×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

معراج الهداية / الصفحات: ١٠١ - ١٢٠

الكتاب الكريم، وإذا كان موسى(عليه السلام) من هذه الصفوة (قال يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي)(١)، وقد برز إلى فرعون وأنجز رسالته وأوفى إلى الذين اتبعوه.

إذا كان موسى ما يزال بين ظهرانيهم، وغادر مستجيباً لداعي ربّه، وخلّف فيهم نبيّاً هو هارون، وأنّ الفاصل الزماني هو عدّة من أيام، نلاحظ كيف انقلبت العقيدة التي تركها فيهم هذا الوقت، يقول الله سبحانه هنا: (واتخذ قوم موسى من بعده من حليهم عجلاً)(٢)، وأين كان خليفته هنا في هذه المرحلة البالغة التعقيد؟ أين كان هارون؟

ويقول الله تعالى في متابعة القصة، إنّ موسى عندما عاد إلى قومه وجدهم قد آلوا إلى العجل فقال: (بئسما خلفتموني من بعدي أعجلتم أمر ربكم وألقى الألواح وأخذ برأس أخيه يجره إليه قال ابن أم إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني)(٣).

وفي الواقع انّ الخليفة الذي تركه الرسول موسى(عليه السلام) لم يكن ضعيفاً ولا ليناً، حتى يقبل بالنزول عن عقيدته، بل أنّه ـ بحسب القصة القرآنية ـ كان رجاءَ توسل موسى لله تعالى أن يحقق له ليشدد به أزره، ويؤيده بنصرته، لكن الحق أنّ طبائع الناس في العقائد والأديان عرضة للاهتزاز إذا لم تكن الهداة على رأس حياتهم

١ـ الأعراف: ١٤٤.

٢ـ الأعراف: ١٤٨.

٣ـ الأعراف: ١٥٠.

١٠١
دوماً، ومع أنّهم يكونوا كذلك، فإنّ التعبير والتحريف في العقائد نصوصاً أو وصايا أو أفعال يجري، فكيف عند غياب المركز؟!

لكن على الرغم من ذلك، نجد نسقاً من المؤمنين بالأديان لا يغادر الصواب، وأنّه إن حصل ذلك وغادرت فئة أو فرد أو جماعة، فإنّ قلوبهم قابلة لإزاحة العمى والعودة إلى جادة النور، وهؤلاء يحظون بعناية كبيرة في الذكر الحكيم، ونلاحظ قوله تعالى في هؤلاء الذين يؤمنون بالأنبياء ويعتنقون دين الله تعالى، ثم يبتعدون عن جادتهم أنه جل وعلا يصفهم: (فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات، فسوف يلقون غياً)(١).

وهنا يستعرض تعالى شريحة تغادر رسالة أنبيائها بعد أن آمنت، وتضيع عباداتها، لكن ثمة تلك الفئة التي اهتزت مواقفها القابلة للرجوع يذكرها هنا قوله سبحانه: (إلاَّ من تاب وآمن وعمل صالحاً فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون شيئاً)(٢).

يتضح لنا من خلال هذا أنّ الناس يوقنون، ثم يتبدلون، ثم يرجعون، ومنهم من يفجر فلا يملك طريقاً إلى نور ربّه فيضل ضلالا، بحيث يصبح قلبه في دياجي الظلمات، وترسخ هذه الظلمات في وجودة، فينطبق عليه القول أنّه ضلَّ بما لا يمكن بعد ذلك شيء من الرجوع، ويصدق عليه قوله سبحانه: (فلن تجد له وليّاً

١ـ مريم: ٥٩.

٢ـ مريم: ٦٠.

١٠٢
مرشدا)(١)، لأنّه أقفل على قلبه، وغادر فطرته إلى الأبد، فلا ملاذ له ولا إمام له فهو في عتمة لا نور فيها.

وفي الناس من تلج الظلمة قلبه، ويستغرق فيها ردحاً، ثم تتجه خطا نفسه نحو تطلعات النور، فتقترب منه تدريجياً إلى أن تلوذ به، وتتحسس آنئذ بواعث الرحمة والهدى، وتنكشف على إمامها، وتتوب من ذاك الذي أقلقها لحين من الدهر.

في حمل راية الحق

ونتبيّن أيضاً أن راية الحق هي راية النور، التي يخرج بها الله الناس من الظلمات تحملها الأنبياء، فتنشر ضياءها إلى الناس، وعند مغادرة النبي يحملها من يقوم مقامه.

وأي مقام هذا؟، بدون شك هذه ليست وظيفة إدارية، ولا هي زعامة سياسية أو عسكرية! أظن أنّ القارئ الكريم، قد انكشفت له الآن بعمق ماهية الفارق بين الإمامة التي ينظر إليها الناس على أنها شكل من أشكال التقدم في شؤون العمل الحياتي، أياً كان هذا العمل، وبين الإمامة التي هي مقام حمل راية الحق، راية النور، المقام الذي يخرج به الله تعالى الناس من الظلمات، وهذا منصب لا يُعطى لأحد إلاّ بالمشيئة والقرار الإلهي.

١ـ الكهف: ١٧.

١٠٣
كيف ذلك؟ نستمع إلى هذا الكلام المبارك من قوله تعالى: (إن الله اصطفى آدم ونوحاً وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين)(١)، إنّ مفهوم الاصطفاء الإلهي هنا لا ينازع، بمعنى لا مدخلية للمخلوقين في إقراره أو عدمه، فالمنطق الذي يحكم حمل راية الحق هو منطق الحكمة الإلهية، وإذا كان الله مولى الذين آمنوا (يخرجهم من الظلمات إلى النور)(٢) قد أنجز مشيئته في وضع الهداة إليه وحمله راية نوره، فالحق في الإقرار بهذا أو نفيه ليس من صلاحيات البشر.

ولقد ثبت على أرض الواقع أنّ هؤلاء الذين اصطفاهم سبحانه هم الذين أنجزوا مشروع الدين في الناس على مدار الأزمنة، وإذا أراد المرء أن يتابع حركة مسيرتهم، فإنه لن يقف على خلاف الحق، ولن يجد فيهم الزيغ عنه قيد أنملة، لا لأنّها وظيفة يمارسونها، فالوظائف التي تمارس فيها الأعمال عادة لا بد من الوقوع فيها بالأخطاء، كيفما كان شكل هذه الأخطاء، صغيرة أم كبيرة، خفيفة في ميزان النظر أم ثقيلة، وإنّما هي كينونة، هي حقيقة، و(النبي الإمام) الذي جعله الله مصداقاً لرحمته في الأرض هو (المثال) وهو مركز النزوع الإنساني إلى الكمال، وهو إذاً المصطفى من قبل ربّ الناس، ليعبر عن نور الله الذي يتحرك في الأرض مجسداً، بعد أن وضعه الله

١ـ آل عمران: ٣٣.

٢ـ البقرة: ٢٥٧، المائدة: ١٦.

١٠٤
في القلب البشري فطرة، ودارت عليه الأزمنة، فغشيته حالات الصدأ، ولا يركن إلاّ للحقيقة التي تعمل توجيهات هذا الإمام على إظهارها فيه.

هذا المجسد لهذا النور هو قائم في الناس، لا يتغيب، وهذا القيام له تحققات متعدّدة، سوف نتحدث عنها في مكان لاحق من هذا الكتاب.

نلفت هنا إلى أنّ (الإمام) الذي يجسّد هذه الحقيقة، هو بالضرورة بعد أن فهمنا الاصطفاء غير قابل للخطأ، ومن هنا تنبع أهمية فهم مسألة (العصمة) وعند هذه النقطة لا ينبغي الاختلاف في تفاصيل صغيرة أو كبيرة حول ماهية العصمة، فالمصطفى من الله تعالى، المعبِّر عن نوره الحامل له كهاد لمخلوقاته، لا مجال لتناوله تناول البشر الذين يحسنون ولا يحسنون، أو يخطئون ويصيبون، فما البشرية عند (الإمام) سوى مظهر ألبسه الله إياه في ثياب الجسد، وهذا ليس قولاً تعسفياً، إنّما هو واقع حالهم(عليهم السلام).

من هنا كانت لهجة النبيّ كلّ نبيّ لا تحمل بين مفرداتها سوى إيقاظ قلب الإنسان من أجل سلامة مصيره، ولو كان لهم مثلما للناس العاديين، لكانت لهجتهم تشبه من يرغب بإنشاء ملك في الدنيا، أو تتنازعه غرائز البشر في الشهوات كافة.

فالراية هي التي دليل النور، يقول فيها الامام عليّ(عليه السلام): "وخلَّف

١٠٥
فينا راية الحق، من تقدمها مرق، ومن تخلف عنها زهق، ومن لزمها لحق"(١)، هي هذه ولا شيء سواها، (راية النبوة) راية هداية الناس وإخراجهم من الظلمات إلى النور، فمن أراد أن يطفئ نور الله عمل على إخفاض هذه الراية، ومن أراد أن يستنير بنور الله لزمها، لم يتخلف عنها ولم يتقدمها.

وفي هذا المقام يطيب ذكر حديث رسول الله(صلى الله عليه وآله): "من كنت مولاه فعلي مولاه"(٢)، والذي يوجب إيراده هنا، هو وصولنا إلى قرب نهاية القسم الأوّل من الطريق إلى الامام عليّ، الذي نوجزه بالتالي:

لقد أجرينا عملية دمج بين (النبوة والرسالة والإمامة) وفق تصور مبني على أنّهم حقيقة واحدة، يفترقون في التسميات ويلتقون في الغايات، ويكون الافتراق مبني على إحدى ضرورات المرحلة التي تكون البشرية بحاجة إليها فالنبيّ الهادي والرسول والإمام يقومون جميعاً بإظهار حقيقة النور والعمل على إزاحة الظلمة، وهم إمّا أن يكونوا موجودين معاً، أو أن يتبادلوا الأوقات، أو يأتي واحد وراء الآخر أو قبله.

وأما حول مصدر هذا الدمج، فإنه بالإضافة إلى ما أوضحه القرآن الكريم حول نبوّة ورسالة وإمامة إبراهيم(عليه السلام) فإنه أشار إلى

١ـ أنظر: نهج البلاغة: الخطبة ٩٩.

٢ـ أنظر مسند أحمد: ١/١١٨ (٩٥٠) (٩٦١) (١٣١٠).

١٠٦
تقلب هذه الحقيقة في الذرية التي بعضها من بعض(١)، وإنّه لمّا لم يكن الله سبحانه ليفرق بين أحد من رسله، فإنّ كل رسول بمثابة نبيّ وإمام وهذا يجري على الإمام والنبيّ مثلما يجري على الرسول، وعلّة هذا القول بنصوص القرآن الكريم (لا نفرق بين أحد من رسله)(٢) أو قوله (والذين آمنوا بالله ورسله ولم يفرقوا بين أحد منهم أولئك سوف يؤتيهم أجورهم)(٣)، فإذا كان كل رسول هو نبيّ وإمام كإبراهيم، وهو مقام الصفوة، فإن توريث راية الحق هو شأن من شؤون الله سبحانه، لأنّ الاصطفاء أمر إلهي لا دخل لأحد فيه، كذلك خيار استمرار الرسالات لا لأحد قدرة على التدخّل فيه، نعم قد يتم التدخل ليس في الإمام، إنّما في طرائق نقل المعارف، أقصد في الوسائل التي يمارسها الناس في نقل العقائد، أما موضوعه الإمام، فهي وفق ما تبين مشمولة بحمل راية الحق، وهي راية الرسل تدفعها إلى أهلها.

والذي يتحقق من وراء ذلك أمور عدّة، منها أنّ الله سبحانه يعلم طبائع بني الإنسان، فإذا غادرهم الهداة، تخبطوا، بين من يلج الظلمة فلا يرجع عنها وبين من يبحث له عمن يثبت قلبه على هداه، وبين من لا تغره الأشياء التي تعصف لا بهؤلاء ولا بأولئك، لكن هذا النوع

١ـ ترد تفصيلات هذه الحقيقة في القرآن الكريم في عدد من المواضع، راجع مثلا سورة الحديد الآية ٢٦.

٢ـ البقرة: ٢٨٥.

٣ـ النساء: ١٥٢.

١٠٧
الثالث نادر ندرة شديدة، بحيث تلتقطه أنفاراً منهم مع كل رسول ونبي وإمام، وتكاد تعدّهم دائماً على الأصابع، أما أولئك الذين بين بين فعددهم وفير، وهم بحاجة مستمرة إلى من ينظر في شأن قلبهم ويبقي له سراج النور، وإذا ما نظرنا إلى الذين يلجون في الظلمات أيضاً وجدناهم غير قليل عديدهم.

وبين هذه المراتب الثلاث تخلق عمليات الجدل المستمرة وتدافع الأفكار واختلاق ما يثير استمرار البحث والدأب، ويصعب أو يندر أن تتوقف الحاجة إلى إثارة أمر من أمور الدين أو الدنيا، ولا تنقسم حوله الآراء والأفكار حتى يبلغ مراحل تأخذ بناصية المعارك وتدور بين الناس الحروب جراء الاختلافات، وتهرق الدماء، وهذا معروف في جميع مراحل البشرية.

من هذا المنطلق وسواه، تصبح مسألة إبقاء الرمز المثال (الإمام) في واقع الناس أمر ضروري، فغيابه يفرغ المساحة للفتنة، وإن كان وجوده لا يلغي مثل هذا الأمر، إنّما في الحدّ الأدنى هو يخفف من شدّة تدميرها وأثرها، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن نصاب القسط الذي تسعى الرسالات من أجل إبقائه وإقامته، يلزمه دوام ممثل للحق، رافع لرايته، وكثير من الناس من يمثلون حمل هذه الراية، ويخدعون ويمارسون أدواراً تمثيلية على الناس، لمصالح أو أغراض تؤتي منافع أو تشبع حاجة أو تخلّد مأثرة، إنّما الإمام الذي

١٠٨
هو شأن إلهي فهذا أمر ينبغي الإضاءة حول معرفته، وقد تولى القرآن الكريم ذلك مثلما تعهدها النبيّ محمد(صلى الله عليه وآله)وأوصلها إلى البشرية.

بهذا نعرف جوهر المقصود من الآية الشريفة (كتب الله لأغلبن أنا ورسلي)(١) والآية المباركة (ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون)(٢)، فبقاء الرسائل السماوية من أجل تحقق هدفها في الناس أمر حتمي، ومن أجل إظهار هذا الهدف واقامته في الأرض، فإنّ الرسل والأنبياء والأئمة لا ينقطعون عن الناس ولا يفارقون حياتهم، كيفما كانوا وأينما كانوا، ولا يعني عدم التزام الناس بأوامر الرسل والهداة، أنّهم لا يقومون فيهم ولا تسري قوة الكلمة الإلهية بين البشر، بل على العكس، لأن نصرة الحق بأية طريقة كانت هي تلبية لغاية العدالة، وهي تعبير عن سريان هذا النور.

وهنا نقف هنيئة عند جملة (وخلّف فينا راية الحق) التي ترد في حديثه(عليه السلام) وروداً تام الدقة في التعبير عن استمرار الهداة، الذين يشغلون المساحة التي يهدف إليها خط الرسل، وعند التيقن من هذا الأمر أخي القارئ الكريم، سوف تنفرج أمامك سبل معرفة الفرق الجوهري ما بين (الإمام المثال)، وما بين الزعماء والقادة الذين يملكون ويزولون، ويحكمون ويمضون، وليس لآثارهم في عقائد

١ـ المجادلة: ٢١.

٢ـ الأنبياء: ١٠٥.

١٠٩
وقلوب الناس ما يمكن أن يدخلهم دائرة الصفوة، التي تؤدي بدورها إلى مفهوم العصمة، والعصمة شأن لا يكتسب اكتساب المعرفة والدراية، إنما خصيصة تدخل في دائرة معرفة الله سبحانه لأولئك الذين اختارهم رسلاً وأئمة، وما هؤلاء سوى بشر رفعهم عن حجب الظلمات وأيدهم بنوره وكلماته.

عند هذه النقطة تنفرط كلمات الإمام عليّ(عليه السلام) عن سبحة النور، فيفتح أفقاً من آفاق الفيض الرسالي على الذين رقّت نفوسهم، وشفت عن جوهر فطرتها، ويخاطب قائلاً:

(فطوبى لذي قلب سليم، أطاع من يهديه، وتجنب من يرديه، وأصاب سبيل السلامة ببصر من بصَّرهُ، وطاعة هاد أمره، وبادر الهدى قبل أن تغلق أبوابه، وتقطع أسبابه، واستفتح التوبة، وأماط الحوبة، فقد أقيم على الطريق، وهدي نهج السبيل)(١).

١ـ أنظر: نهج البلاغة: الخطبة ٢١٤.

١١٠

القسم الثاني: الطريق إلى علي هو القرآن والنبي

والذي يجعل أمر الهداة منقطعاً إلى الله سبحانه، إضافة إلى ما أوردناه جميعاً، هو بالمقام الأول ما حدّث به رسول الله(صلى الله عليه وآله) وأمر به ـ والذي لا تنبغي المواربة فيه أو المحاكمة ـ هو أن كلامه صفو التنزيل، أي: أن كل تقرير أو أمر أمر النبي(صلى الله عليه وآله) الناس أن يأخذوه عنه هو فرض مثلما باقي العبادات، وعلّة هذا قول الله سبحانه: (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا)(١)، فلا جدال في أنّ مصدر أوامر وتعليمات الرسول(صلى الله عليه وآله) هي من عند الله، والقرآن الكريم مليء بتوكيد هذا ولا حاجة بنا لأن نسرد الكلمات الإلهية التي ترفع شأن رسول الله(صلى الله عليه وآله)، وتجعل من كلماته وحياً يوحى، حتى نحتاج إلى تثبيت أن كلامه هو محض نور، وأن مخالفته هي ليست فقط معصية، وإنما إبطال للأعمال أيضاً إن كان هذا المخالف ينظر إلى نفسه على أنه ممن يتقربون إلى الله بعمل أو عبادة،

١ـ الحشر: ٧.

١١١
وعلة هذا قول الله سبحانه (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا أعمالكم)(١).

وفي الربط الناجز بين طاعة الله سبحانه، وبين طاعة رسوله عليه وعلى آله أطيب الصلوات، يمكن للمتأمل أن يلتقي مع علي(عليه السلام)ابتداءً قبل أن ينطلق إلى التفصيلات، وعند هذا الالتقاء سوف يجري النظر إلى متابعة الحاجة إليه، بعد أن يغادر النبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله)إلى دار مقرّه، وفيه(عليه السلام) سوف يعرف متابعة طريق الله تعالى ممّا وراءه، أولئك الهداة الذين سوف يجسّدون نور الله من بعد محمد(صلى الله عليه وآله) وعليّ(عليه السلام)، لأنّ الطريق إلى الله بعد ذلك سوف لن يكون في مأمن بالنسبة للسالك عندما يولي وجهه قبلة سواها، أي سوى التي قال رسول الله(صلى الله عليه وآله)، فيها أنّها سفينة النجاة من ركبها نجى ومن تركها غرق(٢).

وقد فرغنا من أن النور والظلمة هما عنوانا البصيرة والعماء، ووقفنا على أن الإنسان غير الداخل في نور الله مارق عن راية حقه، وأن لهذه الراية حملة، وأنّ هؤلاء الحملة هم أفرع شجرة النبوة، ومصابيح هذا النور، أئمة الناس وملاذهم ومنجاهم من أي سوء، وإذا بُنيت مقاييس دخول الجنة وقبول الطاعة عند الله سبحانه على طاعته وطاعة رسوله، فإن كل مخالفة إيلاج في الظلمة، مفاد قوله

١ـ محمد: ٣٣.

٢ـ أنظر: مستدرك الحاكم: ٣/٣٦١ (٤٧٧٨)، المعجم الأوسط للطبراني: ٤/١٠ (٥٥٣٦)، وغيرها.

١١٢
سبحانه: (ومن يعص الله ورسوله فقد ضلّ ضلالاً مبينا)(١).

فإذا لجأنا إلى أوامر الله في طاعة نبيه الهادي الأعظم للبشرية جمعاء، ثم نظرنا إلى وصايا رسول الله(صلى الله عليه وآله) في أئمة الهدى من ورائه، نكون قد وضعنا نصب أعيننا هنا السؤال التالي: ما معنى (ما آتاكم الرسول فخذوه)(٢)؟

وقبل الإجابة نقول: إنّ شرط الطاعة العمل، أي لا يكفي أن يقر المرء بقلبه بأنه موافق لما يقوله هاديه، نبيّه وإمامه، وإنّما ينبغي تأدية العمل بهذه المعرفة، فالعلم بالشيء بغير القيام به يبقى في حيز القصور ولا يكون له مجال تصديق ما لم يبادر إلى العمل به.

وعدم طاعة الله ورسوله نتيجتها بحسب القوانين القرآنية، هي ما ينحصر في كلامه عزّ وجلّ في هذه الآية: (ومن يعص الله ورسوله فقد ضلّ ضلالاً مبيناً)، ويوازيها القبول والطاعة والعمل بحسب هذا القانون القرآني إثر قوله جلّ جلاله: (ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزاً عظيماً)(٣).

فالله سبحانه الذي اختار أنبياءه ورسله، اختار أئمة الناس إليه معهم، وكلف كل نبيّ ورسول أبلغ عن رسالته أن يشير إلى الذين يمثلون امتداد هذه الرسالة، وليس من سبيل إلى ذلك بغير أن يتولى سبحانه هذا الأمر.

١ـ الأحزاب: ٣٦.

٢ـ الحشر: ٧.

٣ـ الأحزاب: ٧١.

١١٣
والمعروف أن الناس تسعى لتولّي أمورها بيد الذي تراه يقدّم لهم النفع الآني والمستقبلي ويرغبون بالمناصب والشهرة التي زينتها الدنيا لهم ببهارجها ومفاتنها، وقد عسر على الإنسان الانصياع للسوي، ما لم تقم عليه الحجة التي تجعله أن يتقبّل هذا الانصياع.

ولا نقصد بالانصياع هنا، هو التسليم دونما رغبة أو إرادة، لكن المعروف أن شؤون العقائد، هي شؤون في غاية التعقيد، وأن استبدال عقيدة بغيرها بالنسبة للبشر ـ خاصة فيما يميل باتجاه الدين ـ مسألة تسفك من أجلها الدماء قبل أن تقف على أقدامها، لذلك كان الله اللطيف بعباده سبحانه، قد ترك الناس على فطرة تسوقهم إلى الهداية، رغم صراعهم الذي لا يهدأ معها، إلاّ أنّ العديد من آياته عزّ وجلّ تشير إلى أنّ الرسل والدعاة المجتبين ـ لهم وظيفة التذكير والتبشير وإنذار الناس بعدهم، أي بعد أن يستيقظ فيهم ملمح الاستجابة للنداء الداخلي الفطري الذي يكشف لهم حجب الظلمات، ويريهم مثالهم ورجاءهم، لا ينبغي لهم أن يغفلوا بعد ذلك عنه، فهم إن غفلوا بعد ذلك، فالوعيد والإنذار موجود بوفرة في القرآن الكريم.

وعن التذكير الذي تلهج به آيات الله سبحانه، يطيب لنا ذكر نفحة هنا، تكون في مقام الاعتراف بفضله سبحانه على الأمم، وبالشكر له لما تفضل بإرسال رحمته التي وسعت كل شي ببعث محمد(صلى الله عليه وآله):

١١٤
(وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين)(١) فالرحمة الإلهية المتجسدة بإرسال محمد(صلى الله عليه وآله) قد أفاضت على الناس ما يزيل عنهم ظلمات النسيان، أو بحسب تعبير علي(عليه السلام): "أنَّ محمّداً رسول الله المجتبى من خلائقه، والمعتام لشرح حقائقه، والمختص بعقائل كراماته، والمصطفى لكرائم رسالاته، والموضحة به أشراط الهدى، والمجلو به غربيب العمى"(٢).

فإذا تبيّن لنا أن الله سبحانه يختار الهداة من أنبياء ورسل وأئمة، وعرفنا أنه بعد أن تقوم البيّنة على الناس في (النبيّ الرسول الإمام)، بعون الله ومساعدته للناس والرسل معاً، نقف بعد ذلك على أن الحقيقة النبوية المحمدية قد استمدت عظمتها من عظمة خالقها، فأبانت للناس طرق الوصول إلى غاياتها، وعرّفتهم كيف يكون الطريق إلى النجاة من مهاوي الردى، وبعد ذلك ينتصب الحق الإلهي الذي أظهر للناس بفضل وعون الله سبحانه، فيكون العباد الذين سوف ترث الأرض والغلبة لما يقوله سبحانه.

ولدينا هنا وقفة وهي أنّ هذه المعرفة التي تنبغي للهادي على الناس، تواجه دائماً صعاباً لا تلين مع الدهر، لأنها ضد الوساوس الشيطانية، فلكلّ حق مشهد، ولكلّ باطل وتد، وعلى مدار الأزمنة ما

١ـ الأنبياء: ١٠٧.

٢ـ أنظر: نهج البلاغة: الخطبة ١٧٨، المعتام: المختار لبيان حقائق التوحيد والتنزيه، غربيب الشيء: أشدْ سواداً، غربيب العمى: أشد الضلال والظلمة.

١١٥
تزال مصارعات الحق والباطل بدون هوادة، من هنا كان لا بد من تذكرة باستمرار، وقد قال سبحانه لرسله أن يذكروا، فماذا يجب أن نتذكر نحن بني البشر! أنتذكر ميثاق الله الذي أخذه علينا (ألست بربكم)(١)؟ أم نتذكر أن الله سبحانه لمّا خلق آدم علّمه الأسماء كلّها، وأن أبناءه نسوها، فعليهم أن يتذكروا كيما يكفوا الظلم، ويقوم الناس بالقسط؟ أم نتذكر أن الله سبحانه أرانا الحق بتوالي الرسالات، وختمها بنبي الرحمة وأيده بأوليائه الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون؟

لعلّ القول القرآني في التذكير يشتمل على جميع هذه الأمور التي ينساها المرء، فهو بحاجة ماسة إلى هاد، لأنه سبحانه لن يرضى عن أحد في شي سَخط به على سواه، يقول الإمام علي(عليه السلام): "واعلموا أنه لن يرضى عنكم بشيء سخطه على من كان قبلكم، ولن يسخط عليكم بشيء رضيه ممن كان قبلكم، وإنّما تسيرون في إثر بيّن، وتتكلمون برجع قول قد قاله الرجال من قبلكم، قد كفاكم مؤونة دنياكم، وحثكم على الشكر، وافترض في ألسنتكم الذكر، وأوصاكم بالتقوى، وجعلها منتهى رضاه، وحاجته من خلقه، فاتقوا الله الذي أنتم بعينه، ونواصيكم بيده، وتقلبكم في قبضته، إن أسررتم علمه، وإن أعلنتم كتبه... واعلموا أنه (من يتق الله يجعل له مخرجاً)(٢) من الفتن، ونوراً

١ـ الأعراف: ١٧٢.

٢ـ الطلاق: ٢.

١١٦
من الظلم"(١).

على هذا تكون السنة الإلهية في الناس، أنّه لا يرضى على أحد في شيء سخطه به على سواه ويقابلها عكسها، فعندما تترى الأنبياء، ويكون الهداة والأئمة في الناس بصورة مستمرة، فإن الرسول الكريم محمد(صلى الله عليه وآله) بما هو المشرّع باسم الله تعالى، وبما هو الإمام الأكبر للبشرية، شاءت أم أبت، وبما أنّه المعبّر الأسمى عن التطلّع الإنساني نحو الخلاص من أية نقيصة واستثمار كل كمال، فإنه لم يتوان عن إعلان كلمة الله تعالى في تذكير الناس بإمامهم الواقعي من بعده ـ ونقول الواقعي هنا في مقابل ما يمكن أن يتوهمه الناس من الزعماء الذين تمكنهم الظروف من اعتلاء منابر السلطة، ويعملون على إطفاء نور الله، بقصد أو بغير قصد، ويتصورون أنهم هم أئمتهم فينحرفون عن سبل فطرتهم ونور قلوبهم، وسبل ربّهم، لذلك كان من الضروري بداهة أن يسمّي النبي محمد الأئمة في الناس، ويمهّد لهم الطرق للتعرّف عليهم ـ فأتت أحاديثه(صلى الله عليه وآله)، بما ينطق من وحي لتعبّر عن المتّجه، وتفوت الفرص على خطوط التيه، ومنها قوله الأكثر تعبيراً عمّا نحن بصدده: "ألا من كنت مولاه، فهذا علي مولاه"(٢).

وفي عطف هذا النص النبوي على نصوص القرآن الكريم التي

١ـ أنظر: نهج البلاغة: الخطبة ١٨٣.

٢ـ أنظر مسند أحمد: ١/١١٨ (٩٥٠) (٩٦١) (١٣١٠).

١١٧
منها (النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم)(١)، نقف على الاستنتاج التالي:

إنّ الله سبحانه هو صاحب السلطة المطلقة على عباده في جميع شؤونهم وفي مختلف ظروفهم، وليس لأحد عليه من فضل أو سلطان، وهو تعالى القاهر فوق عباده وهو ناصرهم ومخلصهم ومالك مصائرهم، بلا إشكال، وهو سبحانه يؤتي الملك لمن يشاء، وينزعه ممن يشاء، وقد تفضل ببعث الرسل من أجل إقامة الحق وإزهاق الباطل الذي أخذت الناس سبلها إليه، وقد انفرد بتولي مالكيته للكل بدون استثناء، وهو بهذا اللحاظ أفاض على نبيّه برتبة الولاية على الناس عند قوله هذا، لا لأن ذلك يضر بمصالحهم وسلوكهم، بل ليعبّر يقيناً عن الغاية من إيجادهم، وعليهم أن ترتقي معارفهم حتى تدرك هذا اليقين.

وليس هذا من قبيل القهر وفرض السلطان بقوة جبروته سبحانه، وإنما عن طريق إقامة الحجة، وثباتها في قلوب الخلائق، لذلك نجد أن حب الناس لمحمد(صلى الله عليه وآله) وإيثارهم له على أنفسهم وذويهم وهجرتهم معه وإيمانهم الذي فجَّر في الأرض مرابع الحكمة والدين، لم يكن بالدرجة الأولى منبعه الخوف منه، حاشاه، بل كانت محبّته هي السائق إلى توجه المؤمنين اليه وتصاعد لهجة الحبّ له، وانتشار

١ـ الأحزاب: ٦.

١١٨
دينه وذيوعه في الأرض، وما يرى من محاولات لإطفاء نوره منذ بواكير دعوته، إلاّ وهي رجس من أعمال الشياطين، ما تزال تقوم وتقعد جيلاً بعد آخر، لكنّها لا تقدر على طمس دافعية الحبّ، التي نعبّر عنها بسلامة الفطرة، والتي هي في مقام النور، وكل ما سواها لا يعبر إلاّ عن الظلمات.

إنّ جميع هذه القرائن تؤكّد أمراً هاماً هو من أساسيات أبحاثنا هنا، مفادهُ أن الله سبحانه قد بثّ بين أنوار آيات كتابه ما يجعل المطلع يفهم أن الإمامة خصيصة يجعلها الله لنماذج يصطفيها من خلائقه ليس لأحد عليها من سلطان، ومن أجل توضيحها يجريها على السنة المبشرين، فمثلما يخبرنا رسول الله(صلى الله عليه وآله) بلقاء الله تعالى وحلاله وحرامه ورضاه وغضبه، يخبرنا أيضاً كيف نتلمس الهدي من بعده.

ولعمري أنه لكبيرة أن يفهم أو ينتشر بين البشر شي مخالف لهذا، لأسباب عدّة أهمها، أنه رسول الله وخاتم النبيين لم يفرط في شيء من حقوق الله تعالى وحقوق الناس، كي يغمط هذا الحق ويبهمه علينا، وهو الذي أُرسل رحمة للعالمين، فكيف بأصحابه، وأمته؟!

ودعونا ننجز نهاية القسم الثاني، في دلالة القرآن والنبيّ(صلى الله عليه وآله) على الإمامة المطلقة لآل البيت، وعلى رأسهم عليّ بن أبي طالب(عليه السلام).

بعد أن نقرأ قوله تعالى: (وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان

١١٩
لهم الخيرة)(١) الذي يحسم لهم مسألة الخيار في الأمور التي هي من شأنه سبحانه، ومنها الخلق واصطفاء الأنبياء والرسل، كذلك في الأمور التي هي من مقتضيات حكمته التي لا يعلمها سواه ومن اختار من رسله، التي تشير إليها، الآية الكريمة: (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم)(٢).

وبعد كل ما مرّ وبعد أن وصلت الأُمور إلى هذه النقطة نقول: إذا كان رب العزة قد حسم الأُمور التي يقضيها في مصلحة الناس لجهته وحصرها به وبرسوله محمد(صلى الله عليه وآله)، هل تجد ثمة مبرر لتبديل هذا القول أو تأويله، أو تحريره بخلاف ما يشير به هو إلى نفسه؟ وبعد ذلك كيف يمكن أن نحصل على اليقين، إن لم نتمكن من فهم هذا التصريح الإلهي فهماً كاملا، مع أنّه لا يخفى على البسيط الذي نال قسطاً من المعرفة، فضلا عن العالم أو ذي اللب، بأن الله سبحانه قرن في قضاءآت رسوله قرينة قضاءاته في أمور المؤمنين والمؤمنات.

وبذلك نحصل على نتيجة أخيرة مفادها أنّ الله تعالى قضى لهذه الأمة أن يكون علياً(عليه السلام) إمامها الذي هو في مقام نبيّها في الناس بعده، وهذه فيها خصلتان:

أولهما:

١ـ القصص: ٦٨.

٢ـ الأحزاب: ٣٦.

١٢٠