق الفطرة.

وبعد التكذيب بالحديث بدأ إعلام معاوية يتاجر بمقتل طلحة والزبيروهزيمة عائشة. روي أن عمرو بن العاص قال لعائشة: لوددت أنك كنت قتلتيوم الجمل. فقالت: ولم لا أبا لك؟ فقال: تموتين بأجلك وتدخلين الجنةونجعلك أكبر التشنيع على علي بن أبي طالب " (٢)، ومن هذا نعلم أن المتاجرةبأهل الجمل لها جذور وأصول. وفي رسالة من معاوية إلى أمير المؤمنين علييقول: معاوية:... دعوت الناس إلى نفسك. وأكرهت أعيان المسلمين علىبيعتك. ثم كان منك بعدما كان من قتلك شيخي المسلمين أبا محمد طلحة وأباعبد الله الزبير. وهما من الموعودين بالجنة. والمبشر قاتل أحدهما بالنار فيالآخرة هذا إلى تشريدك بأم المؤمنين عائشة. وإحلالها محل الهون. مبتذلة بينأيدي الأعراب وفسقة أهل الكوفة. فمن بين مشهر لها، وبين شامت بها. وبينساخر منها. ترى ابن عمك كان بهذا لو رآه راضيا. أم يكون عليك ساخطة.

ولك عنه زاجرا. أن تؤذي أهله وتشرد بحليلته. وتسفك دماء أهل ملته. ثمتركك دار الهجرة التي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عنها: " إن المدينةلتنفي خبثها كما ينفي الكير خبث الحديد " فلعمري قد صح وعده وصدق قوله.

(١) سورة الأنعام: الآية ١٠٨.

(٢) ابن أبي الحديد ٧٧٠ / ٤.

٤٩
٥٠

وأما قوله: " لو عاش رسول الله صلى الله عليه وسلم. فبربك هل كانيرضي لك أن تؤذي حليلته ". فلعلي كرم الله وجهه أن يقلب الكلام عليه.

فيقول: " افتراه لو عاش. أكان يرضي لحليلته أن تؤذي أخاه ووصيه. وأيضا أتراهلو عاش أكان يرضي لك يا ابن أبي سفيان أن تنازع عليا الخلافة، وتفرق جماعةهذه الأمة. وأيضا أتراه لو عاش أكان يرضي لطلحة والزبير أن يبايعا. ثم ينكثا لالسبب. بل قالا: جئنا تطلب الدراهم. فقد قيل لنا: إن بالبصرة أموالا كثيرةهذا الكلام يقوله لمثلهما.

فأما قوله: " تركت دار الهجرة " فلا عيب عليه إذا انتقضت عليه أطرافالإسلام بالبغي والفساد أن يخرج من المدينة إليها، ويهذب أهلها، وليس كل منخرج من المدينة كان خبثا. فقد خرج عنها عمر مرارا إلى الشام. ثم لعليكرم الله وجهه أن يقلب عليه الكلام فيقول له: وأنت يا معاوية قد نفتك المدينةأيضا عنها. فأنت إذن خبث. وكذلك طلحة والزبير وعائشة الذين تتعصب لهموتحتج على الناس بهم، وقد خرج من المدينة الصالحون. كابن مسعود وأبي ذروغيرهما وماتوا في بلاد نائية عنها.

وأما قوله: " بعدت عن حرمة الحرمين، ومجاورة قبر رسول الله صلى اللهعليه وسلم "، فكلام إقناعي ضعيف، والواجب على الإمام أن يقدم الأهمفالأهم من مصالح الإسلام. وتقديم قتال أهل البغي على المقام بين الحرمينأولى... (١).

إن خطاب معاوية ليس فيه علم يرى. وهو خطاب إعلامي في المقام الأوليخاطب به غوغاء الشام ومن على شاكلتهم على الرغم من أن الرسالة موجهة إلىأمير المؤمنين علي: وعلى هذا المنوال بعث معاوية برسالة أخرى إلى أميرالمؤمنين علي يقول له فيها: أما بعد، يقول الله تعالى في محكم كتابه (ولقدأوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من

(١) سورة الأنفال: الآية ٤٢.

٥١

الخاسرين) (١)، وإني أحذرك الله أن تحبط عملك وسابقتك بشق عصا هذه الأمةوتفريق جماعتها. فاتق الله واذكر موقف القيامة. وأقلع عما أسرفت فيه منالخوض في دماء المسلمين. وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلميقول: " لو تمالا أهل صنعاء وعدن على قتل رجل واحد من المسلمين. لأكبهمالله على مناخرهم في النار " فكيف يكون حال من قتل أعلام المسلمين وساداتالمهاجرين. بل ما طحنت رحا حربه من أهل القرآن. وذي العبادة والإيمان. منشيخ كبير. وشاب غرير. كلهم بالله تعالى مؤمن. وله مخلص وبرسوله مقرعارف. فإن كنت أبا الحسن أنما تحارب على الإمرة والخلافة. فلعمري لوصحت خلافتك لكنت قريبا من أن تعذر في حرب المسلمين. ولكنها ما صحتلك. أني بصحتها وأهل الشام لم يدخلوا فيها. ولم يرتضوا بها؟ وخف اللهوسطوته. واتق بأسه ونكاله. وأغمد سيفك عن الناس. فقد والله أكلتهمالحرب... " (٢).

وهذا أيضا خطاب إعلامي كتبه معاوية لتبدأ إذاعته في بثه بمجرد أن يتحركحامل الرسالة في اتجاه أمير المؤمنين. ولقد رد أمير المؤمنين علي على هذهالرسالة وغيرها من باب إقامة الحجة.

فقال: أما بعد. فقد أتتني منك موعظة موصلة. ورسالة محبرة. فمقتهابضلالك. وأمضيتها بسوء رأيك. وكتاب امرئ ليس له بصر يهديه. ولا قائديرشده. دعاه الهوى فأجابه. وقاده الضلال فاتبعه. فهجر لا غطا. وضل خابطا.

فأما أمرك لي بالتقوى فأرجو أن أكون من أهلها، واستعيذ بالله من أن أكون منالذين إذا أمروا بها أخذتهم العزة بالإثم. وأما تحذيرك إياي أن يحيط عمليوسابقتي في الإسلام. فلعمري لو كنت الباغي عليك. لكان لك أن تحذرنيذلك. ولكني وجدت الله تعالى يقول: (فقاتلوا التي تبغي حتى تفئ إلى أمر

(١) ابن أبي الحديد ١٨٠ / ٥.

(٢) سورة الزمر: الآية ٦٥.

٥٢

الله) (١)، فنظرنا إلى الفئتين. أما الفئة الباغية فوجدناها الفئة التي أنت فيها. لأنبيعتي بالمدينة لزمتك وأنت بالشام. كما لزمتك بيعة عثمان بالمدينة. وأنت أميرلعمر على الشام. وكما لزمت يزيد أخاك بيعة عمر وهو أمير لأبي بكر علىالشام. وأما شق عصا هذه الأمة. فأنا أحق أن أنهاك عنه. فأما تخويفك لي منقتال أهل البغي. فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرني بقتالهم وقتلهم.

وقال لأصحابه: " إن فيكم من يقاتل على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله "،وأشار إلي وأنا أولى من اتبع أمره. وأما قولك: إن بيعتي لم تصح لأن أهلالشام لم يدخلوا فيها. كيف وإنما هي بيعة واحدة. تلزم الحاضر والغائب. لايثني فيها النظر. ولا يستأنف فيها الخيار. الخارج منها طاعن. والمروي فيهامداهن. فأربع على ظلعك، وانزع سربال غيك... (٢).

لقد خاطبه، وفقا لثقافته وما سارت عليه الأمور بعد وفاة النبي صلى اللهعليه وسلم ليحاكمه بما ارتضوه واتفقوا عليه وهو أن الاختيار طريقالخلافة. فبين له أن الخلافة ليس بعد عقدها خيار لمن عقدها ولا لغيرهم. لأنهاتلزم غير العاقدين كما تلزم العاقدين. فيسقط الخيار فيها. ووفقا لهذا التعريففقد لزمت أمراء الشام من قبل. وعليه فهي تلزم معاوية.

كان هذا بعضا من سياسة التشكيك في الحديث حتى يتم التعتيم مرة أخرىعلى مناقب أمير المؤمنين، وسارت سياسة التقليل من شأن أمير المؤمنين جنباإلى جنب مع سياسة التشكيك في الحديث. ووصف بأن يفرق الكلمة ويقتلالمتقين ويفارق المدينة. وكان هذا لهدف لا يخفي على الباحث عن الحقيقة.

وفي حياة أمير المؤمنين عتموا على مناقبه مرة، ثم أرادوا أن يعتموا عليهاويشوهوه مرة... وبعد وفاته سبوه على المنابر. وكما زج معاوية بأصحابالجمل في حربه الإعلامية. زج أيضا بقضية الخلافة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ولقد كان يريد من وراء هذا أن يقول أمير المؤمنين في أبي بكر.

(١) ابن أبي الحديد ٣١٦ / ٤.

(٢) سورة الحجرات: الآية ٩.

٥٣

وعمر، بما لا يرضي الرأي العام لأن الغالب الأعم في الأمصار كانوا يعتقدونإمامة الشيخين إلا القليل... من خواص أمير المؤمنين، كان معاوية يريد أنيسجل عليه قوله أنهما غصباه حقه. فيجعل ذلك حجة عليه عند أهل الشامويضيفه إلى ما وضعه في عقولهم من انتقاص علي كما زعم. كان يريد أنوينسبهما إلى الظلم ومخالفة الرسول في أمر الخلافة. فالحصول على تسجيل مثلهذا كفيل بأن يفسد عليه أهل العراق أيضا وهم جنده وبطانته وأنصاره. لأنالغالب الأعم فيهم كانوا يعتقدون إمامة الشيخين. لهذا لم يدخر معاوية جهدا منأجل فتح هذا الباب. فأرسل كتابا مع أبي مسلم الخولاني قصد أن يغضب علياويجرحه إذا قرأ ذكر أبي بكر وأنه أفضل المسلمين إلى أن يخلط خطة فيالجواب بكلمة تقتضي طعنا في أبي بكر. فجاءه الرد من علي غير واضح غيربين. ليس فيه تصريح بالتظلم لهما وتارة يترحم عليهما. وتارة يقول: أخذا حقيوقد تركته لهما. فأشار عمرو به العاص مع معاوية أن يكتب كتابا ثانيا للكتابالأول ليستفزا فيه عليا. ويحمله الغضب أن يكتب كلاما يتعلقان به في تقبيححاله. فكتب معاوية إلى أمير المؤمنين كتابا أنفذه مع أبي أمامة الباهلي ومما جاءفيه: " لقد حسدت أبا بكر والتويت عليه. ورمت إفساد أمره. وقعدت في بيتكواستغويت عصابة من الناس حتى تأخروا عن بيعته. ثم كرهت خلافة عمر.

وحسدته واستطلت مدته. وسررت لقتله. وأظهرت الشماتة بمصابه. حتى أنكحاولت قتل ولده لأنه قتل قاتل أبيه. ثم لم تكن أشد منك حسدا لابن عمكعثمان نشرت مقابحه. وطعنت في فقهه. ثم في دينه. ثم في سيرتهثم في عقله. وأغريت به السفهاء من أصحابك وشيعتك. حتى قتلوه بمحضرمنك " وجاء فيها: " فدع اللجاج، والعبث جانبا، وادفع إلينا قتلةعثمان، وأعد الأمر شوري بين المسلمين ليتفقوا على من هو لله رضا. فلا بيعةلك في أعناقنا. ولا طاعة لك علينا ولا عتبي لك عندنا. وليس لكولأصحابك عندي إلا السيف "، وجاء فيها: " فأما ما لا تزال تمن به منسابقتك وجهادك. فإني وجدت الله سبحانه يقول: " يمنون عليك أن أسلموا قللا تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم

٥٤

صادقين) (١)، ولو نظرت في حال نفسك لوجدتها أشد الأنفس امتنانا على اللهبعملها، وإذا كان الامتنان على السائل يبطل أجر الصدقة. فالامتنان على اللهيبطل أمر الجهاد، ويجعله (كمثل صفوان عليه تراب...) الآية (٢)، فهكذانسج معاوية وابن العاص شباك الصيد التي تخدم أهواءهما كي يركبا على أعناقالأمة. ورد أمير المؤمنين وكان رده من محاسن الكتب. وجاء فيه: " أما بعد فقدأتاني كتابك تذكر فيه اصطفاء الله محمدا صلى الله عليه وسلم لدينه. وتأييدهإياه لمن أيده من الصحابة. فلقد خبأ لنا الدهر منك عجبا، إذ طفقت تخبرناببلاء الله تعالى عندنا. ونعمته علينا في نبينا. فكنت في ذلك كناقل التمر إلىهجر أو داعي مسدده إلى النضال.

والمعنى: " فلقد خبأ لنا الدهر منك عجبا " موضع التعجب أن معاوية يخبرعليا كرم الله وجهه باصطفاء الله تعالى محمدا وتشريفه له. وتأييده له. وهذاظريف لأنه يجري كإخبار زيد عمرا عن حال عمرو. إذ كان النبي صلى الله عليهوسلم وعلي كرم الله وجهه كالشئ الواحد وقوله: " فكنت في ذلك كناقلالتمر إلى هجر " وهجر اسم مدينة. وهي بلدة كثيرة النخل يحمل منها التمر إلىغيرها (٣). ثم قال الإمام في خطابه: " وزعمت أن أفضل الناس في الإسلام فلانوفلان، فذكرت أمرا إن تم اعتزلك كله. وإن نقص لم يلحقك ثلمه. وما أنتوالفاضل والمفضول. والسائس والمسوس، وما للطلقاء وأبناء الطلقاء والتمييزبين المهاجرين الأولين وترتيب درجاتهم. هيهات لقد جن قدح ليس منها (٤).

وطفق يحكم فيها من عليه الحكم لها (٥). ألا تربع أيها الإنسان على ظلعك (٦).

(١) ابن أبي الحديد ٣١٦ / ٤.

(٢) سورة الحجرات: الآية ١٧.

(٣) سورة البقرة: الآية ٢٦٤.

(٤) ابن أبي الحديد ٦٠٥ / ٤.

(٥) هذا مثل يضرب لمن يدخل نفسه بين قوم ليس له أن يدخل بينهم.

(٦) أي وطفق يحكم في هذه القصة أو في القضية من يجب أن يكون الحكم لها عليه لا لهفيها.

٥٥

وتعرف قصور ذرعك. وتتأخر حيث أخرك القدر (١) فما عليك غلبة المغلوبولا ظفر الظافر (٢). فإنك لذهاب في التيه. رواغ عن القصد " (٣)، ثم كشف لهأمير المؤمنين عن أمور يعرفونها فقال: " ومنا النبي ومنكم المكذب ومنا أسد اللهومنكم أسد الأحلاف، ومنا سيد شباب أهل الجنة ومنكم صبية النار. ومناخيرنساء العالمين، ومنكم حمالة الحطب، في كثير مما لنا وعليكم. فإسلامنا ما قدسمع. وجاهليتنا لا تدفع. وكتاب الله يجمع لنا ما شذ عنا. وهو قوله سبحانهوتعالى: (وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله) (٤)، وقوله تعالى:

(إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا والله وليالمؤمنين) (٥). فنحن مرة أولى بالقرابة، وتارة أخرى أولى بالطاعة، ولما احتجالمهاجرون على الأنصار يوم السقيفة برسول الله صلى الله عليه وسلمفلجوا عليهم - فإن يكن الفلج به. فالحق لنا دونكم. وإن يكن بغيره فالأنصارعلى دعواهم. وزعمت أنى لكل الخلفاء حسدت، وعلى كلهم بغيت. فإن يكنذلك كذلك. فليست الجناية عليك. فيكون العذر إليك. وقلت: إني كنت أقادكما يقاد الجمل المخشوش حتى أبايع، ولعمر الله لقد أردت أن تذم فمدحت.

وأن تفضح فافتضحت. وما على المسلم من غضاضة في أن يكون مظلوما ما لميكن شاكا في دينه. ولا مرتابا ببقينه. وهذه حجتي إلى غيرك قصدا. ولكنيأطلقت لك منها بقدر ما سنح من ذكرها. ثم ذكرت ما كان من أمري وأمرعثمان، فلك أن تجاب عن هذه لرحمك منه. فأينا كان أعدي له وأهدي إلىمقاتله؟ أمن بذل له نصرته فاستقعده واستكفه، أمن استنصره فتراخي عنه وبث

(١) أي ألا ترفق بنفسك وتكف ولا تحمل عليها ما لا تطيقه.

(٢) مثل قولك: ضع نفسك حيث وضعها الله.

(٣) أي ما الذي أدخلك بيني وبين أبي بكر وعمر وأنت من بني أمية لست هاشميا ولا تيمياولا عدويا، ولست مهاجرا.

(٤) أي تترك ما يلزمك فعله وتتحدث عن الصحابة وما جرى بعد موت النبي. ونحن إلىالكلام في غير هذا أحوج منا إلى الكلام في البيعة وحقن الدماء والدخول تحت طاعةالإمام(٥) سورة الأنفال: الآية ٧٥.

٥٦

المنون إليه حتى أتى قدره عليه... " (١).

لقد فتح معاوية بابا فيه من الحجج الكثير. وكان الإمام لا يريد لهذا البابأن يفتح على مصراعيه. لأنه كان في حاجة لحقن الدماء بالدخول تحت بيعته.

وعندما أصر معاوية قال الإمام في رسالته: " ألا ترى غير مخير لك. ولكنبنعمة الله أحدث " أي لست عندي أهلا لأن أخبرك بذلك. فإنك تعلمه. ومنيعلم الشئ لا يجوز أن يخبر به. ولكن أذكر ذلك. لأنه تحدث بنعمة الله علينا.

وقد أمرنا بأن نتحدث بنعمته سبحانه (٢).

ويبدو أن حديث معاوية في هذا الباب الذي يعلمه. دفع بآخرين كييذكروه إن كان قد نسي رغبة منهم في حقن الدماء. ومن هؤلاء محمد بن أبيبكر. فلقد بعث برسالة إلى معاوية ومما جاء فيها " إن الله بجلاله وعظمتهوسلطانه وقدرته خلق خلقا بلا عبث ولا ضعف في قوة: لا حاجة به إلىخلقهم. ولكنه خلقهم عبيدا وجعل منهم شقيا وسعيدا وغويا ورشيدا. ثماختارهم على علمه. فاصطفى منهم محمدا صلى الله عليه وسلم. فاختصهبرسالته. واختاره لوحيه. وائتمنه على أمره. وبعثه رسولا مصدقا لما بين يديهمن الكتب. ودليلا على الشرائع. فدعا إلى سبيل أمره بالحكمة والموعظةالحسنة. فكان أول من أجاب وأناب، وصدق ووافق فأسلم وسلم. أخوه وابنعمه علي بن أبي طالب. فصدقه بالغيب المكتوم وآثره على كل حميم - ووقاه كلهول، وواساه بنفسه في كل خوف. فحارب حربه، وسالم سلمه " (٣)، وقالمحمد بن أبي بكر في رسالته: " وقد رأيتك تساميه وأنت أنت.. وهو هو السابقالمبرز في كل خير... وأنت اللعين ابن اللعين. لم تزل أنت وأبوك تبغيانلدين الله الغوائل وتجتهدان على إطفاء نور الله. وتجمعان على ذلك الجموعوتبذلان فيه المال. وتحالفان في ذلك القبائل. على هذا مات أبوك. وعلى ذلك

(١) سورة آل عمران: الآية ٦٨.

(٢) ابن أبي الحديد ٥٩٩ / ٤.

(٣) ابن أبي الحديد ٦٠٧ / ٤.

٥٧

خلفته. والشاهد عليك بذلك من يأوي ويلجأ إليك من بقية الأحزاب ورؤوسالنفاق والشقاق لرسول الله صلى الله عليه وسلم. والشاهد لعلي مع فضلهوسابقته القديمة أنصاره الذين ذكرهم الله تعالى في القرآن. ففضلهم وأثنى عليهممن المهاجرين والأنصار. فهم معه كتائب وعصائب. يجالدون حوله بأسيافهمويهرقون دماءهم دونه. يرون الفضل في اتباعه والشقاق والعصيان في خلافه.

فكيف يا لك الويل تعدل نفسك بعلي. وهو وارث رسول الله صلى الله عليهوسلم ووصيه وأبو ولده، وأول الناس له اتباعا وآخرهم به عهدا بخبره بسرهويشركه في أمره. وأنت عدوه وابن عدوه. فتمتع ما استطعت بباطلك وليمددكابن العاص في غوايتك. فكأن أجلك قد انقضى وكيدك قد وهى. وسوف تستبينلمن تكون العاقبة العليا. واعلم أنك إنما تكابد ربك الذي قد أمنت كيده وأيستمن روحه وهو لك بالمرصاد. وأنت منه في غرور بالله. وبالله وأهل رسوله عنكالغناء. والسلام على من اتبع الهدى " (١).

لقد أراد محمد بن أبي بكر أن يذكر معاوية لعله يعقل الأمور. وإذا كانتلهجة الخطاب بها قوة فإن هذه القوة دعوة ليتخطى معاوية حواجز النفس الأمارةبالسوء. وينتصر على نفسه فيدخل فيما دخل فيه الناس. لتحقن دماء المسلمينويفوز برضا رب العالمين. فماذا كان جواب معاوية؟ لقد كتب إلى محمد بن أبيبكر: من معاوية بن أبي سفيان إلى الزاري على أبيه محمد بن أبي بكر. سلامعلى أهل طاعة الله. أما بعد. فقد أتاني كتابك تذكر فيه ما الله أهله في قدرتهوسلطانه. وما اصطفى به نبيه. مع كلام ألفته ووضعته. لرأيك فيه تضعيفولأبيك فيه تعنيف. ذكرت حق ابن أبي طالب وقديم سابقته وقرابته من نبي اللهونصرته له ومواساته إياه في كل خوف وهول. واحتجاجك علي وفخرك يفضلغيرك لا بفضلك.. فأحمد إلها صرف ذاك الفضل عنك. وجعله لغيرك. فقد كناوأبوك معنا في حياة نبينا نرى حق ابن أبي طالب لازما لنا وفضله مبرزا علينا،فلما اختار الله لنبيه ما عنده وأتم له ما وعده، وأظهر دعوته. وأفلج

(١) ابن أبي الحديد ٦٣٢ / ١.

٥٨

حجته (١). قبضه الله إليه فكان أبوك وفاروقه أول من ابتزه وخالفه. على ذلكاتفقا واتسقا. ثم دعواه إلى أنفسهما فأبطأ عنهما وتلكأ عليهما. فهما به الهجوموأرادا به العظيم - فبايعهما وسلم لهما. لا يشركانه في أمرهما. ولا يطلعانه علىسرهما حتى قبضا وانقضى أمرهما. ثم أقاما بعدهما ثالثهما عثمان بن عفان.

يهتدي بهديهما ويسير بسيرتهما. فعبته أنت وصاحبك حتى طمع فيه الأقاصي منأهل المعاصي. وبطنتما له وظهرتما وكشفتما له عداوتكما وغلكما حتى بلغتمامنه مناكما. فخذ حذرك يا ابن أبي بكر فستري وبال أمرك. وقس شبرك بفترككقصر عن أن تساوي أن توازي من يزن الجبال بحلمه. ولا تلين على قسر قناته.

ولا يدرك ذو مدى أناته. أبوك مهد له مهاده وبنى ملكه وشاده. فإن يكن ما نحنفيه صوابا فأبوك أولى. وإن يكن جورا فأبوك أسه ونحن شركاؤه. فبهديه أخذناوبفعله اقتدينا ورأينا أباك فعل ما فعل فاحتذينا مثاله واقتدينا بفعاله. فعتب أباكبما بدا لك. أو دع. والسلام على من أناب ورجع من غوايته وناب " (٢).

إن سياسة معاوية التي اعتمدها ليشكك بها في مناقب أمير المؤمنين علي.

لم تقف عند التشكيك والمتاجرة بحرب الجمل وإنما اندفعت نحو الخلافةلتسجل على أمير المؤمنين أي اعتراض يخدم القاسطين في بلوغ أهدافهم.

وعندما أدلى محمد بن أبي بكر بدلوه رغبة منه في الاصلاح. كانت رسالة معاويةالتهديدية إليه. فمعنى الرسالة: أنك إذا تكلمت مس جذورك ما تقول. وما تقولهلن يبطل دم عثمان وستهتف الجماهير بالقصاص تكلمت أو صمت، ولن تجدالجماهير بديلا عن اختيار المسلمين لأنفسهم.

ولكن محمد بن أبي بكر تكلم بدليل أن خطابه وخطاب معاوية إليه بينأيدينا في أكثر من مصدر. ولقد ظهرت في الساحة قبل وبعد صفين أحاديثوأسئله حائرة. جاءت نتيجة لسياسة معاوية الإعلامية في هذا الباب. وما كانلهذه الأسئلة أن تطرح في هذا الوقت العصيب الذي يبحث فيه الإمام عن وحدة

(١) أي قومها وأظهرها.

(٢) ابن أبي الحديد ٦٣٢ / ١.

٥٩

الأمة. لولا أن معاوية فتح لها الباب بغية أن تصب نتائجها المرجوة في سلته.

ولكن الرياح جاءت بما لا تشتهي السفن. صحيح أن هناك من هاجر إلى معاويةوكان الدافع إلى هجرتهم الحصول على الأموال. وليس الاقتناع بما يقول،ولكن الأهم أن أهل البصائر فارقوه بعد أن عرفوه. يقول أمير المؤمنين له فيرسالة أثناء تلك الحملة الإعلامية: وأرديت (١) جيلا من الناس كثيرا (٢).

خدعتهم بغيك (٣). وألقيتهم في موج بحرك تغشاهم الظلمات. وتتلاطم بهمالشبهات. فجاروا (٤). عن وجهتهم (٥). ونكصوا على أعقابهم. وتولوا علىأدبارهم. وعولوا على أحسابهم (٦). إلا من فاء من أهل البصائر. فإنهم فارقوكبعد معرفتك. وهربوا إلى الله من موازرتك. إذ حملتهم على الصعب. وعدلتبهم عن القصد، فاتق الله يا معاوية في نفسك. وجاذب الشيطان قيادك. فإنالدنيا منقطعة عنك. والآخرة قريبة منك " (٧).

٣ - الإعلام العلوي:

كان من نتائج التشكيك الأموي بروز أسئلة لا بد أن يجيب عليها الإماموحده وليس أحدا غيره. سأله بعض أصحابه: كيف دفعكم قومكم عن هذاالمقام وأنتم أحق به؟ فقال: أما الاستبداد (٨) علينا بهذا المقام. ونحن الأعلوننسبا والأشدون بالرسول صلى الله عليه وسلم نوطا (٩). فإنها كانت

(١) أرديتهم / أهلكتهم.

(٢) جيلا من الناس / أي صنفا من الناس.

(٣) الغي / الضلال.

(٤) وجاروا / أي عدلوا عن القصد.

(٥) ووجهتهم / يقال: هذا وجهه الرأي، أي هو الرأي بنفسه.

(٦) أي لم يعتمدوا على الدين وإنما أردتهم الحمية ونخوة الجاهلية فأخلدوا إليها وتركواالدين.

(٧) ابن أبي الحديد ٧٦٧ / ٤.

(٨) الاستبداد بالشئ / التفرد به.

(٩) النوط / الالتصاق.

٦٠