×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

معراج الهداية / الصفحات: ١٨١ - ٢٠٠

رفع القوم المصاحف في صفين قال الإمام(عليه السلام): "أنا كتاب الله الناطق"(١)، والإمام ولد في الكعبة، وأبونا إبراهيم بعد أن بنى الكعبة دعا ربه أن تكون الإمامة في ذريته، الأمور مقدرة من الله تعالى وليست مصادفة.

وقد أمر الله تعالى أن يتجهوا إلى الكعبة ويصلوا، وحين يقول المصلّي الله أكبر ويتوجه إلى الكعبة يتذكر أن إمامه ولد فيها، وأنّ الصلاة بلا إمام لا تساوي شيئاً، "ومن مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية".

كما أنّ الإمام عليّ(عليه السلام) حين تلقى ضربة ابن ملجم قال: "فزت وربّ الكعبة"(٢) أي أنه استعمل هذا التعبير (ورب الكعبة) دون غيره!..

وحين آخى الرسول(صلى الله عليه وآله) بين المهاجرين والأنصار... كان من المتوقع أن يؤاخي أحد كبار الأنصار أو زعيمهم الذي كان سيتوج ملكاً قبيل وصوله(عليه السلام)، أو في أحد الاحتمالات أن يؤاخي أكبر الأنصار سناً لكنه آخى الإمام عليّ(عليه السلام) تاركاً كل هذه التوقعات، ورغم أن ذلك فيه إحراج شخصي له أمام المنافقين والمشركين ومن لم يدخل الإيمان في قلوبهم تماماً لكنه(صلى الله عليه وآله) (ما ينطق عن الهوى * إن هو إلاّ وحي يوحى)(٣).

١ـ أنظر وسائل الشيعة: ٢٧/٣٤ (٣٣١٤٧).

٢ـ أنظر مناقب آل أبي طالب: ١/٣٨٥.

٣ـ النجم: ٣، ٤.

١٨١
كل هذه الأمور وغيرها كثير خصوصيات لا يشترك فيها مع عليّ(عليه السلام) إنسان آخر، كائناً ما كان، فلندرس نظرة هذه الشخصية الفريدة الخالدة إلى بعض أمور الحياة، ولنأخذ موضوع العلم والتعلم وموضوع الحكم وهما موضوعان متداخلان.

إن المعلم الحق، المعلم بالمطلق هو الله جلّ وعلا الذي (علم آدم الأسماء كلّها)(١)، والله تعالى خلق الإنسان وعلمه البيان، كما أنه علم بالقلم الذي كان ولا يزال الوسيلة الأولى في التعلم والتدوين، كما أنّه عزّوجلّ قد أقسم بالقلم وما يسطرون، أي بكل وسائل الكتابة سواء بالقلم أو بغيره، كالحاسوب حالياً وربما وسائل أخرى في المستقبل، وكل خلق الله تعالى قد تعلم منه كما ويتعلم الخلق بعضهم من بعض، فالنبيّ موسى(عليه السلام)، تعلم من العبد الصالح الذي آتاه الله من لدنه علماً، ثم أصبح الأنبياء معلمين لغيرهم، وعلى الناس أن يتعلموا منهم (ما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا)(٢).

وكذلك على الناس أن يتبعوا من يهديهم إلى الحق ويتعلموا منهم (أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلاّ أن يهدى فما لكم كيف تحكمون)(٣)، وقد مرّ معنا تفصيل ذلك، وقد أولى الإمام عليّ(عليه السلام) مسألة العلم والتعلم أهمية كبيرة فسخر لها قسماً من

١ـ البقرة: ٣١.

٢ـ الحشر: ٧.

٣ـ يونس: ٣٥.

١٨٢
علمه وأحاديثه.

يقول الإمام عليّ(عليه السلام): "أشرف الأشياء العلم، والله تعالى عالم يحبّ كل عالم"(١)، ويقول أيضاً: "ليس الخير أن يكثر مالك وولدك، لكن الخير أن يكثر علمك"(٢)، ويقول: "العالم حي وإن كان ميتاً، والجاهل ميت وإن كان حيّاً"(٣)، ويقول: "كل وعاء يضيق بما يجعل فيه إلاّ وعاء العلم، فإنّه يتسع"(٤).

ثم انظر أخي القارئ الكريم في هذا القول الشهير الذي قاله عليّ(عليه السلام) وذهب مثلا إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها: "قيمة كلّ امرئ ما يحسنه"(٥)، أليس فيه أقصى تشجيع للتعلم؟ كما أنه وقبل كل الناس شجع على أن نختار من العلم أحسنه وأنفعه، حين قال: "العلم أكثر من أن يحاط به (يحصى) فخذوا من كل شيء أحسنه"(٦)كما أن الإمام(عليه السلام) كان أول من أشار إلى جدلية العلم والتعلّم بقوله: "ما أخذ الله على أهل الجهل أن يتعلموا حتى أخذ على أهل العلم أن يعلموا"(٧)، وبقوله: "إن الجاهل المتعلم شبيه بالعالم"(٨).

ولا غرو في ذلك فالعلم والتعلم يحتاجان إلى متلق يحمل شخصية مقابلة للأخذ ومن ثم للعطاء... الماء هو نفسه الذي ينزل من

١ـ أنظر: شرح نهج البلاغة، الحكم المنسوبة إليه: ٢٠/٢٨٨ (٢٩٨).

٢ـ نهج البلاغة: قصار الحكم ٨٩.

٣ـ غرر الحكم: ١٤٨١ (١١٢٤، ١١٢٥).

٤ـ نهج البلاغة: قصار الحكم ١٩٥.

٥ـ نهج البلاغة: قصار الحكم ٧٦.

٦ـ غرر الحكم: ١٨١٩.

٧ـ نهج البلاغة: قصار الحكم ٤٦٨.

٨ـ نهج البلاغة: قصار الحكم ٣١١.

١٨٣
السماء، لكن المتلقي أي الأرض تختلف بين مكان وآخر، كما أن الماء الزلال نفسه يتحول في بطون الأفاعي إلى سم زعاف، وكذلك شخصية كل من المتعلم والعالم تختلف من فرد إلى آخر، لذلك فإن الإمام عليّ(عليه السلام) يركز أساساً على تربية الإنسان ويسعى أن يرشده سواء السبيل.

فإذا صعد عليّ(عليه السلام) المنبر تمنى أن يسمع منه الناس جميعاً، وأن يأخذوا منه ما ينفعهم في دينهم ودنياهم، أو بتعبيره(عليه السلام): أتمنى أن يعشوا إلى ضوئي، فهو كالشمس تعطي دفئها ونورها للجميع دون تمييز، ومع ذلك فإن الإمام يركز في الوقت نفسه على عدد من الناس ليطور وعيهم ويزكي ايمانهم ليجعل منهم نموذجاً متميزاً وقدرة حسنة.

ويركز الإمام أيضاً على الفروق الفردية لشخصيات الناس، فيقول: "إن هذه القلوب أوعية، فخيرها أوعاها"(١)، ثم يتناول في قضية العلم والتعلم موضوع المسؤولية فيقول في نصب نفسه للناس إماماً: "من نصب نفسه للناس إماماً فعليه أن يبدأ بتعليم نفسه قبل تعليم غيره، وليكن تأديبه بسيرته قبل تأديبه بلسانه، ومعلم نفسه ومؤدّبها أحق بالإجلال من معلم الناس ومؤدبهم"(٢).

وهذا تأكيد على ضرورة التعلم والفهم والاستيعاب وضرورة

١ـ نهج البلاغة: قصار الحكم ١٣٩.

٢ـ نهج البلاغة: قصار الحكم ٦٨.

١٨٤
تعميق فهم أية مسألة من المسائل، وإن مسألة الدراية تعني أن الناس بحاجة إلى معلمين يوضّحون لهم المسائل وإلى مرشدين يهدونهم سواء السبيل، والمرشد كما مرّ يلزم أن يكون مستقيماً يهدي غيره ولا يحتاج لمن يهديه، ولا يحتاج إلاّ إلى الله الذي يستمد منه النور والهدى، وحيث أن الرجوع إلى معلم في كل علم أمر مسلم عند كل عاقل، وسينتهي الحال إلى معلم يستلهم من الله تعالى ويعطي الآخرين، وهنا نصل إلى النبيّ أو إلى الإمام.

موضوع الحكم

إنّ قضية الرئاسة والحكومة دليلها العقلي قوي وتدعمها التجربة البشرية، إذ ثبت بالاستقراء أنّ المجتمعات انتهت دائماً إلى رئيس، ونحن نقول: إن الجدير بالرئاسة والإمامة والقيادة هو النبيّ أو الإمام، لأنّه أكمل الأفراد، لأنّه اختيار الله تعالى، وقد اهتم الإمام عليّ(عليه السلام)بهذا الموضوع اهتماماً بالغاً وقد اقتبسنا من كلامه في هذا المجال ما يلي:

"شر الناس عند الله إمام جائر ضل وضل به"(١) و"عدل السلطان خير من خصب الزمان"(٢) و"البغي آخر مدة الملوك"(٣) و"يد الله فوق

١ـ نهج البلاغة: الخطبة ١٦٤.

٢ـ مطالب السؤول: ٥٦، نظم درر السمطين: ١٦٠.

٣ـ شرح نهج البلاغة: الحكم المنسوبة إليه: ٢٠/٣٣٤ (٨٣١).

١٨٥
رأس الحاكم ترفرف بالرحمة فإذا حاف [أي ظلم] وكّله الله إلى نفسه"(١) و"إذا كان الراعي ذئباً فالشاة من يحفظها"(٢).

هذه الأقوال وغيرها يركز(عليه السلام) فيها على ضرورة أن يكون الإمام عادلا وأن لا يكون ظالماً.

أمّا عن بطانة الحاكم، وأنّ عليه أن يختار هيئة استشارية صالحة وبطانة ناصحة قد قال الإمام عليّ(عليه السلام) قولا لا أبلغ ولا أروع منه: "من فسدت بطانته كان كمن غص بالماء، فإنه لو غص بغيره لأساغ الماء غصته"(٣).

أمّا عن خطورة منصب الحاكم، وأنّه مما لا يحسد عليه لعظم المسؤولية، فقد قال الإمام علي(عليه السلام): "صاحب السلطان كراكب الأسد: يُغبط بموقعه، وهو أعلم بموضعه"(٤).

والحكومة كلمة مشتقة من الحكمة، الحكمة معناها العقل المليء بالعلم والعمل، فالإنسان الذي يتمتع بعقل سليم راجح وعلم وافر ولا يعمل بهما فلا يقال له حكيم، فالحاكم عليه أن يكون عالماً وأن يعمل بما علمه الله تعالى، وأن الأقوال التي ذكرناها عن الإمام عليّ(عليه السلام) في شروط الحاكم الصالح، تعني من جملة ما تعنيه أنه لا يصلح لها إلاّ إمام عادل، وذلك حتى يدوم الحكم وتتعزز هيبته

١ـ الكافي للكليني: ٧/٤١٠.

٢ـ شرح نهج البلاغة، الحكم المنسوبة إليه: ٢٠/٣٠٠ (٤١٨).

٣ـ المصدر نفسه: ٢٠/٣٠٨ (٥٢٦).

٤ـ نهج البلاغة: قصار الحكم ٢٥٤.

١٨٦
ويقيم العدل بين الناس.

يقول الإمام عليّ(عليه السلام): "إنّ الله فرض على أئمة العدل أن يقدروا أنفسهم بضعفة الناس"(١) ويقول أيضاً: "أما بعد، فقد جعل الله سبحانه لي عليكم حقّاً بولاية أمركم، ولكم عليَّ من الحق مثل الذي لي عليكم، فالحق أوسع الأشياء في التواصف، وأضيقها في التناصف... وأعظم ما افترض سبحانه من تلك الحقوق حق الوالي على الرعية، وحق الرعية على الوالي... فليست تصلح الرعية إلاّ بصلاح الولاة، ولا يصلح الولاة إلاّ بإستقامة الرعية.

فإذا أدت الرعية إلى الوالي حقه، وأدى الوالي إليها حقها، عزّ الحق بينهم، وقامت مناهج الدين، واعتدلت معالم العدل، وجرت على أذلالها السنن، فصلح بذلك الزمان، وطمع في بقاء الدولة، ويئست مطامع الأعداء.

وإذا غلبت الرعية واليها، أو أجحف الوالي برعيته، اختلفت هناك الكلمة، وظهرت معالم الجور... فعمل بالهوى، وعطلت الأحكام، وكثرت علل النفوس، فلا يستوحش لعظيم حق عطّل، ولا لعظيم باطل فعل، فهنالك تذلّ الأبرار، وتعزّ الأشرار"(٢).

نعود الآن إلى موضوع العلم واختيار الإمام عليّ(عليه السلام) لفئة من الناس وتركيزه عليها ليجعل منها قدوة صالحة، لأن يكون منها

١ـ نهج البلاغة: خطبة ٢٠٩.

٢ـ نهج البلاغة: الخطبة ٢١٦.

١٨٧
الولاة والعمال الذين يختارهم الإمام ليسلمهم مهام قيادية.

يقول(عليه السلام): "إنّما قلب الحدث كالأرض الخالية"(١)، يعني أنّ الله أودع في الإنسان كل أساليب التربية، وكل ما في الأمر أنه يحتاج إلى المطر وإلى اختيار نوع المزروعات، فالطفل تربة خصبة صالحة للزراعة، وما عليك إلاّ أن تتعهده بالعناية وتختار له المعلومات الحسنة الصالحة، ويقول في وصيته لابنه الحسن(عليه السلام): "ابتدأتك بالأدب قبل أن يقسو قلبك"(٢)، يعني وأنت شاب طري العود، قادراً على تفهّم الأمور والفصل فيها قبل أن تستفحل إلى شر، فالشر كالشجرة الصغيرة، تستطيع قلعها بسهولة وهي صغيرة طرية الأغصان وقبل أن تمد جذورها عميقاً.

نحن في مدرسة الإمام عليّ(عليه السلام) يجب أن نتفاعل مع فكره، ونغرف من نبعه، ونروي ظمأنا من معينه، ولم أتوسع في هذا الكتاب بذكر فضائل الإمام عليّ(عليه السلام)فهي أكثر من أن تحصى، ولكني ركّزت على قضية الإمامة وآمل أن أكون قد وفيت الموضوع حقه أو بعض حقه، وهل يمكن فهم قضية الإمامة دون العودة إلى أبي الأئمة؟

١ـ نهج البلاغة: كتاب ٣١.

٢ـ المصدر نفسه.

١٨٨

المصادر

١ ـ القرآن الكريم.

٢ ـ أسرار الآيات، الشيرازي، صدر الدين، دار الصفوة، بيروت ١٩٩٣.

٣ ـ الأصول من الكافي، الكليني، محمد بن يعقوب، دار الأضواء، بيروت ١٩٨٥.

٤ ـ الأصول الفكرية للثقافة الإسلامية، الخالدي، محمود، دار الفكر، عمان.

٥ ـ الاقتصاد في الاعتقاد، الغزالي.

٦ ـ البحث النفسي والدين، المطهري، مرتضى، منظمة الإعلام الإسلامي.

٧ ـ بحث حول الولاية، الصدر، محمد باقر، دار التعارف، بيروت ١٩٧٩.

٨ ـ تذكرة الخواص، سبط ابن الجوزي، مؤسسة أهل البيت، بيروت ١٩٨١.

٩ ـ روح المعاني في تفسير القرآن، الآلوسي، محمود شكري، دار احياء التراث العربي، بيروت ١٩٨٥.

١٠ ـ ربيع الأبرار، الزمخشري.

١٨٩