×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

إرشاد القلوب (ج 1) / الصفحات: ٦١ - ٨٠

سيّئة، وسبب احباط كلّ حسنة(١)، والعجب انّ الله يقول: {انّما أموالكم وأولادكم فتنة}(٢) والناس يجمعونها ويحبّونها مع علمهم انّهم مفارقوها ومحاسبون عليها.

ولقد أحسن من قال فيها:

هي الدنيا تقول لمن عليهاحذار حذار من بطشي وفتكي
فلا يغرركم حسن ابتساميفقولي مضحك والفعل مبكي(٣)

١- البحار ٧٧:١٨٢; مستدرك الوسائل ١٢:٧٠ح١٣٥٣٨.

٢- الأنفال: ٢٨.

٣- مجموعة ورام ١:١.

٦١

الباب الثالث
في ذمّ الدنيا، منثوراً ومنظوماً

عجباً عجباً لغفلة الإنسانقطع الحياة بذلّة وهوان
فكّرت في الدنيافكانت منزلاًعندي كبعض منازل الركبان
مجرى جميع الخلق فيها واحدفكثيرها وقليلها سيّان
أبغي الكثير إلى الكثير مضاعفاًولو اقتصرت على القليل كفاني
لله درّ الوارثين كأنّنيبأخصّهم متبرّم بمكاني
قلقاً يجهّزني إلى دار البلاءمتحرّياً(١) لكرامتي بهواني
متبرياً حتّى إذا نشر الثرىفوقي طوى كشحاً على هجراني

وقال:

نل ما بداك أن تنالفانّما تعطى وتسلب
واعلم بأنّك غافلفي العالمين(٢) وأنت تطلب

١- في "ج": متحفّزاً.

٢- في "ج": في الغافلين.

٦٢
والمشكلات كثيرةوالوقف عند الشك أصوب
يبغي المهذّب في الاُمورجميعها ومن المهذّب

وروي انّه وجد على باب مدينة: ياابن آدم غافص(١) الفرصة عند امكانها، ووكّل الاُمور إلى مدبّرها، ولا تحمل على نفسك همّ يوم لم يأتك، فانّه ان لم يكن من أجلك يأتي الله فيه برزقك، ولا تكن عبرة للناظرين، واسوة بالمغرورين في جمع المال على المال، فكم من جامع لبعل حليلته، وتقتير المرء على نفسه توفير لخزانة غيره.

وقال الخليل: انّما يجمع المرء المال لأحد ثلاثة كلّهم أعداؤه: امّا زوج امرأته، أو زوج ابنه، أو زوج بنته، فمال المرء لهؤلاء ان تركه، فالعاقل الناصح لنفسه الذي يأخذ معه زاداً لآخرته، ولايؤثر هؤلاء على نفسه.

لبعضهم(٢):

يا جامعاً لاهياً والدهر(٣) يرمقهمفكراً ايّ باب عنه يغلقه
جمعت مالاً فقل لي هل جمعت لهيا غافل القلب أيّاماً تفرّقه

ولأبي العتاهيّه:

أصبحت والله في مضيقهل من دليل إلى الطريق
اُفّ لدنيا تلاعبت بيتلاعب الموج بالغريق

وقال أيضاً:

نظرت إلى الدنيا بعين مريضةوفكرة مغرور وتدبير جاهل
فقلت هي الدنيا التي ليس غيرها(٤)ونافست فيها في غرور وباطل

١- غافصه: فاجأه، وأخذه على غرّة. (القاموس)٢- في "ب": وقال بعضهم في ذلك.

٣- في"ب": والموت.

٤- في "ب" و"ج": مثلها.

٦٣
وضيّعت أحقاباً أمامي طويلةبلذّة أيّام قصار قلائل

[وقال أيضاً](١)

وان امرء دنياه أكبر همّهلمستمسك منها بحبل غرور

[وقال آخر:](٢):

طلبتك يا دنيا فأعذرت في الطلبوما نلت الاّ الهمّ والغمّ والنصب
وأسرفت(٣)في ذنبي ولم أقض حسرتيهربت بديني(٤) منك ان نفع الهرب
ولم أر حظّاً كالقنوع لأهلهوان يحمل الإنسان ما عاش في الطلب

قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لا تخالفوا على الله في أمره، فقالوا: وما ذاك يا رسول الله؟ قال: تسعون في عمران دار قضى الله بخرابها.

وكان علي بن الحسين عليه السلام يتمثّل [ويقول:](٥)

ومن يصحب الدنيا يكن مثل قابضعلى الماء خانته فروج الأصابع

وقال النبي صلى الله عليه وآله: انّ الله تعالى جعل الدنيا دار بلوى، والآخرة دار عقبى، فجعل بلوى الدنيا لثواب الآخرة سبباً، وثواب الدنيا من بلوى الآخرة عوضاً(٦)، فيأخذ ليعطي، ويبتلي ليجزي.

وانّها سريعة الزوال، وشيكة الانتقال، فاحذروا حلاوة رضاعها لمرارة فطامها، واهجروا لذيذ عاجلها لكربة آجلها، ولا تواصلوها وقد قضى الله اجتنابها، ولا تسعوا في عمرانها وقد قضى الله خرابها، فتكونوا لسخطه متعرّضين

١- أثبتناه من "ب".

٢- أثبتناه من "ج".

٣- في "ج": وأسرعت.

٤- في "ب" و"ج": بذنبي.

٥- أثبتناه من "ب" و"ج".

٦- في"ج": وثواب الآخرة من بلوى الدنيا عوضاً.

٦٤
٦٥

الباب الرابع
[في ترك الدنيا](١)

روي عن النبي صلى الله عليه وآله انه قال: انّ الناس في الدنيا ضيف وما في أيديهم عارية، وانّ العارية مردودة، وانّ الضيف راحل، ألا وانّ الدنيا عرض حاضر يأكل منه البر والفاجر، والآخرة وعد صادق يحكم فيه ملك عادل قاهر، فرحم الله من نظر لنفسه، ومهّد لرمسه، وحبله على عاتقه ملقىً قبل أن ينفذ أجله، وينقطع أمله، ولا ينفع الندم(٢).

وقال الحسن(٣) عليه السلام: من أحب الدنيا ذهب خوف الآخرة من قلبه، ومن ازداد حرصاً على الدنيا لم يزدد منها الاّ بعداً، وازداد هو من الله بغضاً، والحريص الجاهل والزاهد القانع كلاهما مستوف أكله، غير منقوص من رزقهم شيئاً، فعلام التهافت في النار(٤).

١- أثبتناه من "ب" و"ج".

٢- راجع البحار ٧٧:١٨٩ضمن حديث ١٠.

٣- في "ب": الحسين بن علي عليهما السلام.

٤- الى هنا في مجموعة ورام ٢:٢١٨.

٦٦

والخير كلّه في صبر ساعة، تورث راحة طويلة وسعادة كبيرة(١)، والناس طالبان: طالب يطلب الدنيا حتّى إذا أدركها فهو هالك، وطالب يطلب الآخرة حتّى إذا أدركها فهو ناج فائز، واعلم أيّها الرجل انّه لا يضرّك ما فاتك من الدنيا وأصابك من شدائدها إذا ظفرت بالآخرة، وما ينفعك ما أصبت من الدنيا إذا حرمت الآخرة.

وكتب عمر بن عبد العزيز إلى الحسن البصري: عظني، فكتب إليه: انّ رأس ما يصلحك الزهد في الدنيا، والزهد باليقين، واليقين بالفكر، والفكر هو الاعتبار، فإذا فكّرت في الدنيا لم تجدها أهلاً لأن تنفع نفسك بجميعها فكيف ببعضها، ووجدت نفسك أهلاً أن تكرمها بهوان الدنيا.

واذكر قول الله تعالى: {وكلّ انسان ألزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتاباً يلقاه منشوراً}(٢) فلقد عدل عليك مَنْ جعلك حسيباً على نفسك حيث قال(٣): {اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً}(٤).

وقال: لقد صحبت في الدنيا أقواماً كانوا والله قرّة عين، وكلامهم شفاء الصدور، وكانوا والله في الحلال أزهد منكم في الحرام، وكانوا على النوافل أشد محافظة منكم على الفرائض، وكانوا والله من حسناتهم ومن أعمالهم الحسنة مخافة أن ترد عليهم أكثر وجلاً من أعمالكم السيّئة أن تعذّبوا بها.

وكانوا والله من حسناتهم أن تظهر(٥) أشد خوفاً منكم من سيّئاتكم أن تشهر(٦)، وكانوا يسترون حسناتهم كما تسترون أنتم سيّئاتكم، وكانوا محسنين

١- في "ب" و"ج": كثيرة.

٢- الاسراء: ١٣.

٣- في "ب" و"ج": لقوله تعالى.

٤- الاسراء: ١٤.

٥- في "ب": يظهروا.

٦- في "ب": تشهدوا.

٦٧

وهم مع ذلك يبكون، وأنتم تسيئون وتضحكون، فانّا لله وانّا إليه راجعون.

ظهر الجفاء(١)، وقلّت العلماء، وعفت السنّة، وهجر الكتاب، وشاعت البدعة، وتعامل الناس بالمداهنة، وتقارضوا الثناء، وذهب الناس وبقي حثالة من الناس، يوشك أن تدعوا فلا تجابوا، وتظهر عليكم أيدي المشركين فلا تغاثوا.

فأعدّوا الجواب فانّكم مسؤولون، والله لو تكاشفتم ما تدافنتم، فاتقوا الله وقدموا فضلاً(٢)، فإنّ من كان قبلكم كانوا يأخذون من الدنيا بلاغهم، ويؤثرون بفضل ذلك اخوانهم المؤمنين، ومساكينهم وأيتامهم وأراملهم، فانتبهوا من رقدتكم فإنّ الموت فضح الدنيا، ولم يجعل الله لذي عقل فرحاً(٣).

واعلموا أنّه من عرف ربّه أحبّه فأطاعه، ومن عرف عدوّه(٤) الشيطان عصاه، ومن عرف الدنيا وغدرها بأهلها مقتها(٥)، وانّ المؤمن ليس بذي لهو ولا غفلة وانّما همّه التفكر والاعتبار، وشعاره الذكر قائماً وقاعداً وعلى كلّ حال.

نطقه ذكر، وصمته فكر، ونظره اعتبار، لأنّه يعلم انّه يصبح ويمسي بين أخطار ثلاثة: امّا بليّة نازلة، أو نعمة زائلة، أو منيّة قاضية، ولقد كدّر ذكر الموت عيش كلّ عاقل، فعجباً لقوم نودي فيهم بالرحيل وهم غافلون عن التزوّد، ولقد علموا انّ لكل سفر زاداً لابد منه، حبس أوّلهم عن آخرهم وهم لاهون ساهون.

وروي في قوله تعالى: {وآتيناه الحكم صبيّاً}(٦) عن يحيى عليه السلام انّه كان له سبع سنين، فقال له الصبيان: امض معنا نلعب، فقال: ليس للّعب خلقنا.

وقال أمير المؤمنين عليه السلام في قوله تعالى: {ولا تنس نصيبك من

١- في "ج": المخالفون.

٢- في "ب" و"ج": فضلكم.

٣- في "ج": فسحاً.

٤- في "ب" و"ج": عداوة.

٥- في "ج": زهد فيها.

٦- مريم: ١٢.

٦٨

الدنيا}(١) قال: لا تنس صحّتك وقوّتك وشفاءك(٢) وغناك ونشاطك أن تطلب الآخرة(٣).

وقال آخرون: هو الكفن من جميع ما يملك، أي لا تنس انّه هو نصيبك من الدنيا كلّه لو ملكتها.

وقال علي بن الحسين عليه السلام: أعظم الناس قدراً من لم يبال الدنيا في يد من كانت.

وقال محمد بن الحنفيّة: من كرمت نفسه عليه هانت الدنيا عنده(٤).

وقال رسول الله صلى الله عليه وآله: لا يزداد الزمان الاّ شدّة، والعمر الاّ نقصاناً، والرزق الاّ قلّة، والعلم الاّ ذهاباً، والخلق الاّ ضعفاً، والدنيا الاّ ادباراً، والناس الاّ شحّاً، والساعة الاّ قرباً، تقوم على الاشرار من الناس.

وقال: كان الكنز الذي تحت الجدار: عجباً لمن أيقن بالموت كيف يفرح، وعجباً لمن أيقن بالرزق كيف يحزن، وعجباً لمن أيقن بالحساب(٥) كيف يذنب، وعجباً لمن عرف الدنيا وتقلّبها بأهلها كيف يطمئنّ إليها.

وقال رسول الله صلى الله عليه وآله: إذا أحبّ الله عبداً ابتلاه، وإذا أحبّه الحبّ البالغ افتناه، فقالوا: وما معنى افتناه؟ قال: لا يترك له مالاً ولا ولداً(٦).

وانّ الله تعالى يتعهّد عبده المؤمن في نفسه وماله بالبلاء كما تتعهّد الوالدة ولدها باللبن، وانّه ليحمي عبده المؤمن من الدنيا كما يحمي الطبيب المريض من

١- القصص: ٧٧.

٢- في "ج": شبابك.

٣- مجموعة ورام ٢:٢١٩; معاني الأخبار: ٣٢٥.

٤- مجموعة ورام ١:٧٧نحوه.

٥- في "ج": بالنار.

٦- البحار ٨١:١٨٨ح٤٥; عن دعوات الراوندي.

٦٩

الطعام(١).

وكان أمير المؤمنين عليه السلام يقول: اللهم انّي أسألك سلواً عن الدنيا ومقتاً لها، فإنّ خيرها زهيد، وشرّها عتيد، وصفوها يتكدّر، وجديدها يخلق، وما فات فيها لم يرجع، وما نيل منها فتنة الاّ من أصابته منك عصمة وشملته منك رحمة، فلا تجعلني ممّن رضي بها واطمأنّ إليها ووثق بها، فإنّ من اطمأنّ إليها خانته، ومن وثق بها غرّته.

ولقد أحسن من وصفها بقوله:

ربّ ريح لاُناس عصفتثم ما لبثت إلى أن سكنت
وكذاك الدهر في أطوارهقدم زلّت واُخرى ثبتت
وكذا الأيّام من عاداتهاانّها مفسدة ما أصلحت

[وقال غيره:](٢)

لا تحزننّ(٣) على الدنيا وما فيهاواحزن على صالح لم تكتسب فيها

[وقال آخر:](٤)

واذكر ذنوباً عظاماً منك قد سلفتنسيت أكثرها والله محصيها

وفي قوله تعالى: {كم تركوا من جنّات وعيون * وزروع ومقام كريم * ونعمة كانوا فيها فاكهين * كذلك وأورثناها قوماً آخرين * فما بكت عليهم السماء والأرض وما كانوا منظرين}(٥) عبرة.

وقال بعضهم: مررت بخربة فأدخلت فيها رأسي وقلت:

١- مجموعة ورام ١:٨٦.

٢- أثبتناه من "ب" و"ج".

٣- في "ب" و"ج": تحرصنّ.

٤- أثبتناه من "ج".

٥- الدخان: ٢٤-٢٩.

٧٠
ناد ربّ الدار ذا المال الذيجمع الدنيا بحرص ما فعل؟!

فأجابه هاتف من الخربة يقول:

كان في دار سواها دارهعلّلته بالمنى حتّى انتقل(١)

وقال قتاده في قوله تعالى: {وقد خلت من قبلهم المثلات}(٢) قال: وقائع القرون الماضيه، وما حلّ بها من خراب الديار وتعفية الآثار.

ومرّ الحسن عليه السلام بقصر أوس فقال: لمن هذا؟ فقالوا: لاُوس، فقال: ودّ أوس انّ له في الآخرة بدله رغيفاً(٣).

وقال أبو العتاهيّة:

جمعوا فما أكلوا الذي جمعواوبنوا مساكنهم فما سكنوا
وكأنّهم كانوا بها ظعناًلمّا استراحوا ساعة ظعنوا

وقال مسروق: ما امتلأت دار حبرة الاّ امتلأت عبرة، وأنشد [عند ذلك يقول:](٤)

كم ببطن الأرض ثاو من وزير وأميروصغير الشأن عبد خامل الذكر حقير
لو تأمّلت قبور القوم في يوم قصيرلم تميّزهم ولم تعرف غنيّاً من فقير

وروي انّ سعد بن أبي وقّاص لما ولي العراق دعا حرقة(٥) ابنة النعمان، فجاءت في لمّة من جواريها، فقال لهنّ: أيّتكنّ حرقة؟ قلن: هذه، فقالت: نعم، فما استنذارك(٦) ايّاي يا سعد؟ فوالله ما طلعت الشمس، وما شيء يدبّ تحت

١- مجموعة ورام ٢:٢٢٠.

٢- الرعد:٦.

٣- مجموعة ورام ١:٧٠.

٤- أثبتناه من "ب".

٥- في "ب": خرقة.

٦- في "ب" و"ج": استبداؤك.

٧١

الخورنق(١) الاّ وهو تحت أيدينا، فغربت [شمسنا](٢) وقد كان رحمنا جميع من كان يحسدنا، وما من بيت دخلته حبرة الاّ وعقّبته عبرة، ثمّ أنشأت تقول:

فبينا نسوق الناس والأمر أمرناإذا نحن فيها سوقة نتنصّف
فاُفٍّ لدنيا لا يدوم سرورهاتقلّب بنا ثاراتها وتصرف
هم الناس ما ساروا يسيرون حولناوان نحن أومأنا إلى الناس أوقفوا

ثم قالت: انّ الدنيا دار فناء وزوال لا تدوم على حال، تنتقل بأهلها انتقالاً، وتعقبهم بعد حال حالاً، ولقد كنّا ملوك هذا القصر يطيعنا أهله، ويجبوا إلينا دخله فأدبر الأمر وصاح بنا الدهر، فصدع عصانا، وشتّت شملنا، وكذا الدهر لا يدوم لأحد، ثم بكت فبكى لبكائها، وأنشد:

انّ للدهر صولة فاحذريهالا تقولين قد أمنت الدهورا
قد يبيت الفتى معافاً فيؤذىولقد كان آمناً مسرورا

فقال لها: اذكري حاجتك، فقالت: بنوا النعمان وأهله أجزهم على عوائدهم، فقال لها: اذكري حاجتك لنفسك خاصّة، فقالت: يد الأمير بالعطيّة أطلق من لساني بالمسألة، فأعطاهم وأعطانا(٣) وأجزل.

فقالت: شكرتك يد افتقرت بعد غنى، ولا ملكتك يد استغنت بعد فقر، وأصاب الله بمعروفك مواضعه، ولا جعل الله لك إلى اللئيم حاجة، ولا أخذ الله من كريم نعمة الاّ وجعل لك السبب في ردها إليه، فقال سعد: اكتبوها في ديوان الحكمة، فلمّا خرجت من عنده سألها نساؤها فقلن: ما فعل معك الأمير؟ فقالت: حاط لي ذمّتي، وأكرم وجهي، إنْ يكرم الكريم الاّ كريماً(٤).

١- الخورنق: اسم قصر بالعراق، فارسيّ معرّب، بناه النعمان الأكبر. (لسان العرب)٢- أثبتناه من "ج".

٣- في "ج": وأعطاها.

٤- أورده المصنف رحمه الله في أعلام الدين: ٢٨٣ باختصار.

٧٢

ولقد أحسن من قال:

وما الدهر والأيّام الاّ كما ترىرزيّة مال أو فراق حبيب
وانّ امرأً قد جرّب الدهر لم يخفتقلّب يوميه لغير أريب

وقال الآخر:

هو الموت لا منجى من الموت والذياُحاذر بعد الموت أدهى وأفظع

وقال آخر:

إذا الرجال كثرت أولادهاوجعلت أوصابها تعتادها
واضطربت من كبرها أعضادهافهي زروع قد دنا حصادها

وقال بعضهم: اجتزت بدار جبار كان معجباً بنفسه وملكه، فسمعت هاتفاًينشد ويقول:

وما سالم عمّا قليل بسالموان كثرت أحراسه ومواكبه
ومن يك ذا باب شديد وحاجبفعمّا قليل يهجر الباب حاجبه
ويصبح في لحد من الأرض ضيّقاًيفارقه أجناده ومواكبه
وما كان الاّ الموت حتّى تفرّقتإلى غيره أحراسه وكتائبه
وأصبح مسروراً به كلّ كاشحوأسلمه أحبابه وحبائبه
فنفسك فاكسبها السعادة جاهداًفكلّ امرء رهناً بما هو كاسبه

قال: وكان بعضهم إذا نظر في المرآة إلى جماله أنشد:

يا حسان الوجوه سوف تموتونوتبلى الوجوه تحت التراب
يا ذوي الأوجه الحسان المصوناتوأجسامها الفظاظ الرطاب
اكثروا من نعيمها أو أقلّواسوف تهدونها لعفر التراب
قد نعتك الأيّام نعياً صحيحاًبفراق الأقران والأصحاب

٧٣
٧٤
فانزلوا بعد عزٍّ من معاقلهم(١)واسكنوا حفرة يا بئس ما نزلوا
ناداهم صارخ من بعد ما دفنواأين الأسرّة والتيجان والكلل(٢)
أين الوجوه التي كانت منعّمةمن دونها تضرب الأستار والحجل
فأفصح القبر عنهم حين ساءلهمتلك الوجوه عليها الدود يقتتل(٣)
قد طال ما أكلوا دهراً وما شربوافأصبحوا بعد طيب الأكل قد اكلوا
سالت عيونهم فوق الخدود فلورأيتهم ما هنّاك العيش يا رجل

وقال الحسين عليه السلام: ياابن آدم تفكّر وقل: أين ملوك الدنيا وأربابها الذين عمّروا خرابها، واحتفروا أنهارها، وغرسوا أشجارها، ومدّنوا مدائنها، فارقوها وهم كارهون، وورثها(٤) قوم آخرون، ونحن(٥) بهم عمّا قليل لاحقون.

ياابن آدم اذكر مصرعك، وفي قبرك مضجعك، وموقفك بين يدي الله تعالى، يشهد جوارحك عليك، يوم تزلّ فيه الأقدام، وتبلغ القلوب الحناجر، وتبيضّ وجوه وتسودّ وجوه، وتبدى السرائر ويوضع الميزان للقسط.

ياابن آدم اذكر مصارع آبائك وأبنائك كيف كانوا وحيث حلّوا، وكأنّك عن قليل قد حللت محلّهم، وأنشد:

أين الملوك التي عن حظّها(٦) غفلتحتّى سقاها بكأس الموت ساقيها
تلك المدائن في الآفاق خاليةعادت خراباً وذاق الموت بانيها
أموالنا لذوي الورّاث نجمعهاودورنا لخراب الدهر نبنيها

ما عبّر أحد عن الدنيا كما عبّر أميرالمؤمنين عليه السلام بقوله: دار بالبلاء

١- في "ب": منازلهم.

٢- في "ب": الحلل.

٣- في "ج": تنتقل.

٤- في "ب": ورثوها.

٥- في "الف": وهم.

٦- في "ب" و"ج": حفظها.

٧٥

محفوفه، وبالغدر معروفه، لاتدوم أحوالها، ولا تسلم نزّالها، أحوال مختلفة، وتارات متفرّقة(١)، العيش فيها مذموم، والأمان فيها معدوم، وانّما أهلها فيها أغراض مستهدفة، ترميهم بسهامها وتفنيهم بحمامها.

واعلموا عباد الله انّكم وما أنتم فيه من هذه الدنيا على سبيل من كان قبلكم ممّن كان أطول منكم أعماراً، وأعمر دياراً، وأبعد آثاراً، أصبحت أصواتهم هامدة، وآثارهم خامدة، ورياحهم راكدة، وأجسادهم بالية، وديارهم خاوية، وآثارهم عافية.

فاستبدلواالقصورالمشيّدة،والنمارق الممهّدة،والصخور(٢)والأحجار المسندة، بالقبور اللاّطية الملحّدة التي قد بُني على الخراب فناؤها، وشُيّد بالتراب بناؤها، فمحلّها مقترب، وساكنها مغترب، بين أهل محلّة موحشين وأهل فراغ متشاغلين.

لا يستأنسون بالأوطان، ولا يتواصلون تواصل الجيران على ما بينهم من قرب الجوار، ودنوّ الدار، فكيف يكون بينهم تواصل وقد طحنهم بكلكلة البلاء، وأكلهم الجنادل والثرى، وكأنّكم قد صرتم إلى ما صاروا إليه، وارتهنكم(٣) ذلك المضجع، وضمّكم ذلك المستودع.

فكيف بكم إذا تناهت بكم الاُمور، وبُعثرت القبور، هنالك تبلو كلّ نفس ما أسلفت، وردّوا إلى الله مولاهم الحق وضلّ عنهم ما كانوا يفترون(٤).

ودخل أبوالهذيل دار المأمون فقال: انّ دارك هذه كانت مسكونة قبلك من ملوك درست آثارهم، وانقطعت أعمارهم، فالسعيد من وعظ بغيره(٥).

١- في "ب" و"ج": متصرّفة.

٢- في "ب": بالصخور.

٣- في "ب": ارتهنتم.

٤- نهج البلاغة: الخطبة ٢٢٦; عنه البحار ٧٣:٨٢ح٤٥.

٥- مجموعة ورام ٢:٢٢١.

٧٦

الباب الخامس
في التخويف والترهيب من كتاب الله جلّ جلاله

قال: {ونخوّفهم فما يزيدهم الاّ طغياناً كبيراً}(١).

وقال سبحانه: {بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر}(٢).

وقال: {ءأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور * أم أمنتم من في السماء أن يرسل عليكم حاصباً فستعلمون كيف نذير}(٣).

وقال: {وما نرسل بالآيات الاّ تخويفاً}(٤).

وقال: {أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتاً وهم نائمون * أو أمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا ضحىً وهم يلعبون * أفأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله الاّ القوم الخاسرون}(٥).

١- الأسراء: ٦٠.

٢- القمر: ٤٦.

٣- الملك: ١٦-١٧.

٤- الأسراء: ٥٩.

٥- الأعراف: ٩٧-٩٩.

٧٧

وقال: {ويل لكلّ أفّاك أثيم * يسمع آيات الله تتلى عليه ثم يصرّ مستكبراً كأن لم يسمعها فبشّره بعذاب أليم}(١).

وقال: {ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابّة}(٢).

وقال سبحانه: {ظهر الفساد في البرّ والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلّهم يرجعون}(٣).

وقال سبحانه: {وتلك القرى أهلكناهم لمّا ظلموا}(٤).

وقال: {فبظلم من الذين هادوا حرّمنا عليهم طيّبات اُحلّت لهم}(٥).

وقال سبحانه: {ولو لا كلمة سبقت من ربّك لقضي بينهم}(٦).

وقال سبحانه: {ولو لا كلمة سبقت من ربّك لكان لزاماً وأجلاً مسمى}(٧)، يعني سبحانه: للزمهم(٨) بالعذاب عند كلّ معصية، وانّما سبق منه سبحانه أنّه قال: {وما كان الله ليعذّبهم وأنت فيهم وما كان الله معذّبهم وهم يستغفرون}(٩).

وقال أميرالمؤمنين عليه السلام: كان في الناس أمانان رسول الله صلى الله عليه وآله والاستغفار، فرفع منهم أمان وهو رسول الله صلى الله عليه وآله، وبقي أمان وهو الاستغفار(١٠).

١- الجاثية: ٧-٨.

٢- النحل: ٦١.

٣- الروم: ٤١.

٤- الكهف: ٥٩.

٥- النساء: ١٦٠.

٦- هود: ١١٠.

٧- طه: ١٢٩.

٨- في "ب" و "ج": ألزمهم.

٩- الأنفال: ٣٣.

١٠- نهج البلاغة: قصار الحكم ٨٨; عنه البحار ٩٣:٢٨٤ح٣١; روضة الواعظين: ٤٧٨.

٧٨

الباب السادس(١)
في التخويف من الآثار

قال رسول الله صلى الله عليه وآله: مهلاً عباد الله عن معصية الله، فإنّ الله شديد العقاب(٢).

وقال رسول الله صلى الله عليه وآله: انّ الله لم يعط ليأخذ ولو أنعم على قوم ما أنعم، وبقو ما بقي الليل والنهار، ما سلبهم تلك النعم وهم له شاكرون إلاّ أن يتحوّلوا من شكر إلى كفر، ومن طاعة إلى معصية، وذلك قوله تعالى:{انّ الله لا يغيّر ما بقوم حتّى يغيّروا ما بأنفسهم}(٣).

وقال أميرالمؤمنين عليه السلام: انّ الله يبتلي عباده عند طول السيّئات بنقص الثمرات، وحبس البركات، واغلاق خزائن الخيرات ليتوب تائب، ويقلع مقلع، ويتذكّر متذكّر، وينزجر منزجر، وقد جعل الله الاستغفار سبباً له وللرزق

١- أثبتنا عنوان هذا الباب من "الف"، ولم يرد في سائر النسخ، وبه يتم خمس وخمسين باباً كما وعده المصنف (ره).

٢- مجموعة ورام ٢: ٢٢١.

٣- الرعد: ١١.

٧٩

رحمة للخلق، فقال سبحانه: {استغفروا ربّكم انّه كان غفّاراً * يرسل السماء عليكم مدراراً * ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنّات ويجعل لكم أنهاراً}(١).

فرحم الله من قدّم توبته، وأخّر شهوته، واستقال عثرته، فإنّ أمله خادع له، وأجله مستور عنه، والشيطان موكل به، يمنّيه التوبة ليسوّفها، ويزهي له المعصية ليرتكبها، حتّى تأتي عليه منيّته وهو أغفل ما يكون عنها.

فيالها حسرة على ذي غفلة أن يكون عمره عليه حسرة، وأن تؤدّيه أيّامه إلى شقوة، فنسأل الله تعالى أن يجعلنا وايّاكم ممّن لا تبطره نعمة، ولا تقصر به عن طاعة ربّه غاية، ولا تحلّ(٢) به بعد الموت ندامة ولا كآبة(٣).

وقال صلى الله عليه وآله: ولو انّهم حين تزول عنهم النعم وتحل بهم النقم، فزعوا إلى الله بوَلَه من نفوسهم، وصدق من نيّاتهم، وخالص من طويّاتهم، لرد عليهم كلّ شارد، ولأصلح لهم كلّ فاسد(٤).

وقال النبي صلى الله عليه وآله: انّ لله تعالى ملكاً ينزل في كلّ ليلة وينادي: يا أبناء العشرين جدّوا واجتهدوا، ويا أبناء الثلاثين لا تغرنّكم الحياة الدنيا، ويا أبناء الأربعين ماذا أعددتم للقاء ربّكم، ويا أبناء الخمسين أتاكم النذير، ويا أبناء الستين زرع آن حصاده، ويا أبناء السبعين نودي بكم فأجيبوا، ويا أبناء الثمانين أتتكم الساعة وأنتم غافلون، ثم يقول: لولا عباد ركّع، ورجال خشّع، وصبيان رضّع، وأنعام رتّع لصبّ عليكم العذاب صبّاً(٥).

وقال رسول الله صلى الله عليه وآله: أكرموا ضعفاءكم فانّما ترزقون

١- النوح: ١٠-١٢.

٢- في "الف": لا تجعل.

٣- راجع البحار ٩١: ٣٣٦ ح٢٠.

٤- نهج البلاغة: الخطبة ١٧٨; عنه البحار ٦: ٥٧ ح٧.

٥- عنه معالم الزلفى: ٥٩.

٨٠