×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

معراج الهداية / الصفحات: ٢١ - ٤٠

أمّا مخالفته، فإنّها تدخل في باب مخالفة الفطرة التي فطر الله الناس عليها، الأمر الذي يلزم عنه بالضرورة شعور الإنسان بالضنك وقسوة العيش، لأنّ الإعراض عن الفطرة الإلهية والإعراض عن سبيل الله هو الذي يورث المشقّة، وهو الذي يجعل الإنسان يتخبط على غير هدى.

وليس المقصود بضنك العيش هنا: الاحتياج والفقر، أو الشعور بالظلم وما شابه ذلك، إنّما المقصود هو اغتراب النفس وابتعادها عن راحتها وطمأنينتها بالدرجة الأولى! فكم من موسر، وكم من جبار، وكم وكم من أولئك الذين يتصور الناس أنهم بلغوا رتبة السعادة في الحياة الدنيا، تجدهم في حقيقة أمرهم يعانون من آلام القلق والاضطراب، وعدم الاستقرار والسكينة.

ويجد المتابع للمنهج القرآني أنّ ذروة الدعوة لديه منصّبة على إخراج هذا الكائن البشري من مثل هكذا ضنك، والدفع به نحو مدارج السعادة، لكن هذا لا يتحقق بحسب الطرح الديني على أساس حلّ المشكلات الحياتية اليومية كما يتصور البعض، وإن كانت الراحة شي حاسم في هذه الحلول، وإنّما يتحقق على أساس فكّ رموز الوجود والتعرّف على معناه، الأمر الذي يوطّد لمعرفة الغاية من ورائه، وعند هذه المعرفة بالذات تستوي اللذائذ الدنيوية مع الآلام، لتشكّلان بالنسبة للعارف بهذه الحقيقة بُعداً مادياً ليس هو

٢١
المقصود من وجوده، فيتألق في السير نحو بعده الحقيقي، الذي هو جوهر ذاته.

وهنا عند هذه النقطة تكمن أهمية معرفة الإمام، بحسب ما جاء عن الإمام الرضا(عليه السلام)في معرض وصفه للإمام، انّه "معدن القدس والطهارة"(١).

ولا نخال أمراً أكثر عسراً وأكثر إيغالا في التشويش من ذاك الذي يجرف المرء نحو الشكل وينأى عن المضمون، لذلك وجدنا هذا الجدل وهذا الصراع ـ إن صحت العبارة ـ حاصل بين من يعتبر أنّ الإمامة أمر دنيوي يمكن أن يقوم به ويتكفّل بتنفيذ مهماته شخص يتمتّع بصفات معينة أو قدرات أهّلته أن يتربّع على كرسيها، حتى يدير شؤون الناس ويمارس زعامته وإمكاناته في رئاستهم، وبين من يعتبرها شأناً إلهياً صرفاً يجعله في من يختار من عباده، ولا يكون بعد ذلك من هدى واقعي بمخالفة هذا القانون.

والحديث الآن حول مفهوم الإمامة، ثم نتحدث بعد ذلك عن ماهية الإمامة.

ما هو المفهوم

يرمز المفهوم عند المناطقة إلى ما ينتزعه الإنسان من الخارج من

١ـ انظر: الكافي للكليني ١: ٢٠٢، كتاب الحجّة.

٢٢
حقائق الأشياء مشكّلا بذلك صورة ذهنية لها(١); وهو الشكل المنطقي الذي تبنى من خلاله باقي أشكال الفكر (الحكم ـ القياس) ويتيح التعمق في معرفة الواقع أبعد ممّا يسمح له الإحساس والإدراك والتصوّر وهو في النتيجة "خروج عمّا يعطى لنا مباشرة من التجربة الحسية"(٢).

ونحن عند اختيارنا لهذا التعريف، رمينا إلى ما يقود الفكرة نحو عمقها، للخروج بها عن معطيات الظاهر، بالطبع بعد أن أخذت شكلها وتسميتها بالنسبة للتجربة الحسية التي ندركها كما أدركها من سلف، لأنّ الشيء لا يُعد موجوداً بالنسبة لشعورنا إلاّ عندما يلد فكرة تصبح برهاناً على وجوده في عقلنا، وعندما يتيح ذلك يصبح حضوره وجوداً حقيقياً، وحينئذ تنكشف شخصيته ويوضع بالتالي اسم يطلق عليه، تلك هي عملية الإدراك(٣).

فالاسم هو أول تعريف للشيء الذي يدخل نطاق شعورنا، وهو تصديق على وجوده، وهو بهذا الوضع أوّل درجة من درجات المعرفة وأوّل خطوة نخطوها نحو العلم، وإذا كان الاسم بهذا المعنى هو الدرجة الأولية في المعرفة، فإنّ المفهوم هو الدرجة الأوسع

١ـ محيط المحيط، مكتبة لبنان، ص٧٠٤.

٢ـ المعجم الفلسفي المختصر: توفيق سلوم، ط موسكو ص٤٧٠.

٣ـ انظر كتاب الأُصول الفكرية للثقافة الإسلامية، محمود الخالدي، دار الفكر، عمان ط١، ١: ٣٠، وما بعدها.

٢٣
والأشمل، وهو الذي يمنح لهذا الاسم معناه.

لذلك عند إطلاق تسمية (الإمام) على الرجل الذي يتزعّم أو يقود نجدها لا تصلح لأن تبلغ مفهوماً! بمعنى أن الأمر هنا هو انطباق المصطلح على من يقوم بتنفيذ أمر ما، وهذا لا يقود نحو تجريد الاسم وبلوغه المعنى الذي يتيح التعمق وبلوغ الحقيقة التي هي شي غير القيام بالفعل، وسوف نجد مثالا على هذا في قول ابن حزم مثلا "إن الأمة واجب عليها الانقياد لإمام عادل يقيم فيهم أحكام الله، ويسوسهم بأحكام الشريعة التي أتى بها رسول الله(صلى الله عليه وآله)"(١).

وينبغي علينا أن نفرق تماماً بين القائم بالعمل على أنّ هذا العمل أمر موكل إليه من قبل الناس، لبراعته فيه وتمكنه وفق مؤهلات تملّكها، أو سلطان خوله القيام عليه، وبين الإمام بالمفهوم العميق الذي أورده الإمام الرضا(عليه السلام) عند وصفه للإمام، فهو لا يزجي إليه مهمة تكون ضمن إمكانات العاديين من الناس، وإنْ اشتمل بالعرض عليها، وإنّما هو يتعمق إلى جوهر الإمامة، فيقول(عليه السلام): "الإمام عالمٌ لا يجهل، وراع لا ينكل، معدن القدس والطهارة، والنسك والزهادة، والعلم والعبادة... نامي العلم، كامل الحلم، مضطلع بالإمامة، عالم بالسياسة، مفروض الطاعة، قائم بأمر الله عزّ وجلّ، ناصح لعباد الله..."(٢).

١ـ الفصل بين الملل والنحل لابن حزم ٤: ٨٧.

٢ـ انظر: الكافي للكليني ١: ٢٠٢، كتاب الحجّة.

٢٤
إذن بعد النظر إلى وجهة ابن حزم، التي يمكن أن تعبّر عن معظم من تحدث حول الإمامة ووظائفها من الخارج، والتأمّل في توصيف الإمام الرضا(عليه السلام) وما يتفرّع عنه من آفاق تقود نحو الكشف عن حقيقة الإمامة ومعناها وجوهرها، نجد لزاماً قبل الاستغراق في متابعة هذين المنحيين في التناول، أن ننظر في الجذر اللغوي لكلمة (إمام)، الأمر الذي يساعدنا على تخطّي الكثير من صعوبات البحث.

الإمام في اللغة

جاء في الصحاح: "هو الذي يقتدى به"(١)، وكما هو واضح هنا فهي تفيد التعميم، ولا تختص بتفصيل يقود إلى معنى دقيق وحقيقي، فالذي يقتدى به يمكن أن يكون شخصاً يتمتع بالفطنة والذكاء، ويمكن أن لا يكون كذلك، ويمكن أن يكون آلة، ويمكن أن يكون مَعلماً من معالم المنفعة، بالطبع نحن نعلم أنّ المقصود هنا إجمالي، لكن حديثنا يجب أن يعطف على الفور على رغبتنا في إظهار المفهوم، لذا تقتضي الدقة أن يحاط بجميع أطراف التعريف، حتى يصار إلى انتزاع المفهوم الذي يتيح التعمق كما سبق.

وجاء في لسان العرب: "أم القوم وأم بهم: تقدّمهم، وهي الإمامة، والإمام: كل من أئتم به"، ويفصّل ابن منظور هنا فيقول: "يكون الإمام رئيساً كقولك إمام المسلمين، ويكون الإمام الطريق الواضح،

١ـ الصحاح للجوهري: ٥، مادة إمام.

٢٥
ويكون الدليل، ويُئِمُ: يُقصد"(١).

وأورد من محيط المحيط في إظهار معنى الإمام من الناحية اللغوية قوله: "فالإمام هو قيم الأمر، والمصلح له"(٢).

وقال الراغب: "والإمام المؤتم به إنساناً كأن يقتدى بقوله أو فعله، أو كتاباً أو غير ذلك، محقاً كان أو مجملا، وجمعه أئمة"(٣).

هذه الطائفة من التعاريف اللغوية تشير بأشكالها هنا إلى عدّة معان، وإن بدت جميعها تبحث عن إجمال المعرّف وتحديده، لكن لكل واحد منها فيما يبدو شكلا مستقلا إلى حدّ ما عن الآخر، وإنّما في عمومها تشير إلى من يحمل صفة التقدّم والإمساك بزمام الأُمور بما فيها الزعامة، أي رئاسة القوم والمرجعية العقائدية، أي المرتكز الفكري والدليل الذي يحدّد الاتجاه.

وكذلك تفيد الإشارة إلى صاحب المقام أو المنزلة الذي يقصد لجلال معين، وتظهر أيضاً أحد معانيها القيام بالأمر الاجتماعي، والمحافظة على أُمور تم التوافق عليها عند ذكر كلمة (قيّم) أو (مصلح).

فقد أخذت هذه التعريفات بمحاولة الإحاطة بالهدف، لكنها كما يلاحظ تخفق في إصابة كبد الحقيقة! وهذا الأمر ليس مستنكراً

١ـ لسان العرب لابن منظور مادة: أم.

٢ـ محيط المحيط، بطرس البستاني، دار لبنان، ط ١٩٧٧، ص١٦١.

٣ـ المفردات لألفاظ القرآن الكريم للراغب الاصفهاني: ٢٤.

٢٦
لدينا، فالمعنى المقصود أوسع بكثير من العبارة، لذلك يمكننا أن نعتبرها تمهيداً معقولا لإجراء اختبار موضوعي على مصطلح الإمام وفق المتّجه النفسي الذي نجريه هنا، والذي نمهد له بالتالي.

الإمام في عمق النفس البشرية

إنّ ما تقدّم من البحث في التعريف والمفهوم، يساعدنا على القول، أنّ الإمام المرجو الإفصاح عنه خفي على الظهور، بقدر ما هو واضح وجليّ في عمق النفس الإنسانية.

وسنحاول هنا أن نعمل على نقل هذا الوضوح من العمق إلى السطح بالمقدار الذي يمكننا من إزالة الحجب، حتى تصبح الإشارة فيما بعد إلى حقيقة الإمام إشارة لا يشوبها غموض. وقد أمعنا النظر في الوارد هنا من تعريفات، ولاحظنا أنّها تعطي تقريباً لغوياً للمفردة، وفي عدّة أمكنة نلاحظ سيراً أشد عمقاً نحو إلحاح المفردة على إظهار معنى أكثر عمقاً، وهذه حاجة ضرورية، إذ أن التفسير اللغوي يعتني عادة بالإبلاغ عن الأمر أكثر بكثير من البحث في جوهره ومعناه الحقيقي. وإن الذي يساعد على ذلك فيما يبدو، نسق آخر من أنساق التفتيش خلف هذه الحقيقة وسنجده هناك في عوالم النفس.

فثمة في عمق الإنسان ذلك التطلع نحو هدف تنشده نفسه،

٢٧
وعندما نتحدث عن الإنسان فإننا لا نحصره بعرق أو قومية أو دين إنما عني منه مطلق الإنسان، شريطة أن لا يكون فاقداً لقواه العاقلة الواعية. والهدف الذي تنشده النفس في عمقها يكاد يكون على درجة عالية من الغموض، ولعلّ هذا الغموض من شأنه أن يجرفها نحو عدّة اتجاهات، مع ملاحظة الاختلاف في طبائع البشر، وشدّة أو ضعف الأحاسيس إنّما في الغالب وفي نهاية المطاف تحمل تلبية الحاجة المستقرة في أعماقها، لأن الدأب والبحث سوف يصلا إلى تلبية لا بد منها، تشعر معها النفس بشي من الاطمئنان، بخلاف ذلك الاضطراب والقلق.

يقول أريك فروم: "لا يوجد إنسان ليس محتاجاً إلى دين ما، ولا يريد تحديداً للاتجاه والموضوع الذي ينبغي له التعلق به"(١)يريد بهذا القول: إن الغرض الدفين في العمق الإنساني هو هدف يسير بالإنسان باتجاه تعلق من نوع ما باتجاه نداء يسحبه من أعماقه، دون أن تكون لديه المقدرة على تجاهله، وإن هو تجاهله لوقت أو لحال من الأحوال فإنه ينقذف ـ في لحظة معينة من داخله ـ شعور يجعله يضطرب متساءلاً عن فحواه، فمتى قاده هذا الشعور إلى عقيدة أو دين أو إيمان من نوع ما فإنه سوف يسعى لأن يعبّر عنه بأيّ طريقة تتناغم معه، وتشعره بانتهاء قلقه، أو انتهاء شي منه.

١ـ البحث النفسي والدين، أريك فروم: ضمن الإنسان والإيمان، مرتضى المطهري، منظمة الإعلام الإسلامي ط٢، ص٤٣.

٢٨
فالنظر إلى الحقيقة الإنسانية من هذا الجانب العميق، هو نظرة إلى الفطرة، ولعلّ الفطرة وحدها هي التي تتكفل بتفسير هذا النزوع نحو الاتجاه الذي يلزم فكر الإنسان بالتجوّل في أنحائه.

الفطرة

لعلّ المقصود بالفطرة هنا: هي تلك الأهلية المتوفرة داخل النفس والتي تشير إلى أكثر حالاتها صفاءً، قبل دخول وتراكم المعارف عليها، وهي بهذا اللحاظ تعبر بصورة مثلى عن الاحتياجات التي تجذب نحو تعلّق الإنسان.

ومن المستحكم يقيناً أنّ التدين أمر غريزي، أو فطري.

والتدين بأحد المعاني، هو اعتقاد من نوع ما، يستلزم فكراً مجرّداً من جهة، ويستلزم أيضاً تعلّقاً عاطفياً من جهة أخرى.

وهو من هاتين الجهتين يحقق انسجاماً وتناغماً مع الإنسان، بما يشتمل عليه ذهنه من أُمور تعمل وتسير نحو التجريد والبحث عن حقائق الأشياء وانتزاع المفاهيم الخاصة بها، وإقامة البراهين والأدلة العقلية على نظريات تلزمه في حياته، وبين ما تحتاجه النفس من اتساع وخروج خارج الأطر والحدود المادية، بما يساعدها على سدّ بعض الثغرات التي تعتريها، وتسبب لها الاضطراب والقلق.

٢٩
كتاب معراج الهداية للدكتور سعيد يعقوب (ص ٣٠ - ص ٥٣)
٣٠
مراتب المعرفة الجوهرية الحقة، والتي تقوده يقيناً إلى غاية سوف نصل إليها مع متابعة بحثنا حول التدين.

وإذا كان في علماء النفس من قال: "إن الدين غريزة في الإنسان"، فإنّ هذا القول لم يفارق الحقيقة، لا لأنّه صدر عن عارفين بواقعها، وإنّما لأنّ الجاذب للنظر أنّ الأطوار التي مرّت بها البشرية منذ القدم، وما تركته حضارات الأُمم السابقة، يقطع الطريق على أُولئك الذين يقولون باختراع الدين الناتج عن حاجة الإنسان الظاهرية إلى قوّة يرهبها.

ومن المتيقن أنّ مثل هذه الحاجة ليست ظاهرية، بل هي ـ إنما وجدت ـ للتعبير عن التعلق الكامل، وليس عن التعلّق الناقص، وهنا ينبغي لنا أن نعترف بأنّ هذا الدافع نحو التعلق بأيّ شيء هو ناتج عن حاجة، لأنه لو لم تكن هنالك حاجة لانتفى وجود التعلق، والأمر بهذا اللحاظ غير منقطع إلى حاجة دون سواها، بل هو مسار تتابعي.

فإن ذهبت الرغبة نحو طعام مثلاً فإن مجرد الحصول عليه وتناوله يكفي لقضاء هذه الحاجة، وبالتالي لا تكون هدفاً سامياً يتوجه إليه الإنسان بالكلّية، وهكذا سائر الحاجات مما يمكن تلبيتها، أو تحصيلها أو القبض عليها، من قبيل المال والسلطان واللذائذ جميعها، فإن إمكان الحصول عليها لا يجعلها هدفاً نبيلاً يستحق أن يسقط الشهداء من أجله مثلاً مع الاحتفاظ بما يبذله

٣١
الإنسان من جهد ومشقة، ومن أجل تحصيل هذه الحاجات، وإنما الذي يستحق أن نحث السير إليه هو ذاك الذي يجعل الإنسان في لحظة من اللحظات باحثاً عن غاية غير دنيوية، أي مندفعاً نحو إشراق تتحرك إليه جوارحه بلهفة، وراغباً في صرف تعلقاته القلبية عن الغير، متوسلاً صرفها نحوه(١).

ولا يمكن بلوغ مثل هذا الشعور إلاّ عبر التجرّد، لأن شعوراً ينبع من حاجة تلح دائماً ولا تشبعها اللذائذ المادية، هو ميل في الواقع نحو مطلق لا تقيده قيود، ولا يكتفى منه، ولا يستغنى عنه، وهو بعدئذ ليس اختراعاً يصوب نحوه سهم الخطأ أو الصواب، إنما هو الذي يضع ـ بعد التجرد ـ اللبنة الأُولى في مقام المعرفة، وهو المقام الذي يشير إليه الإمام علي(عليه السلام) عند قوله في معرفة الله تعالى: "أوّل الدّين معرفته"(٢).

وعلينا أن نقف عند هذه الجملة هنا لأهميتها، فهي تشير بوضوح إلى أنّ المعرفة بذاتها على درجات، ولسنا هنا بهذا الصدد، وإنّما نلفت إلى أمر آخر، وهو أنّ الإمام علي(عليه السلام)، عندما قال: "أوّل الدين"، لم يقصد به فقط الدين الإسلامي الحنيف، وإن كان هذا الأمر مقصوداً بلا شك، لكننا نستفيد هنا من إطلاقه لكلمة الدين أنّه يشير إلى ذاك الجانب من ذات الإنسان الذي يبعث له تلك الحاجة،

١ـ انظر: سر الصلاة أو صلاة العارفين، الإمام الخميني، تعريب أحمد الفهري مؤسسة الإعلام الإسلامي، المقدمة.

٢ـ أنظر: نهج البلاغة: الخطبة ١.

٣٢
ويسوقه نحو التعلق.

وهذا ما قلناه عن (غريزة التدين عند الإنسان)، وهذه المرتبة الابتدائية التي يحققها المرء بعد التجرّد الأوّلي، ثم تليها المراتب التي يشير إليها(عليه السلام) تتابعياً: "وكمال معرفته التصديق به"(١)، وهي المسيرة التي يقطعها الباحث متدرجاً في إزاحة العوائق والحجب.

وإذا أردنا أن نلاحظ عن كثب الكيفية التي يتناول فيها هذه المراتب، سنجده يوصل مراحل التطور البشري بعضها بالبعض الآخر، وقبل أن نقف على هذه الحقائق التي سوف نفرد لها مكاناً من هذا الكتاب، نود أن ننجز ما نمهّد به نظرياً لذلك.

والذي يبتدئ من هنا، هو بلوغ منطق الميل الذي يحفز قلب الإنسان نحو هذه المعارف، ونحن أشرنا إلى أنّ الإنسان هنا غير مرتهن بعرق أو قومية أو دين، إنّما نقصد العنصر البشري الذي يستحكم فيه أمران: أحدهما غريزي، تسير معه آلته الجسدية إلى منتهياتها، والثاني عقلي، ينطلق نحو المعارف والتأملات التي يحدث منها جملة منافعه وسواها في مسيرته الحياتية.

ولمّا كان التدين بالمعنى العام، اعتقاداً يستلزم الفكر المجرد مثلما يستلزم التعلق العاطفي الذي يؤدي دوراً من أدوار إشباع الغرائز، كان بذلك متناغماً مع الإنسان، بما تشتمل عليه الضرورات

١ـ المصدر نفسه.

٣٣
من أُمور نظرية، وأُخرى تطبيقية عملية، فمن أين تأتي لنا هذه الحاجة إلى التعلق بعد ذلك؟ وكيف تنبعث التعبيرات عنها بهذا الشكل أو ذاك؟ لا بد من التعرف على جذورها أوّلا.

منشأ وجذر الميول

في المساحات التي يشغلها البشر فوق الأرض، وفي الأماكن القابلة للحياة منذ القدم، ثمة ما ينضح بالعلاقة الناجزة بيننا وبين مجهول محبّب، لا ينفر منه القلب، ولا تخاله المشاعر.

ويرى "وليم جيمس" أنه: "مهما كانت دوافعنا وميولنا نابعة من هذا العالم، فإنّ أغلب ميولنا وآمالنا تنبع من عالم ما وراء الطبيعة"(١)، أي من مكان آخر غير مرئي لكنه قائم على اتصال ما بهذا العالم، وهذا الاتصال وإن بدا وكأنه مجهولا لا يخامر الحواس الخارجية، لكن العلم يعوّل عليه كثيراً عند الذهاب نحو التحقق من نوازع الإنسان، لكن إذا صح قول "جيمس" كان الذي يترتب عليها بلا شك هو البحث عن الوسيلة التي يستقبل عبرها الإنسان هذه الميول من عوالم أُخرى، ليس فقط الميول وإنما الآمال أيضاً.

ويرى "كانت" في تبرير هذا الأمر عند إحالته إلى إدراك الوجود ووعيه، أنّ ثمة ارتباط ضروري غير طارئ، محايث للوجود زماناً

١ـ الدين والنفس، ضمن الإنسان والإيمان، مرتضى المطهري، منظمة الإعلام الإسلامي، ط٢، ص٤٣.

٣٤
ومكاناً، يقول: "إنني بادراك وجودي، وارتباطي بعوالم تعلوها عوالم، وبانساق أنساق إلى زمان لا حدود له من ذاتي المنظورة، أرى أنني لست على ارتباط عارض محض، بل على ارتباط كوني ضروري"(١).

ولا شك أيضاً أنّ هذا الإدراك موصل إلى حقيقة، ولهذه الحقيقة عمق في النفس "الذات البشرية" بين الفينة والأخرى تتصدع الحجب دونها، فتظهر غير عابئة بالطريق، ويلهج بها اللسان، أو يعبر عنها القلم، ولهذا الارتباط الكوني امتداد كما لهذا الامتداد رموز وإشارات، تعوز الإنسان كي يلتقطها من ناحية الكيفية والحالة، بحيث يصبح بمستطاعه التعرف على الطرائق التي يتلقى عبرها ذاك الشعور بالميل والدافع من منبعه الأصلي.

ودعونا قبل أن تنحرف الفكرة عن محجتها، أن نؤكد أنّ الميل الذي تعنى به هذه الأسطر، هو ذاك البعد من الفطرة، والتي تشير إليها كلمات الإمام عليّ(عليه السلام)عند مواصلة إفصاحه عن طبيعة الكون والخلق، ولعلّنا نجد في كلماته هنا المنهل الأكثر عذوبة في دراسة الأحوال النفسية التي تتراكم فوقها الحاجات فتحيد بالمرء عن بلوغ قصاراه، ونقرأ هنا هذا الشاهد.

يقول(عليه السلام): "واصطفى سبحانه من ولده ـ أي آدم ـ أنبياء أخذ على

١ـ نقد العقل العملي، عمانؤيل كانت، أحمد شيباني، دار اليقظة العربية ـ بيروت ٩٦٦، ص٦٢.

٣٥
الوحي ميثاقهم، وعلى تبليغ الرسالة أمانتهم (لمّا بدل أكثر خلقه عهد الله إليهم)(١)"(٢)، ونضع بين قوسين كلمات تفيد الإنسان الذي يتحدث (كانت) عن ارتباطه الكوني الضروري، وهو إنسان تلهج ذاته نحو عوالم تداخل معها، ولا يجد له من محيص عن الإقرار بها.

لكن الواقع أن تسمية هذا الأمر هي محل العناية، فبأي طرائق المعرفة يصل إدراك وجوده، لعله بطريق الاستماع إلى الإيقاع الكوني الذي يهدد داخله ولا يفصح له عن لغة يصور بها الحالة التي هو عليها، لكن الكلام الآتي للإمام عليّ(عليه السلام)يمكننا من التقاط خيط هذه المعرفة.

يقول(عليه السلام): "فبعث فيهم رسله، وواتر إليهم أنبياءه (ليستأدوهم ميثاق فطرته)، ويذكروهم منسيّ نعمته"(٣)، إن ما بين القوسين هنا يشير إلى أن الأنموذج البشري جميعاً وهو الذي يمتلك خاصيات مشتركة تؤهله لأن يبلغ مراتب المعرفة، ويزيح عن ذاته براقع النسيان، ومن المعروف في علم النفس أنّ ثمّة مصطلح يستخدم للتدليل على أنّ الناس يتوارثون الذكريات، إضافة إلى عناصر الميراث الأُخرى فيما يطلق عليه اسم (الذاكرة السلالية)، وعند الرجوع إلى مراحل نمو البشر الحضارية، فإن الآثار تشير إلى أن

١ـ اخذ عليهم الميثاق أن يبلغوا ما اوحي اليهم، ويكون ما بعده بمنزلة التأكيد له وأخذ عليهم أن لا يشرعوا للناس إلاّ ما يوحي إليهم وهو المقصود. بميثاق الفطرة.

٢ـ انظر: نهج البلاغة: الخطبة ١.

٣ـ المصدر نفسه.

٣٦
التدين من الأُمور الثابتة في حياة الأمم، ولا نقصد هنا التدين أي الالتزام بنسق ديني واحد، لا حياد عنه وإنما المعروف أن للشعوب عقائد وعبادات وطرائق في التعبير عن ميولها الدينية لم تفارقها منذ أوائل ظهور الحياة.

وقد سبق وأشرنا إلى مقولة الإمام عليّ(عليه السلام) في أولية الدين، وهو يشير إلى كل أولية دينية، أي معرفة الله، وقلنا: أن هذا الكلام ينسحب على أي دين أو عقيدة، ترتكز في فكرتها على "الله"، وهذا متوفر في الأثر البشري، مثلما يدلّل عليه كلامه(عليه السلام).

ويدلّل عليه بالدرجة الأولى قوله تعالى: (كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين)(١) والذي يفهم منها أن العهد الأوّل للإنسان، هو عهد الفطرة التي لا اختلاف بين البشر حولها، ومع تقادم الأزمنة وتباعد الأيام، اختلف الناس تدريجياً إلى أن بلغوا من الاختلاف مبلغاً احتاجوا معه إلى تدخل العون الإلهي فزوّد الله رسله بالكتاب الذي يفصل بينهم فيما اختلفوا فيه، لكن الاختلاف بعد قيامه، أصبح يلبس لباس الاستمرار، وصار الإنسان أو قسم من بني الإنسان إلى النسيان، وإلى ما يحجب بينه وبين ميثاقه، بينه وبين فطرة الله التي فُطر عليها. وقسم آخر استجاب لداعي الرحمة، فمنّ الله عليه بالثبات على عهده بحسب ما

١ـ البقرة: ٢١٣.

٣٧
تفيد متابعة الآية الشريفة، وما يواصله الإمام عليّ(عليه السلام) من كشف حولها حين يقول الإمام علي(عليه السلام): "لمّا بدّل أكثر خلقه عهد الله إليهم، فجهلوا حقه، واتخذوا الأنداد معه، واجتالتهم الشياطين عن معرفته، واقتطعتهم عن عبادته، فبعث فيهم رسله"(١)، وفي الجمع والتأمل، بين قوله تعالى في الآية الآنفة وبين ما جاء به الإمام علي(عليه السلام)حول التفصيل في ذات الغرض، ونلاحظ استمرار الإرث البشري الذاكراتي وتقلبه بين الشعوب، إلى أن يصل عند علماء النفس والفلاسفة إلى القول بالارتباط الضروري الكوني، وبأنّ الميول لها منابع فوق الطبيعة، وأن الإنسان مجهز سلفاً بغرائز ودوافع مختزنة في ذاته منذ المرحلة الجنينية، نصل إلى أن الجنس البشري يشترك بعناصر من الحنين تتشابه فيما بينها، وهذا الحنين إلى شي ما يظهر بين الحين والآخر ويربط ما بين الأجيال.

ويمكن التقاط بعض مميزاته في الإبداع أكثر من المجالات الأُخرى، كالفن والشعر مثلاً وأصناف أُخرى من الأدب، وهنا نجد كلاماً لـ "اليوت" الشاعر والناقد الأميركي، يقول: "لا شاعر ولا فنان يملك معناه الكامل لوحده... أن الذي يجري عند إبداع عمل فني جديد، هو شي ما يحدث بشكل متزامن لكلّ أعمال الفن التي سبقته"(٢).

١ـ انظر نهج البلاغة: الخطبة ١.

٢ـ مقالات منتخبة، ت، س اليوت. ط لندن ص٢٨٩ (النسخة الإنجليزية).

٣٨
ويرى أن وتراً ما يربط وبشكل مستمر لا ينقطع بين جميع ما ينتج عن إبداع، وهو لا يخضع هذا القول لعنصر الزمان، بمعنى أنه لا يقصد تاريخاً معيناً، بل يجري هذا القول على جميع النتاج الإبداعي البشري، عند الكلّ وليس عند فئة من الناس، وهذا مفاده أن التجربة الإنسانية جمعاء تشترك في صياغة الإبداع، ويتشكل دائماً ذاك المعنى الذي لا يكتمل أبداً، فالإضافة الإبداعية تعطي جديداً، لكنها لا تختم الإبداع، وهذا فيه الكثير من الصواب في رأينا، فالتراث البشري يمثل شراكة إنسانية، ويتنوع فيه العطاء، لكنه في المحصلة هو المشكّل للذاكرة، وهنا مكمن أهميته، ليعود تدريجياً إلى بدايات الناس، ثم يعود إلى العلاقة التي يشترك فيها العمق البشري النفسي بالإبداع، فالكل يربط بين النفس والشعر مثلاً، ليقولوا في النهاية: إنّ المساحة التي يتحرك فيها الشعر هي مساحة فوق المألوف(١)، وهي ذاك المجال النفسي الذي لا يخضع في جوهره لقوانين الزمان والمكان، إلاّ بالمقدار الذي تحكمه فيه آليات الجسد، وهو بخلاف ذلك قد يحار المرء في المنشا أو المكان الذي يصدر عنه، ولهذا الكلام مكان في آراء الشعراء والبلاغيين والنقاد العرب منذ القديم حتى العصر الراهن، ونظن أنه إلى المستقبل يمتد أيضاً، وربما دلّ

١ـ للتوسع في هذا المجال، يرجى الرجوع إلى كتابنا، جدلية النفس والشعر عند العرب، ط دار يعقوب دمشق ٢٠٠٠، عدة أماكن، وبالخصوص ينظر بحث تحت عنوان في النفس (الروح) والشعر.

٣٩
مؤسس المذهب (السوريالي) في سورية على ذلك عند قوله: "ان العقل الباطن يحاول دائماً أن يوجد تلاؤماً بين جميع العناصر التي تعيش مجتمعة فيه، وتنفرد إحدى هذه المحاولات بتمثيل حالة إنسانية عامة، تنبثق من الفرد وكأنه كل ما مرَّ وكل ما سيأتي من أجيال"(١).

فإذا كان الإبداع يجسد هذه الحركة المترامية الأطراف بين أزمنة الناس، وهي تملك هذه القدرة على تمثيل هذه الحالة، فإن أكثر ما يقربها من الحقيقة انتماؤها إلى ما يمكن أن نطلق عليه البعد الفطري في الإنسان.

قوة الفطرة في معرفة الإمام

إنّ هذه القوّة الموجودة في الأعماق والتي يشترك فيها أفراد هذا الجنس، هي قوة ذات بعد فطري، ولعل هذا البعد هو الذي يعوِّل عليه عندما يشتد البحث عن الهدف الذي تبحث عنه أو تنزع نحوه الميول والحاجات الدفينة في أعماق الناس.

وانّنا سوف نثير هنا في نفسية القارئ الكريم رغبة أو شهوة معرفة ما تؤول إليه حقيقته، أياً كان الدين الذي يعتنقه، أو المذهب أو التيار، لأن الواقع الذي تجري وراءه هذه الفكرة، هو مجال الإنسانية

١ـ مقدمة سوريال، أورخان ميسر، ضمن نظرية الشعر، محمد كامل الخطيب ط١، وزارة الثقافة ١٩٩٧، مرحلة شعر ق٢ ص٧٠١.

٤٠