×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

المقنع في الغيبة والزيادة المكملة له / الصفحات: ٤١ - ٦٠

الا ترى: أن من شاهدناه حياً متصرفاً، ثم رأيناه بعد ذلك صريعاً طريحاً، فقدت حركات عروقه وظهرت دلائل تغيره وانتفاخه، نعلم(٤٥) يقيناً أنه ميت.

ونفي وجود الأولاد بخلاف هذا الباب.

على أنا لو تجاوزنا - في الفصل(٤٦) بيننا وبين من ذكر في السؤال - عن دفع المعلوم، لكان كلامنا واضحاً؛ لأن جميع من(٤٧) ذكر من الفرق قد سقط خلافه بعدم عينه وخلوالزمان من قائل بمذهبه:

أما الكيسانية فما رأينا قط منهم أحداً، ولا عين لهذا القول ولا أثر.

وكذلك الناووسية.

وأما الواقفة فقد رأينا منهم نفراً شذّاذاً جهّالاً لايعد مثلهم خلافاً، ثم انتهى الأمر في زماننا هذا وما يليه إلى الفقد الكليّ، حتى لا يوجد هذا المذهب - إن وجد - إلا في اثنين أو ثلاثة على صفة من قلة الفطنة والغباوة يقطع بها على الخروج من التكليف، فضلاً أن يجعل قولهم خلافاً يعارض به الإمامية الذين طبقوا البر والبحر والسهل والجبل في أقطار الأرض وأكنافها، ويوجد فيهم(٤٨) من العلماء والمصنفين الألوف الكثيرة.

ولا خلاف بيننا وبين مخالفينا في أنّ الإجماع إنما يعتبر فيه الزمان الحاضر دون الماضي الغابر.

(٤٥) في «ب»: يعلم. وفي «ج»: حكم.

(٤٦) في «ج»: الفضل.

(٤٧) في «أ» و«ب»: ما.

(٤٨) في «ج»: منهم.

٤١

[انحصار الإمام في الغائب]

وإذا بطلت إمامة من أثبتت له الإمامة بالاختيار والدعوة(٤٩) في هذا الوقت لأجل فقد الصفة التي دل العقل عليها (وبطل قول من راعى هذه الصفة في غير صاحبنا لشذوذه)(٥٠) وانقراضه: فلا مندوحة عن مذهبنا، ولا بد من صحته، وإلا: خرج الحق عن جميع أقوال الأمة.

[علة الغيبة والجهل بها]

فأمّا(٥١) الكلام في علة الغيبة وسببها والوجه الذي يحسنها فواضحٌ بعد تقرر ما تقدم من الأصول:

لأنّا إذا علمنا بالسياقة التي ساق إليها الأصلان المتقرران(٥٢) في العقل: أن الإمام ابن الحسن عليهما السلام دون غيره، ورأيناه غائباً عن الأبصار: علمنا أنه لم يغب - مع عصمته وتعينّ فرض الإمامة فيه وعليه - إلا لسبب اقتضى ذلك، ومصلحةٍ استدعته، وضرورةٍ قادت إليه - وإن لم يعلم الوجه على التفصيل والتعيين - لأنّ ذلك مما لا يلزم علمه.

وجرى الكلام في الغيبة ووجهها وسببها - على التفصيل - مجرى العلم بمراد الله تعالى من الآيات المتشابهة في القرآن، التي ظاهرها بخلاف ما

(٤٩) في «ب»: والدعوى.

(٥٠) ما بين القوسين سقط من «ب».

(٥١) في «ب»: وأمّا.

(٥٢) في «ج»: المقرّران.

٤٢
دلت عليه العقول، من جبرٍ أو تشبيهٍ أو غير ذلك.

فكما (٥٣)أنّا ومخالفينا لا نوجب العلم المفصّل بوجوه هذه الآيات وتأويلها، بل نقول كلّنا: إنّا إذا علمنا حكمة الله تعالى، وإنّه لا يجوز أن يخبر بخلاف ما هو عليه من الصفات، علمنا - على الجملة - أن لهذه الآيات وجوهاً صحيحة بخلاف ظاهرها تطابق مدلول أدلة العقل، وإن غاب عنا العلم بذلك مفصلاً، فإنه لا حاجة بنا إليه، ويكفينا العلم على سبيل الجملة بأن المراد بها خلاف الظاهر، وأنه مطابق العقل.

فكذلك لا يلزمنا ولا يتعين علينا العلم بسبب الغيبة، والوجه في فقد ظهور الإمام على التفصيل والتعيين، ويكفينا في ذلك علم الجملة التي تقدّم ذكرها، فإن تكلّفنا وتبرّعنا بذكره فهو فضل منّا.

كما أنه من جماعتنا فضل وتبرع إذا تكلفنا ذكر وجوه المتشابه والأغراض فيه على التعيين.

[الجهل بحكمة الغيبة لا ينافيها]

ثم يقال للمخالف في الغيبة: (أتجوز أن يكون للغيبة)(٥٤) وجهُ صحيح اقتضاها، ووجه من الحكمة استدعاها، أم لا تجوٌز ذلك؟

فإن قال: أنا لذلك مجٌوز.

قيل له: فإذا كنت له مجوّاً فكيف جعلت وجود الغيبة دليلاً على أنه

(٥٣) في «أ» و «ب»: وكما.

(٥٤) ما بين القوسين سقط من «ب».

٤٣
لا إمام في الزمان، مع تجويزك أن يكون للغيبة سبب لا ينافي وجود الإمام؟!

وهل تجري في ذلك إلاّ مجرى من توصّل بإيلام الأطفال إلى نفي حكمة الصانع تعالى، وهو معترف بأنه يجوز أن يكون في إيلامهم وجه صحيح لاينافي الحكمة.

أو مجرى من توصّل بظواهر الآيات المتشابهات إلى أنّه تعالى مشبِه(٥٥) للأجسام، وخالق لأفعال العباد، مع تجويزه أن يكون لهذه الآيات وجوه صحيحة لا تنافي العدل، والتوحيد، ونفي التشبيه.

وإن قال: لا أجوز أن يكون للغيبة سبب صحيح موافق للحكمة، وكيف أجوز ذلك وأنا أجعل الغيبة دليلاًعلى نفي الإمام الذي تدّعون غيبته؟!

قلنا: هذا تحجر منك شديد، فيما لا يحاط بعلمه ولا يقطع على مثله.

فمن أين قلت: إنه لا يجوز أن يكون للغيبة سبب صحيح يقتضيها؟!

ومن هذا الذي يحيط علماً بجميع الأسباب والأغراض حتى يقطع على انتفائها؟!

وما الفرق بينك وبين من قال: لايجوز أن يكون للآيات المتشابهات وجوه صحيحة تطابق أدلة العقل، ولا بد من أن تكون على ما اقتضته ظواهرها؟!

(٥٥) في «ب»: مشابه.

٤٤
فإن قلت: الفرق بيني و بين من ذكرتم أنني أتمكن من أن أذكر وجوه هذه الآيات المتشابهات ومعانيها الصحيحة، وأنتم لا تتمكّنون من ذكر سبب صحيح للغيبة!

قلنا: هذه المعارضة إنّما وجهناها على من يقول: /(٥٦) إنه غير محتاج إلى العلم على التفصيل بوجوه الآيات المتشابهات وأغراضها، وإن التعاطي لذكر هذه الوجوه فضل وتبرّع، وإن الكفاية واقعة بالعلم بحكمة القديم تعالى، وإنه لايجوز أن يخبر عن نفسه بخلاف ما هو عليه.

والمعارضة على هذا المذهب لازمة.

[لزوم المحافظة على أصول البحث]

فأما من جعل الفرق بين الأمرين ما حكيناه في السؤال من «تمكّنه من ذكر وجوه الآيات المتشابهات، فإنا لا نتمكن من ذلك»!

فجوابه أن يقال له: قد تركت - بما صرت إليه - مذاهب شيوخك وخرجت عمّا اعتمدوه، وهو الصحيح الواضح اللائح.

وكفى بذلك عجزاً ونكولاً.

وإذا قنعت لنفسك بهذا الفرق - مع بطلانه و منافاته لأصول الشيوخ - كلناعليك مثله، وهو:

أنا نتمكن - أيضاً - أن نذكر في الغيبة الأسباب الصحيحة، والأغراض الواضحة، التي لا تنافي الحكمة، ولا تخرج عن حدّها،

(٥٦) من هنا سقط من «ب».

٤٥
وسنذكر ذلك فيما يأتي من الكلام - بمشيئة الله وعونه - فقد ساويناك وضاهيناك بعد أن نزلنا على اقتراحك وإن كان باطلاً.

ثم يقال له: كيف يجوز أن تجتمع صحّة إمامة ابن الحسن عليهما السلام بما بيناه من سياقة الأصول العقلية إليها، مع القول بأن الغيبة لا يجوز أن يكون لها سبب صحيح يقتضيها؟!

أوليس هذا تناقضاً ظاهراُ، وجارياً في الاستحالة مجرى اجتماع القول بالعدل والتوحيد مع القطع على أنه لا يجوز أن يكون للآيات - الواردة ظواهرها بما يخالف العدل والتوحيد - تأويل صحيح، ومخرج سديد يطابق ما دلّ عليه العقل؟!

أوَ لا تعلم: أن ما دل عليه العقل وقطع به على صحته يقود ويسوق إلى القطع على أن للآيات مخرجاً صحيحاً وتأويلأ للعقل مطابقاً، وإن لم نحط علماً به، كما يقود ويسوق إلى أن للغيبة وجوهاً وأسباباً صحيحة، وإن لم نحط بعلمها؟!

[تقدم الكلام في الأصول على الكلام في الفروع]

فإن قال: (أنا لا أسلّم)(٥٧) ثبوت أمامة ابن الحسن وصحة طريقها، ولو سلمت ذلك لما خالفت في الغيبة، لكنني أجعل الغيبة - وأنه لا يجوز أن يكون لها سبب صحيح - طريقاً إلى نفي ما تدعونه من إمامة ابن الحسن.

(٥٧) في «أ»: لا نسلّم.

٤٦
قلنا: إذا لم تثبت لنا إمامة ابن الحسن عليهما السلام فلا كلام لنا في الغيبة؛ لأنا إنما نتكلم في سبب غيبة من ثبتت إمامته وعُلِمَ وجوده، والكلام في وجوه غيبة من ليس بموجود هذيان.

وإذا لم تسلموا إمامة ابن الحسن، جعلنا الكلام معكم في صحة إمامته، واشتغلنا بتثبيتها وإيضاحها، فإذا زالت الشبهة فيها ساغ الكلام حينئذ في سبب الغيبة؛ وإن لم تثبت لنا إمامته وعجزنا عن الدلالة على صحتها، فقد بطل قولنا بإمامة ابن الحسن عليهما السلام، واستغنى - معنا - عن كلفة الكلام في سبب الغيبة.

ويجري هذا الموضع من الكلام مجرى من سألنا عن إيلام الأطفال، أو وجوه الآيات المتشابهات، وجهات المصالح في رمي الجمار، والطواف بالبيت، وما أشبه ذلك من العبادات على التفصيل والتعيين.

وإذا عولنا في الأمرين على حكمة القديم تعالى، وأنه لا يجوز أن يفعل قبيحاً، ولا بد من وجه حسن في جميع ما فعله، وإن جهلناه بعينه، وأنّه تعالى لا يجوز أن يخبر بخلاف ما هو عليه، ولا بدّ - فيما ظاهره يقتضي خلاف ما هو تعالى عليه - من أن يكون له وجه صحيح، وإن لم نعلمه مفصّلاً.

قال لنا: ومن سلّم لكم حكمة القديم، وأنه لا يفعل القبيح؟! وإنا إنما جعلنا(٥٨) الكلام في سبب إيلام الأطفال ووجوه الآيات المتشابهات وغيرها طريقاً إلى نفي ما تدّعونه من نفي القبيح عن أفعاله تعالى.

فكما أن جوابنا له: أنّك إذا لم تسلّم حكمة القديم تعالى دللنا

(٥٨) في «ج»: وأنا إنّما جعلتُ.

٤٧
عليها، ولم يجز أن نتخطّاها إلى الكلام في أسباب أفعاله.

فكذلك الجواب لمن كلّمنا في الغيبة وهو لا يسلّم إمامة صاحب الزمان وصحة أصولها.

[لا خيار في الاستدلال على الفروع قبل الأصول]

فإن قيل: ألا كان السائل بالخيار بين أن يتكلّم في إمامة ابن الحسن عليهما السلام ليعرف صحّتها من فسادها، وبين أن يتكلّم في سبب الغيبة، فإذا بان أنّه لا سبب صحيحاً لها انكشف بذلك بطلان إمامته؟

قلنا: لا خيار في مثل ذلك؛ لأن من شكّ في إمامة ابن الحسن عليهما السلام يجب أن يكون الكلام معه في نفس إمامته، والتشاغل في جوابه بالدلالة عليها، ولا يجوز مع هذا الشكّ - وقبل ثبوت هذه الإمامة - أن يتكلّم(٥٩) في سبب الغيبة؛ لأن الكلام في الفروع لا يسوغ إلاّ بعد إحكام الأصول.

ألا ترى: أنّه لا يجوز أن يتكلّم في سبب إيلام الأطفال إلاّ بعد الدلالة على حكمته تعالى، وأنّه لا يفعل القبيح، وكذلك القول في الآيات المتشابهات.

ولا خيار لنا في هذه المواضع.

(٥٩) في «ج»: نتكلّم.

٤٨

[اعتماد شيوخ المعتزلة على هذه الطريقة]

وممّا يبيّن صحّة /(٦٠) هذه الطريقة ويوضّحها: أنّ الشيوخ كلّهم لمّا عولوا- في إبطال ما تدّعيه اليهود: من تأبيد شرعهم و أنّه لا يُنسخ ما دام الليل والنهار، على ما يرونه، ويدّعون: أنّ موسى عليه السلام قال: «إنّ شريعته لا تنسخ» - على أنّ نبيّنا عليه وآله أفضل الصلاة والسلام - وقد قامت دلائل نبوّته، ووضحت بيّنات صدقه - أكذبهم في هذه الرواية، وذكر أنّ شرعه ناسخٌ لكلٌ شريعة تقدّّمته.

سألوا(٦١) نفوسهم - لليهود - فقالوا: أيّ فرق بين أن تجعلوا دليل النبوّة مبطلأ لخبرنا في نفي النسخ للشرع، وبين أن نجعل صحّة الخبر بتأبيد الشرع، وأنّه لا ينسخ، قاضياً على بطلان النبوّة؟!

ولم تنقلوننا عن الكلام في الخبر وطرق صحّته إلى الكلام في معجز النبوّة، ولم يجز أن تنقلكم عن الكلام في النبوّة ومعجزها إلى الكلام في الخبر وصحّته؟!

أوَ ليس كلّ واحد من الأمرين إذا ثبت قضى على صاحبه؟!

فأجابوهم عن هذا السؤال بـ: أن الكلام في معجز النبوّة أولى من الكلام في طريق صحّة الخبر؛ لأن المعجز معلوم وجوده ضرورةً وهو القرآن، ومعلوم صفته في الإعجاز بطريق عقلي لا يمكن دخول الاحتمال فيه والتجاذب والتنازع.

(٦٠) إلى هنا ينتهي السقط في «ب».

(٦١) هذا متعلّق بجملة: «لمّا عوّلوا...» المارّة انفاً.

٤٩
وليس كذلك الخبر الذي تدّعونه؛ لأنّ صحّته تستند إلى أمور غير معلومة ولا ظاهرة ولا طريق إلى علمها؛ لأنّ الكثرة التي لا يجوز عليهم التواطؤ لابدٌ من إثباتهم في رواية هذا الخبر، في أصله وفرعه، وفيما بيننا وبين موسى عليه السلام، حتى يُقطع على أنهم ما انقرضوا في وقت من الأوقات ولا قلّوا، وهذا مع بعد العهد وتراخي الزمان محالٌ إدراكه والعلم بصحّته.

قضوا (٦٢) حينئذٍ على أنّ الكلام في معجز النبوّة - حتى إذا صحّ، قطع به على بطلان الخبر - أولى من الكلام في الخبر والتشاغل به.

[استعمال هذه الطريقة في المجادلات بطريق أولى]

وهذا الفرق يمكن أن يستعمل بيننا وبين من قال: كلّموني في سبب إيلام الأطفال قبل الكلام في حكمة القديم تعالى، حتى إذا بان أنّه لا وجه يحسّن هذه الآلام بطلت الحكمة، أو قال بمثله في الآيات المتشابهات.

وبعدُ، فإنّ حكمة القديم تعالى في وجوب تقدّم الكلام فيها على أسباب الأفعال، ووجوه تأويل الكلام، بخلاف ما قد بيّناه في نسخ الشريعة ودلالة(٦٣) المعجز:

لأنّ حكمة القديم تعالى أصلٌ في نفي القبيح(٦٤) عن أفعاله،

(٦٢) جواب جملة: «لمّا عوّلوا...» المارّة انفاً.

(٦٣) في «ب»: دلائل.

(٦٤) في «أ»: النسخ. ويحتمل: القبح.

٥٠
والأصل لا بدّ من تقدّمه لفرعه(٦٥).

وليس كذلك الكلام في النبوّة (والخبر؛ لأنّه ليس أحدهما أصلاً لصاحبه، وإنّما رجّح الشيوخ الكلام في النبوّة) (٦٦) على الخبر، وطريقه: من الوجه الذي ذكرناه، وبينوا أنّ أحدهما محتمل مشبته، والآخر واضح يمكن التوصّل - بمجرّد دليل العقل - إليه.

[الكلام في الإمامة أصل للغيبة]

والكلام في الغيبة مع الكلام في إمامة صاحب الزمان عليه السلام يجري - في أنه أصل وفرع - بمجرى الكلام في إيلام الأطفال، وتأويل المتشابه، والكلام في حكمة القديم تعالى، فواجب تقدّم الكلام في إمامته على الكلام في سبب غيبته من حيث الأصل والفرع اللذان ذكرناهما في سبب إيلام الأطفال وغيره.

[مزيّة في استعمال تلك الطريقة في بحث الغيبة]

ثم يجب تقدّمه من وجه الترجيح والمزّية على ما ذكره الشيوخ في الفرق بين الكلام في النبوّة والكلام في طريق خبر نفي النسخ؛ لأنّه من المعلوم.

(٦٥) اللام هنا بمعنى «عن».

(٦٦) ما بين القوسين سقط من «ب»، والعبارة فيها هكذا: «وليس كذلك الكلام في النبوّة في الغيبة مع الكلام...».

وفي «أ» هنا زيادة: «في الغيبة مع الكلام...».

٥١
لأن الكلام في سبب الغيبة ووجهها، فيه من الاحتمال والتجاذب ما ليس في الطريقة التي ذكرناها في إمامة ابن الحسن عليهما السلام؛ لأنّها مبنيّة على اعتبار العقل وسبر ما يقتضيه، وهذا بيّنٌ لمن تأمّله.

[التأكيد على المحافظة على المنهج الموضوعي للبحث]

وبعدُ، فلا تنسوا ما لا يزال شيوخكم يعتمدونه، من ردّ المشتبه من الأمور إلى واضحها، وبناء المحتمل منها على ما لا يحتمل، والقضاء بالواضح على الخفيّ، حتّى أنّهم يستعملون ذلك ويفزعون إليه في أصول الدين وفروعه فيما طريقه العقل وفيما طريقه الشرع، فكيف تمنعوننا في الغيبة خاصّة ما هو دأبكم(٦٧) ودينكم، وعليه اعتمادكم واعتضادكم؟!

ولا خوف التطويل لأشرنا إلى المواضع والمسائل التي تعوّلون فيها على هذه الطريقة، وهي كثيرة؛ فلا تنقضوا - بدفعنا في الغيبة عن النهج الذي سلكناه - أُصولكم بفروعكم، ولا تبلغوا في العصبيّة إلى الحدّ الذي لا يخفى على أحد.

[بيان حكمة الغيبة عند المصنّف]

وإذا كنّا قد وَعَدْنا بأن نتبرّع بذكر سبب الغَيْبة على التفصيل، وإنْ

(٦٧) في «أ»: دليلكم.

٥٢
كان لا يلزمنا، ولا يُخلّ(٦٨) الإضراب عن ذكره بصحّة مذاهبنا، فنحن نفعل ذلك ونتبعه بالأسئلة التي تُسأل عليه ونجيب عنها.

فإن كان كلّ هذا فضلاً منّا، اعتمدناه استظهاراً في الحجّة، وإلاّ فالتمسّك بالجملة المتقدّمة مُغْن كاف.

[الغَيْبة استتاراً من الظلمة]

أمّا سبب الغِيْبة فهو: إخافة الظالمين له عليه السلام، وقبضهم يده عن التصرّف فيما جُعل إليه التصرّف والتدبيرله؛ لأنّ الإمام إنّما ينتفع به إذا كان مٌمَكَّناً، مطاعاً، مُخلّيً بينه وبين أغراضه، ليقوِّم الجناة، ويحارب البغاة، ويقيم الحدود، ويسدّ الثغور، وينصف المظلوم من الظالم، وكلّ هذا لا يتمّ إلاّ مع التمكين، فإذا حيل بينه وبين مراده سقط عنه فرض القيام بالإمامة، فإذا خاف على نفسه وجبت غَيْبته ولزم استتاره.

ومَنْ هذا الذي يُلْزمُ خائفاً - أعداؤه(٦٩) عليه، وهم حنقون - أن يظهر لهم وأن يبرز بينهم؟!

والتحرّز من المضارّ واجبٌ عقلاً وسمعاً.

وقد استتر النبيّ صلىّ الله عليه وآله في الشعب مرّة، واُخرى في الغار، ولا وجه لذلك إلاّ الخوف من المضارّ الواصلة إليه.

(٦٨) في «أ» و «ب»: يحلّ.

(٦٩) في «ج»: أعداءه.

٥٣

[التفرقة بين استتار النبيّ والإمام في أداء المهمّة والحاجة إليه]

فإن قيل: النبيُّ (صلىّ الله عليه وأله)(٧٠) ما استتر عن قومه إلاّ‍ بعد أدائه إليهم ما وجب أداؤه، ولم تتعلّق بهم إليه حاجة، وقولكم في الإمام بخلاف ذلك.

ولأنّ استتاره (صلىّ الله عليه وآله)(٧١) ما تطاول ولا تمادى، واستتار إمامكم قد مضت عليه العصور وانقضت دونه الدهور!

قلنا: ليس الأمر على ما ذكرتم؛ لأنّ النبيّ صلىّ الله عليه وآله إنّما استتر في الشِعْب والغار بمكّة، وقبل(٧٢) الهجرة، وما كان أدّى (صلىّ الله عليه وآله)(٧٣) جميع الشريعة، فإن أكثر الأحكام ومعظم القرآن نزل بالمدينة، فكيف ادّعيتم أنّه كان بعد الأداء؟!

ولو كان الأمر على ما زعمتم من تكامل الأداء قبل الاستتار: لما كان ذلك رافعاً للحاجة إلى تدبيره عليه السلام، وسياسته، وأمره(٧٤) في أمّته ونهيه.

ومَنْ هذا الذي يقول: إنّ النبي (صلىّ الله عليه وآله)(٧٥) بعد أداء

(٧٠) في «أ»: عليه وآله السلام.

(٧١) في «أ» و «ب»: عليه السلام.

(٧٢) في «ب»: قبل.

(٧٣) في «أ» و «ب»: عليه السلام.

(٧٤) في «أ»: أوامره.

(٧٥) في «أ»: عليه السلام.

٥٤
الشرع غير محتاج إليه، ولا مفتقَر إلى تدبيره، إلاّ معاندٌ مكابر؟!

وإذا جاز استتاره عليه السلام - مع تعلّق الحاجة إليه - لخوف الضرر، وكانت التبعة في ذلك لازمة لمخيفيه ومحوجيه إلى التغيب، سقطت عه اللائمة، وتوجهت إلى مَنْ أحوجه إلى الاستتار وألجأه إلى التغيب.

وكذلك القول في غيبة إمام غَيْبة إمام الزمان عليه السلام.

[التفرقة بينهما في طول الغَيْبة وقصرها]

فأمّا التفرقة بطول الغيبة وقصرها فغير صحيحة:

لأنّه لا فرق في ذلك بين القصير المنقطع وبين الممتدّ المتمادي؛ لأنّه إذا لم يكن في الاستتار لائمة على المستتر إذا أُحْوِجَ إليه(٧٦): جاز أن يتطاول سبب الاستتار، كما جاز أن يقصر زمانه.

[لَم لَم يستتر الأئمة السابقون عليهم السلام]

فإن قيل: إنْ ان الخوف أحوجه إلى الاستتار، فقد كان آباؤه عندكم في تقيّة وخوف من أعدائهم، فكيف لم يستتروا؟!

قلنا: ما كان على آبائه عليهم السلام خوفٌ من إعدائهم، مع لزومهم التقيّة، والعدول عن التظاهر بالإمامة، ونفيها عن نفوسهم(٧٧).

(٧٦) في «الغيبة» للطوسي - ص ٩٢ ـ هنا زيادة: بل اللائمة على من أحوجه إليها.

(٧٧) جاء في هامش «ج» هنا ما نصّه: لي هنا نظر.

٥٥
وإمام الزمان كلّ الخوف عليه؛ لأنّه يظهر بالسيف ويدعو إلى نفسه(٧٨) ويجاهد مَنْ خالف عليه.

فأيُّ نسبة بين خوفه من الأعداء، وخوف آبائه عليهم السلام منهم، لولا قلّة التأمّل؟!

[الفرق بين الغيبة وعدم الوجود]

فأن قيل: أيّ فرق بين وجوده غائباً لا يصل إليه أحدٌ ولا ينتنفع به بشر، وبين عدمه؟!

وألا جاز أن يعدمه الله تعالى، حتى إذا علم أنّ الرعيّة تمكّنه وتسلّم له أوْجده، كما جاز أن يبيحه الاستتار حتى يعلم منهم التمكين له فيظهره؟!

وإذا(٧٩) جاز أن يكون الاستتار سببه إخافة الظالمين، فألا جاز أن يكون الإعدام سببه ذلك بعينه؟!

قيل(٨٠): ما يقطع - قبل أن نجيب عن سؤالك - على أنّ الإمام لا يصل إليه أحد ولا يلقاه؛ لأن هذا الأمرمغيب عنّا، وهو موقوف على

(٧٨) جاء في هامش «ج» هنا ما نصّه:

توضيحه: أنّ إمام الزمان مكلّف بإظهار الحقّ وقتل مخالفيه، ولا يكون ذلك إلاّ بالسيف، بخلاف آبائه عليهم السلام، فإنّهم لم يكونوا بهذه المثابة من التكليف، والله أعلم.

(٧٩) في «ب»: فإذا.

(٨٠) في «أ» و«ب»: فإن قيل. غلط.

٥٦
الشكّ والتجويز.

والفرق بعد هذا - بين وجوده غائباً من أجل التقيّة، وخوف الضرر من أعدائه، وهو في أثناء ذلك متوقِّع أن يُمكّنوه ويزيلوا خيفته فيظهر ويقوم بما فوّض إليه من أُمورهم؛ وبين أن يعدمه الله تعالى - جليُّ واضح:

لأنّه إذا كان معدوماً، كان ما يفوت العباد من مصالحهم، ويعدمونه من مراشدهم، ويحرمونه من لطفهم وانتفاعهم به منسوباً إليه تعالى، ومعضوباً(٨١) لا حجّة فيه على العباد، ولا لوم يلزمهم ولا ذمّ.

وإذا كان موجوداً مستتراً بإخافتهم له، كان ما يفوت من المصالح ويرتفع من المنافع منسوباً إلى العباد، وهم الملومون عليه المؤآخذون به.

فأمّا الإعدام فلا يجوز أن يكون سببه إخافة الظالمين؛ لأنّ العباد قد يٌلجئ بعضُهم بعضاً إلى أفعاله.

[الفرق بين استتار النبيّ وعدم وجوده]

على أن ينقلب عليهم في استتار النبيّ (صلىّ الله عليه وآله وسلّم)(٨٢) فيقال لهم: أيّ فرق بين وجوده مستتراً وبين عدمه؟! فأيّ شيء قالوا في ذلك أجبناهم بمثله.

(٨١) كان في «ب»: ومعصوماً. وفي «ج»: ومعضوباً به.

والمعضوب من الرجال: الضعيف، والعضب: القطع، ورجل معضوب اللسان إذا كان مقطوعاً، عييّاً، فَدْماً.

أُنظر: الصحاح ١ / ١٨٤، لسان العرب ١ / ٦٠٩ - عضب.

والظاهر أنّ جملة «ومعضوباً...» جواب ثانٍ لـ «إذا...» المتقدّمة.

(٨٢) في «أ»: عليه الصلاة والسلام.

٥٧
وليس لهم أن يفرقوا بين الأمرين بأن النبي (صلىّ الله عليه وآله وسلّم)(٨٣) ما استتر من كلّ أحد، وإنّما استتر من أعدائه، وإمام الزمان عليه السلام مستتر من الجميع!

وذلك أن النبيّ صلىّ الله عليه وآله لمّا استتر في الغار كان مستتراً من أوليائه وأعدائه، ولم يكن معه إلاّ أبوبكر وحده.

وقد كان يجوز عندنا وعندكم أن يستتر بحيث لا يكون معه أحدٌ من وليّ ولا عدوّ إذا اقتضت المصلحة ذلك.

وإذا رضوا /(٨٤) لأنفسهم بهذا الفرق قلنا مثله؛ لأنه قد بيّنّا أنّ الإمام يجوز أن يلقاه في حال الغَيْبة جماعة من أوليائه وأنّ ذلك ممّا لا يقطع على فقده.

[أمكان ظهور الإمام بحيث لا يمسّه الظلم]

فإن قيل: إنْ كان خوف ضرر الأعداء هو الموجب للغيبة، أفلا أظهره الله تعالى (في السحاب وبحيث لا تصل إليه أيدي أعدائه فيجمع الظهور)(٨٥) والأمان من الضرر؟!

قلنا: هذا سؤال من لا يفكّر فيما يورده؛ لأنّ الحاجة من العباد إنّما تتعلّق بأمام يتولّى عقاب جناتهم، وقسمة أموالهم، وسدّ ثغورهم، ويباشر تدبير أُمورهم، ويكون بحيث يحلّ ويعقد، ويرفع ويضع، وهذا لا يتمّ إلاّ

(٨٣) في «أ»: عليه السلام.

(٨٤) إلى هنا تنتهي نسخة «ب»، والفقرة السابقة مشوَّشة فيها.

(٨٥) ما بين القوسين سقط من «أ».

٥٨
مع المخالطة والملابسة.

فإذا جُعل بحيث لا وصول إليه ارتفعت جهة الحاجة إليه، فصار ظهوره للعين كظهور النجوم الذي لا يسدّ منّا خللاً ولا يرفع زللاً، ومن احتاج في الغَيْبة إلى مثل هذا السؤال فقد أفلس ولم تبقّ فيه مسكة(٨٦).

[إقامة الحدود في الغَيْبة]

فإن قيل: فالحدود في حال الغَيْبة ما حكمها؟

فإن سقطت عن فاعلي ما يوجبها فهذا اعتراف بنسخ الشريعة!

وإن كانت ثابتة فمن يقيمها مع الغيبة؟!

قلنا: الحدود المستحقّة ثابتة في جنوب الجناة بما يوجبها من الأفعال، فإن ظهر الإمامُ والمستحقُّ لهذه الحدود باقٍ أقامها عليه بالبيّنة أو الإقرار، وإنْ فات ذلك بموته كان الإثم في تفويت إقامتها على من أخاف الإمام وألجأه إلى الغيبة.

وليس هذا بنسخ لإقامة الحدود؛ لأنّ الحدّ إنّما تجب إقامته مع التمكّن وزوال الموانع، ويسقط مع الحيلولة.

وإنّما يكون ذلك نسخاً لو سقط فرض إقامة الحدّ مع التمكّن وزوال الأسباب المانعة من إقامته.

ثمّ يُقلب هذا عليهم فيقال لهم: كيف قولكم في الحدود التي

(٨٦) في «أ»: مسألة.

والمسكة: أيُّ شيء يتمسّك به في الجدل.

٥٩
تستحقّها الجناة في الأحوال التي لا يتمكّن فيها أهل الحلّ والعقد من اختيار الإمام ونصبه؟! فأيّ شيء قالوه في ذلك قيل لهم مثله.

فإن قيل: كيف السبيل مع غَيْبة الإمام إلى إصابة الحقّ؟!

فإن قلتم: لاسبيل إليه، فقد جعلتم الناس في حيرة وضلالة وريب في سائَر أُمورهم.

وإنْ قلتم: يصاب الحقّ بأدلّته (قيل لكم: هذا تصريح بالاستغناء عن الإمام بهذه الأدلّة) ورجوع إلى الحقّ؟!(٨٧)

قلنا: الحقُّ على ضربين: عقليّ وسمعيّ:

فالعقليّ يصاب بأدلّته ويدرك بالنظر فيها.

والسمعيّ (عليه أدلّة منصوبة من أقوال النبيّ عيله السلام ونصوصه) (٨٨) وأقوال الأئمة من ولده عليهم السلام، وقد بيّنوا ذلك وأوضحوه، ولم يتركوا منه شيئاً لا دليل عليه.

غير إنّ هذا، وإن كان على ما قلناه، فالحاجة إلى الإمام ثابتة لازمة؛ لأنّ جهة الحاجة إليه - المستمرّة في كلّ زمان وعلى كلّ وجه - هي كونه لطفاً لنا في فعل الواجب وتجنّب القبيح، وهذا ممّا لا يغني عنه شيء، ولا يقوم مقامه فيه غيرُه.

فأمّا الحاجة إليه المتعلّقة بالسمع والشرع فهي أيضاً ظاهرة:

لأنّ النقل، وإنْ كان وارداً عن الرسول صلىّ الله عليه وآله وعن آباء

(٨٧) إلى هنا ينتهي تفريع الإشكال، وما بين القوسين سقط من «أ».

(٨٨) ما بين القوسين سقط من «ج».

٦٠