×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

معراج الهداية / الصفحات: ٤١ - ٦٠

وليس مجال الفئوية أو الفردية.

ونحن سوف نعتمد على هذه القوة في السؤال عن (ما هو الإمام).

وبداية نقول أن هذه القوة مزوّدة بالقدرة على المعرفة التي تجتاز ظواهر الأشياء والنفاذ إلى ماهيتها، فيما لو تشكلت غير آبهة بالشوائب، وبمعنى آخر: فيما لو أمكن إزاحة ما يعلق فيها من تراكمات تسدل عليها طبقات من الحجب، بحيث يصعب معها تحديد الغاية الحقيقية التي تهفو إليها.

وهذا البعد في الجوهر يساوي العقل الذي يصل من خلال الخبرات إلى تلك المقدرة على الحكم، والفصل بين ما هو نافع وما هو ضار في الحقيقة، فبوسع العقل وحده في بعض الأحيان أن يتخطّى حدود التجربة، فينفذ إلى جواهر الأشياء ويقف عليها كما هي موجودة في الحقيقة بصورة مستقلة عنا، فإن مهمة العقل الوصول بالمعرفة إلى الوحدة المطلقة النهائية(١).

لكن أليس العقل هو ميزة الإنسان! أليس جميع الأسوياء يمتلكون هذه القوة! إذن فما هو الفارق بين الناس في بلوغ هذه المعرفة، وفيما يختلف الكل، كل من وجهته؟

وإذا كان عند "هيغل" يقف العقل على الوحدة الداخلية العميقة للجوانب المتضادة، ويتيح بذلك إمكانية معرفة الموضوعات في

١ـ المعجم الفلسفي، م. س. ص٩٢.

٤١
عيانيتها وكليتها(١). فما هي الموانع من بلوغ الهدف؟

لم تحن الإجابة عن هذا السؤال بعد، لكن نود أن نشير إلى أنّ الخطاب الإلهي في كل الأحوال، يتّجه نحو الجوهر الإنساني السليم، أو الأكثر سلامة، ذاك الذي يعي ويدرك ويمتلك خاصة سبر ومعرفة أغوار الأشياء، ويمكن أن نجمله هنا بمصطلح (النفس) الذي يرسل إليها الخطاب القرآني، ومجمل أنواع المخاطبات الإنسانية، أي تلك القوة العاقلة التي تتمتع بالفهم والفكر والمشاعر، وهذه القوة لا مجال لمعرفتها أو التعرف عليها عبر الأدوات التي تختبر بها القوانين والأنظمة، كالكيمياء والطاقة والتشريح وما إلى ذلك، لا لأنّها ليست حقيقة ملموسة، بل على العكس يمكن أن تكون هي الحقيقة الأشد نصاعة بين جملة أشياء هذا الكون، لقدرتها على التأمل والخلق وترتيب المقدمات التي توصل إلى نتائج.

يقول عالم الأحياء "أدلوف بورتمان": "ما من كمية من البحث على النسق الفيزيائي أو الكيميائي، يمكنها أن تقدم لنا صورة كاملة للعمليات النفسية والروحية والفكرية"(٢).

ومن خلال ما تقدم تبين لنا، أن هذا الجوهر الإنساني لا يخضع في حركته الفكرية لأية سلطة، أو لا توجد هنالك من سلطة تمنعه من

١ـ نفس المصدر: ٩٢.

٢ـ العلم من منظوره الجديد، روبرت اغروس، جورج ستانسيو، ت: كمال خلايلي، سلسلة عالم المعرفة، العدد ١٣٤، ص٤٢ ـ ٤٣.

٤٢
البحث الدائم، الذي لا ينفك محاولاً الإحاطة بكل تفاصيل الوجود، عاملاً على إخضاعها لمتطلباته، أو باحثاً عن فك رموزها.

هذا ما يؤكده عمل الإنسان المبكر على إنشاء علائق تقوم ما بينه وبين الموجودات الشاخصة أمامه، بل تحرك الإنسان أعمق من ذلك وذهب نحو الماهيات وجرّد الأشياء من الأطراف الزوائد التي تلحق بها ليصل إلى اللب، أو ليبحث عن الخالد، ولا يعبأ كثيراً بالآيل إلى الزوال.

والذي يدفع الإنسان نحو هذا المنهج، هو شغف أزلي يسوقه نحو معرفة بدايته ونهايته، ويُجري أعماله على خلق ظروف ومناخات تلائم المراحل التي يقطعها ما بين هذه البداية التي يحياها، وتلك النهاية التي ينحصر ختام تجربته فوق التراب بها، بجميع ما يشوبها من الغموض، وما ينتظره فيها من المجهول.

وبمناسبة هذا المجهول، فإننا نعطف هنا على أن التعلق والحنين والبحث عن المجهول بالنسبة للنوع الإنساني، هو أمر له علاقة ذات حدّين:

الحدّ الأوّل: هو الذي يخضع للتساؤلات عن المنشأ والولادة والبداية.

الحدّ الثاني: هو الذي تجري عليه جميع اختبارات عمره في طريق بلوغه النهاية التي حتمت عليه، وهو يعرفها لكنّه يغض الطرف

٤٣
عنها.

والوازع والهاتف الداخلي الذي يحفز الإنسان على المعرفة يرتبط بشكل وثيق بالحدّ الثاني، حدّ معرفة مجهول النهاية، وذلك لما يتعلق به في مسيرته الحياتية من آمال تجعله لا يرغب بانقضائها، مع علمه يقيناً بهذا الانقضاء، ولهذا اوصى أمير المؤمنين(عليه السلام) برفض هذه الدنيا، قائلا: "وإن لم تحبوا تركها، والمبلية لأجسامكم، وإن كنتم تحبون تجديدها، فإنّما مثلكم ومثلها كسفر سلكوا سبيلا فكأنهم قد قطعوه، وأمّوا عَلَماً فكأنهم قد بلغوه، وكم عسى المجري إلى الغاية أن يجري إليها حتى يبلغها، وما عسى أن يكون بقاء من له يومٌ لا يعدوه، وطالب حثيث يحدوه في الدنيا حتى يفارقها"(١).

نتيجة

الواقع أنّ ثمة اتصال يربط ما بين هذه الحياة الخارجية، وبين حياة أخرى يُسعى لا محالة لبلوغها، وهي حياة أزلية محكوم بها الإنسان، ومحتاج للتعرف عليها واكتشافها، لكنّه يعترف دائماً أنه بمفرده لا يتمكن ـ مع ما يمتلكه من شعور عميق ـ من الوصول إليها، وكذلك يندفع به هذا الشعور نحوها، غير أن هذا الشعور يتدخل في

١ـ انظر: نهج البلاغة: الخطبة ٩٨.

٤٤
تحديد مدى صفائه وخلوصه من الشوائب.

لكن الفرد قد يتمكن من الوصول إلى المواءمة بين ما يتلقاه من العالم الخارجي، وبين ما يتدفق من أعماقه، وهو هنا عند هذه المرحلة من التمكن سوف يستطيع يقيناً أن يلتقط إشارات دقيقة التأثير، تصل به إلى معرفة مرضية بالمعنى الحقيقي لوجوده والغاية من هذا الوجود، وبذات المنطقة من المعرفة هذه سوف ينجذب باتجاه ملاذه الذي يدرك بالفطرة المصفاة أنه هو القادر على حمايته من أي سقوط، مثلما يحميه من مغبة الغفلة عن هذا الذي بلغه من المعرفة، وهذا الانجذاب مسربل بعناية إلهية، وهي في هذه الهنيهة بالذات معنية بهدايته، وإنما تكون هذه الهداية في النتيجة هي انكشافه على إمامه الذي يحمي كليته في هذه الحياة.

هذا ما يمكن أن نسميه الوصول الفطري إلى معرفة الإمام!

وهنالك منحىً آخر يمكن تناوله هنا، ونحن نؤسس للتعرّف على الإمام في الماهية والمفهوم بمعناه الإنساني الكلي، أي فوق الفئوي أو القومي والعرقي، وسنجد بعدئذ بحول الله الموقع الذي يشغله علي بن أبي طالب(عليه السلام) من هذه الدنيا برمتها، والمنحى الآخر هو:

تلقي معرفة الإمام

بعد أن تجوّلنا في أرجاء المعرفة النابعة من الفطرة المتجسمة

٤٥
بالعقل من الجوهر، يمكن أن نقترح طريقة ثانية، وهي جزء متوازن في الشخصية وموازي لذاك الجزء المتمثل بالطريق الذي يستسلم من خلاله المرء إلى جملة التراكمات التي تشكلت مع تقادم الزمن عن طريق الوعي الجماعي أو الفردي بخبرات متلاحقة متتابعة، وقد تبلغ قيمة هذه التراكمات الاعتبارية أن تصبح جملة من النظم والقوانين والمفاهيم، وربما العادات التي تصير في معظم الأحيان إلى المكان المقدس الذي يصعب على النفس تنقية أطرافها منها، لصعوبة اختراقها بعد وصولها إلى هذه المرتبة من القداسة.

لهذا نجد أنّ القرآن الكريم لا يلمح بإشارات عابرة إلى مثل هذه الظاهرة، وإنّما يتحدث عن معتقدات اختلقها الناس اختلاقاً ما أنزل الله بها من سلطان، ثم راحت الأجيال تتوارثها كابراً عن كابر، سواء كانت من ذلك الذي يتوافق مع أهوائهم أم تلك التي تخالفها.

وفي نظر الإسلام بملاحظة الموقف القرآني من هذا المشهد، فإنه يشكل أكبر العوائق التي تقطع الطريق على الصفاء الذي يقود نحو منازل رفيعة يطلبها، بل يرجوها الأنبياء للناس، ومثالاً لنا على ذلك: قوله تعالى (حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا)(١)، وهو على لسان أولئك الذين صنع لهم آباؤهم من خلال مواءماتهم مع متطلبات ورغائب تلزمهم في سير أو منحى معين، صنعوا لهم قيماً

١ـ المائدة: ١٠٤.

٤٦
وأنظمة بلغت مراتب اعتقدوا أنها هي الدين الذي لا ينبغي الحيد عنه، أو الافتراق منه، فلم يمكنهم هذا الإدراك من تجاوزها أو صياغة تحوير آخر لها يساعدهم على السير باتجاه مناطق أخرى من الفكر، تخوّلهم الاستجابة لما هو أكثر موضوعية وعلمية منه.

ويجدر بي هنا أن أورد هذا المقتبس الذي يشير بوضوح إلى أنّ هذه الآية ومجمل الخطاب القرآني إلى بشر لم يستمعوا يقيناً إلى داعي الرحمة الإلهية، واستأثروا بتراث آبائهم وأجدادهم، دون عناء الفحص عن علم والتدقيق عن معرفة، يلفتون النظر إلى أنه ليس كل ما يكسبه المرء من تعاليم هي بالضرورة مقدسة، بخاصة تلك التي تصبح مع التقادم نظاماً، أو قانوناً، أو قيمة من القيم الاجتماعية.

والمقتبس من خطبة لأحد زعماء الهنود الحمر في أمريكا الشمالية، وهو يعبر بشدّة ووضوح عن فقدان العدد الأوفر من الهنود الحمر، نتيجة لاعتقادهم بأشياء يصعب الثبات عليها، عندما تقتضي الضرورة الحفاظ على الإنسان، حتى وإن كانت تلك الأشياء مقدّسة لا يجب المساس بها، نستمع هنا إلى كلمات زعيم "دواميش chief seattie" والتي قالها أمام ممثل الحكومة الأمريكية سنة ١٨٥٨.

"يخبرنا الزعيم الأبيض أن (الزعيم الكبير)(١) في واشنطن يهدينا تحيات الصداقة والمشاعر الطيبة، وذلك لطف منه، فنحن من جهتنا

١ـ رئيس الولايات المتّحدة الأمريكية.

٤٧
أدرى بأن حاجته إلى صداقتنا ليست ماسة، شعبه وافر العدد، وأشبه بالعشب الذي يكسو البراري، أما شعبي فقليل عديده، أشبه بشجيرات مبعثرة في برية تنتهبها العاصفة.

لن أسهب في الحديث عن اندثارنا قبل الآوان، ولن اندب، أخوتنا شاحبي الوجوه(١) بتعجيلهم في حدوثه، فالملامة تطاولنا جميعاً (أرجو من القارئ الكريم الانتباه هنا!) ربكم ليس ربنا، ربكم يؤثر قومه ويبغض قومي، إنّه يلف الوجه الشاحب بذراعيه الصلبتين الحاميتين، ويحنو عليه ويأخذه بيده كما يقود الوالد ولده الغر، لكنه نبذ أبناءه الحمر، إذا كانوا أبناءه حقاً، كذلك يلوح، أن ربنا (الروح الأكبر) قد نبذنا بدوره.

ربكم يشد في أزر قومه كل يوم، ولن يطول الأمد حتى تحفل بهم الأرض، قومنا ينحسرون مثل مدّ سريع النكوص، بلا إياب، ورب الرجل الأبيض غير قادر على محبّة قومنا، ولابسط حمايته عليهم، أنّهم أشبه بأيتام لن يعثروا على معين لهم أينما ولوا وجوههم، فكيف لنا أن نتآخا والحال هذه؟

نحن جنسان مختلفان افترقت أُصولهما، وتخالفت أقدارهما... دينكم كتبته أصابع ربكم الحديدية على ألواح من حجر، خشية أن يغلبكم النسيان، هذه حكاية لا يفهمها الرجل الأحمر، ولا يتذكرها،

١ـ لقب الرجل الأبيض عند الهنود.

٤٨
ديننا هو أعراف أسلافنا، أحلام شيوخنا التي حباهم بها (الروح الأكبر) في سويعات مباركة من الليل، ورؤى زعمائنا المنقوشة جميعها على قلوب أبناء شعبنا... لكن ما لي أحزن على قدر قومي؟ قبيلة تتبع قبيلة، وأمة تقتفي أثر أمة، مثل أمواج البحر، إنّه نظام الكون ولا فائدة ترجى من الحسرة"(١).

وفي كلام آخر لزعيم آخر هو "الصقر الأسود" زعيم قبائل "سوك وفوكس" نجد الآتي:

"تطاير الرصاص من حولنا مثل طيور في الفضاء، وكان الأزيز يخترق آذاننا... خرّ المحاربون صرعى من حولي، وأدركت أن ساعة الشؤم آتية... شخصنا بأبصارنا إلى (الروح الأكبر) وقصدنا أبانا الكبير فتزودنا بالشجاعة... دعونا إلى مجلس كبير وأوقدنا ناراً عظيمة، نهضت أرواح أسلافنا فتحدثت إلينا وطالبتنا بالثأر لمظالمنا أو الفناء"(٢).

وفي أماكن متفرقة من النصوص، نلحظ أنّ المعتقدات التي لم يتمكن أصحابها من التخلص من بعض الأخطاء التي سادت فيها، قد قادت أصحابها إلى الهلاك، فطريقة القتال الهندية طريقة مقدسة ويصعب تبديلها، بحيث كان بإمكانه في البداية من شراء الرصاص، لكن بقي الرمح والخنجر أو السكين هو سلاحه، بينما الأبيض

١ـ من نصوص لهنود أمريكا الشمالية، ت: صبحي الحديدي، الكرمل ع٤٥، ١٩٩٢، ص٨٣ ـ ٨٤.

٢ـ م. ن. ص. ٨٥ ـ ٨٦.

٤٩
بحسب تعبيراتهم، يمنحه ربه الحق في اقتناء آلات حرب مهولة!

كذلك لا يحق له أن يحفر الأرض! لأنها أمه، بحسب ما يرد في النصوص، يقول "ووفوكا": تريدونني أن أفلح الأرض، هل أمتشق خنجري وأفرق صدر أمي!! فإذا مت فهل ستضمني إلى صدرها كي أستريح، تريدونني أن أحفر بحثاً عن الحجارة، هل أحفر تحت جلدها بحثاً عن عظامها؟! فإذا مت فهل أستطيع دخول جسدها كي أولد من جديد، تريدونني أن أحصد العشب وأصنع القش وأبيعه لأصبح ثرياً مثل الرجل الأبيض، فهل أجرؤ إلى قص شعر أمي... الأموات سيبعثون من جديد... ينبغي أن ننتظر هنا في بيوت آبائنا، استعداداً للقائهم من صدر أمنا"(١).

قمنا بنقل بعض هذه الأفكار والمقبوسات بغية إيضاح أمر في غاية الأهمية، وهو أنّ القصائد والنظم وبعض العادات الاجتماعية التي إن دخلت مقام التقديس، فإنّ صعوبة محاكمتها لا تكمن في المساس بهذا المقدس وحسب، لكن في أنّ معتنقيها قد يصلوا إلى حيّز الفناء دفاعاً عنها، وهذا ما لا يريده القرآن في الواقع.

ومن هنا نجد أن القول إنّها ما هي (إلاّ أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم)(٢)، يدعوا إلى الانتباه أن قدسيتها لم تأت من الله، وإنما أتت من تراكم عادات، فهي بذلك ضارة، والنفع كل النفع بالالتفات

١ـ نصوص الهنود، م. س. ص٨٩ ـ ٩٠.

٢ـ النجم: ٢٣.

٥٠
إلى داعي الله.

في عدد من المواضع التي تقرأ من هذه النصوص، يشعر القارئ بالأسى نتيجة الظلم الذي يقع على الهندي الأحمر، ويشعر بمدى احتقار الذين يغزون بلاده له، ولكن الأمر الأشد إيلاماً، هو أنهم من الزعيم وحتى أصغر المحاربين، يخسرون المعارك بأشكال متتالية، ويفنون بأشكال متتالية، كما عبر أحدهم مثل موج البحر، لكنهم يلتصقون بعدم التخلي عن ذاك الذي شكل مقدساً، ولا نقصد أي معنى هنا مخالف لروح الأديان، إنما لا نعتقد أنّ الله سبحانه يتخلّى عن مخلوقاته، مثلما قرأنا في ورقة زعيم "دواميش"، وإنما الذي يجري هو التقيد بنظام الحرب وفق المنهج الذي رسمه الشيوخ القدماء، وهو بلغ كذلك رتبة التقديس، فاستغل الأبيض بقاء هذا الإيمان وراح يفني القبائل.

إذاً لقد شكلت هذه الظواهر عائقاً كبير في طريق الصفاء الذي يقود نحو منازل رفيعة، يتخلصون مع الالتفات إليها مما هو ضار بالضرورة وينجون ـ أي جميع الناس ـ وليس فقط هذا القوم أو ذاك ـ من الذي أشار إليه القرآن الكريم في مقام توارث العقائد بدون هدىً حين قوله: (قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا)(١)، بل هي شاملة للعنصر الإنساني جميعاً.

١ـ المائدة: ١٠٤.

٥١
وإذا دلّ تمسك المجتمع بما لا تحمد عواقبه، فإنّما يدل على صلابة الجدار الذي شيّد فيما بين الثبات على نمط أخذ شكل التقديس، وبات معه التغيير أمر في غاية التعقيد والصعوبة، وما بين تطلع الذات وطموحها الذي تصعب الإحاطة النهائية به، ويصعب حصره.

وهذا الجدار من الصلابة بحيث يستمر مع الأجيال تتوارثه وتقدسه، وكلما أوغل في القدم كلما ازدادت قسوته وقوته، وازدادت صعوبة اختراقه، ويقول القرآن الكريم على لسان أنصار هذا الجدار: (إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون)(١).

ونعتقد بصدد عدم الخروج عما يورثه الآباء للأبناء، وبالخصوص في مسألة العقائد والقيم التي تعتنقها الفئات والمجتمعات أحياناً، أنّها تبلغ مع التقادم من الرسوخ ما يجعل صاحبها غاضاً بصره عن أي مناقشة تؤثر في بنيتها، خصوصاً إذا كان ثمة سؤال يحفر في أعماقها، ويصل مع هذا الغض إلى الانغلاق أمام أية مكاشفة محتملة، بل ويشكل حاجزاً دفاعياً غير قابل للتسامح أو الأخذ والرد، لماذا..؟ لأن هذا الكائن البشري ما عاد يصغي إلى ندائه الداخلي، وبالتالي فقد أراح نفسه من مشقة البحث وعناء التطلع إلى ما يمكن

١ـ الزخرف: ٢٣.

٥٢
أن ينشئ جسراً أكثر حيوية وواقعية، بين واقعه وبين ما تصبوا إليه نفسه بفطرتها.

وقد انهمك في الأشياء التي توفر له مساحة العيش غير القلق بحسب ما يظن، بيد أنّ الله سبحانه لا يتجاوز عن إنسان غير آبه بما سيؤول إليه حاله نتيجة عدم بلوغه هذا الاطمئنان عن طريق إعمال جميع ملكاته الواعية، وعدم الاكتفاء بما ورثه عن آبائه أو غيرهم، مهما كان حظ هذا الميراث من الصحة كبيراً، لأن مصيره لا يرتهن بمن سلف، إنما هو مضطر لأن يذهب في تأمله، باحثاً عن حقيقة انغمست في أعماقه، مستجيباً لندائها دائم التنبيه، وانه بغير هذه الاستجابة وبسوى هذا الطريق سوف ينطبق عليه فيما نرى قوله تعالى: (لقد كنتم أنتم وآباؤكم في ضلال مبين)(١).

هذا الجانب الذي ركب جراء جملة العناصر التي من أهمها: الرغبة في الإجابة على الأسئلة القلبية، والتي غالباً ما تجد لها نصيراً في الحياة العامة التي يعيشها الناس، وبالخصوص عندما يدرك الموت أحد الأشخاص، فيقف الآخرون وقد أطبق عليهم العجز من تفسير هذا المشهد!، ومنها الاستئثار والتمسك بالموروث كأحد أهم الإجابات على هذه الأسئلة، بالطبع إن هذه المواصفات، والموروثات تجد لها سدنة يحمونها من الزوال ويعملون على

١ـ الأنبياء: ٥٤.

٥٣
كتاب معراج الهداية للدكتور سعيد يعقوب (ص ٥٤ - ص ٧٤)
[image] - مركز الأبحاث العقائدية

٥٤
يوصلها بغاياتها، مثلما نعوّل عليها في فك رمز هذا البحث الداخلي السائر لا محالة بدافع الفطرة نحو شأن كوني تعرفه الفطرة وتهتدي إليه، وهذا ما يشكل هدفاً حقيقياً لا دخل للأنظمة الاجتماعية بها إلاّ من قبيل فرض بعض القوانين والقيم التي تغلفها، الأمر الذي يجعله خاضعاً في الغالب ـ ما لم يتخلص بكفاءته ـ لهذه المفاهيم التي تعيق قدرته على بلوغ صفاءه، لكن هذا بدوره يحتاج من الفرد بذل مجهود مضاعف عندما يذهب نحو فطرته الأولى، المقام الرفيع الذي يخوله الانكشاف إلى حقيقة الإمام.

إن هذا جانب مركّب في طبائع الناس، يجعلنا نعتقد أنه من مكامن الحجاب الحقيقي الذي يحول دون بلوغ درجة من الشفافية يُلامس معها الكنه، ويُتعرف عليه وهو هنا عند هذه المنطقة ينجذب نحو ملاذه، ويلجأ إلى إمامه عياناً.

الخلاصة

نخلص من هذا البحث إلى النتائج التالية:

ـ إن النفس الإنسانية بما هي ذات متسعة الأبعاد عميقة المعنى، يدور حولها محور هو الأهم في الرسالات السماوية، وقد بنيت مختلف التأملات والأفكار على أسس تبحث في معرفتها، ومن هذه المعرفة ينطلق الإنسان إلى معارف أخرى غيرها، وإنّ عدم معرفتها

٥٥
يلزم منه بالضرورة الجهل في سواها، يقول: "صدر الدين الشيرازي": "إنّ النفس مجمع الموجودات، فمن عرفها، فقد عرف الموجودات كلها"(١).

فمنها إذن يتم الانطلاق إلى معرفة العالم الذي يقودها نحو العالم الروحاني الذي فيه تجد ضالتها، وعلى أعتابه تنكشف لها حقائق ميولاتها الأزلية منها والآنية، وهناك يعرف تعلقها.

وعند هذه النقطة سوف لن يحتاج المرء إلى كثير مشقة، حتى يتعرف على ما هو ومن هو الإمام، منبثقاً من هذه المعارف، من داخلها، حتى يتمكن بعد ذلك من المصداق الخارجي للإمام، والذي يتجسد عياناً في أشخاص قد اصطفاهم الله تعالى، لما في ذواتهم من ملكات اهلتهم لهذا الاصطفاء، ويكون الإمام في هذه الحالة، هو ملاذ النفس ومركز طمأنينتها ملتحماً مع كينونتها، معبراً عن حاجة الفطرة السليمة إليه، متجسداً ومتحققاً عياناً بمصداق إنساني موجود على الأرض.

فهو كامل، لأن الإنسان الذي بلغت نفسه هذا الصفاء، أحس بتعلقها بالجلال والجمال اللذين لا يخامرهما النقص.

ولمّا كانت الغاية الواقعية هي التعلق بالكامل، أبت النفس أن تميل نحو تعلق بالنواقص، وباعتبار إنّ معرفتها من ضرورات

١ـ انظر: كتاب أسرار الآيات: صدر الدين الشيرازي، دار الصفوة بيروت ط١٩٩٣، ص١٣٦.

٥٦
المعارف الحقّة التي تقود إلى المعرفة الكلية، كان على المرء حتى يبلغ مكمن اللوذ بالإمام أن يكشف عنها حجبها، ويعينها على الخلاص من العوالق والتوجه نحو النواقص، فهي حينئذ سوف تنجذب تلقائياً إلى إمامها الذي لا يدخلها في باطل، ولا يخرجها من حق.

ومن أجل تعيين هذه النتيجة نقول:

إن الإمام بهذا اللحاظ، سوف يكون الملجأ الإنساني، ويكون ملاذ البشرية جمعاء، لا ينحصر في فئة ولا في قوم من الناس، ولا يقتصر وجوده على مكان، ولا ينبغي أن تخلو الأرض منه ليوم واحد لا في القديم ولا في الحاضر ولا في المستقبل، وبالتالي فهو مركز الهداية إلى الله سبحانه، وبمثل هذا التعيين تظهر لنا دلالة قوله تعالى: (من يهد الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً)(١).

بعد هذه النتائج التي بلغنا إليها، نلتفت إلى أنّ الإمام الذي اتضحت بالنسبة لنا ماهيته هو بالضرورة مصطفى من قبل الله تعالى، مجعولاً في الناس أبداً، وهو غير القادة والحكام، وإن كانت من ضمن ملكاته هذه الوظائف العادية، وليس هو بالحاكم العسكري، ولا رئيس الدولة، وليس صاحب شأن دنيوي من هذا النوع أو ذاك،

١ـ الكهف: ١٧.

٥٧
لكن جميع هذه الشؤون من ضمن ما يمتلكه، لتمتّعه بالكمال في كل شأن، ولعدم عجزه أو نكوصه عن القيام بكامل الأدوار البشرية، ونذكر هنا أن السيد المسيح(عليه السلام) حين قال: "مملكتي ليست من هذا العالم"(١) كان يقصد أنه مكلف بالإمامة من الله عزّوجلّ.

ونشير هنا إلى أنّ معرفته عياناً تنطلق من معرفة النفس التي تفيد معرفة الحقائق المتعينة في الأحوال، لذلك جعل رسول الله(صلى الله عليه وآله)معرفة الله مرتبطة بمعرفة النفس، فإذا كانت معرفة الله أشد وأكثر أنواع المعارف احتياجاً للصفاء وعدم الاختلاط والتداخل بينها وبين هذه المعرفة، أي عدم قطع طرقاتها بما يشوب مسيرتها، فإنّ معرفة الإمام من نفس الجانب ومن ذات المتجه الذي يسار به نحو معرفة الله.

يقول النبيّ(صلى الله عليه وآله) "من عرف نفسه، فقد عرف ربه"(٢)، وسأل رجل النبي(صلى الله عليه وآله) قال: يا رسول الله: كيف الطريق إلى الحق، فقال: "معرفة النفس"(٣) وفي كلام لعليّ(عليه السلام): "معرفة النفس أنفع المعارف"(٤)، وللباقر(عليه السلام): "لا معرفة كمعرفتك بنفسك"(٥).

ونجمل جميع هذه الأقوال تحت قوله(عليه السلام): "ومن عرف نفسه، فقد

١ـ أنظر انجيل متّى: ١٠/٧، من التفسير التطبيقي للكتاب المقدّس.

٢ـ عوالي اللآلي للأحسائي: ٤/١٠٢، بحار الأنوار للمجلسي: ٢/٣٢.

٣ـ أنظر عوالي اللآلي لابن أبي جمهور: ١/٢٤٦، مستدرك الوسائل للنوري: ١١/١٣٨ (١٢٦٤٣).

٤ـ أنظر غرر الحكم للآمدي: ٩٨٦٥.

٥ـ أنظر تحف العقول لابن شعبة: ٢٨٦، بحار الأنوار للمجلسي: ٧٥/١٦٥.

٥٨
انتهى إلى غاية كل معرفة وعلم"(١)، ولن نحتاج إلى توضيح بعد هذا، فإن الغاية من وراء كل معرفة ومن وراء كل علم، هي شعور المرء بأنّه كامل من جميع جوانب الكمال ولا نزيد على ذلك، ولابد أنّ الكمال غاية لا مزيد وراءها، وإنّ بلوغه بالمعرفة لا يتحقق سوى بالإمام، وإذا عطفنا كلامنا هنا على خطبة الإمام عليّ(عليه السلام) التي يأتي منها: "أول الدين معرفته ـ أي الله ـ "(٢) سوف نجد تلازماً ضرورياً، بين: "من عرف نفسه فقد عرف ربه" وبين "أول الدين معرفة الله".

إنّ هذا التلازم يلتقي بالدقة عند منطقة الفطرة، لأنّها المكان الذي يجتمع فيه العلم الأوّل الذي تنزع نحوه الحاجات والميول، فالمراد أنّ المعرفة كامنة في جوهر النفس، وأنّ جميع الأعمال الجارية من أجل أصلاحها وهدايتها، هي سائرة نحو هذا المتجه، وإنّ الذي ينبغي أن تبذل من أجله كلّ جهود المعرفة، هو أين تجد ملاذها، وتطمئن الاطمئنان كله، وإذا بلغت بنا النتائج هذا المكان، وقيل أين هو؟ أو في أي جهة أو طريق ينبغي أن تتجه بنا الآليات المعرفية حتى نوجهها نحو الأمام؟ وما هو المصداق على جميع هذه الأُطروحة؟ فإن هذا سيحيلنا إلى تناول الإجابة عنه في البحوث القادمة.

١ـ غرر الحكم للآمدي: ٨٩٤٩.

٢ـ انظر: نهج البلاغة: الخطبة الأُولى.

٥٩

الفصل الثاني: بين الإمامة والقيادة

بعد أن اتضح لنا أنّ الإمام هدف تسعى نحوه الذات، ينبغي لنا أن نفرق بين الأمرين التاليين، لأنّ عدم الالتفات إلى الفوارق بينهما يعيق حركة الفكرة، أو يحرفها عن مسارها الذي تسعى نحوه.

الأمر الأوّل:

أن لا ينفصل مفهوم الإمامة عن شمولية الإمام وأن لا يتجزأ هذا المفهوم، وسنوضح ذلك فيما بعد.

الأمر الثاني:

التيقن من أنّ الإمام حاجة تسعى الذات البشرية نحوها بالفطرة، لتلمس هديها بجميع أبعاده، وليس يصح فيها العكس فيما نرى.

وبعد أن يتم هذا التفريق، وتتم معرفة هذين الأمرين، يمكننا أن نستوضح أبعاد كل منهما بحسب مقتضيات هذا المبحث.

أمّا عن الأمر الأوّل الذي يتناول ربط مفهوم الإمامة بمعناه الشمولي فإنّ أقرب معادل نجده له هو (المثال) في المصطلح الفلسفي، والمثال يساوي الكمال والغاية الأسمى التي تحدّد نزوع وسلوك ونشاط الفرد والجماعة(١)، إنّ هذا المثال يتموضع داخل كل رغبات الإنسانية مهما جفت وخفت بريق صفائها، وهو يلهم الناس ويعبئهم

١ـ معجم المصطلح الفلسفي، توفيق سلوم: ٤٢٧.

٦٠