×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

معراج الهداية / الصفحات: ١٤١ - ١٦٠

الله(صلى الله عليه وآله) نور المعرفة، ويسير على هدى كلماته، ليس تعلماً بعد نقص، وإنما مجانبة لعظيم الحكمة والفضل، فالزمن لم يكن ليفصل كثيراً بينه وبين جدّه، إنما أبيه(عليه السلام)يعظه ليُسمع كل ذي لبّ سليم أو مريض، فلا يقال ترك أهله والتفت إلى الآخرين، مع أنه القائل في نفسه وفيهم: "بنا اهتديتم في الظلماء، وتسنمتم ذروة العلياء، وبنا انفجرتم(١) عن السّرار"(٢).

فإذا كان خطابه يتّجه نحو ولده، فإنه بما أوتي من ولايته على الناس، وهي سمه خصّه بها رسول الله(صلى الله عليه وآله) في مواقف عديدة، منها قوله(صلى الله عليه وآله): "ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم، ألا من كنت مولاه فهذا علي مولاه"(٣).

والقول بعد هذا هو شيء من الضرب في الظلمة، لأن الإمام الذي يريق عمره لا من أجل نفسه، إنما قد ذرفها في الله تعالى، يقوم في الناس عالماً أنّهم سيخوضون في صراع معه وعليه، فقد يشتبه على ذي اللب أحياناً الحق، فكيف بمن قد أغفلت الظلمة لبه، بهذا نجده عندما يحاكي الإمام الحسن(عليه السلام)، ينظر إلى كل امرئ في هذه الأرض على أنه الحسن، ليست بدعة هذه، بل هي عين الحق، تظهر عند قوله:

"يا بني إني قد أنبأتك عن الدنيا وحالها، وزوالها وانتقالها،

١ـ انفجرتم: دخلتم في الفجر، أي كنت قبل في ظلام: وصرتم إلى ضياء ساطع بهدايتنا.

٢ـ نهج البلاغة: الخطبة ٤.

٣ـ أدرجنا مصدر هذا الحديث في مكان آخر.

١٤١
وأنبأتك عن الآخرة وما أعد لأهلها فيها، وضربت لك فيهما الأمثال، لتعتبر بها"(١).

ننظر إلى كلماته هنا، فلا نجد أنه يفرّق في خطابه بين ولده وبين كافة أبناء الناس، فهو في كل مكان أنبأ الناس عن الدنيا وحالها، لم يخصص أحداً، وواضح هنا أنه لا يغاير دوره وطبيعته، فإذا كان قد أنبأه عن الآخرة، فإنه لم يخفها عن بقية البشر، وفي كل سانحة آثر فيها الكلام على الصمت، وسوف تجد ضياءه يشع بنور وحي الله تعالى، مع أهله ومع سواهم.

وما تزال الدنيا ترتسم في أعين الناس حسنة جميلة، وهو يزيح عن أعينهم غشاوات خداعها،ترى ما الغاية التي آثر من ورائها أن يشهر ذي فقاره عليها إن كان طالب ملك، فإنه حائز عليه، وإن كان طالب لشأن آخر من شؤونها، فهو في قبضته، فلماذا يحقرها ويصغرها في عيون الناس، رجالا ونساءً، عرب وغير عرب، مسلمين وسواهم، لذلك الوقت ولكل وقت.

تدلنا كلماته نحو الإجابة عن هذا التساؤل عند قوله:

"إنّما الدنيا منتهى بصر الأعمى، لا يبصر مما ورائها شيئاً"(٢).

وهذا هو عين الأمر الذي توقفنا عنده عندما أجرينا الموازنة بين الأعمى والبصير، ويتبيّن لنا هذا أنه يشاق الدنيا، لأنها في الواقع

١ـ نهج البلاغة: كتاب ٣١.

٢ـ نهج البلاغة: الخطبة ١٣٣.

١٤٢
ضده، أي إذا كانت الهداية التي فرضها الله تعالى في الناس قد تمثّلت بالكتاب والنبيّ والرسول والإمام، فإنّ هؤلاء جميعاً هم امتدادها، فهي العمى وهم البصيرة، وهي الظلمات وهم النور، ولا تستوي الظلمات ولا النور، ومن هنا نفهم ذاك السبب الرئيسي الذي جعل من عليّ(عليه السلام) ذاك النور الذي يصارع الظلمة، "فالبصير منها شاخص، والأعمى إليها شاخص"(١).

وقد ترك رسول الله(صلى الله عليه وآله) في الناس الثقلين، كتاب الله وأهل بيته، وقرنهم بأنّهم لن يفترقا إلى يوم القيامة، كما أجمع على أن الهداية من الضلال تكمن في التمسك بهم، عند قوله(صلى الله عليه وآله): "اني تركت فيكم ما أن تمسكتم به لن تضلوا، كتاب الله، حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي، ولن يفترقا حتى يردا علي الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فيهما"(٢).

فتوأمة الكتاب وأهل البيت، ومساواة عليّ(عليه السلام) بمحمد(صلى الله عليه وآله) وفق المنطق الذي آثره رسول الله في الافصاح عن امامته(٣) وتزكية الله سبحانه لهم في آية التطهير، جميعها من أدوات ذي اللب في تفهّم أن

١ـ المصدر نفسه.

٢ـ لهذا الحديث مصادر متعددة، منها سنن الترمذي: ٦/١٢٥ (٣٧٨٨)، مسند أحمد: ٣/١٧ ـ ٢٦ ـ ٥٩، مستدرك الحاكم: ٣/٣٢٣ (٤٦٣٤)، وهنالك مظان متعددة يمكن الرجوع إليها بخصوصه.

٣ـ في غير الغدير هناك رسائل أفصحت عن حمل علي لراية رسول الله(صلى الله عليه وآله) منها: "قراءة البراءة على الناس، ومنها استخلافه في المدينة، ومنها اعطاءه راية خيبر الخ، ينظر على سبيل المثال تذكرة الخواص، سبط ابن الجوزي: ١٥ ـ ٥٦.

١٤٣
الأمر ليس في الزعامة السياسية أو غيرها، إنما هي راية حق يتوارثها الهداة منذ آدم إلى قيام الساعة.

وفي ختام نظرة الإمام إلى الدنيا، يطالعنا قوله(عليه السلام) في سياقة الناس عنها ودفعها عنهم، حيث يقول:

"فأزمعوا عباد الله الرحيل عن هذه الدار المقدور على أهلها الزوال، ولا يغلبنكم فيها الأمل، ولا يطولنّ عليكم الأمد"(١).

الحق أن الذي يؤثر حرب الدنيا بهذا المقدار من التبصّر، ويود لو أن الناس تنفتح قلوبهم على مغادرة مخادعها، بكل هذا الاصرار، وجميع هذا الالحاح، يجعل من المتتبع له، امرءً غائصاً في مياه الرحمة، تلك رحمة الله التي مدَّ الناس بها ببعث محمد(صلى الله عليه وآله) (وما أرسلناك إلاّ رحمة للعالمين)(٢).

وتتجسد هذه الرحمة أكثر ما تتجسد في خوفه على مخلوقات الله، خوف الذي كشفت له الحجب، وعرف كنه سرائرها، وميله الميل الأبوي بالغ الحنان والعطف والخوف عليهم، نلتمس طرفاً منه هنا، يقول:

"فوالله لو حننتم حنين الوُلّهِ العجال، ودعوتم بهديل الحمام، وجأرتم جؤار متبتلي الرهبان، وخرجتم إلى الله من الأموال والأولاد، التماس القربة إليه في ارتفاع درجة عنده، أو غفران سيئة أحصتها كتبه،

١ـ نهج البلاغة: خطبة ٥٢.

٢ـ الأنبياء: ١٠٧.

١٤٤
كتاب معراج الهداية للدكتور سعيد يعقوب (ص ١٤٥ - ص ١٦٦)
١٤٥
لكان ذلك سليمان بن داود(عليه السلام)، الذي سخّر له ملك الجنّ والإنس مع النبوّة وعظيم الزلفة، فلما استوفى طعمته، واستكمل مدّته، رمته قِسيُّ الفناء بنبال الموت، وأصبحت الديار منه خالية"(١).

إذاً لا طائل من التمسّك بحبال الدنيا، فإن العبرة بالذين انصرفوا لا تخفى، أو يجب أن لا تخفى، حتى لا يستغرق الإنسان بالخديعة التي تمدد أطرافها نحوه الدنيا، وكي لا يفوت الناس واعز الهداية، فإنه يواصل عنايته بهم، مفوضاً من الله تعالى في اعلامهم ما يفوتهم، وحاملا متابعة رسالات ربه، يعظ مثلما وعظ المرسلون الأولون، ويؤدي ما أدت الأوصياء من بعدهم، يعلم من هو وما هو، ويعلّمهم أن يقفوا في هذا الأمر موقف العارف له، في كل مرة نستمع إلى خطابه الذي يؤكد أنه ليس من العاديين في الناس، أو من عامة الخطباء أو الساسة، إنما تولّى منصب الهداية لا عن ملك انتزعه، ولا عن دولة أقامها فتسلّط بالسيف على رقاب الناس، إنما بالهداية الإلهية المحمدية.

نلحظ كلماته هنا في تبليغ واجبه، والإعلان عن حقيقته، يقول:

"إني قد بثثت لكم المواعظ التي وعظ الأنبياء بهم أممهم، وأدّيت إليكم ما أدّت الأوصياء إلى من بعدهم"(٢).

وفي هذا القول ما يجعل القلب يجول ببصره أنحاء مفرداته،

١ـ نهج البلاغة: الخطبة ١٨٢.

٢ـ المصدر نفسه.

١٤٦
فيستمع إلى روح الشفقة التي يحملها، وثقل المهمة التي يقوم بها.

لكن الناس كعادتهم مع كل نبيّ أو هاد، يسومونه غاية التعب، ولا يشفقون على كينونته، رغم عدم احتياجه لهذا، لكن (هل جزاء الإحسان إلاّ الإحسان)(١).

يتابع قائلا(عليه السلام): "وأدبتكم بسوطي فلم تستقيموا، وحدوتكم بالزواجر فلم تستوسقوا"(٢).

والسبل التي اجترحها الإمام في إعادة بناء النفس الإنسانية، هي على تنوّعها وكثرتها فيما يظهر من كلامه، لم تكن لتردع الناس عن التعلّق بالدنيا واتيان حياض الآخرة، والذي يشفع في ذلك كلامه هنا وفي مواطن عديدة، أنه بادرهم القول والفعل والنصيحة والمنحة والعطية، مثلما بادرهم التهديد والتأديب والوعظ، لكنّ أكثرهم لم يستقيموا، ولم يتخذوا الدنيا مثلما صوّرها لهم، حيث قال: "أيها الناس، إنّ الدنيا تغرّ المؤمّل لها والمخلّد إليها، ولا تنفس بمن نافس فيها(٣)، وتغلب من غلب عليها"(٤).

بجميع ما حوت كلمات عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) من عظيم الموعظة، ومسلك التربية، وقوة الفؤاد، وشدّة الخوف على العباد، نعرف أن به يعرف وبرسول الله(صلى الله عليه وآله)، ولا يعرف بسواهما، اللهم إلاّ في

١ـ الرحمن: ٦٠.

٢ـ المصدر نفسه.

٣ـ أي لا تضن الدنيا بمن يباري غيره في اقتنائها وعدها من نفائسه ولا تحرص عليه بل تهلكه.

٤ـ نهج البلاغة: الخطبة ١٧٨.

١٤٧
امتداده في آل بيت النبوة، وهو بحسب ما يرد في كلامه قد اتخذ للناس "الأمثال الصائبة، والمواعظ الشافية، لكن لو صادفت قلوباً زاكية، واسماعاً واعية، وآراء عازمة، والباباً حازمة"، وهو الذي على يقين من ربه كما قال(١).

ويصل الإمام علي(عليه السلام) مع الناس في شأن الدنيا، أبعد ما وصل إليه الهداة، من تحذير من ساقهم بعصاها فاطاعوها.

يقول: "قد تزيّنت بغرورها، وغرّت بزينتها، دارها هانت على ربّها، فخلط حلالها بحرامها، وخيرها بشرها، وحياتها بموتها، وحلوها بمرّها، لم يصفها الله لأوليائه، ولم يضن بها على أعدائه، خيرها زهيد، وشرها عتيد، وجمعها ينفذ، وملكها يسلب، وعامرها يخرب، فما خير دار تنقض نقض البناء، وعمر يفنى فيها فناء الزاد، ومدة تنقطع انقطاع السير"(٢).

في موازاة حبّه للناس ورجائه خلاصهم من فتنة الحياة الدنيا، ودخولهم حظيرة الحق، وامتناعهم وصرفهم عن مسارب السوء، تقف هيبة الإمامة ناصعة النور لمن ألقى السمع وهو شهيد، فينفرط من عقد لؤلؤها كلم يمشي مع الناس منذ بداءة خلقهم، حتى منتهيات آجالهم، وما يزال يعرض في الدنيا كضد لها، لا يمكن الاستفادة من مروره بها إلاّ كمن يرتشف قطراً من الماء في طريق طويل السفر،

١ـ أنظر: نهج البلاغة: الخطبة ١٠، وغيرها.

٢ـ نهج البلاغة: الخطبة ١١٢.

١٤٨
قليل الزاد، يحضر قلوب الناس في قوله:

"قد غاب عن قلوبكم ذكر الآجال، وحضرتكم كواذب الآمال، فصارت الدنيا أملك بكم من الآخرة، والعاجلة اذهب بكم من الآجلة"(١).

ترى لماذا كل هذا الشغف بتخليص الناس من الدنيا، لأنّه عالم بمصائر الناس، متيقّن من ربّ عبده عن بصيرة، واحيا حياته على سبيل مرضاته، وأحبّ أن يلتذ الناس بنعمة القرب منه، وأبغض أن يسومهم باريهم سوء العذاب بما كسبت أيديهم، فأشفق وأرفق، وعلم وهدى، وقد حذّرهم الدنيا بقوله: "احذركم الدنيا، فإنها منزل قُلعة، وليست بدار نُجعة"(٢).

ثم يواصل حضّه لهم على ذكر منتهاهم ما تيسّر له ذلك، يقول:

"أولستم ترون أهل الدنيا يمسون ويصبحون على أحوال شتى: فميت يُبكى، وآخر يعزّى، وصريع مبتلى، وعائد يعود، وآخر بنفسه يجود، وطالب للدنيا والموت يطلبه، وغافل وليس بمغفول عنه ألا فاذكروا هادم اللذات، ومنغّص الشهوات، وقاطع الأمنيات، عند المساورة للأعمال القبيحة، واستعينوا بالله على قضاء واجب حقّه"(٣).

ويندر أن تنفلت من بين أيدي المتابع لعطاء الإمام عليّ(عليه السلام) في الناس، قولا أو فعلا أو حقاً يراه أهل له، ذلك لأنه كما تقدم لا يرجو

١ـ المصدر نفسه.

٢ـ المصدر نفسه.

٣ـ نهج البلاغة: الخطبة ٩٨.

١٤٩
لهم إلاّ حسن النهاية، وجمال المئاب، إنه يذرف جميع هذا العمر منذ البداية حتى الختام، وهو سائر في الأرض يرغب في ارشاد عباد الله إلى الله تعالى.

ولما كانت الدنيا هي المعبّر الأوسع عن الشهوات والخداع وقصر الآمال والاستغراق فيما لا تنفع معه الخاتمة نافعة، رأيناه يعرف بنفسه عن نفسه في تنصيب إمامته، في القضاء على مؤامرات الدنيا في قلوب الناس، ولعمرك متى ما انصرفت الدنيا بهذا المعنى عن القلب، يكون الإنسان قد بلغ غاية فطرته، وتعلق بحبل نور امامه، ووصل حبال هذا النور، بمواطن حب المعشوق والأكمل والأعظم الذي تزحف نحوه البصيرة، وترغب إليه الذات.

هكذا كانت الدنيا هي الرمز الذي أعلن عليه الإمام الحرب، وأن كل حرب قام بها، إنما ينبغي أن تنصرف هذا المنصرف، وأن كل وصية أوصى بها، وكل بادرة خير للبشرية بادرها، فإنما تنطلق من ازاحة حجب الظلام الذي يمنع نور الله تعالى من اختراق قلب المؤمن، وكان بذلك لمن يبصر عيناً، ولن يسمع أذناً، ولمن يعشق فؤاداً، وصارت بعد ذلك دلائله عليه، ذاته في هذا المقام، ولا يحتاج بعدئذ لمن يوصف له الرتب، ويحاول ازاحة التسميات والصاقها به، الإمام الملاذ، هو المثال بهذا المعنى، الذي يعلم كل شيء، ويذهب في الناس جميعاً مذاهب الخير التي تعم عليهم، وإن كان ذلك يحتاج

١٥٠
إلى قرابين كبيرة وعظيمة، وإن كانت نفسه هي قربانه إلى باريه.

هكذا يصل السالك إلى طريق علي(عليه السلام) بعلي(عليه السلام) في جهة الدنيا، وثمة طرق تناولها كي يقيم فيها الحجة على الناس، ويخلص قلبه لله تعالى، يلقاه مطمئناً إن أدى ما بعث من أجله منها ما قاله الله ورسوله، وتنظر في طريق معرفتنا امامنا كيف أنطق ربه لسانه في البوح بمكنونات رحمته التي اختزنها قلبه، مثلما ننظر مبادرته في القول بنبي الله الأكرم محمد(صلى الله عليه وآله).

الطريق إلى علي(عليه السلام) من قوله برسول الله(صلى الله عليه وآله)

كانت محطتنا في ايضاحه(عليه السلام) حقيقة الدنيا على قصرها ترغب في اطلاع الفؤاد على من وكيف وما هو الإمام، في مقابل مخلوقات الله تعالى، والذي يصرف أدنى جهده في الاطلاع على تعليماته في شؤون الدنيا، سوف يجد أنه بذل من أجل ايضاحات خفاياها، معظم جهده، في مقابل بقية هديه، لأنها تعتبر المسرح الذي تجري عليه أحداث الإنسان وما لها من حبائل تربط بها على قلبه، فكان منادياً فذاً في الانتباه إلى مساوئها، والنظر فيما يمكن أن يؤخذ من محاسنها.

ونحن إذ نرصد عملنا في هذا الفصل من أجل معرفة الطريق إليه، نوقظ الغافل من غفلته ونرجو أن يدخل معنا مضمار إمامته من بوابة

١٥١
معرفته برسول الله(صلى الله عليه وآله)، وفق ما انتهجه لنا علي بن أبي طالب(عليه السلام)، ولا شك أن ما في الناس من يجهل أن محمداً(صلى الله عليه وآله)رسول الله، لكن الحقيقة المحمدية أمر آخر هو غير مظاهر آياتها، ولسنا هنا بصدد فلسفة الحقيقة هذه، إنما نسير على خطىً نرى أنها من الطريق التي تؤدي بنا خارج نفق الظلمات، وتوصلنا نحو ساحات نور الإمامة والنبوّة في عليّ ومحمد (عليهما أفضل صلوات الله وسلامه).

وغير خاف على الناس مدى تعلّق عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) برسول الله محمد(صلى الله عليه وآله)، لكن الذي قد يكون أكثر اضاءة وأعلى أنواراً، هو تحرّي هذا التعلق في بعض أقواله(عليه السلام)، ويندر أن تجد في كلام الناس ما هو أدلّ على لصوقه به، من جهة نبوّته تارة، ومن جهة حقيقته الإنسانية تارة أخرى.

كما قد يتجلى بذلك العمق المرجو من الدنو، ففي ما تقدّم من نظرية الإمامة تلمسنا أوجه الرغائب الحقة وفق ما فطر الله الناس عليه، وكان من منافع ذلك والله أعلم أن يلفت الانتباه نحو أمور أكثر كلية وشمولية، بل لعلها أكثر قرباً من حقيقة الإمامة، وإذا كان لابدّ لهذا التصوّر من مصداق خارجي، كان لابدّ لنا من تحرّي هذا البعد المنطقي.

وتوصلت بنا السبل إلى أن البشرية تقطع بوجود أنموذج هو غاية رجائها الإنساني، وهذا الأنموذج دلت عليه كتابات الناس منذ

١٥٢
القديم، واعتقاداتهم، فهو ليس بدعة، وإنما بات بمنزلة اليقين لدينا بعد أن اختلطنا ببعض المعارف في علم النفس، وبعد أن أجرينا جملة من التحليلات التي تلزم من أجل ابراز هذا الأمر واظهاره من مطامر الغياب، إلى مرايا الحضور، وبعد أن وصفت لنا آيات الله سبحانه المصطفين من رجاله، والموظفين لديه في ابلاغ الناس عنه، وتحميلهم الأمانات التي تسير في الناس بالقسط، تدارسنا حياتهم، وبالنظر إلى أن هذا الكتاب يمهد طريقاً نحو طريق، فإنه اقتصر على جزء من حضور الإمامة، وكان بذلك المشهد العلوي المقدّس، هو فاتحة هذا الأمر.

والذي يرسي دعائم التصديق في الاتجاهات جميعها، أن علي بن أبي طالب(عليه السلام)رجل اختصه رسول الله(صلى الله عليه وآله) لنفسه مثلما اختص الله أنبيائه لنفسه، كما أدركنا كيف أن علي(عليه السلام) أيضاً أفنى نفسه فداءً لمحمد(صلى الله عليه وآله)، فانسجمت بذلك نفسيهما، وهو القائل فيه: "عليّ مني وأنا منه ولا يؤدّي عني إلاّ عليّ"(١)، وسبق أن قلنا: إنّ هذا ليس من أجل إبراز الفضائل، إنما هو من أجل إجلاء الحق، والتعرف على قائد النفس إلى فطرتها، ومذكرها بآي ربها.

بذلك يمكن أن نلتقط ايحاءات كلماته عندما يأخذ في القول حول المصطفى محمد(صلى الله عليه وآله) فعند تعليقه عن الكيفية التي تواترت فيها

١ـ راجع تذكرة الخواص: ٤٢٠.

١٥٣
الرسالة والنبوة إلى محمد(صلى الله عليه وآله)، يقول في وصف الأنبياء: "فاستودعهم في أفضل مستودع، وأقرّهم في خير مستقر، تناسختهم كرائم الأصلاب إلى مطهرات الأرحام، كلّما مضى منهم سلف، قام منهم بدين الله خلف، حتى أفضت كرامة الله سبحانه إلى محمد(صلى الله عليه وآله) فأخرجه من أفضل المعادن منبتاً، وأعز الأرومات مغرساً، من الشجرة التي صدع منها أنبياءه، وانتجب منها أمناءه، عترته خير العتر، وأسرته خير الأسر، وشجرته خير الشجر، نبتت في حرم، وبسقت في كرم، لها فروع طوال، وثمرة لا تنال، فهو إمام من اتقى، وبصيرة من اهتدى، وسراج لمع ضوؤه، وشهاب ساطع نوره، وزند برق لمعه، سيرته القصد، وسنته الرشد، وكلامه الفصل، وحكمه العدل"(١).

فإذا تأملنا في كلمات هذا التعريف بمحمد(صلى الله عليه وآله) من قبله(عليه السلام)، رأينا أن لهذا التوصيف أبعاد شتى، وإذا أخذنا مثلا جملة: (الشجرة التي صدع منها أنبيائه)، أو جملة: (هو امام من اتقى، وبصيرة من اهتدى)، أو تلقفنا قوله: (سراج لمع ضوؤه، وشهاب سطع نوره)، سوف نجد استقراراً لمكين الحبّ في عمق نفسه له، فمن ذا الذي أفرد نفسه للدفاع عنه، منذ ليلة الهجرة حتى لحظة التحاقه بباريه سبحانه.

إنّ في هذه الكلمات توسع، فالذي آمن برسالة محمد(صلى الله عليه وآله) ليس

١ـ نهج البلاغة: الخطبة ٩٣.

١٥٤
شخص عادي شأنه شأن من آمن من الآخرين، وعلّة هذا أن يراه يتقلّب في أصلاب الأنبياء، ولا يخالط طهره شحوب أو رياء، فهو من هذه الجهة ليس فقط مطمئناً للنبوّة اطمئنان من قامت عليه الحجة فدخل في دين الله، بل يظهر أن يعرف كنه النبوّة، ويعرف تمام القائم بها لا عن إعمال عقل، وإنما عن بصيرة نبعت من ذاته، فتراه يصفه بأنه أمام من اتقى، ثم في مكان آخر يعرف الناس بأنه (بلغ الرسالة صادعاً بها، وحمل على المحجة دالا عليها، وأقام أعلام الإهتداء، ومنار البيضاء"(١).

فهو في جميع الأحوال آخذ من الله، معطي إلى عباده كوسيط ينقل وحيه، ولكن ليس هذا الوسيط من الأمر في غياب عن الاندماج في أصله، بل مندمج فيه، ليس دالا عليه فحسب، بل تكاد تكون النبوة هي الشيء الوحيد الذي عبّر به عن محمد(صلى الله عليه وآله)مع أن محمداً(صلى الله عليه وآله) بشر، لكن ثمة ذلك الفارق الذي يفصل بين الإنسان مثلا والعمل الذي يقوم به، فلنقل أن فلاناً صانع سفن، فإن الصنعة شيء يضاف إلى الإنسان، ولا يعبّر عن حقيقته، وبمعنى آخر فإن كل أولي الوظائف الذين يقومون بأداء أعمالهم، تنفصل العمال عنهم انسانياً، أي من حيث هم بشر من جهة، ومن حيث أنهم يمارسون الأعمال من جهة ثانية.

١ـ نهج البلاغة: الخطبة ١٨٥.

١٥٥
بينما عندما نتأمل في توصيف عليّ(عليه السلام) لمحمدٍّ(صلى الله عليه وآله)، فإننا نكاد نتلمس كلاماً في أعماق الكلام، يدلّ بشكل غير بعيد المنال، على أن ثمة دمج تام بين محمد(صلى الله عليه وآله)النبيّ الرسول وبين النبوّة والرسالة، هذا مثلا عند قوله(عليه السلام): "قد صُرفت نحوه أفئدة الأبرار، وتنبت إليه أزمّة الأبصار"(١).

سبق أن قلنا أن الغاية من ايفاد الرسل بحسب الآي الكريم، هي أن يقوم الناس بالقسط، هذا من جهة سلامة عيش الناس في الدار الدنيا، وهم عليها لمكافؤون، ولكن هنالك في عمق اللحظة البشرية عمق الحقيقة، ثمة ضوء الحق الذي تنجذب نحوه الأفئدة، وهي هنا جوهر، كينونه، ليست وظيفة، فالذي تنصرف إليه الأفئدة بذاته أمر يتعلّق الأمر به، لكن الذي تنصرف إليه الأبصار، فإنّه جوهر نبوّة، جوهر صفوة إلهية، بذلك تكون النبوّة إحدى ملكاته التي تعبّر عنه، وإن كان هو الذي في الواقع يعبر عنها، ومن يكون ميلان الأبصار بكليتها نحوه، معناه أنه ملاذ كل مخلوق، عندما ينكشف عنه حجاب الظلمة أو ينزل منازل الأبرار، ونجد أن عليّ(عليه السلام) عندما يتحدّث عن رفقته برسول الله(صلى الله عليه وآله) يقول: "أنا من رسول الله كالصنو من الصنو"(٢)ويدلنا على نفسه بطرائق ايضاحه للحقيقة المحمدية، فهو في كل مرة يأتي فيها على ذكره(عليه السلام)، يكشف حجاباً من الحجب التي لا يدركها

١ـ نهج البلاغة: الخطبة ٩٥.

٢ـ نهج البلاغة: كتاب ٤٥، وقد مرّ.

١٥٦
عامة الناس، ويحتاج معها المرء إلى هاد يسوس قلبه إلى إمامه الذي هو وإياه "كالصنو من صنوه" فيفرج مفردة تلو أخرى، فنراه عندما يبتدىء الصلاة على رسول الله(صلى الله عليه وآله)، تارة يقدم صفة من صفاته، وأخرى يظهر اداءً من أداءاته وفي غير مكان ينصرف لتقديس حقيقته.

وننظر هنا مثلا قوله فيه أنه(صلى الله عليه وآله) "الموضّحةُ به أشراط الهدى، والمجلوُّ به غِربيبُ العمى"(١)، والناظر إلى هذا القول، يحتاج إلى دراية مكمن الغاية من ايراده، فهذه ليست صفة من صفات رسول الله(صلى الله عليه وآله)، أو عملا من أعماله، إنما هي حقيقة من حقائقه، فيه أي (بذاته بمعناه) تنكشف دلالات وعلاقات الهدى، وبه أيضاً بما هو هو، تنكشف ضلالات الظلمة، فيخرج القلب من العمى إلى البصيرة.

وهذا مثل قوله(عليه السلام) في إظهار حقيقة آل محمد(عليهم السلام) عند ذكره "بنا اهتديتم في الظلماء"(٢)، وهذا يشير إلى حقيقة النور الذي تكرس فيهم، فالخروج من الظلمة كما سلف والدخول في النور يستلزم الانكشاف على الإمام، وتهافت الأفئدة نحوه، لذلك نجد الذي يخرج عن مدارات أنواره، إنما هو ذلك الإنسان الذي لم يعمر الله قلبه، وإن هو فعل لكان قد بلغ الاقبال بكلّيته عليه، ولكان ممن أحباب الحكمة، ولا غرابة في قوله(عليه السلام)، ومشابهته التامة بينه وبين

١ـ نهج البلاغة: الخطبة ١٧٨.

٢ـ نهج البلاغة: الخطبة ٤.

١٥٧
رسول الله، سوى في تنزيل القرآن، فقد أورد في مكان آخر ما نصه في سبيل ايضاح حقيقته للناس قوله: "إنّ أمرنا صعب مستصعب، لا يحتمله إلاّ عبد مؤمن امتحن الله قلبه للإيمان، ولا يعي حديثنا إلاّ صدور أمينه، وأحلام رزينة"(١).

وفي عطف هذا القول على ما قاله رسول الله(صلى الله عليه وآله) في عليّ(عليه السلام): "عليّ مني وأنا من عليّ" نجد أن هذا التلازم بين محمد وعليّ وآل البيت(عليهم السلام)، هو تلازم في الكينونة في الماهية والذات، الأمر الذي يجعلنا نقرّ بأن الإمامة في الناس هنا أيضاً قد انكشفت عن وحدة كما قدمنا بين رسل الله، مستمرة متناقلة غير مفرقة فيما بين واحد منهم والآخر، ولهذه الاستمرارية أعلام يظهرون فيما بين الزمن والآخر، ولدى كل واحد منهم على السابق واللاحق.

يقول عليّ(عليه السلام): "كأني بما انتهى إلي من أمورهم قد عمّرت مع أولهم إلى آخرهم"(٢)، ويقول في مكان آخر "أريدكم لله وأنتم تريدونني لأنفسكم"(٣)، فهو في مقولته الأولى يدلي بأنه جائز على معارف من سبق ومن لحق، ويؤكدها غير مرة، يقول هنا مثلا: "اللهم بلى! لا تخلو الأرض من قائم لله بحجة، إمّا ظاهراً مشهوراً، أو خائفاً مغموراً، لئلاّ تبطل حجج الله وبيّناته"(٤)، ثم ليست هذا فحسب، بل يترك الناس إلى الصدوع بأمر هذا الفهم للإمام، ويكفي الحاذق أن

١ـ نهج البلاغة: خطبة ١٨٩.

٢ـ نهج البلاغة: كتاب ٣١.

٣ـ نهج البلاغة: الخطبة ١٣٦.

٤ـ نهج البلاغة: قصار الحكم ١٣٩.

١٥٨
يتأمّل قوله وهو يشير إلى صدره قائلا: "إنّ ههنا لعلماً جمّاً، لو أصبت له حمله"(١).

والذي يُستنتج مما تقدم، إنّ علياً وآل بيت رسول الله جميعاً ورسول الله(صلى الله عليه وآله) من جوهر واحد، وان أمر هذا الجوهر صعب، بل شديد الصعوبة، لذلك لا يجد الإمام فيمن كان يغشاهم نوره، من يتمكّن من تلقّي المزيد من معرفته، كما أن رسول الله(صلى الله عليه وآله) كرّر وصيته للناس في النظر في كيفية حفظهم لأهل بيته، فهو يعلم أن القوم لا يعون معناهم(٢).

وفي العودة إلى تعريف عليّ(عليه السلام) الناس برسول الله(صلى الله عليه وآله) نتابع طرقه في الكشف عن الحقيقة المحمدية، وهو في هذه المرة يشير إلى ما حمّله الله نبيّه من أمانة تؤدّى في الناس، يقول:

"أرسله بأمره صادعاً، وبذكره ناطقاً، فأدى أميناً، ومضى رشيداً"(٣) في هذه تجمل الأنبياء لديه(عليه السلام)، فهو في مكان آخر من كلامه، يقول: "واصطفى سبحانه من ولده أنبياء ـ أي آدم ـ، أخذ على الوحي ميثاقهم، وعلى تبليغ الرسالة أمانتهم، لمّا بدّل أكثر خلقه عهد الله إليهم، فجهلوا حقّه، واتخذوا الأنداد معه،... وواتر إليهم أنبياءه، ليستأدوهم ميثاق فطرته، ويذكروهم منسي نعمته، ويحتجوا

١ـ المصدر نفسه.

٢ـ أنظر التذكرة في وصية النبي بأهل بيته، م. س.

٣ـ نهج البلاغة: الخطبة ٩٩.

١٥٩
عليهم بالتبليغ"(١).

لعل هذا عمل من أعمال الأنبياء، وكما أشرنا قبلا فإن ثمة مراتب يبوح بالتعريف فيها الإمام، تارة تظهر الحقيقة بما هي جوهر، وتارة تصدر لتعرف أو تشير إلى أداء من أداءاتها، أو صفة من صفاتها، فهو هنا يعبر عن صفة أكثر من كونها كنه أو ذات، ونلاحظ مراودة الكلمة للمعنى عندما يريد لها أن تشير إلى صفة كيف تندرج إلى عالم الصفات، وعندما يستدرجها كي تعبّر عن الحقيقة، كيف ترتفع معه إلى مصافها، وفي تعبير منه عن المكان الذي يضع فيه محمد(صلى الله عليه وآله)أمانته، يقول في آل النبيّ(عليهم السلام) "هم موضع سرّه، ولجأ أمره، وعيبة علمه، وموئل حكمه، وكهوف كتبه، وجبال دينه، بهم أقام انحناء ظهره، واذهب ارتعاد فرائصه"(٢).

وفي انتقال إلى موضع يذكر فيه النبيّ بقوله: "اجعل شرائف صلواتك، ونوامي بركاتك، على محمد عبدك ورسولك، الخاتم لما سبق، والفاتح لما انغلق، والمعلن الحق بالحق، والدافع جيشات الأباطيل، والدامغ صولات الأضاليل"(٣).

يلعب اظهار نور محمد(صلى الله عليه وآله) في حياة عليّ(عليه السلام) الدور الأكثر حسماً، والأشد وضوحاً لسببين فيما نرى رئيسيين:

الأول: يفهم من اجمال مواقفه وكلماته(عليه السلام) بأن الناس قد ذهبوا

١ـ نهج البلاغة: الخطبة ١.

٢ـ نهج البلاغة: الخطبة ٢.

٣ـ نهج البلاغة: الخطبة ٧١.

١٦٠