×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

معراج الهداية / الصفحات: ١٦١ - ١٨٠

بعيداً في التغيير في البناء النفسي الذي رسخ معالمه وابتدأ انشاءه النبيّ(صلى الله عليه وآله)، وقد يلاحظ المتابع لمواقفه وآرائه وخطابه أنه يلهج وراء اعادة المستوى النفسي الإيماني للبشر كافة، وكان شيئاً مخالفاً جداً لما جاء به النبيّ(صلى الله عليه وآله) قد صار في حياة الناس شأناً اعتيادياً، والذي يدركه الإمام بالقطع لا قدرة لأحد على ادراكه، فهو كرسول الله(صلى الله عليه وآله)(أولى بالمؤمنين من أنفسهم) لخصيصة الإقامة جوهرياً، والتي يلزم منها بالضرورة كون هذا الإمام شاملا علمه، تامة معارفه، لا يعلمه أحد، ولا يشعر أحد بأنه أشد منه بأساً في أي شأن من شؤون الدنيا والآخرة، وأنه بناءً على ما قدمت لنا أبحاث نظرية الإمامة، فهو كامل العصمة، وعلته أن الله سبحانه اصطفاه، مثلما برهنا في المكان الذي ورد فيه معنى العصمة بالإجمال.

إذن، فالناس مفارقة للدين الذي صرف رسول الله(صلى الله عليه وآله) عمره من أجل إعلاء شأنه، بحسب ما يفهم من كلام الإمام، ونأخذ مثالا على ذلك هذا المقطع من خطابه لأصحابه، يقول:

"وقد ترون عهود الله منقوضة فلا تغضبون! وأنتم لنقض ذممم آبائكم تأنفون! وكانت أمور الله عليكم ترد، وعنكم تصدر، وإليكم ترجع، فمكّنتم الظلمة من منزلتكم"(١).

فالملاحظ في معظم كلمته(عليه السلام) أن الناس قد صرفتهم الدنيا عما

١ـ نهج البلاغة: الخطبة ١٠٥.

١٦١
جاء به النبيّ(صلى الله عليه وآله)أو معظمهم، فبذل جهده في إعادة هذا الأمر إلى نصابه، وكان بذلك يعبّر عندما يريد الدخول في اعادته، أي أنه كان يحضر ذكر الرسول الكريم، ويجلي صدور الناس بتعداد مزاياه تارة، واظهار حقيقته أخرى، واعادة سيرته مرات، بهدف توثيق العلاقات ما بينه وبين الناس، في مواجهة نكوصات وانتكاس الناكسين. هذا الأمر الأول.

والأمر الثاني: يمكن التعرّف إليه أيضاً من خلال سيرته في الناس، وهو التدليل على الإمام الهادي، الإمام (المثال)، في مواجهة زيغ قلوب الناس نحو أشخاص لا يرى فيهم ابتداءً أهلية القيادة، فضلا عن أن منصب الإمامة لا يطالونه بحال، ليس فقط لقصر قوامهم، وإنما لما هو من تدبير الله ورسوله، أعني من الشؤون التي يرتبها الله ورسوله في الناس، ويصعب على الناس التدخّل فيها، وإن تدخّلوا من غير حق، قام صاحب الأمر الواقعي بإظهار هذا التدخّل، ومكافحته، حتى لا يختلط الحق بالباطل.

وهنا يشير(عليه السلام) إلى أن الله سبحانه قد بعث الرسول في الناس كي يخرجوا من ربقة الوثنية، ومن سيطرة الشيطان، وأيّده بكتابه المحكم البيّن، حتى يتعلموا ويعلموا ربهم بعد أن جهلوه، يقول:

"وليقروا به بعد إذ جحدوه، وليثبتوه بعد إن أنكروه"(١).

١ـ نهج البلاغة: الخطبة ١٤٧.

١٦٢
ويقول(عليه السلام) في أبرز تعبير عما حواه القرآن الكريم:

"فتجلّى سبحانه لهم في كتابه من غير أن يكونوا رأوه، بما أراهم من قدرته، وخوفهم من سطوته"(١).

إن تجلّي الله لعباده من خلال الكتاب الذي أنزل على محمد لهو من الكلام الذي يدلّ على أن الإمام قد خبر لبَّ الحقيقة، وجاء بنا إلى جادة معرفته، من خلال ما يدل به على نبيّه وكتابه.

فقد ارتكزت كلماته(عليه السلام) حول رسول الله(صلى الله عليه وآله) على مرتكز معرفته الخاصة به، لذلك جاءت تعبيراته عنه بهذا المقدار من الدقّة، وهو بعد ذلك يقول لابنه الحسن(عليه السلام) لقد كان لك في رسول الله(صلى الله عليه وآله) كاف لك من الأسوة، مستنداً على القرآن الكريم في هذا (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة)(٢)، ويتابع وصيته لولده وهي كما ذكرنا قبلا، أنها تمثّل سعة الإمام في احتضان جميع أمة رسول الله(صلى الله عليه وآله)، أي لا تقف عند الإمام الحسن(عليه السلام).

يتابع قائلا: "ودليل لك على ذم الدنيا وعيبها، وكثرة مخازيها ومساويها، إذ قبضت عنه أطرافها، ووطئت لغيره أكتافها... فتأسَ بنبيك الأطيب الأطهر(صلى الله عليه وآله)، فإن فيه أسوة لمن تأسّى، وعزاءً لمن تعزى وأحب العباد إلى الله المتأسي بنبيّه، والمقتص لأثره، قضم الدنيا قضماً، ولم يعرها طرفاً، اهضم أهل الدنيا كشحاً، واخمصهم من الدنيا بطناً،

١ـ المصدر نفسه.

٢ـ الأحزاب: ٢١.

١٦٣
عرضت عليه الدنيا فأبى أن يقبلها، وعلم أن الله سبحانه أبغض شيئاً فأبغضه، وحقّر شيئاً فحقّره، وصغّر شيئاً فصغّره، ولو لم يكن فينا إلاّ حبّنا ما أبغض الله، وتعظيمنا ما صغّر الله، لكفى به شقاقاً لله"(١).

إن هذه الكلمات، هي بحسب الوثائق التاريخية، وصيته لابنه الحسن(عليه السلام)، لكنها بحسب ميزان هذه الدراسة، فإنها دستور يقف عليه كل من أدرك أن الإسلام هو الله ورسوله وكتابه وأهل بيته.

كيف هذا؟

إنّ الله سبحانه اصطفى أنبياءه وخاصته، وأوفدهم إلى خلقه، وأقام معهم الكتاب، ثم بعد أن ختم بمحمد(صلى الله عليه وآله) ترك في الناس الهداة، وبالاستدلال على الذين يهدون بما أنزل الله بلا تردد وما سنه رسول الله(صلى الله عليه وآله) بلا انقطاع، نلتمس أن الإمام عليّ(عليه السلام) في هذه الوصية قد فتح نافذة جديدة على متابعة شؤون الطريق إليه به، وستكون هذه النافذة، حول تعريفه بآل البيت وحول بعض ما انكشفت له من حقائقه معرفة الله جلّ وعلا.

من هم آل محمد في خطاب الإمام عليّ(عليه السلام)

كلما اقتربنا من رسول الله(صلى الله عليه وآله) أكثر كلّما انفتحت أبواب رحمته علينا، ولفح أرواحنا نوره أكثر، ولعل الحزبية والعشائرية هي أكثر ما

١ـ نهج البلاغة: الخطبة ١٦٠.

١٦٤
تكون بعداً فيما يجب في الإسلام، فالله سبحانه علّم المسلمين أن لا يتفاضل بعضهم على بعض، لا بنسب، ولا بجمال، ولا بقوة، ولا بسلطان، ولا مال، ولا بأي شأن من شؤون الدنيا، وإنّما جعل الفضل كما هو معروف عند صغار المسلمين قبل كبارهم، جعله بالتقوى، وجعلها مفتاح العروج إلى سدّة رحمته.

وقد تقدّم في بحث الأمة، كيف أن النظرة القرآنية إلى الناس، هي نظرة ترفع المؤمنين أياً كانت أعراقهم وألسنتهم وأوضاعهم الاجتماعية، فقراء كانوا أم أغنياء، أشداء كانوا أم ضعفاء، لونهم أبيض كان أم أسود، وعلى أي أرض وفي أي زمان، بينما تخفض المنافقين والكافرين وجميع من يدخل في تسمية غير المؤمن، وتجعل مرتبتهم في نظر الله تعالى دون من يستحق حتى أن يذكر، ولولا أن الكتاب أتى ليهدي الناس، ويخرجهم من الظلمات إلى النور، بفضل ربهم، لما رأينا القرآن يعير سوى المؤمنين أية عناية.

من هنا ينبغي أن تعلم! أن الله سبحانه ورسوله، وآل بيته الذين لم يختلفوا في القرآن ولم يخالفوه، جميعاً يدعون إلى أمة واحدة، هي أمة مبنية على الالتزام بمبادىء الإسلام، أي على أساس عقائدي، لا على أي أساس آخر.

هكذا نفهم من كلام الله وكلام رسوله وآل بيته، لذلك عندما نأخذ في تناولنا هنا آل بيت النبيّ بحسب ما يقودنا إليه كلام الإمام، فإن

١٦٥
الذي لا ينبغي أن يظن، أنهم شكلوا حزباً قبلياً، أو اعتصموا بالطريقة الجاهلية في التعامل، وإنما تدلّنا سيرتهم على أنهم باعدوا بين من لم يلتزم تعاليم الله تعالى، أو خالفها، وإن كان من خاصة نسبهم، وقرّبوا من التزم بدين الله تعالى، وإن كان من أبعد الأبعدين عنه.

والمراد من هذا أن عليّاً(عليه السلام) لما أتى على ذكرهم، لم يكن اتيانه هنا على أسس حزبية أو عشائرية، حاشاه، إنما جاءت موازنته ما بينهم وبين الناس فيما فضلهم الله به عليهم، فهم بحسب تعبيره: "إنّا صنائع ربنا، والناس صنائع لنا"(١)(٢).

من يملك من المؤمنين والمؤمنات أن يختار رداً لقضاء الله ورسوله إذا اختارا شيئاً، الله سبحانه يقرّر ذلك: (ما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم)(٣) بهذه الآية المباركة تفهم كلمته بأن أهل البيت صنائع الله، والذي يمعن الإمام في اظهاره هنا، هو الوقوف في وجه من يرغب عن قضاء الله ورسوله، لا عن تعصّب، إنما تنفيذاً لحكمه، والزاماً لغير الراضين.

وهو بعد ذلك يرفد الناس بالاطلاع عليهم مبتدأ بنفسه وبالدور الذي يضطلع به في الناس، ويرجى الالتفات والتأمل هنا في أوضاع

١ـ نهج البلاغة: كتاب ٢٨.

٢ـ آل النبي أسراء احسان الله عليهم، والناس أسراء فضلهم بعد ذلك.

٣ـ الأحزاب: ٣٦.

١٦٦
كتاب معراج الهداية للدكتور سعيد يعقوب (ص ١٦٧ - ص ١٨٩)
١٦٧
عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) هذا الإظهار منذ نومه في فراش رسول الله ليلة هجرته(صلى الله عليه وآله) إلى أن يسلّم في الناس عهده إلى ولده الإمام الحسن(عليه السلام).

ويدلّنا قوله هنا على أولية لحاقه لرسول الله(صلى الله عليه وآله) يقول:

"لم يسبقني إلاّ رسول الله(صلى الله عليه وآله) بالصلاة"(١).

هذا في تعريفه بنفسه في البداية، ولم يترك أيضاً النهايات فحدّث الناس عما يأتي من ورائه في عدّة مواطن من خطبه، نأخذ مثلا هنا هذا الشاهد، يقول: "إنه سيأتي عليكم من بعدي زمان ليس فيه شيء أخفى من الحق، ولا أظهر من الباطل، ولا أكثر من الكذب على الله ورسوله"(٢).

ونلاحظ أنه(عليه السلام) عندما يستخدم كلمة بعدي، فإنه يشير ليس فقط إلى الحين من الزمان، إنما يشير أيضاً إلى الموقف الذي تتخذه الناس، فإن كان معه "وهو الذي يدور الحق معه حيث ما دار"(٣) فإن أصحاب هذا الموقف ظاهر فيهم الحق، وإن كان سوى ذلك، فإن الكلام هنا يفيد عكس الحق، "فبعدي" تشير أيضاً إلى النهج إن استمر فهو لا خروج معه عن دين الله تعالى.

وهذا ينبغي أن يلتمس في الهداة من آل البيت(عليهم السلام)، فهو(عليه السلام)يؤكد أنهم "عيش العلم، وموت الجهل، هم الذين يخبركم حكمهم عن

١ـ المصدر نفسه.

٢ـ نهج البلاغة: الخطبة ١٤٧.

٣ـ أنظر الاحتجاج للطبرسي: ١/١٩١.

١٦٨
علمهم، وصمتهم عن منطقهم، وظاهرهم عن باطنهم، لا يخالفون الدين ولا يختلفون فيه، فهو بينهم شاهد صادق، وصامت ناطق"(١).

ويعلّل الإمام وصفه لآل البيت بقوله: "نحن الشعار والأصحاب، والخزنة والأبواب، ولا تؤتى البيوت إلاّ من أبوابها، فمن أتاها من غير أبوابها سمّي سارقاً"(٢).

بدون شك يصل المتأمّل للطريقة التي يظهر فيها الإمام حقيقتهم، أي الأئمة من آل البيت(عليهم السلام) تنكشف له ظواهر يلج من خلالها إلى البواطن، فالذي عرف عليّ(عليه السلام)، عرف أنه أصدق من نطق هو ورسول الله(صلى الله عليه وآله)، وأنه لم تأخذه في الحق لومه لائم، وهنا يتابع وصفه وتعريفه بهم، يقول:

"فيهم كرائم القرآن، وهم كنوز الرحمن، إن نطقوا صدقوا، وإن صمتوا لم يسبقوا"(٣).

وفي دمج هذه الخطبة مع قوله: "هم الذين يخبركم حكمهم من علمهم"، نصل إلى أن حقيقتهم جميعاً واحدة، ونقف عند قول رسول الله(صلى الله عليه وآله) كذلك: "عليّ مني وأنا منه"(٤)، ونعلم أن رسول الله لا ينطق عن هوى، فتكون مع النتيجة الموضوعية أن أئمة الهدى من معدن واحد، جميعاً أنبياء ورسل وأوصياء، بدلالة الحق الذي اظهره الله تعالى ورسوله(صلى الله عليه وآله) والإمام علي(عليه السلام) كما تبيّن في عدّة مواطن.

١ـ نهج البلاغة: الخطبة ١٤٧.

٢ـ نهج البلاغة: الخطبة ١٥٤.

٣ـ نهج البلاغة: الخطبة ١٥٤.

٤ـ ورد مصدر هذا الحديث فيما سبق، فراجع.

١٦٩
وعندما يستخرج من نصوص الكتاب والسنة، ذاك الفارق بين النور والظلمة، ونقف على حقيقة النور (البصيرة) والظلمة (العمى)، يترتب علينا التوجّه إلى الله ورسوله بأئمتنا الهداة (المثل) الذين ينبغي من أجل التعرّف على حقيقتهم، أن نلج: نور الله من خلالهم، ونخرج شرك الظلمات من حياتنا، مستدلين على ذلك بقوله(عليه السلام): "بنا اهتديتم في الظلماء"، وهو إذ يقول هذا دائماً لا ينفصل فيه عن كتاب الله ورسوله، وقد أوضح معنى النور في عدّة أماكن، وهو الذي سطع بمحمد(صلى الله عليه وآله)وأضاء به(١)، وهو الذي "أجلي به غربيب العمى"، وفي توطيد انبثاقه عن الحقيقة المحمدية، يقول(عليه السلام): "بنا يستعطى الهدى، ويستجلى العمى"(٢).

هكذا يمهد الإمام علي(عليه السلام) لنا طرقات معرفته، ويدلّنا به وبالقرآن والنبيّ وآل البيت على ملاذ قلوبنا، على من تسلّم له زمام الأفئدة، وتروى من عطشها به الظمآء ويربطنا بوصيته(عليه السلام) هنا في قوله:

"أما وصيتي: فالله لا تشركوا به شيئاً، ومحمداً فلا تضيعوا سنته، أقيموا هذين العمودين، وأوقدوا هذين المصباحين"(٣).

الكلمة التي تنتهي بأوقدوا هذين المصباحين تلفت الانتباه إلى أمر فيه الأهمية، معناه: انّ اتباع الهدى والانكشاف على نور الله ومعرفة الرسول والإمام هي تحت تصرّف المرء، أي ليس بعاجز عن

١ـ راجع الخطبة الثانية من النهج، بعد انصرافه(عليه السلام) من صفين.

٢ـ نهج البلاغة: الخطبة ١٤٤.

٣ـ نهج البلاغة: الخطبة ١٤٩.

١٧٠
فتح أبواب الله تعالى على قلبه، كما أنه ضمن امكاناته أيضاً اغلاقه، ودعونا ننجز هذا المبحث باقتطاع هذه الكلمات من احدى خطبه(عليه السلام)في أهل بيت النبوة(عليهم السلام)، يقول:

"لا يقاس بآل محمد(صلى الله عليه وآله) من هذه الأمة أحد، ولا يسوى بهم من جرت نعمتهم عليه أبداً، هم أساس الدين، وعماد اليقين إليهم يفيئ الغالي، وبهم يلحق التالي، ولهم خصائص حق الولاية، وفيهم الوصية والوراثة"(١).

وإذا أردنا أن نبصر بعد ذلك طريقاً نلتمس به رياض الإسلام وأنوار الكتاب والنبيّ، فإن عليّ وآل البيت هم كما قال(صلى الله عليه وآله) الأبواب، وعلينا أن نعرف شيئاً ونلقي سمع الأذن والفؤاد إلى قوله: "أريدكم لله وتريدوني لأنفسكم"، وإذا انتبه قارئ إلى هذه الجملة الآتية من كلامه، وارتعد فؤاده لقراءتها، عرف طريقاً يسلكه إلى عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) خارج متاهات الاستدلال على الإمام، وفق طرق تغييبه التي اتبعت عند عامة من بحث عنه على شروط توضع من أجل أن يتبؤا منصبه، فلا شرط إذن سوى حكمة الله تعالى في اصطناع أنبيائه لنفسه وبعثهم في الناس، واطلاق الهداة الذين اختصهم فكانوا ممن يلحق بهم التالي، ولا يقاس بهم أحد.

وفي كلمة نختم بها هذا المبحث هنا، هي مثار تأمل لذي لب،

١ـ نهج البلاغة: الخطبة ٢.

١٧١
يقول(عليه السلام) لشخص امتحنه في أن جعله من عماله، وتعبّر هذه المقولة عن ذروة معرفته بنفسه والحق الذي هو عليه بتمامه وكماله: "لأضربنك بسيفي الذي ما ضربت به أحداً إلاّ دخل النار"(١).

ههنا يستقيم لباحث عن إمامه في أعماقه تمام القرار، ويرفد قلبه بسكينة الاستقرار فالذي يعلم أن سيفه يفصل بين النار والجنة، هو الذي أجاب من سأله: هل رأيت ربك؟ فأجابه: "أفأعبد ما لا أرى"(٢). وإذا تابع المتأمل الكيفية التي رأى الإمام فيه ربّه، فإنه سيقف على النور الذي لا تنطفىء له شعلة، والحق الذي لا يأتيه الباطل.

الطريق إلى عليّ(عليه السلام) هو الطريق إلى الله عزّوجلّ

إذا كان فناء عليّ(عليه السلام) بحبّ محمد(صلى الله عليه وآله) بلغ منه كل هذا المبلغ، وراح يذرف(عليه السلام) نفسه صغيراً ويحامي عنه(صلى الله عليه وآله) يافعاً، ويقاسمه شؤون الدين، ويذب عن حياضه في كل قائمة وقاعدة، ويسوح في كل مصر لنصرته، فكيف بربّ محمد(صلى الله عليه وآله) وربّ جميع الوجود.

من استرشد الطريق إلى عليّ(عليه السلام)، ودخل مدينة علم رسول الله(صلى الله عليه وآله) من بابها، صار إلى فناء الرحمة المحمدية، حتى يبلغ مرتبة من كشف عنه الحجاب، لكن هذا لا يكون إلاّ ببصيرة راضها حبّ

١ـ نهج البلاغة: كتاب ٤١.

٢ـ نهج البلاغة: الخطبة ١٧٩.

١٧٢
الله.

ربما كانت هذه الكلمات هنا أقرب إلى التذلل منها إلى روح البحث، ولو أن البحث في مقدس هو في هذا المقام، لا يجد له مناصاً من بلوغ عتبة التواضع التي هي شرفة كسب المعرفة.

كتب على مرّ التاريخ المئات من العلماء والفلاسفة حول بداية الوجود وأصله، وذهبت الأمم في هذا مذاهب شتى، منها من قارب الحقيقة، ومنها من زاغ بصره، ومنها من وقف في المنطقة الوسطى.

وثمة من لم يرّ مبرراً للتحرك نحو أشياء لا تدرك، لكن العمق النفسي الإنساني هو في تعريفات الكتاب هنا يساوي "الفطرة"، فالفطرة التي يتحرك فيها شعور البحث عن القوة التي تدير شؤون الحياة، ما زالت مستمرة بالدفع الذي هو من خاصيات الحركة، فهي ليست ساكنة في طبيعتها، ولم تستكن إلى اليوم.

وفي تناول هذه الظاهرة، يمكننا النظر إلى مجمل ما قاله الإمام عليّ(عليه السلام) في نهج البلاغة وسواه من الكتب التي نقلت ارشاداته للناس، والتي تدخل في معظم نواحيها في عوالم فلسفة المعرفة، فيضع على الأساس للبحث ضمن منطقة القدرة البشرية، ويحزم حقائب الذين يتناولون أو يحاولون تناول ذات الله بالدرس والتأمل، ويشرع لهم طريق الارتحال.

وقد لا نجد بداً هنا من ايراد بعض اضاءاته حول الكيفية التي

١٧٣
ينبغي معها للمهتم أن يتعرّف على ربّه، وهذه المدرسة بالذات هي مدرسة رسول الله(صلى الله عليه وآله)، وقد شقّ عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) بامداده الناس بمثل هذه المعارف الطريق الذي رسمت فيما بعده المدارس الكلامية مناهجها، وإن لم تكن في المجمل قد بلغت رغبته في تناقل العلم بين الناس، لكنها أثرت في تراث الإنسانية مخزوناً عظيماً من الكتب والبحوث العقائدية والفلسفية.

وفي عروج موجز على الكيفية التي رسم من خلالها للناس طريق التعرّف على الله تعالى، نجده يوزّع على القلوب مراتب تندرج معها نحو معرفته، يمكن أن نلاحظ أن يفتح باباً للدخول في هذا العالم من جهة الخضوع لله تعالى والاستكانة إلى قراره، ومن جهة أخرى يوسع على المدارك كيفية معرفته، ويحذر في مواطن عديدة من مغبة الخوض في غمرات الجهل، باعمال العقل في سبيل ادراك كنهه، يقول: "فتبارك الله الذي لا تبلغه بعد الهمم، ولا يناله حدس الفطن، الأوّل الذي لا غاية له فينتهي، ولا آخر له فينقضي"(١).

وفي سبيل اعطاء منتهى الغاية من وراء البحث في معرفة ذات الله تعالى يوقف الإمام القدرة على هذا، ويرجعها إلى أن الذي أمر الله تعالى الناس به هو الذي يكفيهم مؤونة التفكّر والعمل، يقول لنا: "فانظر أيّها السائل: فما دلك القرآن عليه من صفته فائتمّ به، واستضيئ

١ـ نهج البلاغة: الخطبة ٩٣.

١٧٤
بنور هدايته، وما كلفك الشيطان علمه مما ليس في الكتاب عليك فرضه، ولا في سنّة النبيّ(صلى الله عليه وآله)، وأئمة الهدى أثره، فَكِلْ علمه إلى الله سبحانه، فإنّ ذلك منتهى حق الله عليك"(١).

لكن ماذا يفعل من لا يرد على القول، ولا يهديه الهادي إلى سواء سبيله، وقد تقحم غمرات الوهم، أفراد أن يعلم ما هو الله، يجيب(عليه السلام)هنا على هؤلاء في قوله:

"واعلم أن الراسخين في العلم، هم الذين أغناهم عن اقتحام السّدد المضروبة دون الغيوب، والإقرار بجملة ما جهلوا تفسيره من الغيب المحجوب، فمدح الله اعترافهم بالعجز عن تناول ما لم يحيطوا به علماً، وسمّى تركهم التعمّق فيما لم يكلفهم البحث عن كنهه رسوخاً، فاقتصر على ذلك، ولا تُقدّر عظمة الله سبحانه على قدر عقلك فتكون من الهالكين"(٢).

وهو في جميع تناوله لمثل هذه المسألة، لا يعدو تنبيه الناس عدم الدخول في ضلالات الأوهام، ومن أراد أن يضع يده على هذه الحقيقة فليراجع نهجه، وليتزوّد من جماع كلماته.

وفي ادارته دفة صراع النفس مع رغبة المعرفة، يوشك الإمام عليّ(عليه السلام) تصنيف الأنفس مثلما فعل هنا، عندما قال من هم الراسخون، ويطلب إلى الناس أن يتفكّروا قبل ذلك بعظيم خلقه، من

١ـ نهج البلاغة: الخطبة ٩٠.

٢ـ المصدر نفسه.

١٧٥
أدق المخلوقات حتى أبراج السماوات.

ولهذا النهج غاية، هي التماس قانون الله ورسوله، وايضاحه في الناس، وهو عند قوله(عليه السلام) "أمرنا صعب مستصعب" يكفي الإنسان بعد ذلك تعب السير وراء ما لا يدرك، فالذين لا يعرفون محمد وآل بيته على حقيقتهم كيف لهم أن يتجاوزونهم إلى بارئهم، ضعف إذن جهدهم، وكلّت هممهم دون بلوغ ذلك.

وعلى الإجمال يلاحظ في خط الإمام(عليه السلام) أنه يشدّد على تناول طرقات الله عبر الطاعات، ولا يقترف المرء من جريرة أعظم من تنازله عن فرائضه، والتزامه مناهج نبيه.

وكما أن الإمام علي(عليه السلام) غايته الله سبحانه، فإن إجابته عن الرؤيا كانت كالتالي: "لا تدركه العيون بمشاهدة العيان، ولكن تدركه القلوب بحقائق الإيمان"(١).

فالغاية من جميع الأمر إذن هو القلب، ومثلما ابتدأت الدائرة الرسالية برمّتها منذ آدم إلى يوم المهدي (عج) بالعمل على تطهير القلب، كذلك تختتم به، والذي بلغ النور قلبه انكشفت حقيقة الإمام علي(عليه السلام) عنده، وتقرّب إلى الله تعالى باقترابه منه، وابتعد عن الله تعالى بابتعاده عنه.

وقد يعلم من انكشفت له حقيقة إمامه أنه قال: "لا يزيدني كثرة

١ـ نهج البلاغة: الخطبة ١٧٩.

١٧٦
الناس حولي عزّة، ولا تفرّقهم عني وحشة"(١)، فهو البالغ مبلغ اليقين من ربه، والسلامة من أداء أمانته، ويذهب مطمئناً إلى باريه.

ونختم هذا بوصيته(عليه السلام) التي منها: "واعلم ـ يا بني ـ أنك إنما خلقت للآخرة لا للدنيا، وللفناء لا للبقاء، وللموت لا للحياة، وأنّك في منزل قُلعة، ودار بلغة، وطريق إلى الآخرة... وإياك أن تغتر بماترى من أخلاد أهل الدنيا إليها، وتكالبهم عليها، فقد نبأك الله عنها... فإنّما أهلها كلاب عاوية، وسباع ضارية، يهرّ بعضها بعضاً، يأكل عزيزها ذليلها... سلكت بهم الدنيا طريق العمى، وأخذت بأبصارهم عن منار الهدى"(٢).

* * *

بهذا نختم هذا الفصل، مع سعة الطلب والرغبة في الزيادة، إنما أردنا أن نشير إلى تحقق الإمامة في عليّ(عليه السلام)، وفق المنهج الذي اتبعناه وأجرينا عليه بحوثنا.

١ـ نهج البلاغة: كتاب ٣٦.

٢ـ نهج البلاغة: كتاب ٣١.

١٧٧

[هل أنجز الاسلام كلماته]

الحق أنّ الذي نحن بحاجته هنا، هو الجواب عن سؤال كان قد طرح قبلا، وهو حول القول: في هل أنجز الإسلام كلماته؟

ونفرد هنا هذا المبحث الأخير للاجابة على هذا السؤال، منتبهين إلى مفهوم الإمامة وما يجري عليه من متابعة في بقية أئمة أهل البيت(عليهم السلام).

الكلمة المنجزة

في الإجابة على هذا التساؤل، نعتقد أن الإسلام بما هو دين إلهي يمتلك القدرة على مرافقة مسيرة البشرية إلى غاياتها القصوى، ومن المسائل الرئيسية في الفكر الديني الإسلامي أنه لابد من انجاز مشروعه الإنساني على كامل جغرافيا العالم، وهذا ليس من طموح البشر، بل هو الوعد الإلهي الذي أخذه على نفسه.

فلما كان النبيّ محمد(صلى الله عليه وآله) قد وضع بمعونة الله سبحانه ووحيه، الأسس والأنظمة التي تضبط هذه المسيرة، وترتفع بالإنسان نحو غايته وحقيقته، وتسعى به نحو ارضاء الله سبحانه، مثلما تعمل على توثيق عرى الإنسانية، بهدف رفع الظلم وإقامة العدالة، وشرع بإنشاء دولته وإعلاء كلمة الله، فإنه قد أنجز القسم الأعظم من تطبيق شرائع الله تعالى على الأرض، كما رسم البرامج ووضع الحيثيات التي تؤاتي استمرار هذه القاعدة، كما تؤاتي عدم الخرق بها.

ومن المعروف أن البشر مع ابتعاد الفاصل الزمني بينهم وبين الرسل والأنبياء، يقومون عن قصد أو غير قصد بتبديل أو تحرير أو تغيير سنتهم وتعليماتهم، وهذا حاصل في الديانات التي سبقت الإسلام.

١٧٨
وبما أن النبي محمد(صلى الله عليه وآله) هو الرسول الخاتم الذي لن يبعث الله من بعده أحد، فقد اقتضت الضرورة الحياتية أن يقوم في الأرض من يحفظ هذا الدين من مثل هذه التغييرات، ولا يقوم هذا الأمر مثلما تبين بشكل عفوي، إنما في الوضع الطبيعي يجب أن يكون الأشخاص الذين يقيمونه بمثابة "صنو لرسول الله"، وهذه ليست نظرية تحتمل الخطأ والصواب، بل هذا هو أصل الإسلام، ولدى النظر في السنة النبوية الشريفة، ينكشف لنا أن رسول الله(صلى الله عليه وآله) وضع في ضمن ما وضع من أنظمة وقوانين قاعدة هذا الاستمرار، وقام بتأدية رسالته تامة، وترك للأئمة الذين أخبر الناس بظهورهم وقيامهم بالأمر من بعده، وسماهم وعددهم، وعلينا أن لا نستسلم لدعاوي عدم الصحة، أو الخروقات التي تمت وراء هذه السنة في التاريخ.

ويكفينا هنا ايراد نموذج من أحاديثه(صلى الله عليه وآله) في هذا الخصوص كاظهار لهذه الحقيقة، ولا نهدف هنا إلى مناقشتها، لأنّ هذا ليس من أهداف الكتاب، يقول(عليه السلام): "لا يزال الدين قائماً حتى تقوم الساعة أو يكون عليكم اثنا عشر خليفة كلهم من قريش"(١).

ونحن نعتقد بتمام صواب هذا الأمر، لا لأنّها وردت في حديث

١ـ صحيح مسلم، كتاب الإمارة، باب الناس تبع لقريش: ٣/١١٥٥، مسند أحمد: ٥/٩٠، ٩٨، وعند البخاري قريب منه، باب الاستخلاف، ولهذه الرواية أشكال عدة، لكن الهدف هنا هو استمرار قيام من يمثل الرسول(صلى الله عليه وآله) ليس غيره.

١٧٩
النبيّ(صلى الله عليه وآله)وحسب، إنّما لعلّة انتهاء الرسالات السماوية من جهة، وضبط استمرار الإسلام من جهة ثانية.

ولما تبيّن لنا ماهية الإمامة، لم يعد هنالك من حاجة إلى متابعة تفصيلاتها، لكن الذي يقال هنا هو أن الأئمة الذين يسترسلون في القيام بهذا الأمر بين الناس بعددهم الذي أقرّه نبيّ الله، من أجل بلوغ الإسلام هذه الذروة التي رسمها الله سبحانه له، لا من أجل ارضاء هذه الفئة من الناس أو تلك، وأن هذا الإمام هو الذي يمثّل (المثال)، الذي اتّضحت لنا ماهيته بالشكل الذي أمكن أن نفهمه، وهو بهذا اللحاظ الذي يقيم أمر الله نهائياً، أي أن الإسلام ينجز مشروعه كاملا بتمام ظهور الإمام الثاني عشر، بحسب قول رسول الله(صلى الله عليه وآله) وبحسب قوله سبحانه (كتب الله لأغلبن أنا ورسلي)(١).

نصل إلى ختام هذا الأمر هنا بأن الكلمة النهائية في الإسلام، تطبيقاً وانجازاً لرسالة نبيّه مرهون به.

منفعة على سبيل الخاتمة

قال رسول الله(صلى الله عليه وآله) يوم برز الإمام(عليه السلام) في غزوة الخندق: "برز الإسلام كلّه إلى الشرك كله"(٢).

فقد كان الإمام عليّ(عليه السلام) يمثّل إسلاماً يتحرك بين الناس، وحين

١ـ المجادلة: ٢١.

٢ـ أنظر اقبال الأعمال لابن طاووس: ٢/٢٦٧.

١٨٠