×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

معراج الهداية / الصفحات: ٨١ - ١٠٠

وإذا صح هذا الارتباط ـ وهو كذلك ـ فإنّ ارتباط ولاية الذين آمنوا بها ستكون قد اقتربت من ظهورها عياناً، كيف ذلك؟

نلاحظ في عدد غير قليل من آيات القرآن الكريم، أنّه تعالى عندما يتحدّث عن الولاية فإنّه يشير إلى أنّها رابطة تنشأ بين أطراف، أما ثنوية أو متعدّدة.

ففي الآيات التي تتحدث عن مرجعية الولاية لله سبحانه، يمكن أن نلاحظ الأمور الآتية:

يرتبط مفهوم الولاية في القرآن الكريم فيما بين الذين يتولون الله سبحانه ـ والذين يعرضون عنه ـ أيضاً بعدّة جوانب، أهمها ذاك الجانب الذي يخاطب الفطرة خطاب تعيين، أي خطاب عالم متحقق من أنّها تحفز البشر نحو الاستجابة لمطلبهم الأساسي، وهو بلوغ رتبة كمالهم، والذي لا يتحقق بدونه إمام يهدي إلى وصولهم نحو ربهم مطمئني القلوب.

لكنهم يغضون بصائرهم عنها، وعند ذلك نلاحظ أنّه ينعتهم بالضالين (ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً)(١)، لأنّهم خالفوا ذاك البسيط النقي في سرائرهم وعاندوا، فصاروا إلى ولاية الشيطان.

ونحن في مباحث الإمامة، ما نزال نتوسع شيئاً فشيئاً، باحثين

١ـ الكهف: ١٧.

٨١
عن نقاط كبرى وأساسية في نظرية الإمامة وفق المنهج الإسلامي القرآني.

إذن، إنّ خطاب الفطرة هذا، هو خطاب يحتوي على تصريح بأنّ الله وليّ الذين آمنوا بعضهم أولياء بعض، وأنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله) أولى بهم من أنفسهم، وأنّ الذين يبلغون هذه الرتبة (لا خوف عليهم ولاهم يحزنون)(١).

فالذين استجابوا لداعي الله، وكانت فطرتهم قد اتخذت لها ملجأ نَحو ملاذها ـ أي إمامها ـ وبلغت درجة الإيمان، فإنّ القرآن الكريم يحاكي هذه الفطرة، يحاكي هذا الإنسان ذا اللب الفطن، بخطاب النصرة، أي ترتبط الولاية بالتأييد والنصرة والمعاضدة.

فإنّ الله هو الولي، وهو النصير الذي لا يوجد سواه ناصر عند الملجأ، وهو ولي الذين آمنوا بالنظر إلى كونهم يتمتعون بهذا الحق الممنوح لهم من قبله تعالى، وفضلاً عن هذا، فإنّ الله سبحانه منح رسوله محمد(صلى الله عليه وآله) ولاية المؤمنين على أنفسهم، بل جعله أولى بهم منها، وهو قوله: (النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم)(٢)، أي أحق منهم بولايتهم على أنفسهم.

فثمة إطلاق ولاية أمر المؤمنين بمعناه الشمولي، أي بكل دقيق من دقائقه وبكل تفصيل من تفاصيله، وجعله بيد الرسول(صلى الله عليه وآله) حيث

١ـ يونس: ٦٢.

٢ـ الأحزاب: ٦.

٨٢
مكّنه من الولاية على نفوسهم، وجعلها أفضل من ولايتهم هم أنفسهم عليها.

وفي جميع هذه الحالات، نرى أنّ القرآن الكريم يشير إلى المؤمنين بشي من التخصيص، أي إلى أولئك الذين يبلغ إيمانهم تلك الدرجة الرفيعة التي تؤهلهم لأن يجعلوا ولاية أنفسهم بيد رسول الله(صلى الله عليه وآله)، وهذا ليس لعامة من آمن فيما يفهم، إذ أن القضية ذات عمق أكثر، منها إشارة إلى السطح في درجة يسلم معها نفسه طوعاً له، كما يسلم رسول الله(صلى الله عليه وآله)، عن يقين نفسه لولاية ربّه.

ومن المعروف أنّ الولاية الإلهية هي ولاية خالق على مخلوق، وهذه تحمل جانباً من جوانب السلطة المتاحة في الأصل للمالك الذي بيده الأمر، وهو يخرجه منها ويعيده إليها، أمّا فيما يختص بعناية رسول الله(صلى الله عليه وآله) وولايته على أنفس المؤمنين، فإنّها وإن كانت تحمل ذلك البعد الذي منحه إياه الربّ عزّ وعلا، فإنّها تتمتع بالإحالة إلى فهمها على أنّها ولاية يطلبها المؤمن اختياراً، حيث أن سلطة رسول الله(صلى الله عليه وآله) ـ أي ولايته ـ على الأنفس نابعة من كون المؤمن بلغ درجة أيقن معها أن هذا الرسول(صلى الله عليه وآله) هو مخرجه ومدخله إلى ولاية ربّه، لا عن طريق التوسط، بل عن طريق الدرجات التي يتقرب ويرتفع من خلالها المؤمن، ويفيدنا هنا أن ننظر في الآية المباركة التالية: (إِن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي

٨٣
والذين آمنوا)(١).

ولا ينبغي أن يفوتنا، إنّ هذه الآية قد جاء قبلها تحديد منهج الديانة الإبراهمية، فقال تعالى: (ما كان إبراهيم يهودياً ولا نصرانياً ولكن كان حنيفاً مسلماً وما كان من المشركين)(٢).

إن إبراهيم(عليه السلام) صاحب رتبة إمامة الناس المجعولة من قبل الله تعالى، وصاحب الخط الإسلامي غير ذي العوج، وهو أحد أهم ما يمكن أن تقاس عليه معرفة المؤمنين الذين هم في الرتبة مع رسول الله(صلى الله عليه وآله) في مفهوم الولاية، وكيف لنا أن نستدل على هذا؟

إنّ الطريق في الاستدلال بحاجة إلى التبصر في كتاب الله أوّلا، فكتاب الله لا يأتي بالأُمور اعتباطاً، بل هو (يهدي للتي هي أقوم)(٣)، وعند الحاجة الحقيقية إلى نصرته، فهو يكفي من تولاه، ولا يترك حاجته عند سواه.

هذا قانون ثابت بيّن من قوانين القرآن الكريم، وهو دائم السيرورة، أنظر كيف يوهن القرآن الكريم من أتخذ أولياء له غير الله في قوله تعالى: (مثل الذين أتخذوا من دون الله أولياء، كمثل العنكبوت اتخذت بيتاً وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون)(٤).

١ـ آل عمران: ٦٨.

٢ـ آل عمران: ٦٧.

٣ـ الإسراء: ٩.

٤ـ العنكبوت: ٤١.

٨٤

الموازنة بين النور والظلمة

إذا كانت الفكرة قد استوت على جادتها، واستقام لذي بصيرة مفادها، فإنّ الإمامة عنت لدينا غاية الرجاء، وبها تستقيم المعارف، وعليها يتوكأ السائر إلى غاية ينفطر لأجلها عمره، وتسترق أيامه، لا عن عبودية لسوى الله تعالى، إنّما عن طلب الهادي إليه، فهو سبحانه أشار إلى سبل معرفته بالاقتداء بمن يهدي، على أنّ هذا الذي يهدي بالغاً مبلغ الكمال، الذي تخشع له النفس الإنسانية رغبة في اسهامه في تلبية طلبتها، يقول عزّوجلّ: (أفمن يهدي إلى الحق أحقُّ أن يتّبع أمن لا يهدي إلاّ أن يهدى، فما لكم كيف تحكمون)(١).

إنّ لهذه الكلمات الشريفة سعة لمن أراد التوسع، فثمة من يهدي إلى الحق، وهو مفطور عليه لا يحتاج معه إلى تبيان، لأنّ الكلمات أرفقت بضرورة الإتباع لهذا الهادي الذي لا يحتاج إلى من يصوّب له طريقه الذي يسلكه في عملية الهداية، قارن قوله تعالى في متابعة الآية الشريفة: (أمن لا يهدي إلاّ أن يهدى)، فثمة راية للحق تعرفها السرائر، لا يغفل عنها من ينظر إليها، وهذه الراية خلّفها محمد(صلى الله عليه وآله) في آل بيته(عليهم السلام) كيف؟

ننظر هنا في كلمات أمير المؤمنين(عليه السلام) لدى ترتيب هذا الأمر، يقول: "ونشهد أنّ لا إله غيره، وأنّ محمد عبده ورسوله، أرسله بأمره

١ـ يونس: ٣٥.

٨٥
صادعاً، وبذكره ناطقاً، فأدّى أميناً، ومضى رشيداً، وخلّف فينا راية الحق" هذه الراية ما فتئ أنبياء الله يورثونها سدنتها الحقيقيين، فهي أمان جملة الكون، لأنّ الله سبحانه تعهدها واجرى سنته في الحياة على الحفاظ عليها، وتوافينا متابعة كلمات الإمام عليّ(عليه السلام) بمزيد من الإيضاح هنا عند قوله: "ألا إن مثل آل محمد(صلى الله عليه وآله) فيكم كمثل نجوم السماء، إذا خوى نجم طلع نجم، فكأنكم قد تكاملت من الله فيكم الصنائع، وأرآكم ما كنتم تأملون"(١) ان اللطيف صانع الملكوت يعرف ما نأمل، ويعرف الرجاء الخفي في أعماقنا، فلا يكل أمر تطلعاتنا لسوى (المثال).

وعلى أساس كهذا نختم دلائلنا النهائية في مفهوم الإمامة ومعناها، ونشير هنا إلى أنّ الدين الإسلامي بما هو ختام للأديان السماوية السالفة جميعاً، قد أشبع مناورات النفس ومصارعاتها، ليقول كلمة تفصل بين الحق والباطل في شرحه لمسيرة البشر وتبيينه لطرائق علاج ما يطرأ من مضر على السلوك السليم.

جدل الزوال والبقاء

سوف يسأل سائل: وما هو السلوك السليم حتى يوازن ما بينه وبين المرض؟

١ـ أنظر نهج البلاغة: الخطبة ٩٩.

٨٦
وتجيبنا الأبحاث العلمية في مجالات السلوك الإنساني، على هذا بالقول: إنّ تعلق الإنسان المفرط في أي من اللذائذ الغريزية يقود هذا المرء إلى هلاك من نوع ما.

فإن كان لجهة الأُمور المعيشية، فإنّه يبذل جهوداً من أجل تحسين معاشه بالقدر الذي ينبغي لجسده أن يحتمله، وإذا ما زاد الجهد فإنّ التعب كفيل بالإتيان على قواه، وتدريجياً سوف يخسر تلك المقدرة.

وإن كان في وسائل اللّذة الجسدية، فإن للجسد طاقة قبالة أية لذة، وعند استنفاذ هذه الطاقة ينبغي الإسترخاء من أجل الإستعاضة، وفيما لو لم يحدث هذا فإن الجسد معرض للهلاك.

ولا نرغب في الإسهاب في هذا، فهو بيّن وغير محتاج إلى توصيف، لكن العلم والمعرفة غاية لا تهلك، وإنّما تربى وتنمو، وتزيد بالتبصرة، وتعطي لكل شيء حقّه، وهنا مكمن شغف الناس في كشف المجاهيل بكل أصنافها النافع منها والضار.

ونريد أن نوجز أخيراً فيما أسّسنا له عند تناولنا جوانب الإمامة، بأنّ الإسلام دين واسع الأبعاد مليء بالمنفعة ملء الحياة، لكننا سوف نطرح سؤالا هنا من صنف تلك الأسئلة الإشكالية، وغايتنا من ورائه اشعال فتيل الفكرة التي تدخلنا إلى محراب الإمام عليّ(عليه السلام)كباب لمعرفة سرّ الإمامة في الناس، والسؤال هو:

٨٧
هل قال الإسلام كلمته التامة وانتهى، أم أنّه يختزن بعد ما لم يأت أوان البوح به؟ قبل الإجابة أو التحرك في أجواء هذا التساؤل، نأمل أن نلتفت إلى هذه الآية الشريفة يقول عزّمن قائل (كتب الله لأغلبن أنا ورسلي)(١)، وقوله تعالى أيضاً: (ولقد كتبنا في الزبورِ من بعد الذِّكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون)(٢)والناظر في هذه الكلمات الشريفات، يعرف أنّ الله سبحانه ليس مع خلقه في صراع حتى يشير إلى أنّه سيغلب هو ورسله، وأنّ الأرض ليست ميراثاً لغير الصالح حتى يرثها فيما وراء ذلك الصالح، وإنّما يفهم عند التأمّل الدقيق لهذه الكلمات، أنّ الناس سوف تصل بالنتيجة إلى حتمية السير نحو تعليمات الله، لأنّ كل مسيرة في خلافها كيفما كانت لن توصل السائر نحوها إلى جهة تحقيق سعادته بدون الاسترشاد بهدي ربّه، وإنّ التجارب الإنسانية والأنظمة التي يستمدها من خلال تراكم خبراتهم وتوالي تجاربهم دائمة النقص ودائمة التغيير، إلاّ أنّه سبحانه يرسي قواعد سلامية العيش في الحياتين، عندما يصف أنّ الغاية من وراء الرسل التي يرسلها تكمن في إقامة الناس على جادة الصواب بالعدل.

يقول سبحانه وتعالى: (لقد أرسلنا رُسلنا بالبيِّنات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط)(٣)، يريد: لم نجعل

١ـ المجادلة: ٢١.

٢ـ الأنبياء: ١٠٥.

٣ـ الحديد: ٢٥.

٨٨
الأمر على الناس غامضاً ملتبساً، بل أزلنا الشبهات، وبالرسل وافينا الناس بما يجعل سيرهم واضحاً، وطرقاتهم سليمة، ولكي يستمر هذا المنطق مع الأجيال، أيدنا الرسل بالكتاب الذي يحكم به بين الناس، وتوزن على أساسه مقامات السير الصحيح بهم من السير الخاطىء، والغاية كما تفيدنا الآية الشريفة هي أن لا يظلم البشر بعضهم بعضاً، ولا يظلموا أنفسهم كذلك.

إذاً كأنّك تصلّ معي أيّها الأخ الكريم إلى أنّ الله سبحانه قد بيّن لمخلوقاته أنظمة العدل بعد أن أرسل الرسل، وأقامت هذه الرسل البيّنة، وثبّتها الكتاب، وجميع هذه المراحل الرسالية تهدف نحو رجاء الناس في أن يمحق الظلم الذي يشكّل العائق الأوّل والأشد أثراً على تقدّم ووعي المجتمعات، وصلاحها وسلامة سيرها.

وبدلالة عدم إنقطاع طرائق العبادة تاريخياً وحضارياً بين بني الإنسان التي لفتنا إليها في أماكن متقدّمة، نتعرّف على أن الدين لم يخترع من قبلهم وإنّما بادر الرسل إعطاءهم النصح وتعلم البقاء في كنف الله، حتى يتيسّر لهم المسير نحو العدل، ولا يظلم بعضهم بعضاً، فكانت النبوّة شجرة تمتد فروعها أبداً وفي كل فينة وأوان تؤتي ثمرة من ثمارها، ولهذه الثمرة التي تنعم بها الحياة امتداد واستمرار، يقول عليّ(عليه السلام) في ذكر النبيّ(صلى الله عليه وآله): "اختاره من شجرة الأنبياء، ومشكاة الضياء، وذؤابة العلياء، وسُرّة البطحاء، ومصابيح الظلمة، وينابيع

٨٩
الحكمة"(١).

وهذه الشجرة أصيلة في وجودها، ترعى الخلائق بثمارها ولهذه الثمار موازين، هي مقامات الخروج من الظلمات والولوج في ملكوت النور، ومنابع الحكمة التي تسري في وجود الحياة، لكأنك هنا تلحظ معي ذاك الربط بين النور والظلمة، هذا التضاد، وبين الينبوع الذي يرمز إلى الماء الذي هو سرّ الحياة وعلى هذا القول نقف قليلا لنتبيّن الروابط التي أشار إليها عزّوجلّ في كتابه وبيّنها نبيّه محمد(صلى الله عليه وآله) والإمام علي(عليه السلام) في نهجه.

يذكر القرآن الكريم في العديد من المواطن، أنّ الذي ينحرف عن سبيله يلج الظلمة، وأنّ سبيله هو النور كلّه، والذي لا شكّ فيه هو أنّ الله سبحانه خلق الخلائق محبّاً لها وهذا داعي متابعتها بالهداة أبداً، ويقول تعالى في وصفه لأوليائه (الله وليُّ الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور)(٢).

ولعلّنا نستدرك بشيء من التأمّل أن تولي الله غير متحقق بدون الإلتفات إلى الرسل الذين بعثوا بالبينات والنظر في كتاب الله الذي يحمل في جنباته النور، وننظر هنا في قوله سبحانه: (فالذين آمنوا به وعزّروه ونصروه واتّبعوا النور الذي أُنزل معه)(٣) والنور هنا هو الكتاب أو ما في الكتاب، بحسب ما يستلهم من قوله تعالى:

١ـ أنظر: نهج البلاغة: الخطبة ١٠٧.

٢ـ البقرة: ٢٥٧.

٣ـ الأعراف: ١٥٧.

٩٠
(قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين)(١) أو قوله تعالى: (كتاب أنزلناهُ إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور)(٢).

وإذا استرسلنا في متابعة الذكر الحكيم واستخراج ما يفيض الله سبحانه، نلحظ أن النور الذي يبعد عن القلب حجب الظلمات، له وطن واحد يعرف به، ويلجأ المخلوق نحوه، وهو مستودع هذا النور، وهو (النبيّ، الرسول، الإمام) في آن واحد معاً، يذكر سبحانه هنا قوله: (هو الذي ينزل على عبده آيات بيّنات ليخرجكم من الظلمات إلى النور)(٣) ففي الناس من يهدي دائماً إلى نور الله قائماً بكلماته، غير عابئ بخلاف الحق، فيه خصال الجمع لمواطن العدل، كما رسّخ عزّوجلّ بإبراهيم(عليه السلام)ذلك المستودع العظيم للشأن الشامل للنبوة والإمامة حين أعلن نصاب هذه المرتبة بقوله: (وإذ ابتلى إبراهيم ربُّهُ بكلمات فأتمّهن قال إني جاعلك للناس إماماً)(٤)، ومعلوم أنّ الله سبحانه واتر الرسل في الناس، يقول تعالى: (سُنّة من قد أرسلنا قبلك من رسلنا ولا تجد لسنتنا تحويلا)(٥) وقوله: (ثم أرسلنا رسلنا تترا)(٦).

إنّهم كما سلف شجرة النبوّة، الهداة إلى الحق بنور ربّهم، وقد جعلت فيهم وفي ذريتهم خاصة، ولنقرأ معاً هذه الآية المباركة:

١ـ المائدة: ١٥.

٢ـ إبراهيم: ١.

٣ـ الحديد: ٩.

٤ـ البقرة: ١٢٤.

٥ـ الإسراء: ٧٧.

٦ـ المؤمنون: ٤٤.

٩١
(ولقد أرسلنا نوحاً وإبراهيم وجعلنا في ذريتهما النبوة والكتاب)(١) التي تدلنا على المواطن الذي لا يتحوّل إلى سواه اللب عندما تكون النفس باحثة عن غشية النور، فارة من دياجي الظلمات.

ويمكن أن نسلهم من كتاب الله ما يفيدنا أنّ مثل هذا المقام ليس من العسر بلوغه، بل أنّه في غاية اليسر، فالفارق الجوهري بين النور والظلمة كما بيّناه من المنظور القرآني، هو قيام الناس بالقسط بحسب ما تقدّم، ولكن هل هذا المطلب قليل حتى لا يستجيب له الناس، هل يرغب بني البشر بتعقيدات وتنظيرات وفلسفات حتى تتكشف لهم وسائل التحقّق من سلامة العيش.

هنا تكمن أهمية ما تقدّم من مباحث الاستجابة للفطرة السليمة، التي تصبو النفس لرفع الحجب لتعرف إمامها، والذي نعوّل عليه أخيراً، هو الفارق بين من أبصر ومن هو غاض بصره، كيف؟

لنستمع إلى هذه اللفتة القرآنية في تحديد منازل الظلمات والنور، يقول سبحانه وتعالى: (هل يستوي الأعمى والبصير أم هل تستوي الظلمات والنور)(٢)، ثمة ما يثير في المتأمل شهوة التعمّق في هذا الكلام، حتى يبلغ بإذن الله مراده لعل الظلمات مساوية للعمى هنا، مثلما النور مساو للإبصار وفي الموازنة بين

١ـ الحديد: ٢٦.

٢ـ الرعد: ١٦.

٩٢
الإبصار والعمى، ينبغي أن ندخل عمق وروح هذا التعبير، بعد أن نعرض الآية التالية: (وما يستوي الأعمى والبصير * ولا الظلمات ولا النور)(١).

اتضحت لنا الآن سوية النور وسوية الظلمة، إنّ النور يساوي الإبصار بحسب هذا الاستنتاج، كذلك تساوي الظلمة العمى، لكن الواقع أنّ العمى الذي ترجح الإشارة إليه هنا، ليس عمى العيون التي تنقل المشاهد الخارجية إلى العصب البصري ليذهب بدوره إلى مركز الاستقبال الدماغي فيكون له معنى ينطبع في المخيلة، وإنّما الوارد أن يكون هذا العمى هو عمى الذات، أي تيهها واستغراقها في الجهل وعدم دراية المتجه مع وضوحه وبيانه، وهذا يؤخذ من قوله تعالى: (فإنّها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور)(٢) وإذا حملناها على هذا المحمل، فإنّ القلب الذي يشار إليه في القرآن هو مركز التعقل ومكمن الإستجابة للنداءات، وهو الذي يقابل الإبصار بالنور، أو الذهاب في العمى.

وتشير الآيات الكثيرات اللواتي يخاطبن قلب الإنسان لا عناصره الخارجية، إلى أنّ المقصود بالموقع الذي يخاطب على الإستواء بين الإبصار والعمى هو القلب يساوي الحقيقة العاقلة البشرية، فننظر قوله سبحانه: (أفلا يتدبّرون القرآن أم على

١ـ فاطر: ١٩، ٢٠.

٢ـ الحجّ: ٤٦.

٩٣
قلوب أقفالها)(١).

وغني عن البيان أنّ القلب المشار إليه والذي يتولّى مهام التدبّر، هو الذي يملك آلية تقليب أوجه الأمر واستشفاف ما ينفع مما يضر، كذلك عند سماع هذه الكلمات: (نزل به الروح الأمين * على قلبك لتكون من المنذرين)(٢) فالرسالة عهد الله، ونوره كتابه، تنزل على القلب الذي يملك تحملها وحفظها ومبادرتها.

وكذلك لا يسع الباحث أن يقول أنّ القلب هو تلك العضلة التي تشبه المضخة التي تقذف الدم إلى العروق، إنّما هو الجوهر الإنساني المخاطب، وهو مكمن الفكرة الخالصة، وروح العقل، لذلك تشير الآيات الكريمات إلى أنّ القلب مكان التعقل والتّفقه والتفكّر ويقول تعالى: (لهم قلوب لا يفقهون بها)(٣)، وهذا المكان هو موطن الإيمان بعد ذلك، وموطن عدمه أيضاً، في قوله تعالى: (ولما يدخل الإيمان في قلوبكم)(٤)، وقوله تعالى: (لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم)(٥).

من جميع ما تقدّم وسواه من واسع فيض كلامه سبحانه، نستنتج أنّ القلب هو الموطن الذي استهدف رسل الله ايناعه وعملوا على

١ـ محمد: ٢٤.

٢ـ الشعراء: ١٩٣، ١٩٤.

٣ـ الأعراف: ١٧٩.

٤ـ الحجرات: ١٤.

٥ـ المائدة: ٤١.

٩٤
انباض جنباته بالنور، وهو مركز استقطاب هذا النور، وهو الذي تتعيّن الفطرة في عمقه، فإن حجب عمي، ولا يستوي حين ذاك صاحبه مع من لا يرى إلى أين ولا كيف يسير، وعلى هذا القلب أن لا يتباطأ منذ الآن، ثم التعرف على هداته من أجل التقاط خيط النور، والإفلات من ضلالات الظلمة.

وإنّ الله سبحانه بما خصّ به مخلوقاته من حبّ، بأن أفاض عليهم نعمة الوجود، لعالمٌ بسرائرهم، كما هو عالم بما يصرفهم عن حقيقة بحثهم ودأبهم نحو مثالهم وكمالهم، فواتر فيهم أنبيائه منذ أقدم عهودهم، وأيدهم برجالات ينصرونهم، وتمايزت القلوب في المؤيدين، وتفاوتت منازلها كلٌّ بمقدار، إلاّ أنّه سبحانه لم يخل الأرض من هاد أبداً، وهذا الشأن يلاحظ في قوله تعالى: (إنما أنت منذر ولكل قوم هاد)(١)، فهو يدلّ على أن الهداة لا ينقطعون من جهة، وأنهم من جهة ثانية يؤدون أدوارهم.

وإلى هنا نصل إلى أنّ (راية الحق) تخلّف في الهداة، وأنّ الإمام لهو الملاذ (المثال)، فلعمري لا تكون هداية الناس إلاّ إحدى خصائصه، وليست جميعها.

١ـ الرعد: ٧.

٩٥

الطريق إلى الإمام علي(عليه السلام)

علينا أن لا نستغرب من هذا العنوان، لأنّه وضع بعد ذلك التمهيد الذي اعتمد منهج التحليل والاستنتاج، من أجل وضع لبنة جديدة في بنيان مفهوم الإمامة عسى ينظر إليها بعين التأنّي، وتؤخذ مع من يتوسع بها إلى ما هو أكثر إفادة ونفع.

ونحن في هذا الفصل بحول الله سوف نحاول الإجابة على مجمل ما يرد على تلك المقدمة في الإمامة من أسئلة أو إشكالات، كما سنحاول بالنتيجة أن نعطي تصوراً موضوعياً في الإجابة على السؤال الإشكالي الذي طرح قبل قليل حول كلمة (الإسلام).

نبدأ أولاً بالنظر إلى انطباق مفهوم الإمامة الذي أجريناه في بحوثنا على الإمام علي(عليه السلام)، ويفيدنا في هذا المجال أن تقسم هذه البداية إلى عدّة أقسام:

٩٦

القسم الأول: في تسلم راية الإمامة

نود أن نذكر بأنّنا وصلنا في الفرق بين الإمامة وأنواع الزعامة التي تنضوي تحت ظلها، ولا تطاولها بحال، ونرغب أن يستمر القارئ معنا في التمسك بالطريقة القرآنية التي تجعل من القلب وطناً للتعقّل.

لقد سمح لنا التحرك في أرجاء المفهوم أن نغادر المعنى الظاهري لكي نتعمق في معرفة الإمام في عيانيتها، وتراءى لنا أنّ الفرق بين النور والظلمة يساوي الفرق بين الإبصار والعمى، ونلاحظ أوّلا أنّ عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) في كلماته يتناوب كلمة (ضياء) كلّما ورد ذكر محمد(صلى الله عليه وآله) أو ذكر القرآن الكريم، أو ذكر أهل البيت النبوي(عليهم السلام)، كذلك نرى أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله) عندما يشير في كلامه إلى أهل بيته(عليهم السلام)، فإنّه يصفهم بأداة النجاة من الغرق، والتي تشبه إلى حدّ بعيد مفهوم الخلاص من الهلاك، والذي يمكن أن يحمل على أن النور هو الخلاص، والظلمة هي الهلاك، فكيف يستدل على هذا النور؟

بالدرجة الأولى ينبغي أن تنقطع نهاية هذا الأمر إلى الله سبحانه فهو الذي يحيله إليه، يقول سبحانه: (الله ولي الذين آمنوا

٩٧
كتاب معراج الهداية للدكتور سعيد يعقوب (ص ٩٨ - ص ١٢٢)
٩٨
التصديق به".

ويقول "الطباطبائي" في معرض شرحه لهذه الجملة: "والتصديق هذا هو الذي يوجب خضوع الإنسان له في عبوديته، وبهذا التصديق يرسخ الاعتقاد ويثبت، لذلك كان هذا التصديق كمال المعرفة"(١).

عند هذا المقام سوف تنطبق الآية الكريمة على أنّ الله سبحانه يتولّى إخراج الذين آمنوا من الظلمات إلى النور، ولكن هذا لا يكون قبل الخضوع للعبودية بحسب قول الطباطبائي.

وإذا حملت هذه العبودية على أولية المعرفة ومتابعتها إلى كمالها، نجد أن الله سبحانه في هديه أجرى قانوناً أورده في كلامه عزّ وجلّ، هو إرسال الرسل وتزويدهم بالكتاب وهم ملاك الطريق إليه، يقول سبحانه وتعالى: (ولقد أرسلنا موسى بآياتنا أن أخرج قومك من الظلمات إلى النور)(٢)، فيمارس الرسول هذا الدور بما أوتي من خصيصة تشتمل على الولاية، فالله عزّ وجلّ كما أثبتنا قبلا هو صاحب الولاية المطلقة على جميع خلائقه بلا اشكال، وهو الذي يتولى المؤمن ويخرجه من الظلمات إلى النور، وهو الذي يمنح هذه الرتبة للهداة الأُول، يمارسون بدورهم الممنوح من قبله عملية إخراج الناس من الظلمات إلى النور.

١ـ علي والفلسفة الإلهية: ٤٤.

٢ـ إبراهيم: ٥.

٩٩
لكن هل انحصرت هذه العملية بالرسل والأنبياء؟ وهل هذه الوظيفة الكونية بما لها من ضرورة وأهمية دائمة أبداً ما دام هنالك بشر على وجه الأرض تنقطع برحيلهم عليهم الصلاة والسلام؟

من الناحية العقلية لا يظهر أنّ ذلك يكون، وعلّته واضحة في كتاب الله سبحانه وتعالى وسيرة الحياة الإنسانية، والذي عليه الحال أنّ المجتمع الذي يعتنق اعتقاداً دينياً حصل عليه من قبل نبيّ أو رسول ثم تغيّب هذا النبيّ أو الرسول، لسبب ابتعاد أو وفاة أو أي سبب آخر وإن كان قد أنجز رسالته، فإنّ هذا المجتمع يأخذ تدريجياً بتغيير هذا الاعتقاد، وفي مثل هذا الحال تذهب العقائد نحو تبدلات تطرأ عليها، وقد تكون هذه التبدلات منذ البدء طفيفة وتأخذ مع الزمن بالتطاول أو التفرع، وقد تكون كبرى كتلك التي حصلت مع نبيّ الله موسى(عليه السلام)، حين غادر أتباعه إلى ميقات ربّه واختفى عنهم وخلَّف فيهم أخيه هارون(عليه السلام)، وأنّه لما رجع إليهم وجدهم قد انحرفوا انحرافاً كبيراً عن التوحيد ودخلوا في الوثنية من جديد.

هذا الانحراف الكبير يورده القرآن الكريم في معرض الكشف عن طرائق البشر في التعامل مع هداتهم، على الرغم من أنّ هذا الهادي يصرف كل جهده في دعوته ويعرض حياته للخطر الدائم والأكيد، لأنّه لا يلين ولا تعرض عليه عوارض قبول التخلي عن رسالته، لذلك كانت الهداة صفوة خلق الله كما يرد في عدد من آيات

١٠٠