×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

من حقي أن أكون شيعية / الصفحات: ٦١ - ٨٠

الصحابة كانت تحارب مع رسول الله وهم يستلهمون الطاقة والحماس منه وبمعنى آخر كانوا يعملون بالطاقة الحرارية التي كانوا يكسبونها من رسول الله (ص)، واضرب لك مثال على ذلك عندما يستمع الإنسان لخطيب بارع يتحدث عن الجهاد والتضحية فسوف تنتاب المستمعين حالة روحية عالية بحيث لو طلب من كل واحد منهم أن يضحي بنفسه فأنه لا يمانع، ولكن مجرد أن يغادر المكان ويبتعد عن الخطيب، تضعف تلك الطاقة، هذا بخلاف الذي يكون له وعي كامل بالقضية فأنه يولد تلك الطاقة من نفسه، وكثير من الثورات الإصلاحية تحول الداعون لها إلى مفسدين بعد أن فقدوا قائد هم الروحي، وهذا أمر طبيعي ينتاب كل البشر، ولك في الثورة المهدية في السودان خير مثال فبموت محمد أحمد المهدي انشقت صفوف الأنصار ووقع الخلاف بينهم، وهكذا الصحابة بشر فإنهم معرضون لذلك، قال تعالى {وما محمد ألا رسول قد خلت من قبله الرسل أفئن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم}، وقال رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) كما جاء في البخاري وصحيح مسلم: (بينما أنا قائم فإذا زمرة حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم فقال، هلم، فقلت إلى أين؟ فقال: إلى النار والله، قلت ما شأنهم؟ قال: إنهم ارتدوا بعدك على أدبارهم القهقرى، فلا أرى يخلص منهم إلا كهمل النعم) وقال (أني فرطكم على الحوض من مرّ عليّ شرب ومن شرب لم يظمأ أبداً، ليردنّ عليّ أقوام أعرفهم ويعرفونني ثم يحال بيني وبينهم فأقول: أصحابي، فيقال: أنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول: سحقاً سحقاً لمن غيّر بعدي)(١١).

١١ - البخاري ج٤ ص٩٤ و ج٣ ص٣٢ وصحيح مسلم ج٧ ص٦٦.

٦١

بيعة علي لأبي بكر

طأطأت رأسي غارقة في تفكير عميق ومرددة..

عجيب    عجيب    عجيب.!!

خالي: مما تعجبكِ؟

قلت: وفق ما ذكرت من هذه الأدلة القاطعة، وخاصة في مورد الإمامة، فلماذا لم يعترض علي كرم الله وجهه على القوم بل أكد على موقف الشورى حيث قال في النص الذي سجلته لك (وإنما الشورى للمهاجرين والأنصار فأن اجتمعوا على رجل وسموه إماما كان ذلك لله رضى فأن خرج من أمرهم بطعن أو بدعة ردوه إلى ما خرج منهم فأن أبى قاتلوه على أتباعه غير المسلمين).

خالي: كما أثبت لك أن الشورى باطلة، وأن النص والتعيين هو المتحقق، وهذا هو مبحثنا، أما أن علي لماذا سكت فهذا بحث آخر.

قلت (مقاطعة): هذا الكلام لا أقبله منك، أليست الخلافة حق لعلي، فسكوت الإمام علي هو سكوت عن حقه.

خالي: أجمعت الأمة على أن علياً (ع) وسائر بني هاشم لم يشهدوا البيعة، ولا دخلوا السقيفة يومئذٍ، كانوا منشغلين بتجهيز رسول الله (ص)، حتى أكمل أهل السقيفة أمرهم، وعقدوا البيعة لأبي بكر، فأين كان الإمام (ع) عن السقيفة وعن بيعة أبي بكر ليحتج عليهم؟.

وقد أجاب الإمام علي (ع) عن هذا الإشكال عندما سأله الأشعث بن قيس، عندما قال للإمام علي (عليه السلام): ما منعك يا بن أبي طالب حين بويع أخو بني تميم وأخو بني عدي وأخو بني أمية، أن تقاتل وتضرب بسيفك وأنت لم تخطبنا مذ قدمت العراق إلا قلت قبل أن تنزل عن المنبر والله إني لأول

٦٢
الناس ومازلت مظلوماً مذ قبض رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم)، فقال عليه السلام: يا أبن قيس لم يمنعني من ذلك الجبن ولا كراهية لقاء ربي ولكن منعني من ذلك أمر النبي (صلى الله عليه واله وسلم) وعهده إلىّ أخبرني بما الأمة صانعة بعده، فقال رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم): يا علي ستغدر بك الأمة من بعدي.

فقلت يا رسول الله فما تعهد إليّ إذا كان كذلك؟

فقال الرسول: إن وجدت أعواناً فانبذ إليهم وجاهدهم، وإن لم تجد أعواناً فكف يدك وأحقن دمك حتى تجد على إقامة الدين وكتاب الله وسنتي أعواناً)(١٢). وفي رواية الخطيب البغدادي، عن أبي عثمان النهدي عن علي (عليه السلام) قال: أخذ علي يحدثنا إلى أن قال: جذبني رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) وبكى، فقلت: يا رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) ما يبكيك؟ قال: ضغائن في صدور قوم لن يبدوها لك ألا بعدي.

فقلت: بسلامة من ديني.

قال: نعم بسلامة من دينك(١٣).

كما سئل هذا السؤال الإمام الرضا (عليه السلام) وهو الإمام الثامن من أهل البيت، فأجاب: لأنه_ أي أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) _ اقتدى برسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) في تركه جهاد المشركين بمكة بعد النبوة ثلاث عشرة سنة، وبالمدينة تسعة عشر شهر.

وجاء في كتاب معاوية إلى علي (عليه السلام)، واعهدك

١٢ - شرح الذهبي في البلاغة للتستري ج٤ ص٥١٩ وشرح الخطبة الشقشقية في شرح النهج.

١٣ - تاريخ بغداد ج١٣ ص٣٩٨.

٦٣
أمس تحمل قعيدة بيتك ليلاً على حمار ويداك في يد ابنيك الحسن والحسين يوم بويع أبو بكر فلم تدع من أهل بدر والسوابق إلا دعوتهم إلى نفسك ومشيت إليهم بامرأتك وأدليت إليهم بابنيك، فلم يجبك منهم ألا أربعة أو خمسة.

مهما نسيت فلا أنسى قولك لأبي سفيان لمّا حركك وهيجك، لو وجدت أربعين ذوي عزم منهم لناهضت القوم)(١٤).

فأمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) ترك جهاد القوم، لقلة ناصريه فصبر وفي العين قذى وفي الحلق شجى يرى تراثه ينهب، ويعلل ذلك بأنه لم يسكت ألا تأسياً بالأنبياء حيث قال:

إن لي بسبعة من الأنبياء أسوة.

الأول: نوح (عليه السلام) قال الله تعالى مخبراً عنه في سورة القمر فدعا ربه {أني مغلوب فأنتصر} فإن قلت لم يكن مغلوباً فقد كذبت القرآن وإن قلت كان مغلوباً فعلي أعذر.

الثاني: إبراهيم الخليل (عليه السلام) حيث حكى الله تعالى عنه، قوله:{وأعتزلكم وما تدعون من دون الله} فأن قلت أعتزلهم من غير مكروه فقد كفرت وأن قلت رأى المكروه فأعتزلهم فعلي أعذر.

الثالث: نبي الله لوط (عليه السلام) إذ قال لقومه على ما حكاه الله تعالى:{لو أن لي بكم قوة أو أوي إلى ركن شديد} فإن قلت كان له بهم قوة فقد كذبت القرآن وإن قلت إنه ما كان له بهم قوة فعلي أعذر.

الرابع: نبي الله يوسف (عليه السلام) فقد حكى الله تعالى عنه:{رب السجن أحب إليّ مما يدعونني أليه} فإن قلت إنه دعي

١٤ - رواه نصر بن مزاحم في تاريخ صفين، وشرح النهج ج٣ص٣٢٧.

٦٤
إلى غير مكروه يسخط الله تعالى فقد كفرت وإن قلت إنه دعي إلى ما يسخط الله فأختار السجن فعلي أعذر.

الخامس: كليم الله موسى بن عمران (عليه السلام) إذ يقول على ما ذكره الله تعالى عنه:{ففررت منكم لما خفتكم فوهب لي رب حكما وجعلني من المرسلين}فإن قلت أنه فر منهم من غير خوف فقد كذبت القرآن وإن قلت فرّ منهم خوفاً فعلي أعذر.

السادس: نبي الله هارون بن عمران (عليه السلام) إذ يقول على ما حكاه الله تعالى عنه:{يا أبن أم إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني}فإن قلت إنهم ماستضعفوه فقد كذبت القرآن وإن قلت إنهم استضعفوه وأشرفوا على قتله فعلي أعذر.

السابع: محمد رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) حيث هرب إلى الغار فإن قلت: إنه (صلى الله عليه واله وسلم) هرب من غير خوف فقد كفرت وإن قلت أخافوه وطلبوا دمه وحاولوا قتله فلم يسعه غير الهرب فعلي أعذر.

إمامة علي على نحو الاختيار وليس الجبر

أن الأحكام الشرعية يا عزيزتي، معلقة على حرية المكلف واختياره، فأن الله لا يجبر عباده على طاعته، فكون علي (ع) أمام من قبل الله تعالى لا يعني أن تجبر الخلائق على أتباعه، {من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر} وهذا ما جرى على الأنبياء جميعهم، قال تعالى {أفكلما جاء كم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ففريقاً كذبتم وفريقاً تقتلون}فالبيعة لعلي لا يفرضها الله على عباده كما لم يرفض بيعة الرسول، قال تعالى {يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك}و المجيء دالٌ على أن الأمر بالبيعة معلق على مجيء المؤمنات طائعات.

٦٥
لذلك قال رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) في حق علي (عليه السلام) كما أخرجه الطبري في الرياض النضرة: (يا علي إني أعلم ضغائن في صدور قوم سوف يخرجونها لك من بعدي، أنت كالبيت تؤتى ولا تأتي أن جاءوك وبايعوك فاقبل منهم وألا فأصبر حتى تلقاني مظلوماً) فإذا كان هنالك قصور فهو من الذين لم يبايعونه.

هذا من جهة، ومن جهة أخرى، فإن في الأمر تزاحم مصالح، فولاية علي (عليه السلام) مصلحة والحفاظ علي بيضة الإسلام مصلحة أخرى(١٥) فقدم علي مصلحة الحفاظ على بيضة الإسلام على مصلحة إمامته، كما فعل نبي الله هارون عندما عبد قومه العجل فلم يمنعهم حفاظاً على وحدة بني إسرائيل قال تعالى {إني خشيت أن تقول فرقت بين بني إسرائيل}.

قلت: إذاً بماذا تفسر كلمة الإمام كرم الله وجهه التي جاءت في نهج البلاغة: (وإنما الشورى للمهاجرين والأنصار فأن اجتمعوا على رجل وسموه إماماً كان ذلك لله رضى …).

خالي: باختصار شديد أجيبك قائلاً: إن أبن أبي الحديد المعتزلي هو أول من أحتج بهذه الكلمة على أن صيغة الحكومة بعد وفاة النبي (ص) مستندة إلى الاختيار ونظام الشورى وتبعه من تبعه، ولكنه غفل_ أو بالأصح تغافل _ عن صدر الكلمة التي تعرب عن أن الاستدلال بالشورى من باب الجدل، خضوعاً لقوله تعالى:{وجادلهم بالتي هي أحسن} فأن الإمام علي (عليه السلام) بدأ كلمته بقوله: (أما بعد، فإن بيعتي

١٥ - أن الدولة الإسلامية كانت مهددة من المنافقين من جهة ودولة فارس والروم من جهة أخرى، وهذا بالإضافة لما أخبر به القرآن الكريم من حوادث تقع بعد وفاة الرسول (صلى الله عليه واله وسلم) كأية الانقلاب.

٦٦
بالمدينة لزمتك وأنت بالشام _مخاطباً معاوية بن أبي سفيان_ لأنه بايعني القوم الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان على ما بايعوهم عليه فلم يكن للشاهد أن يختار ولا للغائب أن يرد …إلى قوله: وإن طلحة والزبير بايعاني ثم نقضا بيعتي، وكان نقضهما كردهما، فجاهدتُهما على ذلك حتى جاء الحق، ظهر أمر الله وهم كارهون.. فادخل فيما دخل فيه المسلمون) فقد أبتدأ أمير المؤمنين (عليه السلام) بخلافة الشيخين وذلك يعرب على أنه في مقام إسكات معاوية_ الذي خرج على إمام زمانه_ وقد تم عليه السلام كلمته بقوله: (فإن اجتمعوا على رجل..) احتجاجاً بمعتقد معاوية، بمعنى ألزموهم ما ألزموا به أنفسهم.

وهذه هي الخطبة الشقشقية في نهج البلاغة عن أمير المؤمنين (عليه السلام) (أما ولله لقد تقمصها(١٦) بن أبي قحافة وإنه ليعلم أن محلي منها محل القطب من الرحى ينحدر عني السيل ولا يرقى إليّ الطير(١٧). فسدلت(١٨) دونها ثوباً وطويت عنها كشحاً(١٩) وطفقِت أرتئي بين أن أصول بيد جزاء(٢٠) أو أصبر على طخية عمياء(٢١) يهرم فيها الكبير ويشيب فيها الصغير ويكدح فيها مؤمن حتى يلقى ربه. فرأيت أن الصبر على هاتا

١٦ - الضمير عائد على الخلافة، فهنا شبه الإمام علي (عليهم السلام) خلافة أبي بكر كالذي لبس قميص ليس قميصه.

١٧ - تمثيل لسمو قدره (عليهم السلام) وقربه من مهبط الوحي وأن ما يصل إلى غيره من فيض الفضل فإنما يتدفق من حوضه ثم ينحدر عن مقامه العالي فيصيب منه من شاء الله.

١٨ - كناية عن غض نظره عن الخلافة،وسدل الثوب:أرخاه.

١٩ - مال عن الخلافة.وهو مثل لمن جاع، فمن جاع طوى كشحه ومن شبع فقد ملأه فهو عليه السلام قد جاع عن الخلافة أي لم يلتقمها.

٢٠ - الجذّاء: المقطوعة، ومراده (عليهم السلام) هنا قلة الناصر والمعين.

٢١ - الطخية: الظلمة، ونسبة العمى إليها مجاز عقلي،وهو تأكيد لظلام الحال واسودادها.

٦٧
كتاب من حقي أن أكون شيعيّة للسيدة أم محمد علي المعتصم (ص ٦٨ - ص ٨٨)
٦٨

إحتجاج السيدة فاطمة الزهراء (ع)

تجمد فكري، وعقدت الحيرة لساني، فوضعت كلتا يدي على رأسي ثم قلت كل هذا ونحن لا ندري، أمرٌ لا يصدق.

فلم يدعني خالي أرتاح قليلاً... حتى أنعش أعصابي فبادرني قائلاً: هذا فيما يتعلق باحتجاج أمير المؤمنين على بن أبي طالب (عليه السلام)، ودعيني أقرأ عليك مما جاء عن أحتجاج الزهراء (عليها السلام).

خالي: بغض النظر عن ما جاء في المصادر الشيعية من استنكار أهل بيت العصمة والطهارة (عليهم السلام)، فقد ذكر أبو الفضل أحمد بن طيفور وجاء في شرح بن أبي الحديد في المجلد الرابع وفي أعلام النساء لعمر رضا كحالة(٢٩)، قالت (عليها السلام) في خطبتها -التي كان أهل البيت (عليهم السلام) يلزمون أولادهم بحفظها كما يلزمونهم بحفظ القرآن-:

(ويحهم أنى زحزحوها(٣٠) عن رواسي الرسالة؟!

وقواعد النبوة ومهبط الروح الأمين، الطبن(٣١) بأمور الدنيا والدين، ألا ذلك الخسران المبين.

وما الذي نقموا من أبي الحسن؟

نقموا والله منه نكير سيفه وشدة وطأته ونكال وقعته وتنمره في ذات الله، وتالله لو تكافأوا(٣٢) على زمام نبذه إليه رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم)، لأعتقله وسار بهم سيراً سجحاً

٢٩ - ج٣ ص ١٢٠٨، وقد أخرج خطبة الزهراء أبو بكر أحمد بن عبد العزيز الجوهري في كتاب السقيفة وفدك.

٣٠ - أي الخلافة.

٣١ - أي الخبير.

٣٢ - التكافؤ: التساوي، والزمام الذي نبذه إليه رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) -أي ألقاه إليه - إنما هو زمام الأمة في أمور دينها ودنياها، والمعنى أنهم لو تساووا جميعاً في الإنقياد بذلك الزمام والإستسلام إلى ذلك القائد العام، لأعتقله أي وضعه بين ركابه، وساقه كما يعتقل الرمح.

٦٩
لا يكلم خشاشة(٣٣) ولا يتعتع راكبه ولأوردهم منهلاً روياً فضفاضاً(٣٤) تطفح ضفتاه ولا يترنم جانباه ولأصدرهم بطانة(٣٥) ونصح لهم سراً وأعلاناً غير متحل منهم بطائل إلا بغمر الناهل(٣٦) وردعة سورة الساغب(٣٧)، ولفتحت عليهم بركات من السماء والأرض وسيأخزهم الله بما كانوا يكسبون، ألا هلم فأستمع وما عشت أراك الدهر عجباً، وإن تعجب، فقد أعجبك الحادث، إلى لجأ لجأوا؟! وبأي عروة تمسكوا، لبئس المولى ولبئس العشير، بئس للظالمين بدلا، أستبدلوا والله الذنابا بالقوادم، والعجز بالكاهل فرغماً لمعاطس قوم يحسبون أنهم يحسنون صنعا ألا هم المفسدون ولكن لا يشعرون، ويحهم أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أم من لا يهدي إلا أن يهدي فمالكم كيف تحكمون …إلى آخر الخطبة).

بينما هو يقرأ أحسست برعشة تسري إلى جميع أجزاء بدني وجرت دمعة على خدي.. وكيف لا أبكي وقد أحسست بأنفاس الزهراء الطاهرة تتسرب مع أنفاسي إلى أعماق نفسي، فكانت تلك الكلمات حروفاً من نور تشع في وجداني، ورب السماء والأرض لوا أنكر أهل الدنيا جميعاً هذه الكلمات لعشت بها وحيدة في فيافي الأرض وقفارها، أترنم بأجراس كلماتها وترقص نفسي طرباً بأزيز أنغامها، وهنا يكون العشق والحب، وتهيم الروح سكراً بلب معناها.

٣٣ - سار بهم سيراً سجحاً أي سيراً سهلاً.ولايكلم خشاشة أي لا يجرح أنف البعير، والخشاش: عود يجعل في أنف البعير يشد به الزمام ولايتعتع ركابه، أي لايصيبه اذى.

٣٤ - أي يفيض منه الماء.

٣٥ - أي شبعانين.

٣٦ - أي ري الظمآن.

٣٧ - أي كسر شدة الجوع.

٧٠
كففت دمعي وتوسلت بخالي أن لا يقطع الحوار بسبب اضطرابي... دعاني إلى النوم لكي تهدأ أعصابي، قلت كم هي الليالي التي لم نستفد منها إلا النوم فإن كانت ليلة القدر خير من ألف شهر فهذه الليلة خير من ألف يوم، فتلك الليلة تكتب فيها الأقدار وهذه الليلة تبعث فيها الأرواح.

وبعد إلحاح قال خالي: أختم لكِ هذه الليلة بحوار عمر مع جدنا العباس الذي نتشرف بالانتساب إليه.

كما جاء في الكامل لأبن الأثير(٣٨)، وشرح النهج لأبن أبي الحديد(٣٩) وتاريخ الطبري(٤٠).

قال عمر: أتدري ما منع قومكم بعد محمد (صلى الله عليه وسلم)؟

قال بن عباس: فكرهت أن أجيبه فقلت له: إن لم أكن أدري فإن أمير المؤمنين يدري.

فقال عمر: كرهوا أن يجمعوا لكم النبوة والخلافة فتجحفوا على قومكم بجحاً بجحاً(٤١) فاختارت قريش لأنفسها فأصابت ووفقت.

عندها قال ابن عباس: يا أمير المؤمنين، إن تأذن لي في الكلام وتمط عني الغضب، تكلمت.

قال: تكلم.

فقال بن عباس: أما قولك يا أمير المؤمنين، اختارت قريش لأنفسها فأصابت ووفقت، فلوا أن قريش اختارت لأنفسها من حين اختار الله لها، لكان الصواب بيدها غير مردود ولا

٣٨ - ج٣ ص٦٣.

٣٩ - ج٣ ص١٠٧.

٤٠ - ج٤ ص٢٢٣.

٤١ - التبجح بالشي، أي الفرح به.

٧١
محسود، وأما قولك إنهم أبوا أن تكون لنا النبوة والخلافة فأن الله غز وجل، وصف قوماً بالكراهة، فقال:{ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم}

قال عمر: هيهات يا بن عباس قد كانت تبلغني عنك أشياء أكره أن أقرك عليها فتزيل منزلتك مني.

فقال بن عباس: ما هي يا أمير المؤمنين؟ فإن كانت حقاً فما ينبغي أن تزيل منزلتي منك، وإن كانت باطلاً فمثلي أماط الباطل عن نفسه.

قال عمر: بلغني أنك تقول إنما صرفوها عنا حسداً وبغياً وظلماً.

فقال بن عباس: أما قولك يا أمير المؤمنين ظلماً فقد تبين للجاهل والحليم، وأما قولك حسداً فإن آدم حُسِدَ ونحن ولده المحسودون.

فقال عمر: هيهات، هيهات، أبت والله قلوبكم يا بني هاشم إلا حسداً لا يزول.

فقال بن عباس: مهلاً يا أمير المؤمنين لا تصف بهذا قلوب قوم أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا).

خالي: والدليل على أن أهل البيت عليهم السلام محسودون على المكانة التي خصهم بها الله قوله تعالى (أم يحسدون الناس على ما أتاهم الله من فضله ولقد أتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكاً عظيما) والتدبر في هذه الآية يكشف لنا أن الحسد وقع على هؤلاء الناس بسبب عطا ربك لهم ا (لكتاب والحكمة والملك العظيم) لأن المعلوم والمحكم في هذه الآية أن الله أعطا آل إبراهيم الكتاب والحكمة والملك العظيم، والمتشابه علينا في هذه الآية هو من المقصود بالناس في هذه الآية وما هو الفضل الذي أُعطيّ لهم، ولاستجلاء المعنى المقصود لا بد من أجراء المقابلة (فالناس يقابلهم آل إبراهيم)

٧٢
(والفضل، يقابله الكتاب والحكمة والملك العظيم) فهل يا ترى من هؤلاء الناس في أمة محمد يقابلون آل إبراهيم، هل تجدي غير آل محمد كفء ونظير لآل إبراهيم، فيتضح بذلك إن الناس المقصودون في هذه الآية هم آل محمد (ص) أما الفضل الذي أُعضيّ لهم فهو الكتاب والحكمة والملك العظيم، فيكون معنى الآية (أم يحسدون آل محمد على ما أتاهم الله من الكتاب والحكمة والملك العظيم، ولقد أتينا آل أبراهيم مثل ما أعطيناهم من الكتاب والحكمة والملك العظيم) فهل عرفتِ بذلك السبب الذي جعلهم يزيلوا آل محمد عن مراتبهم التي رتبهم الله بها.

يا عزيزتي: قد تبين للجاهل قبل العالم، وإياكِ أن تحيدي عن قوم أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا.

قلت: كل ما ذكرته مقنعاً، ومستنداً على الأدلة والبراهين الساطعة، وهذا خلاف ما كنا نعرفه عن الشيعة الذين كانوا في تصورنا أبعد الناس عن الحق، وكل ما يمكن أن أجزم به الآن حتى لا كون متعجلة بالحكم بأحقية مذهبكم أن الشيعة طائفة إسلامية يجب أن تحترم وأن كانوا يختلفون مع عامة المسلمين من أهل السنة في بعض الأمور التي يمكن تجاوزها في سبيل الوحدة الإسلامية، وللأنصاف يا خالي لقد سررت جداً بهذا الحوار وقد تعلمت منه درساً لن أنساه أبداً، وهو عدم الحكم على الآخرين بالأفكار المسبقة، والرجوع إليهم لا إلى من يخالفهم، وأنا أعتقد أن من أعظم المصائب التي تعيشها امتنا هي فقدانها لأرضية الحوار.

ولكن عفواً يا خالي مازال هناك سؤالاً يراودني، هل غاب هذا عن العلماء؟ ولماذا لم يتوصل أحد منهم لما ذكرت؟

خالي: لقد أثلجتِ صدري بهذا الكلام الذي ينم عن وعي

٧٣
وشعور كاملين بالمسؤولية، التي أمرنا القرآن الكريم أن نتحلى بها من معرفة المنهج القرآني في المباحثة والمناظرة العلمية الذي يعترف بالطرفين، قال تعالى معلماً رسوله (ص) مخاطبة الكفار والمشركين:{وإنّا أو إياكم لعلى هدى أوفي ضلال مبين}، فانظري إلى هذا التعامل الأخلاقي النبيل، فلم يقل لهم أني على حق و أنتم على ضلال، بل قال إما نحن أو أنتم على حق أو على باطل.. فهذا هو منهج القرآن عندما طرح للجميع حرية المناقشة قائلاً:{قل هاتوا برهانكم أن كنتم صادقين} فكان رسول الله (ص) يسمع براهينهم ويردها بالتي هي أحسن، وقد سجل القرآن نماذجاً كثيرةً سواء كانت مع رسول الله (ص) أو مع الأنبياء السابقين، ففي قصة إبراهيم ونمرود، وموسى وفرعون، خير عبر، وقد أثبت الله سبحانه وتعالى حجج وبراهين الكافرين في قرآنه، وأعطاها من القداسة ما أعطى غيرها من الآيات ولم يجوّز لمسلم أن يمسها من غير وضوء بناء على الفقه الشيعي، فأين هؤلاء الذين يشنعون ويفترون على الشيعة بكل ما هو باطل من هذا المنهج القرآني الأصيل(٤٢).

أما قولكِ لماذا لم يتوصل أحد لما ذكرت؟

قال تعالى {أكثرهم للحق كارهون} وقال {أكثر الناس لا يعلمون} {أكثر الناس لا يشكرون} {وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين} {فأبى أكثر الناس ألا كفورا} {أكثر الناس لا يؤمنون}.. هذا أولاً.

ثانياً: هناك من هو مصداق قوله تعالى {وجحدوا بها وإستيقنتها

٤٢ - راجع كتاب الحقيقة الضائعة، لمعتصم سيد أحمد، ص٣٠ تحت عنوان ملاحظات للباحث لا بد منها، وص٢١٨ مع أحسان إلهي ظهير.

٧٤
أنفسهم ظلماً وعلوا}

ثالثاً: هنالك مجموعة من نخبة السنة وعلمائها من كسر الأغلال وتعدى حواجز الكبت الإعلامي، والتحقوا بركب التشيع في كل أنحاء العالم، فتمسك بعض العلماء بموقفهم ليس دليلاً على بطلان مذهب آل البيت و إلا حكمنا ببطلان مذهب أهل السنة أيضاً لتمسك علماء الطوائف الأخرى بعقيدتهم.

مسح الأرجل في الوضوء

لو سمحت لي يا خالي بأخر سؤال، لقد رأيتك تمسح على رجليك في الوضوء بدلاً عن الغسل فما هو السبب، أليس الغسل أنظف وآمن للنجاسة من المسح؟

خالي: (وهو مستغرباً لهذا الانتقال المفاجئ) نعم الغسل أنظف ولكن الله أعرف، ثم أبتسم.

قلت: ولكن لم يأمر الله بالمسح؟

خالي: صبراً علي، قال تعالى {يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين} فقوله {وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم} دالة على وجوب المسح، بكلى القراءتين بالكسر أو بالفتح، أما الكسر فواضح لأنها معطوفة على الرأس، وأما النصب فأنه يدل على المسح أيضاً وذلك لأنه معطوف على موضع الرؤوس لوقوع المسح عليهما، ولا يمكن العطف على الأيدي وذلك لوجود فاصل أجنبي وهو المسح، فلا يجوز العطف على البعيد مع إمكانية العطف على القريب. وهذا ما أكدت عليه روايات أهل بيت العصمة والطهارة، بل هنالك أحاديث من مصادر أهل السنة تؤيد المسح، وممن قال بالمسح، بن عباس والحسن البصري والجبائي والطبري وغيرهم.

٧٥
قال بن عباس وأنس: الوضوء غسلتان ومسحتان، كما جاء في الدر المنثور(٤٣)، قال عكرمة: ليس على الرجلين غسل إنما فيهما المسح، وبه قال الشعبي: (ألا يرى أن في التيمم يمسح ما كان غسلاً ويلقي ما كان مسحاً)(٤٤) وروى أوس بن أوس قال: رأيت النبي (صلى الله عليه وسلم) توضأ ومسح على رجليه، ووصف بن عباس وضوء رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وانه مسح على رجليه وقال: إن كتاب الله المسح ويأبى الناس ألا الغسل)(٤٥)، وجاء أيضاً في كنـز العمال عن حمران قال: دعا عثمان بماء فتوضأ ثم ضحك فقال: ألا تسألوني مم أضحك؟

قال: يا أمير المؤمنين ما أضحكك؟

قال: رأيتُ رسول الله (صلى الله عليه وسلم) توضأ كما توضأت، فمضمض وأستنشق وغسل وجهه ثلاثاً و يديه ثلاثاً ومسح برأسه وظهر قدميه)(٤٦). وفي سنن بن ماجة فقال: إنهما لا تتم الصلاة لأحد حتى تسبغ الوضوء كما أمره الله تعالى، يغسل وجهه ويديه إلى المرفقين ويمسح برأسه ورجليه إلى الكعبين)(٤٧).

إلا يكفي هذه دلالة على وجوب المسح.

قلت: عجيب ولماذا يغسل أهل السنة إذاً؟

٤٣ - ج٦ص٢٨ الطبعة الثانية ١٩١٨.

٤٤ - نفس المصدر ص٢٩.

٤٥ - الدر المنثور السيوطي ج٦ ص٢٨، وكنز العمال ج٩ ص ٤٣٤.

٤٦ - ص ٤٣٦.

٤٧ - ج١ حديث رقم ٤٦٠.

٧٦
.

خالي: أنتِ سألتيني لماذا يمسح الشيعة فأجبتك، وبقى عليكِ أن تجيبي على سؤالك لماذا يغسل أهل السنة؟

ثم أعتذر وأنصرف لنومه.

أكذوبة المذاهب الأربعة:

وبعد ذلك الحوار وجلسات أخرى متفرقة مع خالي، اهتزت كل قناعاتي بالموروث الديني السني، وتكشفت أمام ناظري مجموعة من الحقائق، بعدما وقفت على عمق الخلافات المذهبية، وعندما أتى خالي لزيارتنا في بيتنا عاجلته بالسؤال ما هو رأيكم في المذاهب الأربعة؟

فبتسم خالي قائلاً أما زلتِ في حيرة من أمرك، فإن الله ورسوله لم يكلفاك بأتباع أحد منهم وأنا أتحدى كل علماء السنة الماضين منهم والباقين أن يستدلوا بدليل واحد على وجوب تقليدهم، فدعي عنكِ تلك الوساوس وتوجهي إلى أئمة الهدى من آل البيت عليهم السلام فهم موضع الحكمة والرسالة جعلهم الله لنا عصمة وملاذا، ألم يقل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (أني تارك فيكم ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبدا كتاب والله وعترتي أهل بيتي) ولم يقل كتاب الله وأئمة المذاهب الأربعة.

فقاطعته قائلة: ولكن قال (كتاب الله وسنتي) مما يفتح الباب واسعاً أمام اجتهاد الأمة؟

خالي: أولاً: أن حديث كتاب الله وسنتي غير صحيح فلم يرويه البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجة والترمذي وكل الصحاح الستة، فكيف نرتكز على حديث غير ثابت عن رسول الله (ص) فهذا الحديث لم يرويه إلا مالك في الموطأمن غير سند فقد جاء في الموطأ (أن مالك بلغه إن رسول الله قال: تركت فيكم كتاب الله وسنتي) فكيف يا ترى بلغ مالك هذا

٧٧
الحديث عن رسول الله (ص)؟! ومن المعلوم أن الفاصل بين رسول الله (ص) ومالك يحتاج فيه الحديث إلى سند طويل، يعنى حدثني فلان عن فلان عن فلان عن الصحابي عن رسول الله، وهذا الحديث من غير سند مما يعني أنه حديث في غاية الضعف، أما حديث (تركت فيكم كتاب الله وعترتي) فقد رواه مسلم في صحيحه بعدة طرق وروته كل الصحاح الستة ما عدى البخاري وعدد الرواة الذين نقلوا الحديث من الصحابة يتجاوز الثلاثين راوياً مما يعنى أنه حديث متواتر مقطوع الصدور عند السنة والشيعة، فكيف نتنازل عنه من أجل حديث لا سند له، ومن هنا كان من الواجب على كل مسلم أن يتبع أهل البيت (ع) في كل أمور دينه.

قلت: هناك حديث آخر يقول عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ، فنستفيد من هذا الحديث أولاً التمسك بسنة الرسول وسنة الخلفاء ثانياً.

خالي: هذه إسقاطات لا يقبلها النص، أولاً بعيداً عن مناقشة سند الحديث الذي أستفرد بنقله بن داود وبن ماجة والترمذي وتجاوزنا عن تضعيف بعض الرواة في أسانيده، فإن هذا الحديث لا يتحمل أكثر من دعم رأي الشيعة، وذلك أن كلمة الخلفاء هنا لا تعنى الخلفاء الأربعة أو الذين حكموا في التاريخ لأن هذا إسقاط تأويلي متأخر عن النص فتسمية الخلفاء الراشدين للأربعة الذين حكموا ليست هي تسمية شرعية وإنما تسمية المؤرخين الذين حكموا على فترة حكم الخلفاء بالرشد، فبالتالي لا يكون الخلفاء مصداق لهذا الحديث لمجرد اشتراك التسمية، فيكون التفسير الأقرب إن الخلفاء المقصودين هم أئمة أهل البيت الأثنا عشر وذلك لقول الرسول (ص) في البخاري في باب الخلافة ومسلم وغيرها من الصحاح عشرين رواية

٧٨
كما جمعها القندوزي الحنفي في ينابيع المودة أن رسول الله قال: (أن الخلفاء من بعدي أثناء عشر خليفة) فجاء في رواية كلهم من قريش، وفي رواية كلهم من بني هاشم، وهذا الترديد في نقل الراوي لا يؤثر في الاستدلال بهذا الحديث على إمامة أهل البيت عليهم السلام، وذلك بأن الفرقة الإسلامية الوحيدة التي توالي أثنا عشر أماماً هم الشيعة الأمامية الإثنا عشرية، كلهم من أهل البيت، فإذا ثبت وهو كذلك حديث رسول الله (ص) عليكم بكتاب الله وعترتي وإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض، ثم جاء حديث آخر يقول الخلفاء من بعدي إثنا عشر خليفة تعين أن يكون هؤلاء من أهل البيت، لأنه يستحيل عقلاً أن يأمرنا الرسول (ص) بأتباع أهل البيت، وفي نفس الوقت يأمرنا بإتباع خلفاء من غير أهل البيت، مما يحدث تناقضاً وتضارباً، فتعين أن يكون الخلفاء المقصودون في الحديث هم الأئمة من آل البيت (ع) وللأسف لم يكن الخلفاء الذين حكموا في التاريخ ولا أئمة المذاهب الأربعة من آل البيت، وهذا كافي في أبعادهم عن ساحة الحوار.

قلت: ولكن من أين جاءت فكرة المذاهب الأربعة؟

خالي: فكرة المذاهب الأربعة خدعة نسجت خيوطها سياسات الكبت الأموية والعباسية إلا لم يكن الفقهاء الأربعة هم أعلم أهل زمانهم فهناك من كان أكثر علماً منهم وكان لهم مذاهبهم الخاصة كسفيان الثوري وبن عيينة والاوزاع وغيرهم أنقرضت مذاهبهم عندما لم تجد دعماً سياسياً من السلطة، مما يعنى أن للسلطة مآرب معينة لتمرير أسماء الأربعة ومن ثم سد الطريق عن غيرهم، والأمر واضح وهو خلق قيادات فقهية بديلة عن أهل البيت لكي يلتف حولها عامة المسلمين، أوليس من العجيب فعلاً إن كل ما جاء في أهل البيت من آيات قرآنية

٧٩
وأحاديث نبوية كاشفة عن مكانة عظيمة ومرتبة رفيعة إذا لم نقل بالعصمة، ألا تؤهلهم في نظر أهل السنة ليتسلم أهل البيت زمام الفتيا أو على أقل تقدير يختارون واحداً من أهل البيت ليكون من بين الأئمة الأربعة، حتى يأتي شيخ الأزهر شلتوت ليتصدق على أهل البيت في القرن العشرين بأن يجعل الإمام الصادق إماماً خامساً مع الأئمة الأربعة، مع أن أهل البيت (ع) لا يقبلون الصدقة.

لقد تعجبت فعلاً عند ما رددت أسماءهم في نفسي (مالك، أبو حنيفة، الشافعي، أحمد بن حنبل) فمعظمهم مشكوك في عروبته ناهيك عن كونه من آل البيت، ثم نتباهى بحب ذرية الرسول (ص)، أي حب هذا الذي لم يورثنا الثقة في علمهم وجدارتهم، ومن الغريب أيضاً إننا لم نقبل حق أهل البيت في الخلافة، متمسكين بأن الحق لا يثبت بمجرد القرابة، فإن كان الحق لا يثب بالقرابة فالحب لا يكون أيضاً لمجرد القرابة، إلا إذا كان حبنا مجرد أدعاء أجوف، إما إذا اعترفنا بأن هنالك مكانة خاصة ومرتبة رفيعة تؤهلهم للحب غير قرابتهم من رسول الله (ص) فهو نفسه يؤهلهم إلى مرتبة الإمامة، هذا مع أن الواقع التاريخي يثبت إن أئمة المذاهب الأربعة بدءاً من مالك وانتهاءاً بابن حنبل يدينون بالفضل والأعلمية لأهل البيت عليهم السلام فإن كان للأربعة علم فهو من نفحات أهل البيت عليهم السلام مما يكشف لنا مأساة التاريخ الأعمى الذي لا ينظر إلا بعيون السلطة، فإن كان بنظر أهل السنة لا يوجد في أهل البيت فقهاء، ألا يوجد فيهم علماء في العقائد والحديث ومعارف القرآن فمن أئمة العقائد والتفسير والحديث عندنا؟... لا يوجد من بينهم واحد من أهل البيت (ع) فهل يحق لأهل السنة بعد ذلك أن يدعوا أنهم محبون لأهل البيت.

٨٠