×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

مناظرات المستبصرين / الصفحات: ٤٨١ - ٥٠٠

٤٨١

خالي : نعم هذا صحيح ، ولكن ليس من الممكن أن ينقلب النظام القبلي في مدّة ثلاثة وعشرين عاماً إلى نظام موحَّد إسلاميٍّ ، فقد كان لا يرى إلاّ الانتساب إلى القبليَّة فخراً له ، والأدلة على ذلك كثيرة ، فقد نقل البخاري في صحيحه : ( تنازع مهاجريٌّ مع أنصاريٍّ ، فصرخ الأنصاري : يا معشر الأنصار ! وصرخ المهاجري : يا معشر المهاجرين ! ولمَّا سمع النبيُّ (صلى الله عليه وآله وسلم) قال : دعوها فإنّها منتنة(١) .

ولولا قيادته الحكيمة (صلى الله عليه وآله وسلم) لخضّب وجه الأرض بدماء المسلمين من المهاجرين والأنصار ، وكم حدثت أمثال تلك الحوادث ، حتى قال فيهم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : يا معشر المسلمين ! أبدعوى الجاهليّة وأنا بين أظهركم(٢) وحتّى تتأكَّد ممَّا قلته لك ارجع إلى أيِّ كتاب في التأريخ ، لترى الصورة الحقيقيَّة للمجتمع الأول ، ولا تفهم من ذلك أنّي أشكِّك في مجتمع الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وكل ما أقصده أنّ النظرة المثاليّة ليست واقعيّة .

قلت : ليس كلّ ما جاء في كتب التأريخ حقيقة .

خالي : عفواً ! لا تعتمدي على الكلمات المطلقة ، ليس كل ما في التأريخ حقيقة ، هذا الكلام عليك وليس معك ; لأنّ السلف الذين تدافعين عنهم أنتِ لم تعيشىِّ معهم ، وكل ما تعرفينه عنهم هو عبر التأريخ ، هذا أوَّلا .

وثانياً : إنّ هنالك روايات في الصحاح التي تعترفون بصحّتها تكشف أن المجتمع الأول لم يكن مثاليّاً كما تتخيَّلين ، وإليك هذه الحادثة التي جاءت في

١- صحيح البخاري : ٤/١٦٠ و٦/٦٥ ـ٦٦ .

٢- أسد الغابة ، ابن الأثير : ١/١٤٩ ، سيرة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، ابن هشام : ٢/٣٩٧ ، فتح القدير ، الشوكاني : ١/٣٦٨ .

٤٨٢

صحيح البخاري في قصة الإفك كمثال وليس حصراً :

قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو على المنبر : يا معشر المسلمين ! من يعذرني في رجل قد بلغني عنه أذاه في أهلي ، والله ما علمت على أهلي إلاَّ خيراً ، ولقد ذكروا رجلا ما علمت منه إلاَّ خيراً ، وما يدخل على أهلي إلاَّ معي .

قالت عائشة : فقام سعد بن معاذ أخو بني عبد الأشهل ، فقال : أنا ـ يا رسول الله ـ أعذرك ، فإن كان من الأوس ضربت عنقه ، وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا .

قالت عائشة : فقام رجل من الخزرج ، وهو سعد بن عبادة ، وهو سيِّد الخزرج ، وكان قبل ذلك رجلا صالحاً ولكن احتملته الحميَّة ، فقال سعد بن عبادة : كذبت لعمر الله ، لا تقتله ولا تقدر على قتله ، ولو كان من رهطك ما أحببت أن يقتل .

فقال أسيد بن حضير ـ وهو ابن عم سعد بن معاذ ـ لسعد بن عبادة : كذبت لعمر الله ، لتقتلنّه ، فإنك منافق تجادل عن المنافقين .

قالت عائشة : فصار الحيَّان ( الأوس والخزرج ) حتى همُّوا أن يقتتلا ورسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قائم على المنبر ، ولم يزل رسول الله يخفضهم ( أي يهدِّئهم ) حتى سكتوا(١) .

فعليك أن تتدبَّر ، هذا هو الحال ورسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بينهم ، فكيف الحال بعد وفاته ؟!

واسمحي لىِّ أن أتجاسر قليلا وأقول لك : إنّ فرض الديمقراطية في مثل

١- صحيح البخاري : ٥/٥٨ و٦/٧ ـ ٨ .

٤٨٣

هذا المجتمع هرطقة فاضحة .

وذلك لأنَّ العمليّات الانتخابيّة التي يفترض إجراؤها تحت مظلّة الديمقراطيَّة تستلزم وعياً ، ونظراً للمصالح والمفاسد ، وتقويماً للطرق السليمة التي تفيد المجتمع في ارتقائه وتكامله ، وتجربة في الحياة السياسيّة ، وهذا كلُّه يستدعي أرضيَّة ثقافيَّة وفكريَّة نشطة لدى أبناء الشعب ، وفي غير تلك الصورة يكون فرض الديمقراطيَّة ضرباً من اللاواقعيَّة .

قلت : بقدر ما أنك تجد شواهد على بدويَّة ذلك المجتمع ، فإنّ الشواهد على وجود نماذج طيِّبة كثيرة جداً في التأريخ ، وليس من الإنصاف أن تتمسَّك بالشواهد السلبيَّة دون الإيجابيَّة ، فمجرَّد وجود تلك النماذج الإيجابيَّة كاف لصيرورة نظام الشورى .

خالي : أنا لا أنكر تلك النماذج الإيجابيَّة ، بل أفتخر بها ، ولكن ليس هذا مربط الفرس ، فإن القضيَّة تدور مدار الشرعيَّة للشورى ، والمدَّعى قائم على نفي الشرعيَّة عنها ; إذ لا يعقل أن تكون الشورى هي الطريق الذي حدَّده الشرع ، في حين أنه لا توجد رواية واحدة عن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) يتحدَّث فيها عن الشورى ، وهذا خلاف المفترض ، حيث كان من اللازم أن يبيّن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) كيفيَّة الشورى وحدودها وآلياتها ، في حين أنّ الأحاديث التي تتحدَّث عن السواك وفوائده لا تقلُّ عن الخمسة والثلاثين حديثاً .

خلافة أبي بكر والإجماع

قلت : في كلامك نسبة كبيرة من الوجاهة ، وقد يصل إلى حدِّ الإقناع لو لا أنه معارض بإجماع الصحابة الذين استقرَّ رأيهم على خلافة أبي بكر في سقيفة

٤٨٤

بني ساعدة ، وقد أعطى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) هذا الإجماع الشرعيَّة بقوله (صلى الله عليه وآله وسلم) : لا تجتمع أمَّتي على الخطأ(١) .

خالي : بغضّ النّظر عن الكلام حول حجّيّة الإجماع والنقاش الدائر حوله ، فإن إجماع الصحابة على خلافة أبي بكر لا يخلو من إشكال ; لأنّ القدر المتيقّن من حجّيّة الإجماع هو الإجماع غير المخروق ; أي الإجماع الذي لم يخالفه مخالف ، وهذا غير متحقّق .

قلت : إنّ الإجماع ينعقد برؤوس القوم وزعمائهم ، وهذا متحقِّق ، ولا عبرة بغيرهم .

الذين تخلفوا عن بيعة أبي بكر

خالي : إنّ الذين تخلَّفوا عن بيعة أبي بكر لم يكونوا من صغار القوم كما زعمت ، بل هم أعاظم الصحابة(٢) ، وإليك منهم على سبيل المثال لا الحصر :

١- نظم المتناثر من الحديث المتواتر ، الكتاني : ١٦١ ، المحصول ، الرازي : ٩٧ ، المجموع ، محيي الدين النووي : ١٠/٤٢ .

٢- قال اليعقوبي في تأريخه : ٢/١٢٤ في الأحداث التي جرت بعدما بويع لأبي بكر : وجاء البراء بن عازب ، فضرب الباب على بني هاشم وقال : يا معشر بني هاشم ! بويع أبو بكر ، فقال بعضهم : ما كان المسلمون يحدثون حدثاً نغيب عنه ، ونحن أولى بمحمّد ، فقال العباس : فعلوها وربِّ الكعبة .

وكان المهاجرون والأنصار لا يشكّون في عليٍّ ، فلمَّا خرجوا من الدار قام الفضل بن العباس ـ وكان لسان قريش ـ فقال : يا معشر قريش ! إنه ما حقَّت لكم الخلافة بالتمويه ، ونحن أهلها دونكم ، وصاحبنا أولى بها منكم . وقام عتبة بن أبي لهب فقال :

ما كنت أحسب أن الأمر منصرف عن هاشم ثم منها عن أبي الحسن
عن أوَّل الناس إيماناً وسابقة وأعلم الناس بالقرآن والسنن
وآخر الناس عهداً بالنبيِّ ومن جبريل عون له في الغسل والكفن
من فيه ما فيهم لا يمترون به وليس في القوم ما فيه من الحسن

وتخلَّف عن بيعة أبي بكر قوم من المهاجرين والأنصار ، ومالوا مع علي بن أبي طالب ، منهم : العباس بن عبد المطلب ، والفضل بن العباس ، والزبير بن العوام بن العاص ، وخالد بن سعيد ، والمقداد ابن عمرو ، وسلمان الفارسي ، وأبو ذر الغفاري ، وعمّار بن ياسر ، والبراء بن عازب ، وأبي بن كعب .

فأرسل أبو بكر إلى عمر بن الخطاب وأبي عبيدة بن الجراح والمغيرة بن شعبة ، فقال : ما الرأي ؟ قالوا : الرأي أن تلقى العباس بن عبد المطلب ، فتجعل له في هذا الأمر نصيباً يكون له ولعقبه من بعده ، فتقطعون به ناحية علي بن أبي طالب حجة لكم على علي ، إذا مال معكم ، فانطلق أبو بكر وعمر وأبو عبيدة بن الجراح والمغيرة حتى دخلوا على العباس ليلا ، فحمد أبو بكر الله وأثنى عليه ، إلى أن قال : فاختاروني عليهم والياً ولأمورهم راعياً ، فوليت ذلك .. ولقد جئناك ونحن نريد أن نجعل لك في هذا الأمر نصيباً يكون لك ، ويكون لمن بعدك من عقبك إذ كنت عمَّ رسول الله .. وقال عمر بن الخطاب : إي والله ، وأخرى أنا لم نأتكم لحاجة إليكم ، ولكن كرهاً أن يكون الطعن فيما اجتمع عليه المسلمون منكم ، فيتفاقم الخطب بكم وبهم ، فانظروا لأنفسكم .

فردَّ عليه العباس ، فكان من كلامه له : فإن كنت برسول الله فحقاً أخذت ، وإن كنت بالمؤمنين فنحن منهم ، فما تقدمنا في أمرك ، ولا حللنا وسطاً ، ولا برحنا سخطاً ، وإن كان هذا الأمر إنَّما وجب لك بالمؤمنين ، فما وجب إذ كنا كارهين ، إلى أن قال : فأمَّا ما قلت إنّك تجعله لي ، فإن كان حقاً للمؤمنين فليس لك أن تحكم فيه ، وإن كان لنا فلم نرض ببعضه دون بعض ، وعلى رسلك ، فإن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)من شجرة نحن أغصانها ، وأنتم جيرانها ، فخرجوا من عنده .

٤٨٥

فروة بن عمرو ، وهو ممّن تخلّف عن بيعة أبي بكر ، وكان ممّن جاهد مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وكان يتصدّق من نخله بألف ساق كل عام ، وكان سيِّداً ، وهو من أصحاب علي ، وممّن شهد معه يوم الجمل ..(١) ، وجاء في أسد الغابة : شهد العقبة وبدراً وما بعدهما(٢) .

وممّن تخلّف أيضاً خالد بن سعيد الأموي ، وهو ممَّن أسلم قديماً فكان ثالثاً أو رابعاً ، وقيل : خامس من أسلم ، وقال ابن قتيبة في المعارف : أسلم قبل

١- وقد ذكر ذلك الزبير بن بكار في الموفقيات : ٥٩٠ .

٢- أسد الغابة ، ابن الأثير : ٤/١٧٨ .

٤٨٦

إسلام أبي بكر(١) .. وسعد بن عبادة ، وحذيفة بن اليمان ، وخزيمة بن ثابت ، وأبو بريدة الأسلمي ، وسهل بن حنيف ، وقيس بن سعد ، وأبو أيوب الأنصاري ، وجابر بن عبدالله .. وغيرهم ، وكل هؤلاء من الصحابة العظماء كما تعلم ، هذا بالإضافة إلى أبي ذر وسلمان والزبير وأبيّ بن كعب والمقداد بن الأسود(٢) .

علي (عليه السلام) لم يبايع أبا بكر

قلت : كلامك مقنع ، وقد تفاجأت فعلا بهذه الأسماء ، ولكنه معارض بمبايعة علي (عليه السلام) لأبي بكر ، وهذا كاف ; لأنه مدار الخلاف .

خالي : لم تكن مبايعة علي (عليه السلام) لأبي بكر متفق عليها ، فقد تواتر في كتب التأريخ والصحاح والمسانيد تخلُّف علي (عليه السلام) ومن معه عن بيعة أبي بكر ،

١- المعارف ، ابن قتيبة : ١٢٨ .

٢- قال اليعقوبي في تأريخه : ١٢٦ : وكان فيمن تخلَّف عن بيعة أبي بكر أبو سفيان بن حرب ، وقال : أرضيتم ـ يا بني عبد مناف ـ أن يلي هذا الأمر عليكم غيركم ؟ وقال لعلي بن أبي طالب : امدد يدك أبايعك ، وعلي معه قصي ، وقال :

بني هاشم لا تطمعوا الناس فيكم ولا سيما تيم بن مرة أو عدي
فما الأمر إلاَّ فيكم وإليكم وليس لها إلاَّ أبو حسن علي
أبا حسن فاشدد بها كف حازم فإنك بالأمر الذي يرتجى ملي
وإن امراً يرمي قصي وراءه عزيز الحمى والناس من غالب قصي

وكان خالد بن سعيد غائباً ، فقدم فأتى علياً فقال : هلمَّ أبايعك ، فوالله ما في الناس أحد أولى بمقام محمّد منك .

واجتمع جماعة إلى علي بن أبي طالب يدعونه إلى البيعة له ، فقال لهم : اغدوا محلِّقين الرؤوس ، فلم يغد عليه إلاَّ ثلاثة نفر .

٤٨٧

وتحصُّنهم بدار فاطمة (عليها السلام)(١) .

ومن ذلك ما رواه البلاذري ، قال : بعث أبو بكر عمر بن الخطاب إلى علي (عليه السلام) حين قعد عن بيعته ، وقال : ائتني به بأعنف العنف ، فلمَّا أتاه جرى بينهم كلام ، فقال عليٌّ (عليه السلام) لعمر : احلب حلباً لك شطره ، والله ما حرصك على إمارته اليوم إلاَّ ليؤثرك غداً(٢) .

لذلك قال أبو بكر في مرض موته : أما إني لا آسى على شيء من الدنيا إلاَّ على ثلاث فعلتهن وددت أنّي تركتهن ، إلى قوله : فأمّا الثالثة التي فعلتها فوددت أنّي لم أكشف بيت فاطمة عن شيء ، وإن كانوا قد أغلقوه على حرب(٣) .

وقد ذكر المؤرِّخون ممَّن دخل في دار فاطمة (عليها السلام) :

١ ـ عمر بن الخطاب .

٢ ـ خالد بن الوليد .

٣ ـ عبدالرحمن بن عوف .

٤ ـ ثابت بن قيس .

١- قال اليعقوبي في تأريخه : ١٢٦ : وبلغ أبا بكر وعمر أن جماعة من المهاجرين والأنصار قد اجتمعوا مع علي بن أبي طالب في منزل فاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فأتوا في جماعة حتى هجموا الدار ، وخرج عليٌّ (عليه السلام) ومعه السيف ، فلقيه عمر ، ودخلوا الدار ، فخرجت فاطمة فقالت : والله لتخرجنَّ أو لأكشفنَّ شعري ولأعجّنَّ إلى الله ! فخرجوا وخرج من كان في الدار .

٢- أنساب الأشراف ، البلاذري : ١/٥٨٧ .

٣- السقيفة وفدك ، الجوهري : ٧٥ ، شرح نهج البلاغة ، ابن أبي الحديد : ٢٠/٢٤ ، المعجم الكبير ، الطبراني : ١/٦٢ ، ح٤٣ ، تأريخ دمشق ، ابن عساكر : ٣٠/٤١٨ ـ ٤٢٢ ، تأريخ الطبري : ٢/٦١٩ ، ميزان الاعتدال ، الذهبي : ٣/١٠٩ ، لسان الميزان ، ابن حجر : ٤/١٨٩ ، كنز العمال ، المتقي الهندي : ٥/٦٣١ ـ ٦٣٢ ح١٤١١٣ .

٤٨٨

٥ ـ زياد بن لبيد .

٦ ـ محمّد بن مسلمة .

٧ ـ زيد بن ثابت .

٨ ـ سلمة بن أسلم .

٩ ـ أسيد بن حضير .

الهجوم على بيت فاطمة (عليها السلام)

وقد ذكروا في كيفيَّة كشف بيت فاطمة (عليها السلام) أنه : غضب رجال من المهاجرين في بيعة أبي بكر ، منهم علي بن أبي طالب (عليه السلام) والزبير ، فدخلا بيت فاطمة (عليها السلام)ومعهما السلاح ..(١) .

وذكر المؤرِّخون أيضاً : قد بلغ أبا بكر وعمر أنّ جماعة من المهاجرين والأنصار قد اجتمعوا مع علي بن أبي طالب في منزل فاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وأنهم اجتمعوا على أن يبايعوا عليّاً (عليه السلام) ، فبعث إليهم أبو بكر عمر ليخرجهم من بيت فاطمة ، وقال له : إن أبوا فقاتلهم .

فأقبل عمر بقبس من نار على أن يضرم عليهم الدار ، فلقيتهم فاطمة فقالت : يا بن الخطاب ! أجئت لتحرق دارنا ؟!

قال عمر : نعم ، أو تدخلوا فيما دخلت فيه الأمَّة(٢) .

وفي أنساب الأشراف : فتلقّته فاطمة (عليها السلام) على الباب ، فقالت : يا ابن

١- السقيفة وفدك ، الجوهري : ٤٦ ، شرح نهج البلاغة ، ابن أبي الحديد : ٢/٥٠ و٦/٤٧ .

٢- العقد الفريد ، ابن عبد ربِّه الأندلسي : ٣/٦٣ ـ ٦٤ ط . الثانية ، وفي ط . أخرى : ٥/١٣ .

٤٨٩

الخطاب ! أتراك محرِّقاً عليَّ بابي ؟! قال عمر : نعم(١) .

وعلى ذلك أنشد حافظ إبراهيم شاعر النيل قائلا :

وقولة لعليٍّ قالها عمر أكرم بسامعها أعظم بملقيها
حرَّقتُ دارك لا أبقي عليك بها إن لم تبايع وبنت المصطفى فيها
ما كان غير أبي حفص يفوه بها أمام فارس عدنان وحاميها(٢)

قلت وأنا مندهشة : لم أسمع بهذا من قبل ، فهل يمكن أن تنقلب الأمَّة حتى على بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، ولكن ـ يا خالي ـ إذا تجاوزت هذه الحادثة ـ مع أنه ممّا لا يمكن تجاوزه ، وإنّما لفتح الباب أمام الحوار ـ وسلَّمتُ بما حدث ، فإنه لا يتجاوز أن يكون موقفاً مخالفاً لموقف الصحابة الذين اجتمعوا في السقيفة ، وارتأوا الشورى حلاًّ ، وهذا ليس كافياً لسلب صحّة الشورى ، وأهل السنّة على هذا الرأي .

أحداث السقيفة

خالي : إن الكلام كان عن الإجماع ، وما ذكرته لك كاف لإبطاله ، هذا أوَّلا .

وثانياً : إنّ الشورى بما هي شورى ليست حجّةً وغير ملزمة ، كما أثبتنا ذلك في أول الكلام .

وثالثاً : إن الشورى لم تكن موجودة على المستوى العملي : فإنّ مجريات الأحداث لا توحي بوجود شورى .

١- أنساب الأشراف : ١/٥٨٦ .

٢- ديوان حافظ إبراهيم : ١/٨٢ ، تحت عنوان : عمر وعلي (عليه السلام) .

٤٩٠

وإليك ما جاء في السقيفة من رواية عمر بن الخطاب ، قال : إنّه كان من خبرنا حين توفِّي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّ الأنصار اجتمعوا في سقيفة بني ساعدة ، وخالف عنّا عليٌّ (عليه السلام) والزبير ومن معهما ، فقلتُ لأبي بكر : انطلق بنا إلى إخواننا الأنصار ، فانطلقنا حتى أتيناهم ، فإذا رجل مزمّل ، فقالوا : هذا سعد بن عبادة يوعك .. فلمَّا جلسنا قليلا تشهّد خطيبهم فأثنى على الله ، ثمَّ قال : أمَّا بعد ، فنحن أنصار الله وكتيبة الإسلام ، وأنتم معشر المهاجرين رهط ..

فأراد عمر أن يتكلَّم عند ما سمع خطيب سعد بن عبادة ، لكنَّ أبا بكر منعه ،فتكلَّم هو ، يقول عمر : والله ما ترك من كلمة أعجبتني في تزويري إلاَّ قال في بديهته مثلها أو أفضل ، حيث قال : ما ذكرتم فيكم من خير فأنتم له أهل ، ولن يصرف عنكم هذا الأمر لهذا الحيِّ من قريش ، هم أوسط العرب نسباً وداراً ، وقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين ; أي عمر وأبي عبيدة ، فبايعوا أيَّهما شئتم .

وأخذ أبو بكر بيد عمر وبيد أبي عبيدة ، فقال قائلٌ من الأنصار : أنا جذيلها المحكّك وعذيقها المرجَّب .. منّا أمير ومنكم أمير يا معشر قريش ..

فكثر اللغط وارتفعت الأصوات .

فخاف عمر من الاختلاف ، فقال لأبي بكر : ابسط يدك يا أبا بكر ، فبسط يده فبايعته ، وبايعه المهاجرون ، ثمَّ بايعته الأنصار(١) ، وهذا مختصر ما جرى في

١- راجع : صحيح البخاري : ٨/٢٦ ـ ٢٧ ، السنن الكبرى ، البيهقي : ٨/١٤٢ ، مسند أحمد بن حنبل : ١/٥٥ ـ ٥٦ ، صحيح ابن حبان : ٢/١٥٥ ـ ١٥٧ ، البداية والنهاية ، ابن كثير ، ١٥/٢٦٦ ـ ٢٦٧ ، سيرة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، ابن هشام : ٤/١٠٧٣ ـ ١٠٧٤ ، تأريخ الطبري : ٢/٤٤٦ ـ ٤٤٧ ، الإمامة والسياسة ، ابن قتيبة : ١/٢٦ ـ ٢٨ ، تأريخ اليعقوبي : ١٢٣ .

٤٩١

السقيفة(١) .

عليٌّ مع الحقِّ والحقُّ مع عليٍّ(عليه السلام)

والأمر الأهمُّ من ذلك أنّ علياً (عليه السلام) لم يكن طرفاً في قبالة أهل الشورى كما زعمتِ ; لأنّ علياً (عليه السلام) ركن الحق والحقيقة ، والحق يدور معه حيثما دار .

قلت : ولماذا الحق يدور مع علي حيثما دار ؟ هذا الكلام في غاية التهافت ،ولا يمكن أن يقبله جاهل فضلا عن عالم ، كيف يدور الحق مدار إنسان ، فإذا قبل هذا الكلام يمكن أن يقبل للرسل الذين عصمهم الله ، أمَّا في غيرهم فمخالف للشرع ، كما قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : كل ابن آدم خطّاء ، وخير الخطّائين التوابون(٢) ، وهذا من المسلّمات العقليَّة قبل الشرعيّة ، فإنّ العقلاء يجوِّزون الخطأ حتى على الرجال الذين بلغوا مستوى من الكمال البشرى .

خالي : أولا : يا عزيزتي ! إنّ هذا الكلام ليس متهافتاً كما تفضّلت ; لأن العقل لا يمانع أن يكون الحق يدور مدار إنسان ، بل حتى الإمكان العلمي والعملي لا يخالف ذلك ، أمَّا على المستوى العقلي فإن العقل لا يحكم باستحالة شيء إلاَّ إذا رجع لمبدأ التناقض ، وهذه منتفية بالضرورة ، وأمَّا على المستوى العلمي فالعلم يقول إنّ في الإنسان قوَّة عقليَّة تدلّه للصواب ، وغرائز وشهوات

١- جاء في الهامش : وللتفصيل ارجعي إلى كتب التاريخ ، مثل الطبري في ذكره حوادث بعد الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وابن الأثير ، ج٢ ، ص١٢٥ ، وتاريخ الخلفاء لابن قتيبة ، ج١ ، ص٥ ، وسيرة ابن هشام ، ج٤ ، ص٣٣٦ ، وغيرها مثل : الطبقات ، وكنز العمال ، والعقد الفريد ، وتاريخ الذهبي ، واليعقوبي ، والموفقيات للزبير بن بكار ، وكتاب السقيفة لأبي بكر الجوهري ، وشرح نهج البلاغة .

٢- سنن الترمذي : ٤/٧٠ ح٢٦١٦ ، المستدرك ، الحاكم : ٤/٢٤٥ .

٤٩٢

تجرُّه للخطأ ، فإذا غلّب الإنسان قوَّته العقليَّة لا يمكن أن يرتكب الخطأ ، وأمَّا من الناحية العمليَّة يكفيك الأنبياء والرسل ( صلوات الله عليهم أجمعين ) ، فليس في الأمر تهافت .

وثانياً : إنّ هذا الكلام لا يخالف الشرع كما تفضَّلت ، قال تعالى : {وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّة شَرّاً يَرَهُ}(١) فإنّ الله يحاسب الإنسان على مثقال ذرة ـ وهي أصغر ما يمكن أن يعبَّر بها ـ من الشرّ ، فإذا كان الإنسان ليس قادراً على أن لا يرتكب مثقال ذرَّه فلماذا يحاسبه الله ؟ قال تعالى : {لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وسَعَها}(٢) .

فمعنى ذلك أن عدم ارتكاب الذرّة من الخطأ هي من سعة الإنسان واستطاعته ، وهذا دليل على أن كل إنسان يمكن أن يكون معصوماً ، وإذا سلَّمت بذلك كما هو واضح ، فهل ياترى لم يتحقَّق ذلك أبداً في طول التأريخ الإسلامي ؟ وهو بالتأكيد تحقَّق ; لأن الله لم يضع هذا الأمر عبثاً ، وإنما واقعاً ; لأن هذه الآية ليست مثاليَّة ، وإنما لها نماذج واقعيَّة تكون حجَّة على البشر ، فهل ياترى هنالك نموذج يكون مصداقاً لهذه الآية غير علي بن أبي طالب (عليه السلام) الذي اتّفق على فضله جميع المسلمين ؟!

وثالثاً قال تعالى : {أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ}(٣) ، جاء في تفسير الرازي لهذه الآية أنّ الله أوجب طاعة أولي الأمر على سبيل الجزم ، وكل من يأمر الله بطاعته على سبيل الجزم لابدَّ أن يكون معصوماً ، وإلاَّ يجتمع الأمر والنهي في موضع واحد ، وهذا محال .

١- سورة الزلزلة ، الآية : ٨ .

٢- سورة البقرة ، الآية : ٢٨٦ .

٣- سورة النساء ، الآية : ٥٩ .

٤٩٣

وبتقرير آخر : إنّ الله أمر بالطاعة المطلقة لأولي الأمر من غير تخصيص ، فإذا كان يتصوَّر منهم الخطأ فإننا بطريقة غير مباشرة نرتكب الخطأ ، فنكون أمرنا بارتكاب الخطأ ، وقد نهانا الله عنه ، فيكون بذلك اجتمع الأمر والنهي في موضع واحد ، وهذا محال ، فإذاً لابد أن يكون أولو الأمر معصومين ، فياترى من هم المعصومون الذين أمرنا الله بطاعتهم ؟

قلت لكي أقطع عليه الطريق : ... الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) طبعاً .

خالي مبتسماً : مهلا يا بنة أختي ، لا تتعجَّلي ..

قلت : نعم ، نعم أنا آسفة .. واصل كلامك .

خالي : والإجابة على ذلك هو قوله تعالى : {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً}(١) إنّ في هذه الآية تأكيداً من الله عزّوجلَّ على تطهير أهل البيت(عليهم السلام) من الرجس ، وهو كل ذنب صغيراً كان أم كبيراً ، وهذه هي العصمة بعينها ، فيكون معنى الآية : أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأهل البيت(عليهم السلام) ، وقد ذكرت لك ذلك من قبل ولكن لتأكيد الفائدة وتعميمها .

رابعاً : قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : عليٌّ مع الحق والحق مع علي ، ولن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض(٢) ، وقال (صلى الله عليه وآله وسلم) مشيراً إلى علي (عليه السلام) : الحق مع ذا ، الحق مع ذا ..(٣) ، وقد روى الترمذي في فضائل علي (عليه السلام) ، والحاكم أيضاً في فضائله من المستدرك ، ونقل هذا الحديث أيضاً في الصواعق في الفصل الخامس في

١- سورة الأحزاب ، الآية : ٣٣ .

٢- تأريخ بغداد ، الخطيب البغدادي : ١٤/٣٢٢ ، رقم : ٧٦٤٣ ، تأريخ دمشق ، ابن عساكر : ٤٢/٤٤٩ ، مناقب علي بن أبي طالب(عليه السلام) للفقيه الحافظ أبي الحسن الواسطي الشافعي : ٢٤٤ .

٣- مسند أبي يعلى الموصلي : ٢/٣١٨ ح١٠٥٢ ، مجمع الزوائد ، الهيثمي : ٧/٢٣٥ ، وقال : رواه أبو يعلى ورجاله ثقات ، تأريخ دمشق ، ابن عساكر : ٤٢/٤٤٩ .

٤٩٤

الباب الأول ، وعن الذهبي أنه صحّح طرقاً كثيرة لدعاء النبيِّ (صلى الله عليه وآله وسلم) لعليٍّ (عليه السلام) في غدير خم المشتمل على قوله : وأدر الحقَّ معه حيث دار .

وحكى ابن أبي الحديد قول الشيخ أبي القاسم البلخي وتلامذته لو نازع عليٌّ (عليه السلام) عقيب وفاة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وسلَّ سيفه لحكمنا بهلاك كل من خالفه وتقدَّم عليه ، كما حكمنا بهلاك من نازعه حين أظهر نفسه ... إلى أن قال : وحكمه حكم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ; لأنه قد ثبت عنه في الأخبار الصحيحة أنه قال (صلى الله عليه وآله وسلم) : عليٌّ مع الحق والحق مع عليٍّ يدور حيثما دار(١) .

وجاء في كنز العمال : الحقُّ مع ذا ، الحقُّ مع ذا(٢) ، وروى أيضاً : يا عمار ! إن رأيت عليّاً قد سلك وادياً وسلك الناس وادياً غيره فاسلك مع عليٍّ ودع الناس ، فإنه لن يدلَّك على ردى ، ولن يخرجك من الهدى(٣) .

الشورى في الواقع العملي

هذا من جهة ، ومن جهة أخرى إننا إذا تنازلنا عن كل ما قلناه في علي (عليه السلام) ، ونظرنا إلى الشورى والإجماع الذي تحتجّين به ، فهنالك عدّة إشكاليّات على أهل السقيفة ، وهي تتمثَّل في الريبة التي تلفُّ زمان السقيفة ومكانها ، حيث السقيفة لم تكن هي المكان الذي يصلح لا نعقاد مثل هذا الأمر الهامّ جداً ، وكان من الممكن أن ينعقد في مسجد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وثانياً الزمان الذي انعقدت فيه الشورى ; فإنه لا يخلو من خبث واضح ، فإن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ما زال مسجّى لم

١- شرح نهج البلاغة : ٢/٢٩٦ ـ ٢٩٧ .

٢- كنز العمال ، المتقي الهندي : ١١/٦١٣ ـ ٦١٤ ح٣٢٩٧٢ .

٣- كنز العمال ، المتقي الهندي : ١١/٦٢١ ح٣٣٠١٨ .

٤٩٥

يدفن بعد ، فأيُّ مسلم له غيرة على الإسلام يقبل ذلك ؟

والإشكال الآخر : إذا سلّمنا أنّ للإجماع حجّة فإن هذا الإجماع لم ينعقد ; لعدم حضور كل الصحابة ، وعلى الأقل أهل المدينة ، وكان فيهم كبار الصحابة ، ثم إن الطريقة التي جرت بها الشورى خالية حتى من أبسط الأخلاقيَّات ; لشدَّة المهاترات التي جرت بينهم ، كقول عمر لسعد عندما اجتمع الناس لمبايعة أبي بكر ، وكادوا يطؤون سعد بن عبادة ، فقال أناس من أصحاب سعد : اتّقوا سعداً لا تطؤوه ، فقال عمر : اقتلوه قتله الله ، إنه صاحب فتنة ، ثمَّ قام على رأس سعد وقال له : لقد هممت أن أطأك حتى تندر عضوك ، فأقبل عليه قيس بن سعد وأخذ بلحيِّة عمر قائلا : والله لو حصحصت منه شعرة ما رجعت وفي فيك واضحة ، ثم تكلَّم سعد بن عبادة منادياً ، وخاطب عمر : أما والله لو أنّ بي قوَّة ما أقوى على النهوض لسمعت منّي في أقطارها وسككها زئيراً يحجرك وأصحابك ، أما والله لألحقنّك بقوم كنت فيهم تابعاً غير متبوع(١) .

فبالله عليك ، لأيِّ شي استحقَّ سعد القتل ، ولم يكن يدعو إلاّ إلى نفسه كما دعا غيره ؟

ولماذا كان صاحب فتنة وقد دعا للشورى التي أمر بها الإسلام كما تدّعون ؟

١- ذكرها الطبري : ٢/٤٥٩ ، الإمامة والسياسة ، ابن قتيبة : ١/١٧ ، المصنف ، ابن أبي شيبة : ٨/٥٧١ ـ ٥٧٢ ، شرح نهج البلاغة ، ابن أبي الحديد : ٢/٢٥ .

٤٩٦

عدالة الصحابة

قلت : للإنصاف ـ يا خالي ـ قد أدهشني هذا الكلام ، ولكنني لا يمكن أن أصدّق ذلك على الصحابة ، وكأنّي أراك متحاملا عليهم ، وإلاّ ما حفظت كل هذه الشواهد في مثالبهم ، وممَّا يجعلني أشكِّك في كلامك أنّ مثل هذه الأفعال كيف تصدر من الصحابة الذين ربّاهم الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) .

خالي : لا يا عزيزتي ، لم يكن في الأمر تحامل ، وما أنا إلاّ دارس للتأريخ ، وقد سجّل لنا التأريخ أنّ الصحّابة فعلوا ما فعلوا .

ثمَّ من قال : إنّ مجرَّد الصحبة عاصمة من الخطأ ؟ فالصحابة هم مجتمع بشريٌّ يحمل الصالح والطالح ، وكون هنالك رسول اتفق وجوده مع وجودهم هذا ليس كافياً أن ينقل كل ذلك المجتمع من قمّة الجاهليّة إلى قمّة العدالة ، وكم هنالك مجتمعات عاش بينها عشرات الأنبياء لم يمنعهم ذلك من عذاب الله ، فبنو إسرائيل كانوا يقتلون في اليوم والليلة سبعين نبيّاً(١) ، قال تعالى : {كُلَّمَا جَاءهُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقاً كَذَّبُواْ وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ}(٢) ، أمّا لماذا فعلوا ، فهذا بحث آخر .

قلت : ما هي نظرتكم إلى الصحابة بكل أمانة ؟

خالي : ننظر إليهم كما نظر إليهم القرآن والأحاديث الشريفة .

قلت : وكذلك أهل السنّة يقولون : إنّ القرآن نزَّههم من كل سوء ، وبايعوه

على الموت ، وصاحبوه بصدق في القول والعمل ، وهي أحد الأصول التي ندين

١- راجع : اللهوف في قتلى الطفوف ، ابن طاووس : ٢٢ ، تفسير الثعالبي : ١/٢٧٧ .

٢- سورة المائدة ، الآية : ٧٠ .

٤٩٧

بها .

خالي : هذه نظرتهم لا نظرة القرآن ; لأنّ القرآن قسّم الصحابة إلى ثلاثة أقسام ...

الأول : الصحابة الأخيار الذين عرفوا الله ورسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) حق المعرفة ، ولم ينقلبوا بعده ، بل ثبتوا على العهد ، وقد مدحهم الله جلّ جلاله في كتابه العزيز ، وقد أثنى عليهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في العديد من المواقع ، ونحن الشيعة نذكرهم باحترام وتقديس ونترضَّى عليهم .

القسم الثاني : هم الصحابة الذين اعتنقوا الإسلام واتّبعوا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)إمّا رغبة أو رهبة ، وهؤلاء كانوا يمنُّون إسلامهم على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وكانوا يؤذونه في بعض الأوقات ، ولا يمتثلون لأوامره ونواهيه ، بل يجعلون لآرائهم مجالا في مقابل الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ، حتى نزل القرآن بتوبيخهم مرّة وتهديدهم أخرى ، وقد فضحهم الله في عديد من الآيات ، وحذَّرهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في عديد من الأحاديث النبويَّة ، ونحن الشيعة لا نذكر هؤلاء إلاَّ بأفعالهم .

القسم الثالث : فهم المنافقون الذين صحبوا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) نفاقاً ، وقد أنزل الله فيهم سورة كاملة ، وذكرهم في العديد من المواقع ، وتوعَّدهم بالدرك الأسفل من النار ، وهؤلاء يتفق الشيعة والسنة على لعنهم والبراءة منهم .

قلت : من أين أتيت بهذا التقسيم ، وقد قال تعالى : {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً}(١) ، فهذه الآية تفيد الإطلاق على كل من تبع الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وتصفهم

بالإيمان وإنزال السكينة ، ما عدا المنافقين فهم خارجون تخصُّصاً .

١- سورة الفتح ، الآية : ١٨ .

٤٩٨

خالي : أولا : إنّ ( المؤمنين ) هنا ليست لفظاً قصد منه الإطلاق ; أي مطلق المؤمنين ، وإنّما صفة مخصّصة ومقيِّدة لكل من تبع الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ; أي ليس كل من تبع الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وإنما المؤمنون منهم .

ثانياً : لو رجعت إلى الآية الأخرى التي تحدَّثت عن بيعة الشجرة في نفس السورة وبالتحديد الآية رقم ١٠ ، تجدين أنّ الله لم يجعل رضاه مطلقاً ، وإنما جعله مرهوناً ومشروطاً بعدم النكث ، قال تعالى : {إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً}(١) ، والآية أوضح من أيِّ تفسير ، فهذه الآية تبيِّن أنّ هناك قسمين من الصحابة :

قسم نكث ولم ينل رضا الله .

وقسم أوفى بما عاهد الله فنال رضاه .

قلت : تحليلك للأمور رائع ، ولكن ماذا تقول في قوله تعالى : {مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيَماهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الاِْنجِيلِ كَزَرْع أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً}(٢) ، فما رأيك في هذه الآية الصريحة في عدالة الصحابة ؟ وقد فسّر بعضهم قوله : {يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ} يعجب المؤمنين ويغيظ الشيعة ،

١- سورة الفتح ، الآية : ١٠ .

٢- سورة الفتح ، الآية : ٢٩ .

٤٩٩

لأنهم يعادون الصحابة .

خالي وهو مبتسم : أوّلا : كون بعض من ارتأى وقالوا ما قالوا فإنّ هذا ليس ملزماً لنا ، كما أنه افتراء على الله ورسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) ; لأنه لا يتعدَّى كونه تفسيراً بالرأي .

وثانياً : أنا أسألك ، ما معنى المعيَّة هنا ؟ هل هي معيَّة الزمان ؟ أم معيَّة المكان ؟ أم معيَّة من نوع آخر ؟

إن كان المقصود بهذه المعيَّة هو معيَّة الزمان والمكان ، فأبو جهل وسجاح والأسود العنسي والمنافقون كانوا معه ، وكذلك المشركون ، من الواضح أن لا يكون المقصود ذلك ، وإنّما معيَّة من نوع آخر ، وهي من كان معه على المنهج ، ومؤيِّداً وثابتاً على ما عاهد الله عليه ، والدليل على ذلك ذيل الآية : {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم}(١) فمنهم تفيد التبعيض ، وهذا هو عين الصواب ، وإلاَّ دخل في المعيّة أولئك المنافقون الذين مردوا على النفاق كما جاء في قوله تعالى : {وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى النِّفَاقِ لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ}(٢) .

كما أن الحديث عن المنافقين يفتح أمامنا سؤالا عريضاً ، كيف انقطع النفاق بمجرَّد انقطاع الوحي ؟ فهل كانت حياة النبيِّ (صلى الله عليه وآله وسلم) سبباً في نفاق المنافقين ؟ أو موته (صلى الله عليه وآله وسلم) سبباً في إيمانهم وعدالتهم ؟ كل هذه الأسئلة يدعو إليها الواقع التأريخيِّ الذي لم يذكر لنا شيئاً عنهم بعد وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، مع أنهم

١- سورة الفتح ، الآية : ٢٩ .

٢- سورة التوبة ، الآية : ١١٠ .

٥٠٠