×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

مناظرات المستبصرين / الصفحات: ٢١ - ٤٠

حديث له .

انتهيت من قراءة الكتب وقد تشيعت تماما وطويت صفحة الأيام الماضية ، وقررت أن أبدأ من يومي هذا حياة جديدة .

إلى أن تقول : وأنت عزيزي القارئ إذا أردت الاستبصار أكثر عليك بقراءة كتب التيجاني والأنطاكي وخليفات ... الخ وكل من تشيع لأنها حجة علينا يوم الحساب .. وستجد فيها جوابا لكل مسائلي التي لم أورد لك أجوبتها كي تتشجع وتبحث بنفسك على طريق النور والحق .

.. وبعدها إذا بقيت على حالك ولم تغير رأيك في موروثك فعلى الدنيا السلام ، وإلاّ فأنت إنسان راق قد اتبعت قوله تعالى : {فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الاَْلْبَابِ}(١)(٢) .

ويقول الشيخ مروان خليفات الأردني في حواره مع صديقه الشيعي في حديث رزية الخميس وآثارها : وفي أثناء مسيرنا وبينما كنت أحدثه عن فضائل أبي بكر وعمر قاطعني قائلا كالمنتصر : رزية الخميس .

قلت : خيرا ماذا تقصد ؟

قال : إنها حادثة كانت قبل وفاة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بأيام حيث قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)لأصحابه : ائتوني بدواة وكتف أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده أبدا ، فقال عمر : إن النبي غلبه الوجع أو يهجر حسبنا كتاب الله .

١- سورة الزمر ، الآية : ١٧ ـ ١٨ .

٢- كتاب أخيرا أشرقت الروح ، لمياء حمادة : ٩ ـ ٢١ ، المتحولون ، هشام آل قطيط : ٣٣٠ ـ ٣٤١ .

٢١

فقلت له : هل وصل بكم الأمر أن تنسبوا هذا الكلام للفاروق الذي ما عصى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قط ؟

قال : تجد هذه الحادثة في صحيح البخاري ومسلم .

عندئذ يأست من جوابه وشعرت بالهزيمة .. وأردفت : في أي كتاب قرأت هذه الحادثة ؟ لأنني وإن وقفت موقف المعاند الذي هزم ولم يعترف ، لكنني كنت أعتصر ألما .

فقال : في كتاب ثم اهتديت لأحد علمائكم الذين تشيعوا .

قلت ساخراً : وهل هناك عالم من علمائنا تشيع .

قال : نعم ، فالتيجاني صاحب هذا الكتاب يذكر كيف تشيع وأسباب تشيعه ، وطلبت الكتاب منه ، وبدأت بقراءته فوراً ، ورزية الخميس تدور في ذهني وأتوجس خيفة لعلي أجدها فأخذتني قصة الكاتب الممتعة وأسلوبه الجذاب ، وقرأت نصوص إمامة آل البيت(عليهم السلام) ومخالفات الصحابة للرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)ورزية الخميس ، والمؤلف يوثق كل قضية من صحاحنا المعتبرة فدهشت لما أقرأ ! وشعرت أن كل طموحاتي انهارت وسقطت أرضا وحاولت إقناع نفسي بأن هذه الحقائق غير موجودة في كتبنا .

رزية الخميس في صحيح مسلم والبخاري

وفي اليوم الثاني عزمت على توثيق نصوص الكتاب من مكتبة الجامعة وبدأت برزية الخميس فوجدتها مثبتة في صحيح مسلم والبخاري بعدة طرق وكان أمامي احتمالان : إما أن أوافق عمر على قوله فيكون النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يهجر والعياذ بالله ! وبهذا أدفع التهمة عن عمر .

٢٢

وإما أن أدافع عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأقر بأن بعض الصحابة بقيادة عمر ارتكبوا خطأً جسيماً بحق النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) حتى طردهم وهنا أتنازل أمام صديقي عن معتقدات طالما رددتها وافتخرت بها أمامه .

وفي نفس اليوم سألني صديقي عن صحة ما في الكتاب فقلت وقلبي يعتصر ألماً : نعم ، صحيح .

بقيت فترة حائراً تأخذني الأفكار شرقاً وغرباً وعرض علي صديقي كتاب لأكون مع الصادقين لمؤلفه التيجاني وكتاب فسئلوا أهل الذكر وغيرها ، فكشفت هذه الكتب أمامي حقائق كثيرة وزادت حيرتي وشكي ، وحاولت إيقاف حيرتي بقراءة ردود علمائنا على هذه الحقائق لكنها لم تنفعني بل زادتني بصيرة ، وقرأت كتباً كثيرة لا يسعني ذكرها فكانت ترسم لي صورة الحقيقة بألوان من الحجج الدامغة التي كان عقلي يقف مبهوراً محتاراً أمامها فضلا عن حيرة علمائنا في التعامل معها إلى أن اكتملت الصورة في ذهني كالشمس في رابعة النهار ، واعتنقت مذهب آل البيت الأطهار(عليهم السلام) أبناء الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وأشقاء القرآن ، وأولياء الرحمن ، سفن النجاة ، وأعلام الورى ورحمة الله للملأ بكل قناعة واطمئنان قلب .

وها أنا الآن وبعد تخرجي من كلية الشريعة على يقين تام بصحة ما أنا عليه ، أقول هذه الكلمات ويمر بذهني كيف عزمت على هداية صديقي الشيعي وأهله ، وإذا بالصورة قد انعكست فكان هو سبب هدايتي وفقه الله(١) .

ويقول الشيخ هشام آل قطيط المستبصر في حواره مع صديقه الشيعي :

١- المتحولون ، الشيخ هشام آل قطيط : ١٩٣ ـ ١٩٦ .

٢٣

وفعلا في اليوم الثاني أتاني صديقي الشيعي بكتاب المراجعات وبدأت بالقراءة فيه حتى وصلت إلى ص٧١ فاستوقفني مقال للشيخ الأنطاكي الحلبي المتشيع ( الاختلاف بين المذاهب الأربعة ) واستوقفتني أقوال للإمام علي ( كرم الله وجهه ) ما أقواها وأشدها وطأً وأثراً على النفس في ص٧٥ ، قوله (عليه السلام) : ( نحن الشعار والأصحاب والخزنة والأبواب ، ولا تؤتى البيوت إلاّ من أبوابها ، فمن أتاها من غير أبوابها سمي سارقا ) .

ثم قال في ص٨٢ : وإليك بيان ما أشرنا إليه من كلام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إذ أهاب بالجاهلين وصرخ في الغافلين ، فنادى : ( يا أيها الناس إني تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا : كتاب الله وعترتي أهل بيتي ) .

فسجلت مصادر الحديث الذي ينقلها العالم الشيعي في كتابه ( المراجعات ) وبعد يومين نزلت إلى مكتبة دار الفتوى ( عائشة بكار ) لأفتش عن المصادر لأرى مدى صدق الشيعة في أقوالهم ، وفعلا عندما أتيت بصحيح الترمذي فوجدت الحديث ، فشعرت بالانتصار النفسي وفرحت فرحاً شديداً ، وتابعت المصادر فأنزلت تفسير ابن كثير فوجدت فيه الحديث ..

الله أكبر أكبر !! صرت أصيح ما هذا الانتصار .. ؟ إصبر إصبر ، أحدث نفسي : تابع البحث لا تيأس ، أشجع نفسي الآن وليس غدا يجب الذهاب إلى الشيخ عبد الفتاح صقر ، لأناقشه في هذا الحديث الذي سجلت مصادره عندي بورقة وضعتها في جيبي وأغلقت عليها كأني عثرت على كنز !! أحدث نفسي : إصبر ، تابع البحث ، فصبَّرت نفسي على فرحها الشديد .

ورجعت أتابع القراءة ، وأي شيء كان يثيرني كنت أسجله ، وأنزل إلى المكتبة فقط ، أنزل إلى مكتباتنا حذراً من الصحاح الموجودة عند الشيعة كما

٢٤

يقول علماؤنا السنة : أغلبها مزورة ومحرفة !!

إلى أن يقول : وهنا جاء التأمل والصراع ، والمسألة مع النفس ومع الذات .. فراجعت المصادر ووقفت عليها ، ووجدت صدق ما يأتي به العالم الشيعي فاستغربت من قوة استدلال هذا العالم وإحاطته الدقيقة بالتأريخ والسيرة والصحاح ، واستهواني الكتاب بأسلوبه الجذاب وثوبه الناعم المزركش ، وصرت أفكر يا إلهي أين كنت أنا ؟ أين علماؤنا من هذه الكتب ؟ فهل يعرف علماؤنا ما في هذ الكتب من أدلة ويتعمدون طمس هذه الحقائق عنا ؟ لأنه ليس من اختصاصنا البحث في الدين وإنما هو حكر على الشيوخ والعلماء فقط ، أم أنهم لا يعلمون حقيقة هذه الكتب(١) ؟!

كتاب التحول المذهبي

وفيما يتعلق برحلة المستبصرين والأسباب والدواعي التي دعتهم إلى الأخذ بمذهب أهل البيت(عليهم السلام) راجع كتاب التحول المذهبي ـ بحث تحليلي حول رحلة المستبصرين إلى مذهب أهل البيت(عليهم السلام) للكاتب الفاضل الأستاذ علاء الحسون وفقه الله تعالى فإنه كتاب قيّم بحث فيه ما يخص المستبصرين من حيث الدوافع إلى الإستبصار ، والعقبات التي تعترض طريقهم ، ومراحل الإستبصار ، وما بعد الإستبصار وغير ذلك ، بشكل مفصل فجزاه الله خير الجزاء .

١- المتحولون ، الشيخ هشام آل قطيط : ٤٩ ـ ٥٢ .

٢٥

المناظرة الأُولى

مناظرة
الشيخ الأنطاكي السوري(١) مع جماعة من السنّة
في عقيدة الشيعة في أمر الخلافة

قال الشيخ محمّد مرعي الأنطاكي(رحمه الله) : وفي الليلة الخامسة من شهر رمضان المبارك سنة ١٣٧١ هـ ، بينما أنا مشتغل في مكتبتي بكتابة كتاب : ( الشيعة وحجّتهم في التشيُّع ) إذ وفد عليَّ جماعة يبلغ عددهم نحو خمسة عشر شخصاً ، أو أكثر ، وفيهم العلماء وغير العلماء ، فتلقَّيتهم بالترحاب ، وبصدر

١- هو : المرحوم العلامة الكبير المجاهد الشيخ محمد مرعي الأمين الأنطاكي مولداً ، والحلبي نشأة ، والأزهري تخرجاً ، والشافعي مذهباً ، والشيعي خاتمة ، من أبرز علماء سوريا ، ولد سنة ١٣١٤ هـ ، في قرية من القرى التابعة إلى أنطاكية ، ودرس فيها بضع سنوات ثمّ انتقل إلى الجامع الأزهر مع أخيه ، ودرس عند شيخ الجامع الأزهر الشيخ مصطفى المراغي ، والشيخ محمد أبو طه المهنى وغيرهما من مشيخة الأزهر ، حصل على شهادات راقية من جامع الأزهر ، وعاد إلى بلاده ، وامتهن إمامة الجماعة والجمعة والتدريس والإفتاء والخطابة نحو خمسة عشر عاماً .

وأخيراً أخذ بمذهب أهل البيت (عليهم السلام) لما تبيّن له أن الحقّ معهم وفيهم ، وذلك بسبب قراءته كتاب المراجعات للسيد شرف الدين (قدس سره) ، ومناظراته الكثيرة مع علماء الشيعة الإمامية ، كما تشيع على يده ويد أخيه الشيخ أحمد ـ رحمه الله تعالى ـ الكثير من أبناء العامة من سوريا ولبنان وتركية . (إستفدنا هذه الترجمة من كتابه الشهير "لماذا اخترت مذهب الشيعة" ) .

٢٦

رحب ، وقلب ملؤه السرور ، وما إن اطمأنَّ بهم الجلوس حتى فاتحوني بالبحث العلميّ ، يريدون الإيضاح عن مذهب الشيعة ، وعن اعتقادهم في الخلافة ، وما يدور حولها .

ضرورة الوصية بالخلافة بعد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)

فبادرت إلى الجواب ، وهم صامتون يصغون إلى ما أورد عليهم من الأدلّة الواضحة ، والحجج القاطعة ، والبراهين الساطعة ، القائمة لدينا ولديهم حتى مضى علينا أكثر من ثلثي الليل ، وبعد انتهائنا من البحث قاموا ، فمنهم الشاكر ، ومنهم المنكر .

ومن جملة ما أفدت عليهم ، قلت : لا شك في أن النبيَّ (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يعلم أن أمّته الجديدة القريبة العهد بالإسلام ، وما هي عليه من الرغبة في الخلافة ، ويعلم أنه سينقلب الكثير منهم على الأعقاب(١) ، ولا يسلم منهم إلاَّ مثل همل النعم(٢)عند ورودهم على الحوض ـ كما جاء في البخاري في حديث الحوض(٣) ، ويعلم علم اليقين أن أصحابه كانوا يضمرون الشرَّ لوصيِّه وخليفته من بعده علي (عليه السلام)(٤) ،

١- قال تعالى في سورة آل عمران ، الآية : ١٤٤ : (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللّهُ الشَّاكِرِينَ) .

٢- قال ابن الأثير في النهاية : ٥/٢٧٤ : في حديث الحوض : ( فلا يخلص منهم إلاَّ مثل همل النعم ) الهمل : ضوالّ الإبل ، واحدها هامل ; أي إن الناجي منهم قليل في قلّة النعم الضالّة .

٣- صحيح البخاري : ٧/٢٠٨ ـ ٢٠٩ .

٤- جاء في تاريخ بغداد للخطيب البغدادي : ١١/٢١٦ ، في ترجمة رقم : ٥٩٢٨ بإسناده عن أبي إدريس عن علي (عليه السلام) قال : مما عهد إليَّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن الأمة ستغدر بك من بعدي .

وراجع الحديث في المصادر الآتية : شرح نهج البلاغة ، ابن أبي الحديد : ٤/١٠٧ و٢٠/٣٢٦ ح٧٣٤ ، تأريخ دمشق ، ابن عساكر : ٤٢/٤٤٧ ـ ٤٤٨ ، تذكرة الحفاظ ، الذهبي : ٣/٩٩٥ ، البداية والنهاية ، ابن كثير : ٦/٢٤٤ .

ورواه أيضاً الحاكم النيسابوري في المستدرك على الصحيحين : ٣/١٤٢ عن حيان الأسدي قال : سمعت علياً (عليه السلام) يقول : قال لي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أن الاُمة ستغدر بك بعدي وأنت تعيش على ملتي .

ورواه عنه كنز العمال ، المتقي الهندي : ١١/٢٩٧ ح٣١٥٦٢ .

٢٧

وأنهم فور موته يحدثون حدثاً .

إذن ، فلابد أن يكون قد وضع للخلافة حلاًّ لها ، يوقف من تدعوه نفسه إلى الخلافة ، ولا يخفى عليه أمر أصحابه ، إذ أنه قد سبرهم ، وعرف المستقيم منهم والملتوي ، وهو القائل لهم : ستتبعون سنن من قبلكم شبراً بشبر ، وذراعاً بذراع ، حتى لو دخلوا جحر ضبّ لدخلتموه(١) ، وكان شيخنا العلامة الشيخ ( أحمد أفندي الطويل الأنطاكي ) يرويه لنا في أثناء الدرس ، وعلى المنبر ، ويقول في ختام الحديث : ولو جامع أحدهم امرأته في السوق لفعلتموه !! وهو القائل : من لم يعرف إمام زمانه ، مات ميتة جاهلية(٢) أي كفر .

إذن ، فلابد أن يضع للخلافة حلاًّ يوقفهم عند حدِّهم ، ونحن ما دمنا نعتقد أنه نبيٌّ مرسل من الله ، ويعلم أنه الذي ختم الرسل ، وأن رسالته مستمرة إلى آخر الدنيا ، فلا يبقى له أن يترك أمّته فوضى مع علمه أنها ستفترق إلى ثلاث وسبعين

١- صحيح البخاري : ٤/١٤٤ ـ ١٤٥ و٨/١٥١ ، صحيح مسلم : ٨/٥٧ ، صحيح ابن حبان : ١٥/٩٥ ، مسند أحمد بن حنبل : ٢/٣٢٧ و٥١١ ، المستدرك ، الحاكم : ٤/٤٥٥ ، مجمع الزوائد ، الهيثمي : ٧/٢٦١ .

٢- راجع : شرح النهج لابن أبي الحديد : ٩/١٥٥ و١٣/٢٤٢ . وسوف يأتي الحديث نفسه أيضاً مع مصادر أخرى .

٢٨

فرقة كما في الحديث(١) .

مناقشة دعوى إيكال أمر الخلافة إلى الاُمة

هذا ودعوى إيكال أمر الخلافة إلى الأمة باطلة لأمور :

أوّلا : إن أهل الحلِّ والعقد ، أو الانتخاب ، أو ذوي الشورى لا يتمُّ الأمر بما أوكل إليهم إلى مدى الدهر ، بل هو عين إيقاع الأمة في الفوضى التي توقع الأمة في هوَّة ساحقة لاحدَّ لها ولا قرار ، لهذا نرى الأمّة لا زالت تمخر في بحور من الدماء من ذلك اليوم إلى يومنا هذا ، ثمَّ إلى انتهاء حياة البشر يوم البعث والنشور .

ثانياً : مما لا خفاء فيه أن الناس مختلفون في معتقداتهم ، ومتباينون في آرائهم ، ونرى أنه لا يتفق اثنان في الرأي ، بل الإنسان نفسه لا يتفق له أن يستمرَّ على رأي دائم ، بل يتقلَّب رأيه في كل لحظة ، فكيف يمكن أن يكون الأمر موكولا إلى أهل الحلِّ والعقد ؟! وهذا يأباه العقل والوجدان .

ثالثاً : يستحيل أن يحصل الاتفاق بإيكال الأمر إلى أهل الحلِّ والعقد ، فلابدَّ من وقوع اضطراب شديد بين الشعوب والقبائل ، ووقوع القتل والسلب والنهب ، وغيرها ممّا هو موجود ، كما هو موجود في كل عصر ومصر ، ولم يمكن لرئيس أن يتمَّ على يده نظام حياة الإنسان إلاَّ بالقوَّة القاهرة ، وهذه مؤقَّتة زائلة ، ومتى زالت رجع كل واحد إلى ما كان عليه من الأعمال الضارّة بالسكان .

لهذا قلنا مكرَّراً : إن الله لا يدع أمراً من أمور الدين للأمَّة تتجاذبه

١- تاريخ بغداد ، الخطيب البغدادي : ١٣/٢٩٥ ، تاريخ دمشق ، ابن عساكر : ٦٢/٣١١ ، الفصول في الأصول ، الجصاص : ٣/٣١٦ .

٢٩

أهواؤهم ، بل لابدَّ من أن يوكل الأمر إلى أربابه ممن له أهليّة كاملة في العلم الغزير الذي كان عند الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)(١) ، والشجاعة ، والحكم ، والكرم ، والزهد ، والتقى ، والفراسة ، والإعجاز ، وأهمُّها العصمة ، وغير ذلك مما يكون الوصيُّ الذي يقوم مقام الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) في حاجة إليه في إدارة دفّة الحكم ، وهذا لا يمكن أن يتمكَّن منه أحد إلاَّ الله العالم بما تكنُّه الصدور ، ويعلم السرَّ وأخفى ، والرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) قد بيَّن بصراحة في كل مناسبة أن الوصيَّ والخليفة من بعده : علي (عليه السلام) .

كما وإن هناك أدلّة كثيرة أخرى ترشدك إلى ما تقوم به الحجة ، زيادة على ما قدَّمنا ، مما هو ثابت لدنيا معاشر الشيعة ، والكتاب والسنة بُنيتا على ذلك .

ثمَّ استحسن جميعهم ما أفدت عليهم ، وطلبوا مني بعض مؤلَّفات

الشيعة ، فأعطيتهم بعض ما كانت عندي ، فقاموا وحمدوا الله تعالى على هذه النعمة(٢) .

١- قال الأنطاكي في الهامش : كحديث : أنا مدينة العلم وعلي بابها .

٢- لماذا اخترت مذهب أهل البيت(عليهم السلام) ، الأنطاكي : ٤٥٠ ـ ٤٥٣ .

٣٠

المناظرة الثانية

مناظرة
الشيخ الأنطاكي مع بعضهم في مشروعية السجود
على التربة الحسينيّة وإقامة العزاء

يقول الشيخ محمّد مرعي الأنطاكي (رحمه الله) : في يوم الرابع عشر من شهر محرم الحرام سنة ١٣٧٤ هجرية أتاني جماعة من علماء السنّة وبعضهم زملائي في الأزهر حاملين عليَّ حقداً في صدورهم لأخذي بمذهب أهل البيت (عليهم السلام) وتركي مذهب السنة ، ودار البحث بيننا طويلا يقرب حوالي عشر ساعات تقريباً وذلك في كثير من المسائل .

ومنها : انتقادهم على الشيعة بأنهم يسجدون على التربة الحسينية فهم مشركون ، وإجراؤهم التعازي على الإمام الحسين (عليه السلام) وهو بدعة ؟!

فقلت لهم : كلاهما أمرٌ محبوب محبذ إليه من الشارع المقدّس، أما قولكم : إنّ الشيعة يسجدون على التربة الحسينية فهم مشركون ! هذا غير صحيح لأن السجود على التربة لا يكون شركاً ، لأن الشيعة تسجد على التربة لا لها ، وإن كانت الشيعة تعتقد على حسب مدعاكم وزعمكم ـ على الفرض المحال ـ أن التربة هي أو في جوفها شيء يسجدون لأجلها ، فكان اللازم السجود لها لا السجود عليها ، لأن الشخص لا يسجد على معبوده ، لأن السجود يجب أن يكون

٣١

للمعبود وهو الله يعني تكون الغاية من السجود والخضوع هو الله سبحانه، أمّا السجود على الله فهو كفر محض، فسجود الشيعة على التربة ليس شركاً !

لماذا السجود على التربة

فأجابني أحدهم وهو أعلمهم قائلا : أحسنت يا فضيلة الشيخ على هذا التحليل اللطيف ، ولنا أن نسألك ما سبب إصرار الشيعة على السجود على التربة، ولم لا تسجدون على سائر الأشياء كما تسجدون على التربة ؟

فأجبته : ذلك عملا بالحديث المتفق عليه بالإجماع جميع فرق المسلمين وهو قوله (صلى الله عليه وآله) : جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً(١) ، فالتراب الخالص هو الذي يجوز السجود عليه باتفاق جميع طوائف المسلمين ، ولذلك نسجد دائماً على التراب الذي اتفق المسلمون جميعاً على صحة السجود عليه .

فسألني : وكيف اتفق المسلمون عليه ؟

فأجبته : أول ما جاء رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى المدينة وأمر ببناء مسجد فيها، هل كان المسجد مفروشاً بفرش ؟

فأجابني : كلاّ لم يكن مفروشاً .

قلت : فعلى أي شيء كان يسجد النبي (صلى الله عليه وآله)والمسلمون ؟

أجابني : على أرض المسجد المفروشة بالتراب .

قلت : ومن بعد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في زمن أبي بكر وعمر وعثمان وأمير المؤمنين

١- راجع : مسند أحمد بن حنبل : ١/٣٠١ ، صحيح البخاري : ١/٨٦ سنن الترمذي : ١/١٩٩ ح٣١٦ ، السنن الكبرى للبيهقي: ٢/٤٣٣ ، وسائل الشيعة : ٣/٣٥٠ ح٣٨٣٩ و ٣٨٤٠ وص ٣٥١ ح ٣٨٤١ وج ٥ ص ١١٧ ح ٦٠٨٣ و ٦٠٦٨ .

٣٢
٣٣

السجود على التراب أكثر دلالة على الخشوع

ثم أن السجود على قطعة من الطين الجاف أكثر دلالة على الخضوع(١)والتواضع لله ، فإن السجود هو غاية الخضوع ، ولذا لا يجوز السجود لغير الله سبحانه ، فإذا كان الهدف من السجود هو الخضوع لله ، فكلما كان مظهر السجود أكثر في الخضوع لا شك أنه يكون أحسن ، ومن أجل ذلك استحب أن يكون موضع السجود أخفض من موضع اليدين والرجلين ، لأن ذلك أكثر دلالة على الخضوع لله تعالى .

وكذلك يستحب أن يعفر الأنف بالـتراب في حال السجدة(٢) لأن ذلك أشد دلالة على التواضع والخضوع لله تعالى ، ولذلك فالسجود على الأرض أو على قطعة من الطين الجاف أحسن من السجود على غير هما مما يجوز السجود عليه ، لأن في ذلك وضع أشرف مواضع الجسد ، وهو الجبهة على الأرض خضوعاً لله تعالى وتصاغراً أمام عظمته .

أما أن يضع الإنسان في حال السجدة جبهته على سجاد ثمين ، أو على معادن كالذهب والفضة وأمثالهما أو على ثوب غالي القيمة ، فذلك مما يقلل من الخضوع والتواضع وربما أدى إلى عدم التصاغر أمام الله العظيم .

١- عن هشام بن الحكم عن أبي عبدالله (عليه السلام) (في حديث) قال : السجود على الأرض أفضل

لأنّه أبلغ في التواضع والخضوع لله عزّ وجلّ ، وعن إسحاق بن الفضيل أنه سأل أبا عبدالله (عليه السلام)عن السجود على الحصير والبواري ؟ فقال : لا بأس ، وإن يسجد على الأرض أحب إليَّ ،

فإنَّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان يحبّ ذلك أن يمكن جبهته من الأرض ، فأنا أُحبُ لك ما كان رسول

الله يحبّه . وسائل الشيعة للحر العاملي : ٣/٦٠٨ ـ ٦٠٩ (ب ١٧ من أبواب ما يُسجد عليه ح ١ و ٤) .

٢)وسائل الشيعة : ٤/٩٥٤ (ب ٤ من أبواب السجود) .

٣٤

إذن فهل يمكن أن يعتبر السجود على ما يزيد من تواضع الإنسان أمام ربه شركاً وكفراً ! ؟ والسجود على ما يذهب بالخضوع لله تعالى تقرباً من الله ؟!إنْ ذلك إلاّ قول زور .

ثم سألني : فما هذه الكلمات المكتوبة على التربة التي تسجد الشيعة عليها ؟ فأجبته .

أوّلا : إنه ليس جميع أقسام التربة مكتوباً عليها شيء ، فإن هناك كثيراً من التربات ليس عليها حرف واحد .

وثانياً : المكتوب على بعضها سبحان ربي الأعلى وبحمده ، رمزاً لذكر السجود ، وعلى بعضها إن هذه التربة متخذة من تراب أرض كربلاء المقدسة ، بالله عليك أسأل من فضيلتك هل في ذلك بأس ؟ وهل يعد ذلك شركاً ؟ أو هل ذلك يخرج التربة عن كونها تراباً جائز السجود عليه ؟! فأجابني كلا !

السرّ في السجود على التربة الحسينيّة

ثم سألني : ما هذه الخصوصية في تربة أرض كربلاء ، حيث إن أكثر الشيعة مقيدون بالسجود عليها مهما أمكن ؟

قلت : السر في ذلك أنه ورد في الحديث الشريف : السجود على تربة أبي عبدالله (عليه السلام) يخرق الحجب السبع(١)، يعني أن السجود عليها يوجب قبول الصلاة

١- روي عن معاوية بن عمار قال : كان لأبي عبدالله (عليه السلام) خريطة ديباج صفراء فيها تربة أبي عبدالله (عليه السلام)فكان إذا حضرته الصلاة صبّه على سجادته وسجد عليه ، ثم قال (عليه السلام): إن السجود على تربة أبي عبدالله (عليه السلام) يخرق الحُجب السبع . راجع : مصباح المتهجد : ٦٧٧ ، الدعوات للراوندي : ١٨٨ ح٥١٩ ، وسائل الشيعة للحر العاملي : ٣/٦٠٨ ح٣ (ب ١٦ من أبواب ما يسجد عليه) ، بحار الأنوار للمجلسي : ٨٢/١٥٣ ح١٤ و ج ٩٨ ص ١٣٥ ح ٧٤ .

٣٥

وصعودها إلى السماء ، وما ذلك إلا لإدراك أفضلية ليست في تربة غير كربلاء المقدسة

فأورد عليَّ : هل السجود على تربة الحسين (عليه السلام) تجعل الصلاة مقبولة عند الله تعالى ولو كانت الصلاة باطلة ؟

فأجبته : إن الشيعة تقول : بأن الصلاة الفاقدة لشرط من شرائط الصحة باطلة غير مقبولة ، ولكن الصلاة الجامعة لجميع شرائط الصحة قد تكون مقبولة عند الله تعالى وقد تكون غير مقبولة ، أي لا يثاب عليها ، فإذا كانت الصلاة الصحيحة على تربة الحسين (عليه السلام) قبلت ويثاب عليها ، فالصحة شيء والقبول شيء آخر .

أرض كربلاء أشرف البقاع

فسألني : وهل أرض كربلاء المقدسة أشرف من جميع بقاع الأرض(١)حتى أرض مكة المعظمة والمدينة ، حتى يكون السجود عليها أفضل ؟(٢)

١- راجع : بحار الأنوار للمجلسي : ٩٨/١٠٦ ب ١٥ .

٢- ونحن أيضاً إذا رجعنا إلى كتب السيرة والتأريخ وجدنا رسول الله (صلى الله عليه وآله) ـ الذي لنا به أسوة حسنة ـ كان يقدس هذه التربة الشريفة حتى احتفظ بها وكان يشمها كما يشم الطيب ، وقد سلمها إلى اُمّ سلمة ، وإليك بعض الأخبار في ذلك :

١ ـ عن اُمّ سلمة قالت : رأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو يمسح رأس الحسين (عليه السلام) ويبكي ؟ فقلت : ما بكاؤك ؟ فقال : إن جبرئيل أخبرني أن ابني هذا يقتل بأرض يقال لها كربلاء قالت : ثمّ ناولني كفاً من تراب أحمر وقال : إن هذا من تربة الأرض التي يقتل بها فمتى صار دماً فاعلمي أنه قتل ، قالت أم سلمة فوضعت التراب في قارورة عندي وكنت أقول إن يوماً يتحول فيها دماً ليوم عظيم . راجع : ذخائر العقبى ، أحمد بن عبدالله الطبري : ١٤٧ .

٢ ـ وعن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال : دخلت على النبي (صلى الله عليه وآله) وعيناه تفيضان قلت : يا نبي الله أغضبك أحد ما شأن عينيك تفيضان ؟ قال : قام من عندي جبرئيل (عليه السلام) قبل وحدثني أن الحسين (عليه السلام) يُقتل بشط الفرات ، قال : فقال : هل لك إلى أن أشمك من تربته قلت : نعم فمد يده فقبض قبضة من تراب فأعطانيها فلم أملك عيني أن فاضتا .

راجع : مسند أحمد بن حنبل : ١/٨٥ ، مسند أبي يعلى : ١/٢٩٨ ح٣٦٣ ، تاريخ دمشق ، ابن عساكر : ١٤/١٨٧ ـ ١٨٨ ، تهذيب الكمال ، المزي : ٦/٤٠٧ ، ذخائر العقبى ، أحمد بن عبد الله الطبري : ١٤٨ .

٣ ـ وروي لما أتى جبرئيل بالتربة إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) من موضع يهراق فيه دم أحد ولديه ولم يخبر باسمه شمها وقال : هذه رائحة ابني الحسين (عليه السلام) وبكى ! فقال : جبرئيل صدقت . وغيرها من الأحاديث ، وإن شئت المزيد في ذلك فراجع : ذخائر العقبى لمحب الدين الطبري : ١٤٦ ـ ١٤٨ ، مقتل الحسين (عليه السلام) للخوارزمي : ١/١٥٨ ـ ١٦٢ و ١٧٠ (الفصل الثامن) ، ينابيع المودة ، القندوزي الحنفي : ٣/١١ ـ ١٢ ح١٢ .

٣٦

فقلت : وما المانع من ذلك ؟

إن الله عوض الحسين (عليه السلام) باستشهاده بثلاث

قال : إن تربة مكة التي لم تزل منذ نزول آدم (عليه السلام) إلى أرض مكة ، وأرض المدينة المنورة التي تحتضن جسد الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) تكونان في المنزلة دون منزلة كربلاء ؟! قال : هذا أمر غريب ، وهل الحسين بن علي (عليه السلام) أفضل من جده الرسول (صلى الله عليه وآله) ؟

قلت : كلا إن عظمة الحسين (عليه السلام) من عظمة الرسول (صلى الله عليه وآله) وشرف الحسين من شرف الرسول ، ومكانة الحسين عند الله تعالى إنما هي لأجل أنه إمام سار على دين جده الرسول (صلى الله عليه وآله) حتى استشهد في ذلك ، لا .. ليست منزلة الحسين إلا جزءاً من منزلة الرسول ، ولكن حيث إن الحسين (عليه السلام) قتل هو وأهل بيته وأنصاره في سبيل إقامة الإسلام وإرساء قواعده ، وحفظها عن تلاعب متبعي الشهوات

٣٧

عوَّضه الله تعالى باستشهاده ثلاثة أمور :

الأوّل : استجابة الدعاء تحت قبته .

الثاني : الأئمة(عليهم السلام) من ذريته .

الثالث : الشفاء في تربته(١) .

فعظم الله تعالى تربته لأنه قتل في سبيل الله أفجع قتلة ، وقُتل معه أولاده وإخوته وأصحابه وسبي حريمه ، وغير ذلك من المصائب التي نزلت به من أجل الدين، فهل في ذلك مانع ؟ أم هل في تفضيل تربة كربلاء على سائر بقاع الأرض حتى على أرض المدينة معناه أن الحسين (عليه السلام) أفضل من جده الرسول(صلى الله عليه وآله)بل الأمر بالعكس فتعظيم تربة الحسين تعظيم للحسين ، وتعظيم الحسين (عليه السلام) ، تعظيم لله ولجده رسول الله (عليه السلام) .

الإعتراف بالحقّ

فقام أحدهم عن مجلسه وعليه آثار البشاشة والسرور ( فشكرني ) كثيراً وطلب مني بعض مؤلفات الشيعة بعد أن قال : مولاي إفاداتك هذا صحيح ، وإني كنت أتخيَّل أن الشيعة يفضلون الحسين (عليه السلام) حتى على جده رسول الله(صلى الله عليه وآله)، والآن عرفت الحقيقة وأشكرك على هذه المناظرة اللطيفة والإلفاتات الطيبة التي زوَّدتنا بها ، وسوف أحمل معي أبداً قطعة من أرض كربلاء المقدسة لأسجد عليها أينما صليت ، كما أني سأدع السجود على غير التراب ومخصوصاً التربة الحسينية

١- فقد روي عن محمد بن مسلم قال : سمعت أبا جعفر ، وجعفر بن محمد (عليهما السلام) يقولان : إن الله تعالى عوض الحسين (عليه السلام) من قتله أن جعل الإمامة في ذرّيّته ، والشفاء في تربته ، وإجابة الدعاء عند قبره ، ولا تُعدُّ أيام زائريه جائياً وراجعاً من عمره ... الحديث راجع : بحار الأنوار للمجلسي : ٤٤/٢٢١ ح ١ .

٣٨

فلسفة إقامة المأتم والعزاء على الإمام الحسين (عليه السلام)

ثم قلت : وأما قولك : إجراء الشيعة التعازي على الإمام الحسين (عليه السلام)هو بدعة فهذا كلام باطل فاسد ! ولا أدري لماذا تنقمون على الشيعة بإقامتهم التعازي على شهيد الحق والإنسانية الإمام بن الإمام حفيد الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وسلالة الزهراء البتول (عليها السلام) سيد الشهداء الإمام أبي عبد الله الحسين (عليه السلام) في مصابه العظيم الذي زلزلت لها أظلة العرش مع أظلة الخلائق ، والحادثة المروعة التي لم يسبقها في العالم الإسلامي ولا في غيره سابق ولا يلحقها لاحق ، إذ أنه جَلَلٌ عمَّ خطبه العظيم جميع الأمة الإسلامية حتى الجن والطير والوحش راجع كتب المقاتل تعرف(١) ، وبعضكم يعترض على الشيعة بأن الحسين (عليه السلام) قتل منذ زمن بعيد يربو على ١٣ قرناً ، فأيُّ فائدة في البكاء عليه واللطم على الصدور والضرب بالسلاسل بحيث يسيل الدم .

فاعلموا أن عمل الشيعة هذا هوعين الصواب أولا : لو أنهم لم يستمروا على إقامة ذكرى سيد الشهداء (عليه السلام) لأنكرتموه كما أنكرتم يوم الغدير ، وحديثه المشهور المعترف به المؤالف والمخالف فرواه أكثر من مائة وثمانين صحابياً ، فيهم البدري وغيره ومن التابعين أكثر فأكثر ، فالشيعة لم يأتوا بشيء إذاً .

ثانياً : الشيعة اقتفوا أثر أئمتهم(عليهم السلام)في ذكرى أبي عبد الله الحسين (عليه السلام) ، فلو وقفتم على كتب الشيعة لما أوردتم علينا نقداً ، وأُلفتُ نظركم إلى كتاب مقدمة المجالس الفاخرة للإمام شرف الدين ، وإقناع اللائم على إقامة المآتم للإمام

١)راجع : مقتل الحسين (عليه السلام) للخوارزمي : ٢/٨٩ ـ ١٠١ .

٣٩

السيد محسن الأمين العاملي ـ رحمهما الله ـ ففيهما من الحجج ما يقنع الجميع .

وانظروا أيضاً إلى ص ٥٧٦ من مصابيح الجنان للحجة السيد الكاشاني إذ قال فيه : ينبغي للمسلمين إذا دخل شهر المحرم أن يستشعروا الحزن والكآبة ، وأن يعقدوا المجالس والمآتم لذكرى ما جرى على سيد الشهداء وأهل بيته والصفوة من أصحابه من الظلم والعدوان ، وهو أمر مندوب إليه ومرغب فيه ، على أن في ذلك تعظيماً لشعائر الله تعالى ، وامتثالاً لأمر رسول الله (صلى الله عليه وآله) واقتداءً بالأئمة المعصومين (عليهم السلام) ، ويدل عليه ما ورد عن الرضا (عليه السلام) وهو الإمام الثامن من أوصياء رسول الله (صلى الله عليه وآله)أنه قال : كان أبي ـ وهو الكاظم ، الإمام السابع من أوصياء الرسول (صلى الله عليه وآله) ـ : إذا دخل شهر المحرم لا يرى ضاحكاً ، وكانت الكآبة تغلب عليه حتى يمضي منه عشرة أيام ، فإذا كان يوم العاشر كان ذلك اليوم يوم مصبيته وحزنه وبكائه ويقول : هو اليوم الذي قتل فيه الحسين صلّى الله عليه(١)، ويستفاد منه رجحان كل ما له دخل في الحزن والكآبة(٢) من غير أن يشتمل على فعل محرم .

ثم قال : ويستحب البكاء وإجراء التعازي على سيد الشهداء (عليه السلام) وإسالة الدموع عليه لا سيما في العشر الأوّل من المحرم ، فإن البكاء عليه من الأمور الحسنة المندوبة ، ومن موجبات السعادة الأبدية والزلفى إلى المهيمن سبحانه ، ويكفي في رجحانه الأحاديث المعتبرة المروية عن الحجج الطاهرة وهي كثيرة

١- راجع: أمالي الشيخ الصدوق: ١١١ ح٢ ، بحار الأنوار للمجلسي: ٤٤/٢٨٤ ح١٧ .

٢- فقد روى الشيخ المفيد (رحمه الله) بسنده عن معاوية بن وهب ، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال : كلُّ الجزع والبكاء مكروه ، سوى الجزع والبكاء على الحسين (عليه السلام) ، وجاء عن الرضا (عليه السلام) في حديث : قال (عليه السلام) : فعلى مثل الحسين فليبك الباكون الخ . بحار الأنوار للمجلسي : ٤٤/٢٨٠ ح ٩ وص ٢٨٤ ح ١٧ .

٤٠