×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

معالم الفتن (ج 2) / الصفحات: ٦١ - ٨٠

أثرة (١) شحت (٢) عليها نفوس قوم. وسخت (٣) عنها نفوس آخرين. والحكمالله والمعود إليه يوم القيامة.

ودع عنك نهبا صيح في حجراته * ولكن حديثا ما حديث الرواحل

وهلم الخطب في ابن أبي سفيان. فلقد أضحكني الدهر بعد إبكائه (٤).

ولا غرر والله. فيا له خطبا يستفرغ العجب. ويكثر الأود (٥). حاول القوم إطفاءنور الله من مصباحه. وسد فواره من ينبوعه. وجد جوا بيني وبينهم شربا وبيئا.

فإن ترتفع عنا وعنهم محن البلوي، أحملهم من الحق. وإن تكن الأخرى " فلاتذهب نفسك عليهم حسرات إن الله عليهم بما يصنعون " (٦).

وقال الإمام ردا على ما يشاع في الساحة، وقد قال قائل: إنك على هذاالأمر يا ابن أبي طالب لحريص. فقلت: بل أنتم والله لأحرص وأبعد. وأناأخص وأقرب. وإنما طلبت حقا لي وأنتم تحولون بيني وبينه. وتضربون وجهيدونه. فلما قرعته بالحجة في الملأ الحاضرين. هب كأنه بهت لا يدري مايجيبني به. اللهم إني أستعديك (٧) على قريش ومن أعانهم. فإنهم قطعوارحمي (٨). وصغروا عظيم منزلتي (٩)، وأجمعوا على منازعتي أمرا هو لي. ثمقالوا: إلا إن في الحق أن تأخذه. وفي الحق أن تتركه " (١٠).

كان الإمام يجيب على أسئلة الحاضر بوقائع حدثت في الماضي فبين أنهم

(١) أي استئثار بالأمر واستبدادا به.

(٢) شحت / نحلت.

(٣) سخت / جادت.

(٤) يشير إلى ما كان عنده من الكآبة لتقدم من سلف عليه، ثم جاء معاوية نظيرا له.

(٥) الأود / العوج.

(٦) ابن بي الحديد ٣٠٣ / ٣.

(٧) أي أطلب أن تساعدني عليهم.

(٨) لم يرعوا قربه من النبي.

(٩) أي لم يقفوا مع النصوص الواردة فيه.

(١٠) ابن أبي الحديد ٣٥٠ / ٣.

٦١

لم يقتصروا على أخذ حقه ساكتين عن الدعوى. ولكنهم أخذوه وادعوا أن الحقلهم وأنه يجب عليه أن يترك المنازعة فيه. فيا ليتهم أخذوه معترفين بأنه حقه.

فكانت المصيبة به أخف وأهون (١).

ولقد ذكرنا في هذا الكتاب أن الساحة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلمكان بها العديد من التيارات التي تصد عن سبيل الله. وذكرنا أن الصحابةالكبار أرادوا أن يحيدوا هذه التيارات حتى لا تبطش بالدعوة فكان ما جرى فيالسقيفة. والإمام هنا لا يخص إنسانا بعينه نازعه الأمر. وإنما يذكر قريشا إذتحدث عن الذين قطعوا رحمه وصغروا منزلته وأجمعوا على منازعته. وهذا يؤيدما ذهبنا إليه في أن قريشا دبرت أمرا. وبعضي قريش هموا بعمل كان في رأيهمإنقاذا للدعوة. وبعد السقيفة اعتزل الإمام علي وكانت له مكانته بين القوم حتىكان يوم الشورى وفيه رفعت أعلام " إنك على هذا الأمر يا ابن أبي طالبلحريص ".

وبعد أن وضع الإعلام العلوي النقاط فوق الحروف في قضيةطرحها الإعلام الأموي الذي يبتغي التشكيك والمتاجرة بكل شئ.

طالب الإمام أتباعه إذا سألوا أن يسألوا تفقها فقال: سل تفقها. ولا تسأل تعنتا،فإن الجاهل المتعلم شبيه بالعالم. وإن العالم المتعنت شبيه بالجاهل " (٢).

وقال: " لا تجعلوا علمكم جهلا ويقينكم شكا. إذا علمتم فاعملوا. وإذاتيقنتم فأقدموا " (٣)، وقال: " اعقلوا الخبر إذا سمعتموه عقل رعاية.

لا عقل رواية. فإن رواة العلم كثير ورعاته قليل " (٤)، ثم طالب الإمامبكتابة العلم ليكون حجة على امتداد الزمان فقال: " الق دواتك. وأطلجلفة قلمك. وفرج بين السطور. وقرمط بين الحروف فأن ذلك أجدر بصباحة

(١) ابن أبي الحديد ٣٥١ / ٣.

(٢) ابن أبي الحديد ٦٢٠ / ٥.

(٣) ابن أبي الحديد ٥٧٩ / ٥.

(٤) ابن أبي الحديد ٣٧٤ / ٥.

٦٢

الخط " (١)، وقال، " العلم علمان. مطبوع ومسموع. ولا ينفع المسموع إذا لميكن المطبوع " (٢) وجبت الناس في العلم فقال: " كل وعاء يضيق بما جعل فيه:

إلا وعاء العلم فإنه يتسع " (٣)، وساق الناس إلى طريق الفكر فقيل له: صف لناالعاقل، فقال: هو الذي يضع الشئ في مواضعه فقيل: فصف لنا الجاهل،قال: قد فعلت (٤). وقيل له: ما هو الخير؟ فقال: ليس الخير أن يكثر مالكوولدك. ولكن الخير أن يكثر علمك. وأن يعظم حلمك " (٥).

لقد كان الإعلام العلوي يدق أوتاد العلم في كل مكان ويعمل على دوامالعلم ليكون حجه على كل زمان. قال الإمام حين سأله رجل أن يعرفه ماالإيمان قال له: إذا كان غدا فأتني حتى أخبرك على أسماع الناس، فإن نسيتمقالتي حفظها عليك غيرك فإن الكلام كالشاردة يثقفها هذا ويخطئها هذا " (٦).

وبينما كان الإعلام الأموي يدق أوتاد البدعة والفرقة كان الإعلام العلوييدق أوتاد السنة والجماعة. عن يحيى بن عبد الله بن الحسن عن أبيه، قال: كانعلي يخطب فقام إليه رجل فقال: يا أمير المؤمنين. أخبرني من أهل الجماعةومن أهل الفرقة. ومن أهل السنة ومن أهل البدعة؟ فقال: ويحك أما إذا سألتنيفافهم عني، ولا عليك أن تسأل عنها أحدا بعدي. فأما أهل الجماعة فأنا ومنتبعني وإن قلوا. ذلك الحق من أمر الله وأمر رسوله. فأما أهل الفرقة فالمخالفونلي ومن اتبعني وإن كثروا. وأما أهل السنة المتمسكون بما سنه الله لهم ورسولهوإن قلوا، وأما أهل البدعة. فالمخالفون لأمر الله ولكتابه ورسوله العاملونبرأيهم وأهوائهم وإن كثروا. وقد مضى الفوج الأول وبقيت أفواج. وعلى الله

(١) ابن أبي الحديد ٦١٤ / ٥.

(٢) المصدر السابق ٦٣١ / ٥.

(٣) المصدر السابق ٤٩٠ / ٥.

(٤) المصدر السابق ٥١٧ / ٥.

(٥) المصدر السابق ٣٧٢ / ٥.

(٦) المصدر السابق ٥٧٢ / ٥.

٦٣

قصهما واستئصالها عن حدبة الأرض " (١).

وقال له رجل: يا أمير المؤمنين أخبرنا عن الفتنة؟ فقال: قال لي رسولالله صلى الله عليه وسلم: " كيف صبرك إذا خضبت هذه من هذا. وأهويبيده إلى لحيتي ورأسي؟ فقلت: بأبي وأمي يا رسول الله ليس ذلك من مواطنالصبر ولكن من مواطن البشري والكشر. فقال لي: أجل. ثم قال لي: يا عليإنك باق بعدي ومبتلي بأمتي. ومخاصهم يوم القيامة بين يدي الله تعالى. فأعددجوابا فقلت: بأبي أنت وأمي. بين لي ما هذه الفتنة التي يبتلون بها، وعلى ماأجاهدهم بعدك؟ فقال: إنك ستقاتل بعدي الناكثة والقاسطة والمارقة. وجلاهموسماهم رجلا رجلا!!. ثم قال لي: وتجاهد أمتي على كل من خالف القرآنممن يعمل في الدين بالرأي. ولا رأي في الدين. إنما هو أمر من الرب ونهيهفقلت: يا رسول الله فأرشدني إلى الفلج عند الخصومة يوم القيامة، فقال:

نعم. إذا كان ذلك فاعتصر على الهدى. إذا قومك عطفوا الهدى على العمى.

وعطفوا القرآن على الرأي فتأولوه برأيهم. تتبع الحجج من القرآن بمشتبهاتالأشياء الكاذبة عند الطمأنينة إلى الدنيا والتهالك والتكاثر. فأعطف أنت الرأيعلى القرآن إذا قومك حرفوا الكلم عن مواضعه عند الأهواء الساهية والهرج الآثموالقادة الناكثة والفرقة القاسطة والأخرى المارقة. أهل الإفك المردى والهوىالمطغى والشبهة الحالقة. فلا تتكلن عن فضل العاقبة فإن العاقبةللمتقين... " (٢)، والحديث طويل ويشهد بصحته فضلا عن أنه حديثصحيح ما رواه حذيفة وعمار وأبو أيوب الأنصاري حين تحدث عن قتال عليللبغاة وسيأتي في موضعه.

ثم قال إمام المتقين. وقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: وإياكيا علي أن يكون خصمك أولى بالعدل والإحسان والتواضع لله والاقتداء بسنتيوالعمل بالقرآن منك. فإن من فلج الرب على العبد يوم القيامة، أن يخالف

(١) رواه وكيع (كنز العمال ١٨٣ / ١٦).

(٢) رواه وكيع في الغرر (كنز العمال ١٨٣ / ١٦.

٦٤

فرض الله أو سنة سنها نبي أو يعدل عن الحق ويعمل بالباطل. فعند ذلك يمليلهم فيزدادوا إثما قال تعالى: (إنما نملي لهم ليزدادوا إثما)، يا علي إن القومسيفتنون ويفتخرون بأحسابهم وأموالهم ويزكون أنفسهم، ويمنون دينهم علىربهم. ويتمنون رحمته ويأمنون عقابه. ويستحلون حرامه بالمشتبهات الكاذبة.

فيستحلون الخمر بالنبيذ والسحت بالهدية والربا بالبيع ويمنعون الزكاة ويطلبالبر. ويتخذون فيما بين ذلك أشياء من الفسق لا توصف صفتها. ويلي أمرهمالسفهاء ويكثر تتبعهم على الجور والخطأ، فيصير الحق عندهم باطلا والباطلحقا. ويتعاونون عليه ويرمونه بألسنتهم، ويعيبون العلماء ويتخذونهم سخريا.

قلت: يا رسول الله فبأية المنازل هم إذا فعلوا ذلك. بمنزلة فتنة أو بمنزلة ردة؟

قال: بمنزلة فتنة. ينقذهم الله بنا أهل البيت عند ظهورنا (١)... (يوجدبياض في المتن) ثم تحدث عن الفتن فبين أن الله فتح بأهل البيت وبهم يختموبهم يقصم كل جبار وكل منافق. ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم لعلي:

يا علي إنما مثل هذه الأمة كمثل الغيث لا يدري أوله خير أم أخره. وبين ذلكنهج أعوج لست منه وليس مني " (٢)، وهذا حديث رواه أيضا الإمام أحمدوالرامهرمزي.

وفي الفترة بين موقعة الجمل وبين صفين. كان الإعلام العلوي يسوقالناس إلى صراط الله العزير الحميد ولم يترك الإمام موقفا إلا وأقام عليه حجة.

ولم يترك باطلا إلا وضربه ليخرج الحق من جنبه. لقد كان الإمام يعرفالمنافقين. نظرا لأن النبي صلى الله عليه وسلم وضع عنده أصول الأحداثفي المستقبل. فوفقا لهذه الأصول ترى النفاق يشع بدون تدخل من أحد. لذاكان الإمام يسوق الناس إليه في عالم ترك بنو أمية بصماتهم على امتداد طريقهفكان يقول: " أنا يعسوب المؤمنين والمال يعسوب الفجار "، وقال: معنى ذلكأن المؤمنين يتبعوني. والفجار يتبعون المال. كما تتبع النحل يعسوبها. وهو

(١) المصدر السابق.

(٢) المصدر السابق.

٦٥

رئيسها (١)، وقال الإمام: لو ضربت خيشوم المؤمن بسيفي هذا على أن يبغضنيما أبغضني. ولو صببت الدنيا بجماتها على المنافق على أن يحبني ما أحبنيوذلك أنه قضى فانقضى على لسان النبي الأمي صلى الله عليه وسلم أنهقال: يا علي. لا يبغضك مؤمن ولا يحبك منافق (٢)، وفي وصف المنافقين يقولالإمام:

" أوصيكم عباد الله بتقوى الله. وأحذركم أهل النفاق. فإنهم الضالونالمضلون. والزالون المزلون. يتلونون ألوانا. ويفتنون افتنانا (٣). ويعمدونكمبكل عماد (٤). ويرصدونكم بكل مرصاد (٥). قلوبهم دوية (٦). وصفاحهمنقية (٧). يمشون الخفاء. ويدبون الضراء. وصفهم دواء. وقولهم شفاء وفعلهمالداء العياء (٨)، حسدة الرخاء (٩). وموكدو البلاء (١٠)، ومقنطوا الرجاء (١١). لهمبكل طريق صريع. وإلى كل قلب شفيع (١٢). ولكل شجو دموع (١٣). يتقارضونالثناء (١٤). ويتراقبون الجزاء (١٥). إن سألوا الحفوا (١٦). وإن عذلوا

(١) ابن أبي الحديد ٦١٤ / ٥.

(٢) ابن أبي الحديد ٣٢٤ / ٥ والحديث روى شطره الأخير مسلم والترمذي وغيرهم.

(٣) أي يتشعبون فنونا أي ضروبا.

(٤) يعمدونكم / يهدونكم ويفدحونكم. عماد / بأمر فادح.

(٥) أي يعدون المكايد لكم.

(٦) قلب دو / أي فاسد.

(٧) جمع صفحة الوجه.

(٨) أي أقوالهم أقوال الزاهدين وأفعالهم أفعال الفاسقين الفاجرين.

(٩) أي يحسدون كل النعم.

(١٠) أي إذا وقع واحد من الناس في البلاء أكدوه عليه بالسعايات وإغراء السلطان عليه.

(١١) أي يبدلون بشرورهم رجاء الراجي قنوطا.

(١٢) أي يستحوذوا على قلوب الناس بالرياء والتصنع.

(١٣) أي يبكون عند أهل كل حزن ومصاب.

(١٤) أي يثني زيد على عمرو، ليثني عمرو عليه في ذلك المجلس.

(١٥) أي يرتقب كل واحد منهم على ثنائه ومدحه لصاحبه جزاء منه إما بالمال أو بأمر آخر.

(١٦) الالحاف في السؤال: الاستقصاء فيه. وهو مذموم.

٦٦

كشفوا (١)، وإن حكموا أسرفوا (٢). قد أعدوا لكل حق باطلا (٣)، ولكل قائممائلا. ولكن حي قاتلا، ولكل باب مفتاحا (٤)، ولكل ليل مصباحا (٥).

يتوصلون إلى الطمع باليأس ليقيموا به أسواقهم (٦). وينفقوا به أعلاقهم (٧).

يقولون فيشبهون. ويصفون فيموهون. قد هونوا الطريق، وأضلعوا المضيق (٨).

فهم لمة الشيطان. وحمة النيران (٩)، (أولئك حزب الشيطان ألا أن حزبالشيطان هم الخاسرون) (١٠).

وبعد أن وصف أمير المؤمنين مربع النفاق وصفا جامعا شاملا سئل عنالإيمان فقال: الإيمان على أربع دعائم: على الصبر واليقين. والعدل والجهاد.

والصبر منها على أربع شعب: على الشوق، والشفق، والزهد، والترقب، فمناشتاق إلى الجنة سلا عن الشهوات، ومن أشفق من النار اجتنب المحرمات،ومن زهد في الدنيا استهان بالمصيبات. ومن ارتقب الموت سارع في الخيرات.

واليقين منها على أربع شعب: على تبصرة الفطنة، وتأول الحكمة، وموعظةالعبرة، وسنة الأولين، فمن تبصر في الفطنة، تبينت له الحكمة، ومن تبينت لهالحكمة، عرف العبرة، ومن عرف العبرة فكأنما كان في الأولين.

والعدل منها على أربع شعب: على غائض الفهم. وغور العلم. وزهرةالحكم، ورساخة الحلم، فمن فهم علم غور العلم. ومن علم غور العلم صدر.

(١) أي إذا عزلك أحدهم كشف عيوبك في ذلك اللوم والعذل. وربما كشفها لك بمختصرممن لا تحب ذكرها بحضرته.

(٢) إذا سأل أحدهم ففوضته في مالك أسرف ولم يقنع بشئ.

(٣) يقيمون الباطل في معارضة الحق.

(٤) أي ألسنتهم ذلقة قادرة على فتح المغلقات.

(٥) أي كل أمر مظلم فقد أعدوا له كلاما ينيره ويضيئه.

(٦) أي لتنفق سلعتهم.

(٧) الإعلاق / السلعة الثمينة.

(٨) أضلعوا الطريق / أي أمالوه.

(٩) ابن أبي الحديد ٤٨٢ / ٣.

(١٠) سورة المجادلة: الآية ١٩.

٦٧

عن شرائح الحلم. ومن حلم لم يفرط في أمره. وعاش في الناس حميدا،والجهاد منها على أربع شعب: على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر،والصدق في المواطن، وشنآن الفاسقين، فمن أمر بالمعروف شد ظهورالمؤمنين، ومن نهى عن المنكر أرغم أنوف المنافقين، ومن صدق في المواطنقضى ما عليه. ومن شنأ الفاسقين وغضب لله غضب الله له وأرضاه يوم القيامة.

والكفر على أربع دعائم: على التعمق، والتنازع، والزيغ، والشقاق، فمنتعمق لم ينب إلى الحق، ومن كثر نزاعه بالجهل دام عماه عن الحق.. ومن زاغساءت عنده الحسنة، وحسنت عنده السيئة. وسكر سكر الضلالة، ومن شاقوعرت عليه طرقه. وأعضل عليه أمره. وضاق عليه مخرجه.

والشك على أربع شعب: على التمادي، والهول، والتردد والاستسلام،فمن جعل المراء ديدنا لم يصبح ليلة، ومن هاله ما بين يديه نكص على عقبيه.

ومن تردد في الريب. وطئته سنابك الشيطان. ومن استسلم لهلكة الدنيا والآخرةهلك فيهما " (١).

وبعد أن تحدث الإمام عن النفاق والإيمان. تحدث عن الإسلام فقال:

" لأنسبن الإسلام نسبة لم ينسبها أحد قبلي. الإسلام هو التسليم، والتسليم هواليقين. واليقين هو التصديق، والتصديق هو الاقرار، والإقرار هو الأداء والأداءهو العمل " (٢)، وقال إمام المتقين: " غدا ترون أيامي ويكشف لكم عن سرائري.

وتعرفونني بعد خلو مكاني وقيام غيري مقامي " (٣)، وقال الإمام: إن أمرنا صعبمستصعب لا يحمله إلا عبد مؤمن امتحن الله قلبه للإيمان ولا يعي حديثنا إلاصدور أمينة، وأحلام رزينة، أيها الناس: سلوني قبل أن تفقدوني! (٤)، الله أكبر

(١) ابن أبي الحديد ٣٠٢ / ٥، ووكيع وابن عساكر وابن أبي الدنيا (كنز العمال ١٨٣ / ١٦،٢٠٦ / ٩٦).

(٢) ابن أبي الحديد ٤١٣ / ٥.

(٣) المصدر السابق ٢١٢ / ٣٠.

(٤) ابن أبي الحديد ١٣٥ / ٤، وروى ابن سعد " سلوني عن كتاب الله... "، الطبقات. ٣٣٨ / ٢.

٦٨

يا أمير المؤمنين!! إنه قول باب مدينة العلم الذي يجلس على ذروتها أحمدصلى الله عليه وسلم:. أيها الناس: سلوني قبل أن تفقدوني. فلأنا بطرقالسماء أعلم مني بطرق الأرض، قبل أن تشغر برجلها فتنة تطأ في خطامها.

وتذهب بأحلام قومها " (١).

يقول ابن أبي الحديد: أجمع الناس كلهم على أنه لم يقل أحد منالصحابة، ولا أحد من العلماء " سلوني " غير علي بن أبي طالب كرم الله وجههذكر ذلك ابن عبد البر المحدث في كتاب " الإستيعاب " والمراد بقوله: " فلأناأعلم بطرق السماء مني بطرق الأرض "، ما اختص به من العلم بمستقبل الأمور.

ولا سيما في الملاحم والدول. وقد صدق هذا القول عنه ما تواتر عنه منالأخبار بالغيوب المتكررة. لا مرة ولا مائة مرة. حتى زال الشك والريب في أنهإخبار عن علم. وأنه ليس عن طريق الاتفاق. وقد تأول قوم على وجه آخرقالوا: أراد أنا بالأحكام الشرعية والفتاوى الفقهية أعلم مني بالأمور الدنيوية،فعبر عن تلك بطرق السماء، لأنها أحكام إلهية، وعبر عن هذه بطرق الأرضلأنها من الأمور الأرضية (٢).

وقال ابن أبي الحديد فيقول الإمام: " إن أمرنا هذا صعب مستصعب، ولايحمله إلا عبد مؤمن امتحن الله قلبه بالإيمان "، قال: هذه الكلمة قد قالهاكرم الله وجهه مرارا. ووقفت في بعض الكتب على خطب من جملتها: إن قريشاطلبت السعادة فشقيت، وطلب النجاة فهلكت. وطلبت الهدى فضلت، ألميسمعوا ويحهم قوله تعالى: " والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهمذريتهم) (٣)، فأين المعدل المنزع عن ذرية الرسول، الذين شيد الله بنيانهم فوقبنيانهم. وأعلى رؤوسهم فوق رؤوسهم، واختارهم عليهم، ألا إن الذرية أفنان

(١) ابن أبي الحديد ١٣٥ / ٤.

(٢) ابن أبي الحديد ١٣٨ / ٤.

(٣) سورة الطور: الآية ٢١.

٦٩

أنا شجرتها. ودوحة أنا ساقها. وإني من أحمد بمنزلة الضوء من الضوء... إنأمرنا صعب مستصعب. لا يعرف كنهه إلا ثلاثة: ملك مقرب. أو نبي مرسل.

أو عبد امتحن الله قلبه للإيمان. فإذا انكشف لكم سر. أو وضح لكم أمرفاقبلوه. وإلا فاسكتوا تسلموا وردوا علمنا إلى الله. فإنكم في أوسع مما بينالسماء والأرض " (١).

ودائرة الملك المقرب أو النبي المرسل. هي دائرة الوحي حيث يوجد النبيصلى الله عليه وسلم ودائرة العبد الذي امتحن الله قلبه للإيمان هي دائرة أهلالبيت. والدائرة الأولى تعطي الثانية، حيث طهر على طهر ويقول ابن أبيالحديد: إعلم أن أمير المؤمنين كرم الله وجهه لو فخر بنفسه. وبالغ في تعديدمناقبه وفضائله بفصاحته التي آتاه الله تعالى إياها. واختصه بها، وساعده علىذلك فصحاء العرب كافة لم يبلغوا إلى معشار ما نطق به الرسول الصادقصلوات الله عليه في أمره. ولست أعني بذلك الأخبار العامة الشائعة التي يحتجبها الإمامية على إمامته كخبر الغدير والمنزلة وقصة براءة، وخبر المناجاة وقصةخيبر وخبر الدار بمكة في ابتداء الدعوة ونحو ذلك. بل الأخبار الخاصة التيرواها فيه أئمة الحديث التي لم يحصل أقل القليل منها لغيره " (٢).

ومما سبق علمنا أن أهل الشام رفضوا كل نصيحة وشككوا في كل حقيقة،واستغلوا كل حادثة وكل حركة فشقوا طورا فيها. على أمل أن يصلوا إلى غايتهمحيث كرسي الحكم. وعلمنا كيف واجه الإمام هذا الإعلام وهذه المخططات.

وكيف أمر بالعلم وتدوينه نظرا لما سيترتب فيما بعد على هذه الأحداث. وماترك الإمام دربا من الدروب إلا وأقام عليه الحجة وحدد الحركة فيه تحديدادقيقا. ومما سبق يمكن بوضوح معرفة أي دائرة من الدوائر هي التي تقاتل لتكونكلمة الله هي العليا. وأبن يوجد لواء الضلالة والأمراء الذين سيتمنون يوم القيامةأن ذوائبهم كانت معلقة بالثريا. يتذبذبون بين السماء والأرض ولم يكونوا عملوا.

(١) ابن أبي الحديد ١٣٨ / ٤.

(٢) ابن أبي الحديد ٢٤٩ / ٣.

٧٠

على شئ أو أنهم لم يولوا شيئا. كما ورد في أحاديث النبي صلى الله عليه وسلموهو يخبر بالغيب عن ربه جل وعلا.

٤ - الاصطفاف للقتال:

على أرض صفين رفعت رايتان لا ثالث لهما. راية النبي صلى الله عليه وسلمبمودة أهلها وأعلن أن حربهم حربه وسلمهم سلمة.. وبين أنهم يؤدون عنهوأنهم يدورون مع الكتاب ولن يفترقا حتى يردا على الحوض. وأخبر أن الأمةممتحنة بأصحاب هذه الراية ولذلك أوصي بهم في كل موضع من المواضعوقال: " أوصيكم الله في أهل بيتي ".

وراية حذر النبي صلى الله عليه وسلم من فتح الطريق لها. وحددأسماء وبين معالم للفتن. كيف يقف الصحابة عند الأبواب ويمنعوا الناس منالدخول فيها. لأن الدخول يعني فتح طريق آخر على امتداده ترفع رايات أكثر منسبعين فرقة ويرى على امتداده الأئمة المضلون وأمراء الجور الذين يقتتلون علىالملك ويحرصون على الإمارة. وفي نهاية المطاف عندما تنهدم الدنيا يتمنوا أنيخروا من الثريا ولم يلوا من أمر الناس شيئا. وأخبر النبي أن التكالب على الدنيايعني عدم الورود على الحوض لأن الكتاب لا يأمر الناس بالحرص على الإمارةواكتناز الذهب والفضة.

لقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: " ويل لبني أمية " ثلاث مرات (١)،ولقد وردت أحاديث صحيحة أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر أسماء قادةالفتن وحذر منهم. وكان حذيفة يقول: أنسي أصحابي أم تناسوا. والله ما تركرسول الله صلى الله عليه وسلم من قائد فتنة إلى أن تنقضي الدنيا... ألاوقد سماه لنا باسمه واسم أبيه واسم قبيلته " (٢)، وروي عن الإمام علي وعمار

(١) رواه ابن منده وأبو نعيم عن حمران بن جابر ورواه ابن قانع عن سالم الحضرمي (كنزالعمال ١٦٥ / ١١).

(٢) رواه أبو داود، وسبق تخريجه.

٧١
٧٢

وأكثر الأحاديث التي ذكر فيها أسماء بعض الناس أو القبائل كي تحذرهمالأمة. استغلها كعب الأحبار. وكان من المتخصصين في القص مستغلاأحاديث آخر الزمان والجنة والنار. فكعب على مساحة اللارواية. جاء بأحاديثمن دائرة التخدير ووضع عليها رداء التبشير، ولقد استفاد من هذا خط بني أميةمن بدايته إلى نهايته. ومن الثابت بل ومن المشهور أن كعبا كان من المنحرفينعن علي بن أبي طالب (١)، وكان أبو ذر يهاجمه في وجود عثمان إذا رآه يتدخلفي توزيع الخراج. وبلغت المأساة ذروتها. عندما ألقى كعب في نفس معاويةبأحاديثه المختلفة وقصصه الإسرائيلية. وأخبره بأنه الخليفة بعد عثمان.

وبعد هذا البيان لا يستغرب أن نسمع أمير المؤمنين علي يقول لأصحابهيوم صفين: انفروا إلى بقية الأحزاب، امضوا بنا إلى ما قاله الله ورسوله. إنانقول صدق الله ورسوله. ويقولون: كذب الله ورسوله " (٢)، وليس معنى أنهميقولون هذا. أنهم يسيرون بين الناس ويرددونها. وإنما المعنى: أن لهم تأويلاخاصا في مال الله. ودين الله وعباد الله. ولهم موقفهم الخاص من رسول اللهوالذي يعلمه الله. وبينه رسوله عندما وضعهم ضمن الذين يبغضونه. ولايستغرب أيضا أن نسمع الإمام يقول بعد أن رفع معسكر معاوية المصاحف ليعبرعن أهدافه من تحتها " إن معاوية وابن العاص وابن أبي معيط وحبيب بن سلمةوابن أبي السرح والضحاك، ليسوا بأصحاب دين ولا قرآن، أنا أعرف بهممنكم " (٣)، وقوله أيضا في معاوية وأبيه " طليق بن طليق، حزب من الأحزاب.

لم يزل حربا لله ورسوله هو وأبوه. حتى دخلا في الإسلام كارهين " (٤)، وقوله:

" والذي فلق الحبة وبرأ النسمة ما أسلموا. ولكن استسلموا، وأسروا الكفر. فلماوجدوا عليه أعوانا. رجعوا إلى عداوتهم لنا. إلا أنهم لم يتركوا

(١) قال ابن أبي الحديد: روى جماعة من أهل السير أن عليا كان يقول عن كعب الأحبار:

إنه لكذاب. وقال: وكان كعب منحرفا عن علي (ابن أبي الحديد ٧٩٢ / ١).

(٢) رواه البزار بإسناده (الزوائد ٢٣٩ / ٧).

(٣) الطبري ٢٧ / ٦، الكامل ١٦١ / ٣، مروج الذهب ٤٣٣ / ٢، البداية والنهاية ٢٩٨ / ٧.

(٤) الكامل ١٤٨ / ٣.

٧٣

الصلاة " (١)، ولا يستغرب أن نرى عمار بن ياسر الذي ورد فيه أنه يدعو إلىالجنة وخصومه يدعون إلى النار - إلى غير ذلك من الأحاديث التي ذكرناها -يقول يوم صفين وهو يشير إلى راية معاوية: قاتلت صاحب هذه الراية ثلاثا معرسول الله صلى الله عليه وسلم. وهذه الرابعة " (٢)، وروي أن رجلا سألعمارا: يا أبا اليقظان، ألم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم: قاتلواالناس حتى يسلموا. فإذا أسلموا عصموا مني دماءهم وأموالهم؟ قال: بلى،ولكن والله ما أسلموا ولكن استسلموا وأسروا الكفر حتى وجدوا عليهأعوانا " (٣)، ولا يستغرب أن نسمع ابن مسعود وهو يحدث بحديث فيه اسم منالأسماء التي حذر النبي صلى الله عليه وسلم منها، قال عبد الله: قال رسولالله صلى الله عليه وسلم: إذا رأيتم معاوية بن أبي سفيان يخطب على منبريفاضربوا عنقه "، وكان الحسن يقول: فوالله ما فعلوا ولا أفلحوا " (٤)، وليسمعنى قتله لأنه دخل المسجد، وإنما لأنه يخطب. لأن الخطبة لا بد أن تحملفكره وثقافته في معنى مال الله ودين الله وعباد الله، وخطورة هذه الثقافة تبلغمداها إذا كان معاوية ورجاله هم حراس الأمة، لهذا وجدنا الحسن بن علي بعدوفاة أمير المؤمنين. يقيم الحجة على الناس في كل ميدان. فلقد تجهز لقتالمعاوية ولكنه خذل، ثم حث الناس على الصمود ولكنهم قالوا: البقية البقية!!

وطلبوا الصلح. ثم اشترط الحسن شروطا. ولكن معاوية لم يف بها لسبب بسيطهو أن الأمة كانت تغط في نوم عميق. والحجة لا يأتي إلى الناس وإنما الناسهم الذين يأتون إليه لأن قانون الاختيار يدور على قوله تعالى: (ثم جعلناكمخلائف في الأرض من بعدهم لننظر كيف تعملون " (٥).

(١) ابن أبي الحديد ٧٦٠ / ١.

(٢) رواه الطبراني وقال الهيثمي رجاله ثقات (الزوائد ٢٤٣ / ٧) وابن سعد (الطبقات٢٥٧ / ٣) والطبري ٢١ / ٦.

(٣) ابن أبي الحديد ٧٦٠ / ١.

(٤) المصدر السابق ٧٦٠ / ١.

(٥) سورة يونس: الآية ١٤.

٧٤

فالرايات يوم صفين، كان فيها من الله برهان. فالذي يقاتل لتكون كلمة اللههي العليا معروف. وقتال بني أمية من أجل الملك مشهور. وهذا القتال له بذورغرست في الفتن. وروى أنه قد قيل لسفينة: إن بني أمية يزعمون أن الخلافةفيهم. فقال: كذبوا بنو الزرقاء (١)، بل هم ملوك من شر الملوك " (٢)، وبنو أميةما زعموا هذا إلا على أساس. فلقد سمعوا الأحاديث التي تخبر بأنهم سيصلونإلى الملك (٣). ولأن هذه الأحاديث أحاديث تحذيرية. رفعوها من دائرة التحذيرإلى دائرة التبشير. وقاتلوا على ذلك. ساروا وسط الأمة يتعوذون من الفتنة وهمفي الفتنة سقطوا لأنهم الذين حفروا حفرتها. وسنرى فيما بعد ماذا صنعوا كيبخبرهم أمير المؤمنين بخبرهم في المستقبل. وسنرى أن حركتهم خلال أحداثصفين ما تركت بابا يساعد على تأصيل هذا الشذوذ إلا فتحوه ليخلطوا الأمورعلى الناس فيما بعد. فالذي يبحث في الخلافة يجدهم. والذي يبحث في الملكيجدهم، وحسبنا الله ونعم الوكيل.

وإذا كنا قد تحدثنا عن الرايات على أرض الاصطفاف. فلنتحدث عنبعض الرجال الذين تحت هذه الرايات. أما معسكر أمير المؤمنين. روى أنه كانفي جيش علي ثمانون بدريا ومائة وخمسون ممن بايع تحت الشجرة (٤)، وكانجميع من شهد معه من الصحابة ألفين وثمانمائة (٥) على رأس هؤلاء: عمار بنياسر. الذي بشره النبي صلى الله عليه وسلم بأن الفئة الباغية تقتله وقال فيهرسول الله صلى الله عليه وسلم: " من عادي عمارا عاداه الله ومن أبغض

(١) الزرقاء امرأة من أمهات بني أمية، رواه ابن حبان (تحفة الأحواذي ٤٧٩ / ٦).

(٢) رواه الترمذي وصححه وقال رواه غير واحد (الجامع ٥٠٣ / ٤) وأبو داوود حديث٤٦٤٦.

(٣) الحديث تحدث به أبو ذر في وجود عثمان وكعب الأحبار، ومعاوية كانت يقرب مروانمنه لمعرفته أن في صلبه ملوكا. والإمام علي أخبر مروان بالأحاديث التحذيرية بعدالجمل.

(٤) الحاكم (المستدرك ١٠٤ / ٣) البداية ٢٥٥ / ٧.

(٥) مروج الذهب ٣٦١ / ٢.

٧٥

عمارا أبغضه الله " (١)، وقال: " ويح عمار تقتله الفئة الباغية، يدعوهم إلى الجنة،ويدعونه إلى النار " (٢)، وتحت راية علي نجد أيضا أويس بن عامر القرني. الذيلم ير النبي صلى الله عليه وسلم. وأخبر النبي أن أويسا خير التابعين - وظهرأويس في عهد عمر بن الخطاب واستغفر لعمر. وعندما طلب عمر أن يكونأويس بجانبه. فضل أويس أن يذهب إلى الكوفة. وعندما ود عمر أن يكتبللأمراء بشأنه. قال أويس إنه يفضل أن يعيش في غبراء من الناس. وعاش أويسزاهدا حتى جاء عهد علي فخرج مقاتلا يضرب بالسيف ويصيح: يا خيل اللهاركبي! وهناك الكثير تحت راية الأمير كرم الله وجهه.

أما راية بني أمية، فتحتها التجار بجميع عناوينهم، روي أن معاوية بعثرجلا إلى أمير المؤمنين وقال له: أبلغ عليا أني أقاتله بمائة ألف. ما فيهم منيفرق بين الناقة والجمل. وقد بلغ من أمرهم في طاعته لهم. أنه صلى بهم عندسيرهم إلى صفين الجمعة يوم الأربعاء، وأعاروه رؤوسهم عند القتال وحملوهبها (٣). إنهم العامة والغوغاء، الذين يمهدون الطريق لكل فتنة. أما قادة الألويةالذين قاتلوا بجلد وقوة. فعلى رأسهم: أبو الأعور السلمي، وورد أن رسول اللهصلى الله عليه وسلم لعنه. وبسر بن أرطاة الذي فعل الأفاعيل في مكةوالمدينة واليمن. وأخباره مشهورة، ومنهم أيضا عبيد الله بن عمر بن الخطاب،وعبد الرحمن بن خالد بن الوليد. وحبيب بن مسلمة الفهري، وعندما قطعواالماء كان على الميسرة عبد الله بن عمرو بن العاص. وحابس بن سعيد.

والضحاك بن قيس. وغير هؤلاء كثير (٤). وروي عن ابن إسحاق أنه قال:

اجتمع عند معاوية في ليلة من ليالي صفين عمرو بن العاص. وعتبة بن أبيسفيان. والوليد بن عقبة ومروان بن الحكم وعبد الله بن عامر وابن طلحةالطلحات الخزاعي، فقال عتبة: إن أمرنا وأمر علي بن أبي طالب لعجيب. ما

(١) رواه أحمد والطبراني ورجاله رجال الصحيح (الفتح ٣٢٩ / ٢٢) (الزوائد ٢٩٣ / ٩).

(٢) رواه أحمد (الفتح ١٤٢ / ٢٣) والبخاري (كنز العمال ٧٢٢ / ١١).

(٣) مروج الذهب ٤١ / ٣.

(٤) ابن أبي الحديد ٦٤٩ / ١. والطبري أحداث سنة ٣٦.

٧٦

فينا إلا موتور محتاج. أما أنا فقتل جدي عتبة بن ربيعة. وأخي حنظلة، وشركفي دم عمي شيبة يوم بدر، وأما أنت يا وليد، فقتل أباك صبرا، وأما أنت يا ابنعامر. فصرع أباك وسلب عمك، وأما أنت يا ابن طلحة، فقتل أباك يوم الجملوأيتم إخوتك، وأما أنت يا مروان فكما قال الشاعر:

وأفلتهن عليا جريصا * ولو أدركنه صفر الوطاب (١)

فقال معاوية: هذا الاقرار فأين الغير؟ قال مروان: وأي غير تريد؟ قال:

أريد أن تشجروه بالرماح، قال: والله يا معاوية ما أراك إلا هاذيا أو هازئا. وماأرانا إلا ثقلنا عليك، فقال ابن عقبة:

يقول لنا معاوية بن حرب * أما فيكم لواتركم طلوب
يشد على أبي حسن علي * بأسمر لا تهجنه الكعوب

إلى أن قال:

فقلت له: ألكعب يا بن هند * كأنك بيننا رجل غريب
أتغرينا بحية بطن واد * إذا نهشت فليس لها طبيب (٢)

فهم يخافون لأنهم لا يستندون إلى حقيقة. وإنما إلى فتنة شقوا فيهاطريقهم. ولأنهم خائفون كان لا بد لهم من جدر تحميهم وتحمي تاريخهم.

ومن أجل إقامة هذه الجدر بعثروا المال على العقول والنفوس. وما تركوا خدعةإلا فعلوها ولا مصحفا إلا رفعوه. وهذا الأسلوب لا يقدم عليه أمير المؤمنين.

أولا: لأنه حجة ويعلم أنه مقتول. وثانيا: لأن الغادر يرفع له لواء يوم القيامة.

ويظهر غدره على رؤوس الأشهاد.

٥ - القتال:

قبل أن يتوجه معاوية إلى صفين، كان قد صالح ملك الروم على مال

(١) لامرئ القيس، علياء / قاتل والد امرئ القيس، الجريص / الذي يؤخذ بريقه، صفرالوطاب / كناية عن القتل.

(٢) ابن أبي الحديد ٤٧٨ / ٢.

٧٧

يحمله إليه لشغله بعلي (١). والذي أشار عليه بالتقريب إلى الروم لتفرغ لعلي هوعمرو بن العاص (٢)، وعندما توجه إلى صفين حاول السيطرة على مصادرالمياه، ولكن خطته باءت بالفشل أمام قوات أمير المؤمنين عليه السلام. وعندمااصطف الفريقان قبل القتال يقول ابن عباس: عقم النساء أن يأتين بمثل أميرالمؤمنين علي بن أبي طالب، والله ما رأيت ولا سمعت رئيسا يوزن به. رأيت فيهذا اليوم عليا وعليه عمامة بيضاء وكأن عينيه سراجا سليطا (٣)، وهو يقف علىطوائف الناس في مراتبهم يحثهم ويحرضهم، حتى انتهى إلي وأنا في كثيف (٤)من الناس. فقال: يا معشر المسلمين، عموا الأصوات، وأكملوا اللامة (٥)،واستشعروا الخشية، وافلقوا السيوف في الأجفان قبل السل، والحظواالشزر (٦)، واطعنوا الهبر (٧)، ونافحوا (٨) بالظبأ (٩)، وصلوا السيوفبالخطا (١٠)، والنبال بالرماح، وطيبوا عن أنفسكم، فإنكم بعين الله، ومعابن عمر رسول الله، عاودوا الكر، واستقبحوا الفر، فإنه عار في الأعقاب، وناريوم الحساب، ودونكم هذا السواد الأعظم، والرواق (١١) المطنب (١٢)، فاضربوانهجه، فإن الشيطان راكب صعيده، مفترض ذراعيه، قد قدم للوثبة يدا وأخر

(١) مروج الذهب ٤١٨ / ٢.

(٢) الطبري ١٨٦ / ٦.

(٣) السراج السليط / المتقد بالزيت الجيد.

(٤) كثيف / أي حشد وجماعة.

(٥) اللامة / الدرع.

(٦) الشزر / النر بمؤخرة العين.

(٧) الهبر / اللحم الكثير.

(٨) نافخوا / دافعوا.

(٩) الظبأ / حد السيف.

(١٠) الخطا / الرمي بالسهام.

(١١) الرواق / ما بين يدي البيت.

(١٢) المطنب / المشدود.

٧٨

للنكوص (١) رجلا، فصبر جميل حتى تنجلي عن وجه الحق، وأنتم الأعلون واللهمعكم ولن يتركم أعمالكم، وتقدم أمير المؤمنين على بغلة رسول الله صلى اللهعليه وسلم الشهباء " (٢).

ومن آراء أمير المؤمنين قبل القتال روي أنه قال: لا تقتلوا القوم حتىيبدؤكم. فأنتم بحمد الله عز وجل على حجة، وترككم إياهم حتى يبدؤكم حجةأخرى لكم. فإذا قاتلتموهم فهزمتموهم، فلا تقتلوا مدبرا، ولا تجهزوا علىجريج، ولا تكشفوا عورة، ولا تمثلوا بقتيل. فإذا وصلتم إلى رحال القوم، فلاتهتكوا سترا، ولا تدخلوا دارا إلا بإذن، ولا تأخذوا من أموالهم إلى ما وجدتمفي عسكرهم، ولا تهجوا امرأة بأذى - وإن شتمن أعراضكم وسبين أمراءكموصلحاءكم فإنهم ضعاف القوى والأنفس (٣).

وبعد هذه التعليمات الرفيعة المستوي، نادي أمير المؤمنين: يا كهيعص (٤)اللهم إليك رفعت الأبصار وبسطت الأيدي، ونقلت الأقدام، ودعت الألسن،وأفضت القلوب، وتحوكم إليك في الأعمال، فاحكم بيننا وبينهم بالحق، وأنتخير الفاتحين. اللهم إنا نشكو إليك غيبة نبينا، وقلة عددنا، وكثرة عدونا،وتشتت أهوائنا، وشدة الزمان، وظهور الفتن، فأعنا على ذلك بفتح منك تعجله،ونصر به سلطان الحق وتظهره (٥).

وبعد أن فرغ أمير المؤمنين، روي عن الحارث أنه قال: رأيت بعيرا منأهل الشاء جاء وعليه راكبه وثقله (٦) فألقى ما عليه، وجعل يتخلل الصفوف إلىعلي بن أبي طالب. فجعل شفره فيما بين رأس علي ومنكبه، وجعل يحركها

(١) النكوص / الفرار والهرب.

(٢) مروج الذهب ٤٢٠ / ٢، ابن عساكر (كنز العمال ٣٤٧ / ١١).

(٣) الطبري ٦ / ٦، ابن أبي الحديد ٧٥٧ / ١.

(٤) ابن أبي الحديد ٢٠٩ / ٢.

(٥) ابن أبي الحديد ٢٠٩ / ٢.

(٦) ثقله / حملة.

٧٩

بجرانه، فقال أمير المؤمنين: والله إنها للعلامة بيني وبين رسول الله صلى اللهعليه وسلم (١). وروي كان درع علي بن أبي طالب لا ظهر لها. فقيل له فيذلك، فقال: إذا استمكن عدوي من ظهري فلا يبقى (٢). وروي إنه كان بعدالمعركة وفي نهاية كل يوم كان يظهر في إزار ورداء. فقيل له: أتقتل أهل الشامبالغداة وتظهر بالعشي في إزار ورداء؟! فقال: أبا لموت تخوفوني؟! فوالله ماأبالي أسقطت على الموت أم سقط علي (٣).

ولم يكن هدف الإمام القتل، وإنما إقامة الحجة، وفتح طريق الهداية أمامالذين وقعوا تحت تأثير الإعلام الأموي، وكان هذا الإعلام قد بث في الناس أنعليا لا يصلى وأنه قتل عثمان، وإذا وقع في يده أسير فإن عليا يقتله صبرا. ومنمعالم إقامة الحجة أثناء المعركة على الذين سقطوا ضحية للإعلام الأموي. رويأن عليا أتي بأسير يوم صفين، فقال له الأسير: لا تقتلني صبرا، فقال الإمام: لاأقتلك صبرا إني أخاف الله رب العاملين، وخلى سبيله، ثم قال له: أفيك خيريتابع (٤).

وروي أن شابا من معسكر معاوية أنشد:

أنا ابن أرباب الملوك غسان * والدائن اليوم بدين عثمان
نبأنا قراؤنا بما كان * أن عليا قتل ابن عفان

وظل الشاب يشتم ويلعن، فلقيه هاشم بن عتبة وكان من أصحاب عليفقال له: يا هذا إن الموقف وما أردت به. قال: فإني أقاتلكم لأن صاحبكم لايصلي كما ذكر لي، وأنتم لا تصلون أيضا. وأقاتلكم لأن صاحبكم قتل خليفتناوأنتم ساعدتموه على قتله، فقال له هاشم: وما أنت وابن عفان، إنما قتلهأصحاب محمد وأبناء الصحابة وقراء الناس، حين أحدث الأحداث وخالف حكم

(١) رواه أبو نعيم وابن عساكر (كنز العمال ٣٥٠ / ١١)، (الخصائص الكبرى ٢٣٤ / ٢).

(٢) العقد الفريد ٢٠٩ / ١.

(٣) العقد الفريد ١١٩ / ١. وابن كثير بلفظ آخر (البداية ٢٦٥ / ٧.

(٤) رواه الشافعي والبيهقي (كنز العمال ٣٤٨ / ١٠).

٨٠