×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

مناظرات المستبصرين / الصفحات: ٥٠١ - ٥٢٠

كانوا يشكِّلون خطراً على الأمَّة الإسلاميَّة ، قال تعالى : {جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ}(١) ، ولم يثبت لنا التأريخ أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قاتل المنافقين ، فهل ياترى من الذي قاتل المنافقين ، غير علي (عليه السلام) ؟! وخاصة أن الكتاب والسنّة أثبتا بقاء المنافقين على نفاقهم ، بل هم الأكثريّة الذين شكَّلوا تيَّار الانقلاب بعد وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، قال تعالى : {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللّهُ الشَّاكِرِينَ}(٢) ولا يخفى عليك أن قوله : {الشَّاكِرِينَ} دلالة على الأقلّيّة ; لقوله تعالى : {وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ}(٣) ، {وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ}(٤) .

قلت : قد زدتني حيرة على حيرتي ، كيف يكون كل هذا في الصحابة ؟ فكيف تفسّر تلك الحروب التي قدَّم فيها الصحابة أرواحهم ، وضربوا لنا أروع الأمثال في التضحية ؟ فيمكن أن ينافق الإنسان في كل شيء إلاَّ في هلاك نفسه .

خالي : لا تحتاري ، فإنَّ مجتمع الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) كان مجتمعاً بشريّاً فيه الصالح والطالح ، ولا يمكن أن يكون مجرَّد وجود الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بينهم كافياً لعصمة مجتمع بأكمله ، والآيات القرآنيّة حاكمة بذلك كما تقدَّم ، وغيرها كقوله تعالى : {وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُوراً}(٥) ، والعطف في الآية دال على أنّ الذين في قلوبهم مرض غير

١- سورة التحريم ، الآية : ٩ .

٢- سورة آل عمران ، الآية : ١٤٤ .

٣- سورة المؤمنون ، الآية : ٧٠ .

٤- سورة سبأ ، الآية : ١٣ .

٥- سورة الأحزاب ، الآية : ١٢ .

٥٠١

المنافقين .

وقال تعالى : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأ فَتَبَيَّنُوا ...}(١) .

ومن المعلوم أنّ الفاسق المقصود كان من الصحابة(٢) .

أمَّا قولك كيف ضحّوا بأنفسهم ، فإن مثل هذا السؤال لا تتوقَّف الإجابة عليه على كونهم مؤمنين ، والتأريخ والواقع خير شاهد على ما قلت ، فكم من حروب دارت ، وكم من جماعات ضحّوا ، فهل نحكم على الجميع بالإيمان ، فهناك المكره ، وهناك من فرض عليه الواقع أمراً محكوماً ، والحروب التي كانت قبل الإسلام خير دليل ، ومع ذلك أنا أرمي ( بعض ) الذين حاربوا مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بأنهم كانوا مجبرين ، مع أنه كان هناك المجبور والمنافق كشهيد الحمار ، إنَّما أقول حتى المؤمن حقّاً لا تعني حربه مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عاصمة له من الانحراف بعد وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فإنّ مجموعة كبيرة من الصحابة كانت تحارب مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وهم يستلهمون الطاقة والحماس منه .

وبمعنى آخر كانوا يعملون بالطاقة التي كانوا يكسبونها من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وأضرب لك مثالا على ذلك : عندما يستمع الإنسان لخطيب بارع يتحدَّث عن الجهاد والتضحية فسوف تنتاب المستمعين حالة روحيّة عالية ، بحيث لو طلب من كل واحد منهم أن يضحّي بنفسه فإنّه لا يمانع ، ولكن مجرَّد أن يغادر المكان ويبتعد عن الخطيب ، تضعف تلك الطاقة ، هذا بخلاف الذي يكون له وعي كامل بالقضية ، فإنه يولِّد تلك الطاقة من نفسه ، وكثير من الثورات

١- سورة الحجرات ، الآية : ٦ .

٢- وهو الوليد بن عقبة ، راجع : أسباب النزول ، الواحدي : ٢٦١ ـ ٢٦٢ ، تفسير ابن كثير : ٤/٢٢٤ ، تفسير الدرّ المنثور ، السيوطي : ٦/٨٨ ـ ٨٩ .

٥٠٢

الإصلاحيّة تحوَّل الداعون لها إلى مفسدين بعد أن فقدوا قائدهم الروحي ، وهذا أمر طبيعي ينتاب كل البشر .

ولك في الثورة المهديّة في السودان خير مثال ، فبموت محمّد أحمد المهدي انشقَّت صفوف الأنصار ، ووقع الخلاف بينهم ، وهكذا الصحابة بشر فإنهم معرَّضون لذلك ، قال تعالى : {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ}(١) ، وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ـ كما جاء في البخاري وصحيح مسلم ـ : بينما أنا قائم فإذا زمرة ، حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم فقال : هلم ، فقلت : إلى أين ؟ فقال : إلى النار والله ، قلت : ما شأنهم ؟ قال : إنهم ارتدّوا بعدك على أدبارهم القهقرى ، فلا أرى يخلص منهم إلاَّ كهمل، النعم(٢) .

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم) : إنّي فرطكم على الحوض ، من مرَّ عليَّ شرب ، ومن شرب لم يظمأ أبداً ، ليردنَّ عليَّ أقوام أعرفهم ويعرفونني ، ثمَّ يحال بيني وبينهم ، فأقول : أصحابي ، فيقال : إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك ، فأقول : سحقاً سحقاً لمن غيَّر بعدي(٣) .

موقف علي (عليه السلام) من خلافة أبي بكر

١- سورة آل عمران ، الآية : ١٤٤ .

٢- صحيح البخاري : ٧/٢٠٨ ـ ٢٠٩ ، كتاب الدعوات ، باب في الحوض ، كنز العمال ، المتقي الهندي : ١١/١٣٢ ـ ١٣٣ ح٣٠٩١٨ .

٣- صحيح البخاري : ٧/٢٠٧ ـ ٢٠٨ ، صحيح مسلم : ٧/٦٦ ، المعجم الكبير ، الطبراني : ٦/١٤٣ .

٥٠٣

طأطأت رأسي غارقة في تفكير عميق ومردِّدة .. عجيب ، عجيب ، عجيب .

خالي : ممَ تعجُّبكِ ؟

قلت : وفق ما ذكرت من هذه الأدلّة القاطعة ، وخاصة في مورد الإمامة ، فلماذا لم يعترض عليٌّ كرَّم الله وجهه على القوم ، بل أكَّد على موقف الشورى ، حيث قال في النص الذي سجَّلته لك : وإنّما الشورى للمهاجرين والأنصار ، فإن اجتمعوا على رجل وسمّوه إماماً كان ذلك لله رضى ، فإن خرج من أمرهم خارج بطعن أو بدعة ردُّوه إلى ما خرج منهم ، فإن أبى قاتلوه على اتّباعه غير سبيل المؤمنين .

خالي : كما أثبتُّ لك أن الشورى باطلة ، وأن النص والتعيين هو المتحقِّق ، وهذا هو مبحثنا ، أمَّا أن عليّاً (عليه السلام) لماذا سكت فهذا بحث آخر .

قلت مقاطعة : هذا الكلام لا أقبله منك ، أليست الخلافة حقاً لعليٍّ ؟ فسكوت الإمام علي (عليه السلام) هو سكوت عن حقِّه .

خالي : أجمعت الأمَّة على أنّ علياً (عليه السلام) وسائر بني هاشم لم يشهدوا البيعة ، ولا دخلوا السقيفة يومئذ ، كانوا منشغلين بتجهيز رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، حتى أكمل أهل السقيفة أمرهم ، وعقدوا البيعة لأبي بكر ، فأين كان الإمام (عليه السلام)عن السقيفة ، وعن بيعة أبي بكر ليحتجّ عليهم ؟

وقد أجاب الإمام عليٌّ (عليه السلام) عن هذا الإشكال عندما سأله الأشعث ابن قيس ، عندما قال للإمام علي (عليه السلام) : ما منعك ـ يا ابن أبي طالب ـ حين بويع أخو بني تيم ، وأخو بني عدي ، وأخو بني أمية ـ أن تقاتل وتضرب بسيفك وأنت لم تخطبنا مذ قدمت العراق إلاَّ قلت قبل أن تنزل عن المنبر : والله إنّي لأوّل الناس ،

٥٠٤

وما زلت مظلوماً مذ قبض رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فقال (عليه السلام) : يا ابن قيس ! لم يمنعني من ذلك الجبن ، ولا كراهية لقاء ربّي ، ولكن منعني من ذلك أمر النبيِّ (صلى الله عليه وآله وسلم) وعهده إليّ .. أخبرني بما الأمّة صانعة بعده ، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : يا عليُّ ! ستغدر بك الأمّة من بعدي ، فقلت : يا رسول الله ! فما تعهد إليّ إذا كان كذلك ؟ فقال الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) : إن وجدت أعواناً فانبذ إليهم وجاهدهم ، وإن لم تجد أعواناً فكفَّ يدك ، واحقن دمك حتى تجد على إقامة الدين وكتاب الله وسنّتي أعواناً(١) .

وفي رواية الخطيب البغدادي ، عن أبي عثمان النهدي ، عن علي (عليه السلام)قال : أخذ عليٌّ يحدِّثنا إلى أن قال : " جذبني رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وبكى ، فقلت : يا رسول الله ! ما يبكيك ؟ قال : ضغائن في صدور قوم لن يبدوها لك إلاَّ بعدي ... فقلت : بسلامة من ديني ؟ قال : نعم بسلامة من دينك(٢) .

كما سئل هذا السؤال الإمام الرضا (عليه السلام) ، وهو الإمام الثامن من أهل البيت(عليهم السلام) ، فأجاب : لأنّه ـ أي أميرالمؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) ـ اقتدى برسول (صلى الله عليه وآله وسلم) في تركه جهاد المشركين بمكة بعد النبوَّة ثلاث عشرة سنة ، وبالمدينة تسعة عشر شهراً(٣) .

١- الاحتجاج ، الطبرسي : ١/٢٨٠ ـ ٢٨١ ، كتاب سليم بن قيس ، ٢١٤ ـ ٢١٥ ، بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة ، التستري : ٤/٥١٩ .

٢- تأريخ بغداد ، الخطيب البغدادي : ١٢/٣٩٤ ، رقم : ٦٨٥٩ ، تأريخ دمشق ، ابن عساكر : ٤٢/٣٢٣ .

٣- والرواية هي عن الصدوق عليه الرحمة ، عن الهيثم بن عبد الله الرماني قال : سألت علي بن موسى الرضا (عليه السلام) ، فقلت له : يابن رسول الله ! أخبرني عن علي بن أبي طالب لم لم يجاهد أعدائه خمساً وعشرين سنة بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ثمَّ جاهد في أيام ولايته ؟ فقال : لأنَّه اقتدى برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في تركه جهاد المشركين بمكة ثلاث عشرة سنة بعد النبوَّة ، وبالمدينة تسعة عشر شهراً ، وذلك لقلّة أعوانه عليهم ، وكذلك علي (عليه السلام) ترك مجاهدة أعدائه لقلّة أعوانه عليهم ، فلمَّا لم تبطل نبوَّة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)مع تركه الجهاد ثلاث عشرة سنة وتسعة عشر شهراً ، كذلك لم تبطل إمامة علي (عليه السلام) مع تركه الجهاد خمساً وعشرين سنة ; إذ كانت العلّة المانعة لهما من الجهاد واحدة .

علل الشرائع ، الصدوق : ١/١٤٨ ح٥ ، عيون أخبار الرضا (عليه السلام) ، الصدوق : ١/٨٧ ـ ٨٨ ح ١٦ .

٥٠٥

وجاء في كتاب معاوية إلى عليٍّ (عليه السلام) : وأعهدك أمس تحمل قعيدة بيتك ليلا على حمار ، ويداك في يدي ابنيك الحسن والحسين يوم بويع أبو بكر ، فلم تدع أحداً من أهل بدر والسوابق إلاَّ دعوتهم إلى نفسك ، ومشيت إليهم بامرأتك ، وأدليت إليهم بابنيك ، فلم يجبك منهم إلاَّ أربعة أو خمسة ... مهما نسيت فلا أنسى قولك لأبي سفيان لمَّا حرّكك وهيّجك : لو وجدت أربعين ذوي عزم منهم لناهضت القوم(١) .

فأمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) ترك جهاد القوم ، لقلّة ناصريه ، فصبر وفي العين قذى ، وفي الحلق شجى ، يرى تراثه ينهب ، ويعلِّل ذلك بأنّه لم يسكت إلاَّ تأسِّياً بالأنبياء (عليهم السلام) ، حيث قال : إنّ لي بسبعة من الأنبياء أسوة :

الأول : نوح (عليه السلام) ، قال الله تعالى مخبراً عنه في سورة القمر {فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانتَصِرْ}(٢) فإن قلت : لم يكن مغلوباً فقد كذَّبت القرآن ، وإن قلت : كان مغلوباً فعليٌّ أعذر .

الثاني : إبراهيم الخليل (عليه السلام) ، حيث حكى الله تعالى عنه قوله : {وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ}(٣) فإن قلت : اعتزلهم من غير مكروه فقد كفرت ، وإن قلت : رأى المكروه فاعتزلهم فعليٌّ أعذر .

١- شرح نهج البلاغة ، ابن أبي الحديد : ٢/٤٧ .

٢- سورة القمر ، الآية : ١٠ .

٣- سورة مريم ، الآية : ٤٨ .

٥٠٦

الثالث : نبيُّ الله لوط (عليه السلام) ، إذ قال لقومه على ما حكاه الله تعالى : {لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْن شَدِيد}(١) فإن قلت : كان له بهم قوَّة كذّبت القرآن ، وإن قلت : إنه ما كان له بهم قوَّة فعليٌّ أعذر .

الرابع : نبيُّ الله يوسف (عليه السلام) ، فقد حكى الله تعالى عنه : {رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ}(٢) فإن قلت : إنّه دعي إلى غير مكروه يسخط الله تعالى فقد كفرت ، وإن قلت : إنه دعي إلى ما يسخط الله فاختار السجن فعليٌّ أعذر .

الخامس : كليم الله موسى بن عمران (عليه السلام) ، إذ يقول ما ذكره الله تعالى عنه : {فَفَرَرْتُ مِنكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ}(٣) ، فإن قلت : إنه فرَّ منهم من غير خوف فقد كذَّبت القرآن ، وإن قلت : فرَّ منهم خوفاً فعليٌّ أعذر .

السادس : نبيُّ الله هارون بن عمران (عليه السلام) ، إذ يقول على ما حكاه الله تعالى عنه : {قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُواْ يَقْتُلُونَنِي}(٤) فإن قلت : إنهم ما استضعفوه فقد كذَّبت القرآن ، وإن قلت : إنهم استضعفوه وأشرفوا على قتله فعليٌّ أعذر .

السابع : محمّد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، حيث هرب إلى الغار ، فإن قلت : إنَّه (صلى الله عليه وآله وسلم)هرب من غير خوف فقد كفرت ، وإن قلت : أخافوه وطلبوا دمه وحاولوا قتله فلم

١- سورة هود ، الآية : ٨ .

٢- سورة يوسف ، الآية : ٣٣ .

٣- سورة الشعراء ، الآية : ٢١ .

٤- سورة الأعراف ، الآية : ١٥٠ .

٥٠٧

يسعه غير الهرب فعليٌّ أعذر(١) .

إمامة عليٍّ (عليه السلام) على نحو الاختيار وليس الجبر

إنّ الأحكام الشرعيّة ـ يا عزيزتي ـ معلَّقة على حرِّيَّة المكلَّف واختياره ، فإنّ الله لا يجبر عباده على طاعته ، فكون علي (عليه السلام) إماماً من قبل الله تعالى لا يعني أن تجبر الخلائق على اتباعه {مَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ}(٢) وهذا ما جرى على الأنبياء جميعهم ، وقال تعالى : {أَفَكُلَّمَا جَاءكُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَى أَنفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ}(٣) ، فالبيعة لعليٍّ لا يفرضها الله على عباده(٤) كما لم يفرض بيعة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ، قال تعالى : {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ}(٥) والمجيء دالٌ على أنّ الأمر بالبيعة معلَّق على مجيء المؤمنات طائعات .

لذلك قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في حق علي (عليه السلام) ـ كما أخرجه الطبري في الرياض النضرة ـ : يا علي ! إني أعلم ضغائن في صدور قوم سوف يخرجونها لك من بعدي ، أنت كالبيت تؤتى ولا تأتي ، إن جاءوك وبايعوك فاقبل منهم ، وإلاَّ فاصبر حتى تلقاني مظلوماً .

١- راجع : مناقب آل أبي طالب ، ابن شهر آشوب : ١/٢٣٢ ـ ٢٣٣ .

٢- سورة الكهف ، الآية : ٢٩ .

٣- سورة البقرة ، الآية : ٨٧ .

٤- يعني بالجبر والإكراه ، قال تعالى : (لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ) البقرة ، الآية : ٢٥٦ .

٥- سورة الممتحنة ، الآية : ١٢ .

٥٠٨

فإذا كان هنالك قصور فهو من الذين لم يبايعوه ، هذا من جهة ، ومن جهة أخرى فإن في الأمر تزاحم مصالح ، فولاية علي (عليه السلام) مصلحة ، والحفاظ على بيضة الإسلام مصلحة أخرى(١) ، فقدَّم عليٌّ مصلحة الحفاظ على بيضة الإسلام على مصلحة إمامته ، كما فعل نبيُّ الله هارون عندما عبد قومه العجل ، فلم يمنعهم حفاظاً على وحدة بني إسرائيل ، قال تعالى : {إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ}(٢) .

قلت : إذاً بماذا تفسّر كلمة الإمام ( كرَّم الله وجهه ) التي جاءت في نهج البلاغة : وإنّما الشورى للمهاجرين والأنصار فإن اجتمعوا على رجل وسمَّوه إماماً كان ذلك لله رضى ؟

خالي : باختصار شديد أجيبك قائلا : إن ابن أبي الحديد المعتزلي هو أول من احتجّ بهذه الكلمة ، على أن صيغة الحكومة بعد وفاة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مستندة إلى الاختيار ونظام الشورى ، وتبعه من تبعه ، ولكنّه غفل ـ أو بالأصحِّ تغافل ـ عن صدر الكلمة التي تعرب عن أن الاستدلال بالشورى من باب الجدل ، خضوعاً لقوله تعالى : {وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}(٣) فإن الإمام علياً (عليه السلام) بدأ كلمته ـ مخاطباً معاوية بن أبي سفيان ـ بقوله : أمَّا بعد ، فإنَّ بيعتي بالمدينة لزمتك وأنت بالشام ، لأنه بايعني القوم الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان على ما بايعوهم عليه فلم يكن للشاهد أن يختار ، ولا للغائب أن يردَّ ... إلى قوله : وإن طلحة والزبير

١- إن الدولة الإسلاميّة كانت مهدَّدة من المنافقين من جهة ، ودولة فارس والروم من جهة أخرى ، وهذا بالإضافة لما أخبر به القرآن الكريم من حوادث تقع بعد وفاة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) كاية الانقلاب .

٢- سورة طه ، الآية : ٩٤ .

٣- سورة النحل ، الآية : ١٢٥ .

٥٠٩

بايعاني ثمَّ نقضا بيعتي ، وكان نقضهما كردِّهما ، فجاهدتهما على ذلك حتى جاء الحق ، ظهر أمر الله وهم كارهون .. فادخل فيما دخل فيه المسلمون(١) .

فقد ابتدأ أميرالمؤمنين (عليه السلام) بخلافة الشيخين ، وذلك يعرب على أنه في مقام إسكات معاوية الذي خرج على إمام زمانه ، وقد أتمَّ (عليه السلام) كلمته بقوله : فإن اجتمعوا على رجل .. احتجاجاً بمعتقد معاوية ، بمعنى : ألزموهم ما ألزموا به أنفسهم .

وهذه هي الخطبة الشقشقية في نهج البلاغة عن أميرالمؤمنين (عليه السلام) : " أما والله لقد تقمَّصها(٢) ابن أبي قحافة ، وإنّه ليعلم أنّ محلّي منها محلّ القطب من الرّحى ، ينحدر عنّي السيّل ، ولا يرقى إليّ الطَّير(٣) ، فسدلت(٤) دونها ثوباً ، وطويت عنها كشحاً(٥) ، وطفقت أرتأي بين أن أصول بيد جذّاء(٦) ، أو أصبر على طخية عمياء(٧) ، يهرم فيها الكبير ، ويشيب فيها الصغير ، ويكدح فيها مؤمن حتى يلقى ربَّه ، فرأيت أنّ الصبر على هاتا أحجى ، فصبرت وفي العين قذى ، وفي

١- شرح نهج البلاغة ، ابن أبي الحديد : ٣/٧٥ ، و١٤/٣٦ ، تأريخ دمشق ، ابن عساكر : ٥٩/١٢٨ ، المناقب ، الخوارزمي : ٢٠٢ .

٢- الضمير عائد على الخلافة ، فهنا شبَّه الإمام علي (عليه السلام) خلافة أبي بكر كالذي لبس قميصاً ليس قميصه .

٣- تمثيل لسمو قدره (عليه السلام) ، وقربه من مهبط الوحي ، وأن ما يصل إلى غيره من فيض الفضل فإنما يتدفَّق من حوضه ، ثمَّ ينحدر عن مقامه العالي ، فيصيب منه من شاء الله .

٤- كناية عن غضّ نظره عن الخلافة ، وسدل الثوب : أرخاه .

٥- مال عن الخلافة ، وهو مثل لمن جاع ، فمن جاع طوى كشحه ، ومن شبع فقد ملأه .

٦- الجذّاء : المقطوعة ، ومراده (عليه السلام) هنا قلّة الناصر والمعين .

٧- الطخية : الظلمة ، ونسبة العمى إليها مجاز عقليٌّ ، وهو تأكيد لظلام الحال واسودادها .

٥١٠

الحلق شجى ، أرى تراثي نهباً(١) ، حتى مضى الأوَّل لسبيله فأدلى بها إلى ابن الخطاب بعده ، ثم تمثّل بقول الأعشى :

شتّان ما يومي على كورها ويوم حيّان أخي جابر

فيا عجباً ! بينا هو يستقيلها في حياته(٢) إذ عقدها لآخر بعد وفاته ، لشدّ ما تشطّرا ضرعيها(٣) ، فصّيرها في حوزة خشناء يغلظ كلمها ويخشن مسُّها .. إلى أن يقول (عليه السلام) : فصبرت على طول المدّة وشدّة المحنة ، حتى إذا مضى لسبيله جعلها في جماعة زعم أنّي أحدهم ، فيالله وللشورى ! متى اعترض الرّيب فيَّ مع الأول منهم حتى صرت أقرن إلى هذه النظائر ، لكنّي أسففت إذ أسفُّوا ، وطرت إذ طاروا ، فصغى رجل منهم لضغنه(٤) ، ومال الآخر لصهره(٥) ، مع هن وهن(٦) ، إلى أن قام ثالث القوم نافجاً حضنيه بين نثيله ومعتلفه ..(٧) .

إلى أن ختمها بقوله (عليه السلام) : أما والذي فلق الحبّة وبرأ النّسمة ، لولا حضور الحاضر ، وقيام الحجّة بوجود الناصر ، وما أخذ الله على العلماء أن لا يقارُّوا على كظّة ظالم ، ولا سغب مظلوم لألقيت حبلها على غاربها ، ولسقيت آخرها بكأس

١- وهذا تأكيد منه (عليه السلام) بأنّ الخلافة حق ثابت له .

٢- إشارة لقول أبي بكر : أقيلوني فلست بخيركم .

٣- وهي إشارة منه (عليه السلام) إلى تقسيم الخلافة بين أبي بكر وعمر .

٤- يشير (عليه السلام) إلى سعد بن أبي وقاص الذي صغى إلى ضغنه وهو عبد الرحمن بن عوف .

٥- يشير (عليه السلام) إلى عبد الرحمن بن عوف الذي مال إلى صهره وهو عثمان بن عفان .

٦- إشارة منه (عليه السلام) إلى أغراض أخر يكره ذكرها .

٧- يشير (عليه السلام) إلى عثمان وكان ثالثاً بعد انضمام كل من طلحة والزبير وسعد إلى صاحبه ، ونافجاً حضنيه : رافعاً لهما ، والحضن : ما بين الابط والكشح ، يقال للمتكبِّر : جاء نافجاً حضنيه ، والنثيل : الروث ، والمعتلف : موضع العلف ، أي أراد (عليه السلام) بقوله : لاهمَّ له إلاَّ ما ذكره .

٥١١

أوّلها ، ولألفيتُم دنياكم هذه أزهد عندي من عفطة عنز(١) .

احتجاج السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام)

تجمَّد فكري ، وعقدت الحيرة لساني ، فوضعت كلتا يديّ على رأسي ، ثمَّ قلت : كل هذا ونحن لا ندري ، أمرٌ لا يصدَّق .

فلم يدعني خالي أرتاح قليلا ... حتى أنعش أعصابي فبادرني قائلا : هذا فيما يتعلّق باحتجاج أميرالمؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) ، ودعيني أقرأ عليك ممّا جاء عن احتجاج الزهراء (عليها السلام) .

خالي : بغضّ النّظر عمَّا جاء في المصادر الشيعيّة من استنكار أهل بيت العصمة والطهارة (عليه السلام) ، فقد ذكر أبو الفضل أحمد بن طيفور(٢) ، وجاء في شرح ابن أبي الحديد في المجلَّد الرابع(٣) ، وفي أعلام النساء لعمر رضا كحالة(٤) ، قالت (عليها السلام)في خطبتها ـ التي كان أهل البيت(عليهم السلام)يلزمون أولادهم بحفظها كما يلزمونهم بحفظ القرآن ـ :

" ويحهم ، أنّى زحزحوها(٥) عن رواسي الرسالة ، وقواعد النبوَّة ، ومهبط الروح الأمين ، والطبين(٦) بأمور الدنيا والدين ، ألا ذلك هو الخسران المبين ..

١- نهج البلاغة : ١/٣٠ ، رقم الخطبة : ٣ ، شرح نهج البلاغة ، ابن أبي الحديد : ١/١٦٢ .

٢- بلاغات النساء ، ابن طيفور : ٢٠ ، السقيفة وفدك ، الجوهري : ١٢٠ .

٣- شرح نهج البلاغة ، ابن أبي الحديد : ١٦/٢٣٣ .

٤- ج ٣ ، ص١٢٠٨ .

٥- أي الخلافة .

٦- أي الخبير .

٥١٢
٥١٣

بينما هو يقرأ أحسست برعشة تسري إلى جميع أجزاء بدني ، وجرت دمعة على خدّي .. وكيف لا أبكي وقد أحسست بأنفاس الزهراء الطاهرة (عليها السلام)تتسرَّب مع أنفاسي إلى أعماق نفسي ، فكانت تلك الكلمات حروفاً من نور تشعُّ في وجداني ، وربّ السماء والأرض لو أنكر أهل الدنيا جميعاً هذه الكلمات لعشت بها وحيدة في فيافي الأرض وقفارها ، أترنّم بأجراس كلماتها ، وترقص نفسي طرباً بأزيز أنغامها ، وهنا يكون العشق والحبُّ ، وتهيم الروح سكراً بلبِّ معناها .

كفكفت دمعي ، وتوسَّلت بخالي أن لا يقطع الحوار بسبب اضطرابي ... دعاني إلى النوم لكي تهدأ أعصابي ، قلت : كم هي الليالي التي لم نستفد منها إلاَّ النوم ، فإن كانت ليلة القدر خيراً من ألف شهر فهذه الليلة خير من ألف يوم ، فتلك الليلة تكتب فيها الأقدار ، وهذه الليلة تبعث فيها الأرواح .

وبعد إلحاح قال خالي : أختم لك هذه الليلة بحوار عمر مع جدِّنا عبد الله بن العباس ـ الذي نتشرَّف بالانتساب إليه ـ كما جاء في الكامل لابن الأثير(١) ، وشرح النهج لابن أبي الحديد(٢) ، وتاريخ الطبري(٣) .

قال عمر : أتدري ما منع قومكم بعد محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) ؟

قال ابن عباس : فكرهت أن أجيبه ، فقلت له : إن لم أكن أدري فإن أميرالمؤمنين يدري !

فقال عمر : كرهوا أن يجمعوا لكم النبوَّة والخلافة فتبجحوا على قومكم

١- ج٣ ، ص٦٣ .

٢- شرح نهج البلاغة : ١٢/٥٣ .

٣- تأريخ الطبري : ٣/٢٨٩ .

٥١٤

بجحاً بجحاً(١) ، فاختارت قريش لأنفسها فأصابت ووفّقت .

عندها قال ابن عباس : يا أميرالمؤمنين ! إن تأذن لي في الكلام وتمط عنّي الغضب ، تكلَّمت ..

قال : تكلَّم .

فقال ابن عباس : أمَّا قولك ـ يا أمير المؤمنين ـ : اختارت قريش لأنفسها فأصابت ووفّقت ، فلو أنّ قريشاً اختارت لأنفسها من حيث اختار الله لها لكان الصواب بيدها غير مردود ولا محسود ، وأمَّا قولك : إنهم أبوا أن تكون لنا النبوّة والخلافة فإنّ الله عزّ وجلَّ وصف قوماً بالكراهة ، فقال : {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ}(٢) .

قال عمر : هيهات يا ابن عباس ! قد كانت تبلغني عنك أشياء أكره أن أقرّك عليها فتزيل منزلتك منّي .

فقال ابن عباس : ما هي يا أميرالمؤمنين ؟ فإن كانت حقاً فما ينبغي أن تزيل منزلتي منك ، وإن كانت باطلا فمثلي أماط الباطل عن نفسه .

قال عمر : بلغني أنك تقول : إنّما صرفوها عنّا حسداً وبغياً وظلماً .

فقال ابن عباس : أمَّا قولك ـ يا أميرالمؤمنين ـ : ظلماً ، فقد تبيَّن للجاهل والحليم ، وأمَّا قولك : حسداً ، فإن آدم حُسدَ ، ونحن ولده المحسودون .

فقال عمر : هيهات ، هيهات ، أبت والله قلوبكم ـ يا بني هاشم ـ إلاَّ حسداً لا يزول .

١- التبجُّح بالشي ، أي الفرح به .

٢- سورة محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) ، الآية : ٤٧ .

٥١٥

فقال ابن عباس : مهلا يا أميرالمؤمنين ! لا تصف بهذا قلوب قوم أذهب الله عنهم الرِّجس وطهَّرهم تطهيراً .

خالي : والدليل على أنّ أهل البيت(عليهم السلام) محسودون على المكانة التي خصّهم بها الله قوله تعالى : {أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَآ آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكاً عَظِيماً}(١) ، والتدبُّر في هذه الآية يكشف لنا أنّ الحسد وقع على هؤلاء الناس بسبب عطاء ربِّك لهم ( الكتاب والحكمة والملك العظيم ) لأنّ المعلوم والمحكم في هذه الآية أنّ الله أعطى آل إبراهيم الكتاب والحكمة والملك العظيم ، والمتشابه علينا في هذه الآية هو من المقصود بالناس في هذه الآية ؟ وما هو الفضل الذي أُعطي لهم ؟ ولاستجلاء المعنى المقصود لابد من إجراء المقابلة ، فالناس يقابلهم آل إبراهيم ، والفضل يقابله الكتاب والحكمة والملك العظيم ، فهل ياترى من هؤلاء الناس في أمَّة محمّد يقابلون آل إبراهيم ؟ هل تجدين غير آل محمّد كفؤاً ونظيراً لآل إبراهيم ؟ فيتضح بذلك أنّ الناس المقصودين في هذه الآية هم آل محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم)(٢) .

أمَّا الفضل الذي أُعطي لهم فهو الكتاب والحكمة والملك العظيم ، فيكون معنى الآية : أم يحسدون آل محمّد على ما آتاهم الله من الكتاب والحكمة والملك العظيم ، ولقد آتينا آل إبراهيم مثل ما أعطيناهم من الكتاب والملك

١- سورة النساء ، الآية : ٥٤ .

٢- روى الحاكم الحسكاني ، عن أبان بن تغلب ، عن جعفر بن محمّد (عليه السلام) في قوله تعالى : ( أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله ) قال : نحن المحسودون . شواهد التنزيل ، الحاكم الحسكاني : ١/١٨٣ ح١٩٥ ، ينابيع المودة ، القندوزي : ٢/٣٦٩ ح٥٢ ، عن المناقب لابن المغازلي : ٢٦٧ حديث ٣١٤ .

٥١٦

العظيم ، فهل عرفت بذلك السبب الذي جعلهم يزيلون آل محمّد عن مراتبهم التي رتبهم الله بها ؟ .

يا عزيزتي ! قد تبيَّن للجاهل قبل العالم ، وإياك أن تحيدي عن قوم أذهب الله عنهم الرّجس وطهّرهم تطهيراً .

قلت : كل ما ذكرته مقنع ، ومستند على الأدلّة والبراهين الساطعة ، وهذا خلاف ما كنّا نعرفه عن الشيعة الذين كانوا في تصوُّرنا أبعد الناس عن الحقِّ ، وكل ما يمكن أن أجزم به الآن ـ حتى لا أكون متعجِّلة بالحكم بأحقّيّة مذهبكم ـ أنَّ الشيعة طائفة إسلاميَّة يجب أن تحترم ، وإن كانوا يختلفون مع عامّة المسلمين من أهل السنّة في بعض الأمور التي يمكن تجاوزها في سبيل الوحدة الإسلاميّة ، وللإنصاف ـ يا خالي ـ لقد سررت جداً بهذا الحوار ، وقد تعلَّمت منه درساً لن أنساه أبداً ، وهو عدم الحكم على الآخرين بالأفكار المسبقة ، والرجوع إليهم لا إلى من يخالفهم ، وأنا أعتقد أنّ من أعظم المصائب التي تعيشها أمتنا هي فقدانها لأرضيَّة الحوار .

ولكن عفواً يا خالي ! ما زال هناك سؤال يراودني ، هل غاب هذا عن العلماء ؟ ولماذا لم يتوصَّل أحد منهم لما ذكرت ؟

خالي : لقد أثلجت صدري بهذا الكلام الذي ينمُّ عن وعي وشعور كاملين بالمسؤولية ، التي أمرنا القرآن الكريم أن نتحلّى بها من معرفة المنهج القرآنيِّ في المباحثة والمناظرة العلميّة الذي يعترف بالطرفين ، قال تعالى معلِّماً رسوله (صلى الله عليه وآله وسلم)مخاطبة الكفار والمشركين : {وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلاَل مُّبِين}(١) ،

١- سورة سبأ ، الآية : ٢٤ .

٥١٧

فانظري إلى هذا التعامل الأخلاقي النبيل ، فلم يقل لهم : إني على حق وأنتم على ضلال ، بل قال : إمَّا نحن أو أنتم على حق أو على باطل .. فهذا هو منهج القرآن عندما طرح للجميع حرّيّة المناقشة قائلا : {قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ}(١) ، فكان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يسمع براهينهم ويردُّها بالتي هي أحسن ، وقد سجَّل القرآن نماذج كثيرةً سواء كانت مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أو مع الأنبياء السابقين ، ففي قصّة إبراهيم ونمرود ، وموسى وفرعون ، خير عبر ، وقد أثبت الله سبحانه وتعالى حجج وبراهين الكافرين في قرآنه ، وأعطاها من القداسة ما أعطى غيرها من الآيات ، ولم يجوّز لمسلم أن يمسَّها من غير وضوء بناء على الفقه الشيعي ، فأين هؤلاء الذين يشنِّعون ويفترون على الشيعة بكل ما هو باطل من هذا المنهج القرآني الأصيل(٢) ؟

أمَّا قولك : لماذا لم يتوصَّل أحد لما ذكرت ؟

قال تعالى : {وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ}(٣) ، وقال : {أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ}(٤) ، {أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ}(٥) ، {وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ}(٦) ، {فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُوراً}(٧) ، {أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ}(٨) .. هذا

١- سورة النمل ، الآية : ٦٤ .

٢- راجع كتاب الحقيقة الضائعة ، لمعتصم سيد أحمد ، ص٣٠ تحت عنوان : ملاحظات للباحث لابد منها ، وص ٢١٨ مع إحسان إلهي ظهير .

٣- سورة المؤمنون ، الآية : ٧٠ .

٤- سورة الأعراف ، الآية : ١٨٧ .

٥- سورة يوسف ، الآية : ٣٨ .

٦- سورة يوسف ، الآية : ١٠٣ .

٧- سورة الإسراء ، الآية : ٨٩ .

٨- سورة الرعد ، الآية : ١ .

٥١٨

أوَّلا .

ثانياً : هناك من هو مصداق قوله تعالى : {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً}(١) .

ثالثاً : هنالك مجموعة من نخبة السنّة وعلمائها من كسر الأغلال ، وتعدَّى حواجز الكبت الإعلامي ، والتحقوا بركب التشيٌّع في كل أنحاء العالم ، فتمسُّك بعض العلماء بموقفهم ليس دليلا على بطلان مذهب آل البيت(عليهم السلام)وإلاَّ حكمنا ببطلان مذهب أهل السنّة أيضاً لتمسّك علماء الطوائف الأخرى بعقيدتهم .

مسح الأرجل في الوضوء

لو سمحت لي ـ يا خالي ـ بآخر سؤال : لقد رأيتك تمسح على رجليك في الوضوء بدلا عن الغسل ، فما هو السبب ؟ أليس الغسل أنظف وآمن للنجاسة من المسح ؟

خالي وهو مستغرب لهذا الانتقال المفاجئ : نعم الغسل أنظف ، ولكن الله أعرف ، ثم ابتسم .

قلت : ولكن لم يأمر الله بالمسح ؟

خالي : صبراً عليَّ : قال تعالى : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ}(٢) ، فقوله : {وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ}دال على وجوب المسح

١- سورة النمل ، الآية : ١٤ .

٢- سورة المائدة ، الآية : ٦ .

٥١٩

بكلتا القراءتين : بالكسر أو بالفتح ، أمَّا الكسر فواضح ; لأنها معطوفة على الرأس ، وأمَّا النصب فإنه يدل على المسح أيضاً ، وذلك لأنه معطوف على موضع الرؤوس لوقوع المسح عليهما ، ولا يمكن العطف على الأيدي ، وذلك لوجود فاصل أجنبيٍّ وهو المسح ، فلا يجوز العطف على البعيد مع إمكانيَّة العطف على القريب .

وهذا ما أكَّدت عليه روايات أهل بيت العصمة والطهارة(عليهم السلام) ، بل هنالك أحاديث من مصادر أهل السنة تؤيِّد المسح ، وممَّن قال بالمسح ابن عباس والحسن البصري والجبائي والطبري وغيرهم ، قال ابن عباس وأنس : الوضوء غسلتان ومسحتان ، كما جاء في الدر المنثور(١) ، وقال عكرمة : ليس على الرجلين غسل ، إنما فيهما المسح ، وبه قال الشعبي : ألا ترى أن التيمم أن يمسح ما كان غسلا ، ويلغي ما كان مسحاً(٢) ، وروى أوس بن أوس ، قال : رأيت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) توضَّأ ومسح على رجليه(٣) ، ووصف ابن عباس وضوء رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأنّه مسح على رجليه ، وقال : إنّ في كتاب الله المسح ، ويأبى الناس إلاَّ الغسل(٤) .

وجاء أيضاً في كنز العمال عن حمران قال : دعا عثمان بماء فتوضَّأ ، ثم ضحك فقال : ألا تسألوني ممَّ أضحك ؟ قالوا : يا أميرالمؤمنين ! ما أضحكك ؟ قال : رأيتُ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) توضَّأ كما توضَّأت ، فمضمض واستنشق وغسل

١- الدر المنثور : ٢/٢٦٢ .

٢- نفس المصدر : ٢٦٢ .

٣- أسد الغابة ، ابن الأثير : ١/٢١٧ .

٤- مجمع البيان ، الطبرسي : ٣/٢٨٤ ، الدرّ المنثور ، السيوطي : ٢/٢٦٢ ، كنز العمال ، المتقي الهندي : ٩/٤٣٢ ح٢٦٨٣٧ .

٥٢٠