×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

من حياة معاوية بن أبي سفيان / الصفحات: ٣٢١ - ٣٤٠

أللهم اجعله هاديا مهديا واهد به. فقال: حسن غريب. ونحن أوقفناك على بطلانه في الجزء العاشر ص ٣٧٣. وذكر حديث: أللهم اهد به وزيفه هو بنفسه لمكان عمرو بن واقد، وعمرو أحد الكذابين ذكرناه في الجزء الخامس ص ٢٤٩ ط ٢ فالصحاح والسنن خالية عما لفقتها رواة السوء في فضل الرجل.

ودخل الحافظ النسائي صاحب السنن إلى دمشق فسأله أهلها أن يحدثهم بشئ من فضائل معاوية فقال: أما يكفي معاوية أن يذهب رأسا برأس حتى يروى له فضائل؟

فقاموا إليه فجعلوا يطعنون في خصيتيه حتى أخرج من المسجد الجامع فقال: أخرجوني إلى مكة فأخرجوه وهو عليل فتوفي بمكة مقتولا شهيدا (١).

وقال ابن تيمية في منهاجه ٢: ٢٠٧: طائفة وضعوا لمعاوية فضائل ورووا أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك كلها كذب.

وقال الفيروز آبادي في خاتمة كتابه (سفر السعادة) والعجلوني في كشف الخفاء ص ٤٢٠: باب فضائل معاوية ليس فيه حديث صحيح.

وقال العيني في عمدة القاري: فإن قلت: قد ورد في فضله يعني معاوية أحاديث كثيرة. قلت: نعم، ولكن ليس فيها حديث صحيح يصح من طرق الاسناد، نص عليه إسحاق بن راهويه والنسائي وغيرهما، فلذلك قال يعني البخاري: (باب ذكر معاوية) ولم يقل: فضيلة ولا منقبة.

وقال الشوكاني في (الفوائد المجموعة): اتفق الحفاظ على إنه لم يصح في فضل معاوية حديث.

نعم: إن الغلو في حب الرجل خلق له فضائل مفتراة تبعد جدا عن ساحة النبي الأقدس صلى الله عليه وآله أن يبوح بشئ منها، وإنما يد الافتعال نسجت له على نول ما نسجته لبقية الخلفاء مناقب تندى منها جبهة الانسانية، وألف محمد بن عبد الواحد أبو عمر غلام ثعلب جزءا في فضائل هذا الانسان المحشو رداؤه بالرذائل. قال ابن حجر في لسان الميزان ١: ٣٧٤: إسحاق بن محمد السوسي ذاك الجاهل الذي أتى بالموضوعات السمجة في فضائل معاوية رواها عبيد الله السقطي عنه فهو المتهم بها أو شيخه.

(١) تاريخ ابن كثير ١١:، ١٢٤، سيوافيك تفصيل قصة النسائي.
٣٢١
كتاب من حياة معاوية بن أبي سفيان للعلامة الأميني (ص ٣٢٢ - ص ٣٣٤)
٣٢٢

راجع الجزء الخامس ص ٢٥٩ ط ١، ٣٠٤ ط ٢.

٣ - عن جابر: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم استشار جبريل في استكتاب معاوية فقال:

استكتبه فإنه أمين.

راجع الجزء الخامس ص ٢٦٠ ط ١، ٣٠٥ ط ٢.

٤ - عن عبادة بن الصامت: أوحى الله إلى النبي صلى الله عليه وسلم: استكتب معاوية فإنه أمين مأمون.

راجع الجزء الخامس ص ٢٦١ ط ١، ٣٠٥ ط ٢.

٥ عن أنس مرفوعا: الأمناء سبعة: اللوح والقلم وإسرافيل وميكائيل وجبريل ومحمد ومعاوية.

راجع الجزء الخامس ص ٢٦٢ ط ١، ٣٠٨ ط ٢.

٦ - عن أبي هريرة مرفوعا: الأمناء عند الله ثلاثة: أنا وجبريل ومعاوية.

راجع الجزء الخامس ص ٢٦١ ط ١، ٣٠٦ ط ٢.

٧ - أخبر رجل عن رجل قال: اجتمع عشرة من بني هاشم فغدوا على النبي صلى الله عليه وسلم فلما قضى الصلاة قالوا: يا رسول الله! غدونا ليك لنذكر لك بعض أمورنا، إن الله قد تفضل بهذه الرسالة فشرفك، بها وشرفنا لشرفك وهذا معاوية بن أبي سفيان يكتب الوحي فقد رأينا أن غيره من أهل بيتك أولى به لك منه قال: نعم. انظروا في رجل غيره قال: وكان الوحي ينزل في كل أربعة أيام من عند الله إلى محمد فأقام جبريل أربعين يوما لا ينزل، فلما كان يوم أربعين هبط جبريل بصحيفة فيها مكتوب: يا محمد! ليس لك أن تغير من اختاره الله لكتابة وحيه فأقره فإنه أمين، فأقره.

راجع الجزء الخامس ص ٢٦٢ ط ١، ٣٠٧ ط ٢.

٨ - عن واثلة مرفوعا: إن الله ائتمن على وحيه جبريل وأنا ومعاوية، وكاد أن يبعث معاوية نبيا من كثرة علمه وائتمانه على كلام ربي، يغفر الله معاوية ذنوبه، ووقاه حسابه، وعلمه كتابه، وجعله هاديا مهديا وهدى به.

راجع الجزء الخامس ص ٢٦٢ ط، ١ ٣٠٨ ط ٢.

٩ - عن سعد: إن النبي صلى الله عليه وآله قال لمعاوية: إنه يحشر وعليه حلة من نور

٣٢٣
ظاهرها من الرحمة، وباطنها من الرضا، يفتخر بها في الجمع. لكتابة الوحي.

راجع الجزء الخامس ص ٢٧٦ ط ١، ٣٢٤ ط ٢.

١٠ - عن عبد الله بن عمر: إن جعفر بن أبي طالب أهدى إلى النبي صلى الله عليه وآله سفرجلا فأعطى معاوية ثلاث سفرجلات وقال: تلقاني بهن في الجنة.

راجع الجزء الخامس ص ٢٨١ ط ١، ٣٢٩ ط ٢.

قال ابن حبان: موضوع. وقال الخطيب: حديث غير ثابت. وقال ابن عساكر:

لا أصل له. راجع اللئالي المصنوعة ١: ٤٢٢، ٤٢٣.

١١ - عن عبد الله بن عمر مرفوعا: الآن يطلع عليكم رجل من أهل الجنة، فطلع معاوية فقال: أنت يا معاوية! مني وأنا منك، لتزاحمني على باب الجنة كهاتين وأشار بإصبعيه.

ذكره الذهبي في الميزان ٢: ١٣٣ وقال: خبر باطل.

١٢ - أخرج البخاري في تاريخه ٤ قسم ص ١٨٠ عن إسحاق بن يزيد عن محمد بن مبارك الصوري عن صدقة بن خالد عن وحشي بن حرب بن وحشي عن أبيه عن جده قال:

كان معاوية ردف النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا معاوية! ما يليني منك؟ قال: بطني قال صلى الله عليه وسلم: اللهم املأه علما وحلما. وذكره الذهبي في الميزان ٣: ٢٦٨.

قال الأميني: لو كان لهذه الرواية اعتبار ولو قليلا عند البخاري لأخرجه في صحيحه، ولم يجعل باب ذكر معاوية خاليا عن كل فضيلة ومنقبة، وهو يعلم أن معاوية بكله فارغ عن العلم والحلم فكيف يصدقها من يعرف الرجل بالجهل والغضب المرديين؟

ولو كان رسول الله صلى الله عليه وآله دعا على رجل بأن يخلو بطنه من العلم والحلم فهل كان هو غير باطن معاوية؟ أي عمل الرجل في ورده وصدره ينبأ عن الخلتين؟ وأي فرق فيهما بين جاهليته الممقوتة وبين إسلامه المظلم؟ فتلك وهذا سواسية، وهو بينهما رهين جهله المبير وغضبه المهلك، فإذا سألت عبادة بن الصامت (الصحابي العظيم) عن علمه فعلى الخبير سقطت يقول لك: إن أمه هند أعلم منه (١) وإذا سألت شريكا عن حلمه

(١) تاريخ ابن عساكر ٧: ٢١٠.
٣٢٤
فتسمع منه قوله: ليس بحليم من سفه الحق وقاتل عليا (١) وتقول أم المؤمنين عائشة (٢):

أين كان حلمه حين قتل حجرا وأصحابه؟ ويل له من حجر وأصحابه.

وقال شريك حين ذكر معاوية عنده بالحلم: هل كان معاوية إلا معدن السفه؟

والله لقد أتاه قتل أمير المؤمنين وكان متكيا فاستوى جالسا ثم قال: يا جارية غنيني فاليوم قرت عيني فأنشأت تقول:

ألا أبلغ معاوية بن حرب * فلا قرت عيون الشامتينا
أفي شهر الصيام فجعتمونا * بخير الناس طرا أجمعينا
قتلتم خير من ركب المطايا * وأفضلهم ومن ركب السفينا

فرفع معاوية عمودا كان بين يديه فضرب رأسها ونثر دماغها، أين كان حلمه ذلك اليوم؟ (٣) والذي جاء في بطن معاوية من الحديث المتسالم عليه إنما هو إنه صلى الله عليه وآله دعا عليه وقال: لا أشبع الله بطنه. وأما غيره فحديث إفك لا يؤبه به.

١٣ - عن جابر: إن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى معاوية سهما وقال: هاك حتى تلقاني به في الجنة. وفي لفظ عن أبي هريرة: حتى توافيني به في الجنة.

رواه قاسم بن بهران. قال ابن حبان: لا يجوز الاحتجاج به بحال. وقال ابن عدي: إنه كذاب. وقال الذهبي: موضوع (٤).

١٤ - عن خارجة بن زيد عن أبيه مرفوعا: يا أم حبيبة! لله أشد حبا لمعاوية منك كأني أراه على رفارف الجنة. ميزان الاعتدال ٣: ٥٦، قال الذهبي: خبر باطل اتهم بوضعه محمد بن رجاء.

قال الأميني: وفي الاسناد: عبد الرحمن بن أبي الزناد قال يحيى بن معين: ليس

(١) تاريخ ابن كثير ٨: ١٣٠.

(٢) مر حديثه في هذا الجزء.

(٣) هذه القضية ذكرها الراغب في محاضراته المخطوطة الموجودة، وهكذا نقلت عنها في تشييد المطاعن في ج ٢: ٤٠٩ غير إن يد الطبع الأمينة؟ حرفتها من الكتاب مع أحاديث ترجع إلى معاوية راجع ج ٢: ٢١٤ من المحاضرات وقابلها بالمخطوطة منها.

(٤) راجع ميزان الاعتدال ٢: ٣٨، لسان الميزان ٤: ٤١٤، ٤٥٩، ج ٦: ٢١٩.

٣٢٥
ممن يحتج به أصحاب الحديث، ليس بشئ، ضعيف. وقال صالح بن أحمد عن أبيه:

مضطرب الحديث. وعن ابن المديني: كان عند أصحابنا ضعيفا. وقال النسائي: لا يحتج بحديثه، وكان يضعف لروايته عن أبيه. تهذيب التهذيب ٦: ١٧٠.

١٥ - قال أبو عمرو الزاهد: أخبرني علي بن محمد ابن الصائغ عن أبيه أنه قال:

رأيت الحسين وقد وفد على معاوية زائرا فأتاه في يوم جمعة وهو قائم على المنبر خطيبا فقال له رجل من القوم: يا أمير المؤمنين! إيذن للحسين يصعد المنبر، فقال له معاوية: ويلك دعني افتخر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: سألتك بالله يا أبا عبد الله! أليس أنا ابن بطحاء مكة؟ فقال: أي والذي بعث جدي بالحق بشيرا، ثم قال: سألتك بالله يا أبا عبد الله!

أليس أنا خال المؤمنين؟ فقال: أي والذي بعث جدي نبيا، ثم قال: سألتك بالله يا أبا عبد الله! أليس أنا كاتب الوحي؟ فقال: أي والذي بعث جدي نذيرا. ثم نزل معاوية وصعد الحسين بن علي فحمد الله بمحامد لم يحمده الأولون والآخرون بمثلها ثم قال:

حدثني أبي عن جدي عن جبريل عن الله تعالى: إن تحت قائمة كرسي العرش ورقة آس خضراء مكتوب عليها: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، يا شيعة آل محمد! لا يأتي أحدكم يوم القيامة يقول لا إله إلا الله إلا أدخله الله الجنة فقال له معاوية: سألتك بالله يا أبا عبد الله! من شيعة آل محمد؟ فقال: الذين لا يشتمون الشيخين أبا بكر وعمر، ولا يشتمون عثمان، ولا يشتمون أبي، ولا يشتمونك يا معاوية!.

أخرجه ابن عساكر في تاريخه ٤:، ٣١٢، ٣١٣ وقال: هذا حديث منكر ولا أرى إسناده متصلا إلى الحسين.

قال الأميني: ألا تعجب من حافظ يروي مثل هذا الحديث ويراه منكرا غير مسند؟ أليس في إسناده أبو عمر الزاهد محمد بن عبد الواحد الذي ألف من الأكاذيب جزءا في فضائل معاوية ومنها هذه الأكذوبة الفاحشة؟ أليس فيه علي بن محمد الصائغ ؟ ي قال الخطيب في تاريخه ٣: ٢٢٢: ضعيف جدا؟ ألا يقول الحافظ؟: إن علي بن محمد الصائغ الذي يروي عنه أبو أحمد الجرجاني المتوفى ٣٧٤ الذي يروي عن مالك المتوفى ١٧٩ بواسطة كيف يروي أبوه عن الحسين السبط عليه السلام الشهيد سنة ٦٠؟! وكيف يعقل إدراكه معاوية وحضوره في خطبته؟!

٣٢٦
وهلا يأبى لفظ الرواية صحتها؟ هل تجتمع هي مع ما أسلفناه من حديث رسول الله الثابت الصحيح، ومن حديث أمير المؤمنين والحسن السبط ومن حديث الحسين السبط نفسه، ومع ما ثبت عنهم من كتاب أو مقال في الرجل؟ وهل يساعدها ما كان من سيرة معاوية في علي أمير المؤمنين طيلة حياته؟ اقرأ واحكم.

١٦ - مرفوعا: يبعث معاوية عليه رداء من نور.

أخرجه ابن حبان من طريق جعفر بن محمد الأنطاكي وقال: خبر باطل (ميزان الاعتدال ١: ١٩٣، لسان الميزان ٢: ١٢٤) أقر الذهبي وابن حجر بطلان الحديث وعدم ثقة الأنطاكي.

١٧ - أخرج أبو نعيم في الحلية ١٠: ٣٩٣ عن عبد الله بن محمد بن جعفر عن أحمد بن محمد البزاز المدني عن إبراهيم بن عيسى الزاهد عن أحمد الدينوري عن عبد العزيز بن يحيى عن إسماعيل بن عياش عن عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار عن أبيه عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يطلع عليكم رجل من أهل الجنة. فطلع معاوية، ثم قال من الغد مثل ذلك فطلع معاوية، ثم قال من الغد مثل ذلك فطلع معاوية. قال الذهبي: إنه ليس بصحيح. راجع لسان الميزان ٢: ٢١٣.

قال الأميني: أحمد بن مروان - الدينوري مالكي صاحب المجالسة، صرح الدار قطني في غرائب مالك بأنه يضع الحديث. وذكر حديث: سبقت رحمتي غضبي فقال: لا يصح بهذا الاسناد، والمتهم به أحمد بن مروان، وهو عندي ممن كان يضع الحديث. لسان الميزان ١: ٣٠٩.

وفي الاسناد: عبد العزيز بن يحيى، قال ابن أبي حاتم سمع منه أبي ثم تركه وقال: لا أحدث عنه ضعيف. وقال أبو زرعة: ليس بثقة وذكرته لإبراهيم بن المنذر فكذبه، وذكرته لأبي مصعب فقلت: يحدث عن سليمان بن بلال، فقال: كذاب أنا أكبر منه وما أدركته. وقال العقيلي: يحدث عن الثقات بالبواطيل، ويدعي من الحديث ما لا يعرف به غيره من المتقدمين عن مالك وغيره. وقال ابن عدي: ضعيف جدا وهو يسرق حديث الناس. ميزان الاعتدال ٢: ١٤٠، تهذيب التهذيب ٦: ٣٦٣.

٣٢٧
وفيه: إسماعيل بن عياش، قال يحيى بن معين: ليس به في أهل الشام بأس، والعراقيون يكرهون حديثه. وقال الأسدي: إذا حدث عن الحجازيين والعراقيين خلط ما شئت وقال الجوزجاني: أروى الناس عن الكذابين وقال ابن خزيمة: لا يحتج به. وقال ابن المبارك: لا استحلي حديثه، وضعف روايته عن غير الشاميين أيضا النسائي وأبو أحمد الحاكم والبرقي والساجي وقال الحاكم: إذا انفرد بحديث لم يقبل منه لسوء حفظه. وقال ابن حبان: كان من الحفاظ المتقنين في حديثهم فلما كبر تغير حفظه، فما حفظ في صباه وحداثته أتى به على جهته، وما حفظ على الكبر من حديث الغرباء خلط فيه، وأدخل الاسناد في الاسناد، وألزق المتن بالمتن وهو لا يعلم، فمن كان هذا نعته حتى صار الخطأ في حديثه يكثر خرج عن حد الاحتجاج به ميزان الاعتدال ١: ١١٢، تهذيب التهذيب ١ ص ٣٢٤ - ٣٢٦.

وفيه: عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار، ضعفه ابن معين. وقال أبو حاتم: فيه لين يكتب حديثه ولا يحتج به وقال ابن عدي: وبعض ما يرويه منكر لا يتابع عليه وهو في جملة من يكتب حديثه من الضعفاء. ميزان ٢: ١٠٩، تهذيب التهذيب ٦: ٢٠٦.

١٨ - أخرج الذهبي في الميزان وابن كثير في تاريخه ٨ ص ١٢١ من طريق نصير عن أبي هلال محمد بن سليم حدثنا جبلة عن رجل عن مسلمة بن مخلد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: اللهم علم معاوية الكتاب، ومكن له في البلاد.

قال الذهبي: جبلة لا يعرف والخبر منكر بمرة. وقال ابن حجر في اللسان ٢: ٩٦: ولعل الآفة في الحديث من الرجل المجهول. قال الأميني: لم لا تكن الآفة من الرجل المعلوم (محمد بن سليم) الكذاب، وقد ترجمه الذهبي في الميزان وابن حجر في لسانه عن يحيى بن معين بأنه كان يكذب في الحديث، راجع الميزان ٣: ٦٢ ولسان الميزان ٥: ١٩٢.

١٩ - أخرج العقيلي من طريق بشر بن بشار السمسار عن عبد الله بن بكار المقري من ولد أبي موسى الأشعري عن أبيه عن جده عن أبي موسى رضي الله عنه قال: دخل النبي صلى الله عليه وآله على أم حبيبة ورأس معاوية في حجرها فقال لها: أتحبينه؟ قالت: وما لي لا أحب؟ أخي، قال: فإن الله ورسوله يحبانه.

٣٢٨
قال العقيلي: عبد الله بن بكار مجهول النسب وروايته غير محفوظة. وقال الذهبي في الميزان: غير صحيح. راجع ميزان الاعتدال ٢: ٢٦، لسان الميزان ٣: ٢٦٣. وبشر السمسار ليس في الجهالة والنكارة أقل من نسب ابن بكار.

٢٠ - عن أنس مرفوعا: ائتمن الله على وحيه جبرئيل ومحمدا ومعاوية.

زيفه الذهبي لمكان محمد بن أحمد البلخي الضعيف سارق الحديث الذي لم يكن من أهل الحديث. راجع ميزان الاعتدال ٣: ١٥، لسان الميزان ٥: ٣٤.

٢١ - مرفوعا: إن معاوية يبعث نبيا من علمه وائتمانه على كلام ربي.

ذكره الذهبي من طريق محمد بن الحسن وقال: روى عنه إسحاق بن محمد السوسي أحاديث مختلقة في فضل معاوية، ولعله النقاش صاحب التفسير فإنه كذاب، أو هو آخر من الدجاجلة. راجع ميزان الاعتدال ٣: ٤٣، لسان الميزان ٥: ١٢٥.

وفي اللسان ١: ٣٧٤: إسحاق بن محمد السوسي ذاك الجاهل الذي أتى بالموضوعات السمجة في فضائل معاوية رواها عبيد الله بن محمد بن أحمد السقطي عنه، فهو المتهم بها أو شيوخه المجهولون.

٢٢ - أخرج البخاري في تاريخه ٤ قسم ١ ص ٣٢٨ من طريق عمرو بن واقد الدمشقي، عن يونس الدمشقي، عن أبي إدريس الدمشقي، عن عمير بن سعد نزيل دمشق قال: لا تذكروا معاوية إلا بخير فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: اللهم اهده.

قال الأميني: عمرو بن واقد الدمشقي كان ممن لا يشك شيوخ الحديث إنه يكذب، وإنه ليس بشئ، وإنه ضعيف منكر الحديث، وإنه يقلب الأسانيد، وإن أحاديثه معضلة منكرة، استحق الترك (١).

ألم يك في الحواضر الإسلامية من رجال الحديث من قرع سمعه نبأ هذه الأفيكة؟ فلماذا خصت بالشام، وسلسلت حلقة إسنادها بالشاميين فحسب؟ أنت تدري لماذا.

٢٣ - أخرج ابن كثير في تاريخه ٨: ١٢٠ من طريق المسيب بن واضح عن ابن عباس قال: أتى جبريل إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: يا محمد! اقرأ معاوية السلام واستوص

(١) راجع ميزان الاعتدال ٢: ٣٠٢، تهذيب التهذيب ٨: ١١٥.
٣٢٩
به خيرا، فإنه أمين الله على كتابه ووحيه ونعم الأمين.

قال الأميني. قال الدارقطني: المسيب بن واضح ضعيف، قال ابن عدي:

قلت لعبدان: أيهما أحب إليك: عبد الوهاب بن الضحاك أو المسيب بن واضح؟ فقال:

كلاهما سواء وعبد الوهاب من الكذابين الوضاعين المعروفين، متروك ضعيف جدا كثير الخطأ والوهم. (١)

وأخرجه الطبراني في الأوسط قال: حدثنا علي بن سعيد الرازي، حدثنا محمد بن فطر الراملي، حدثنا مروان بن معاوية الفزاري، عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء ابن أبي رباح عن ابن عباس.

وذكره الهيثمي في المجمع ٩: ٣٥٧ وقال: فيه محمد بن فطر ولم أعرفه، وعلي بن سعيد الرازي فيه لين. وحكاه السيوطي بإسناده في اللئالي المصنوعة ١: ٤١٩ وقال:

أما مروان والراوي عنه فلم أر من ترجمهما لا في الثقات ولا في الضعفاء.

قال الأميني: علي بن سعيد الرازي هو الذي قال الدارقطني لما سئل عنه:

ليس في حديثه بذاك وسمعت بمصر: إنه كان والي قرية وكان يطالبهم بالخراج فما يعطونه فيجمع الخنازير في المسجد. فقيل: كيف هو في الحديث؟ قال: حدث بأحاديث لم يتابع عليها. ثم قال: في نفسي منه، وقد تكلم فيه أصحابنا بمصر، وأشار بيده وقال هو كذا وكذا ونقض بيده يقول: ليس بثقة. لسان الميزان ٤: ٢٣١.

لقد أوقفناك فيما سلف ج ٥: ٣٠٩، على أمانة الرجل على كل ما تحسب إنه أمين عليه، ونزيدك هنا إحفاء السؤال عن معنى الأمانة على كتاب الله ووحيه، أليست هي كلائتهما عن التحريف والعمل بمؤداهما والجري على مفادهما والأخذ بحدودهما، وقطع الأيدي الأثيمة عن التلاعب بهما؟ وهل كان معاوية إلا ردئا بهذه كلها وقد قلب على الكتاب والوحي ظهر المجن في كل وروده وصدوره، ووجه إليهما نظرته الشزراء في حله ومرتحله؟ وهل هو إلا عدوهما الألد؟ وصحائف تاريخه المظلم تطفح بهذه كلها، وإن ما ذكرناه في هذا الكتاب من نماذج ما أثبتته له الحقيقة وخلده الدهر مع ذكره الشائن وحديثه المائن.

(١) راجع الجزء الخامس من الغدير ص ٢٤٢ ط ٢، ولسان الميزان ٦: ٤١.
٣٣٠
٢٤ أخرج الطبراني عن أحمد بن محمد الصيدلاني عن السري عن (١) عاصم عن عبد الله بن يحيى بن أبي كثير عن أبيه (٢) هشام بن عروة عن عائشة قالت: لما كان يوم أم حبيبة من النبي صلى الله عليه وسلم دق الباب داق، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: انظروا من هذا؟ قالوا: معاوية. قال: ائذنوا له، فدخل وعلى أذنه قلم يخط به فقال: ما هذا القلم على أذنك يا معاوية؟! قال: قلم أعددته لله ولرسوله، فقال له: جزاك الله عن نبيك خيرا، والله ما استكتبتك إلا بوحي من الله، وما أفعل من صغيرة ولا كبيرة إلا بوحي من الله، كيف بك لو قمصك الله قميصا؟! - يعني من الخلافة - فقامت أم حبيبة فجلست بين يديه وقالت: يا رسول الله! وإن الله مقمصه قميصا؟ قال: نعم. ولكن فيه هنات وهنات فقالت: يا رسول الله! فادع الله له. فقال اللهم اهده بالهدى، وجنبه الردى، واغفر له في الآخرة والأولى.

قال الطبراني: تفرد به السري بن عاصم (٣) قال الأميني: المتفرد بهذه الأكذوبة الفاحشة على رسول الله صلى الله عليه وآله هو أحد الكذابين الوضاعين، راجع ما أسلفناه في الجزء الخامس ص ٢٣١، و ج ٨ ص ١٤٣.

ليت شعري هل بهذا القلم الذي يزعم معاوية إنه أعده لله ولرسوله كان يكتب تلكم القوارص والقذائف إلى مولانا أمير المؤمنين عليه السلام؟! ويكتب إلى عماله أوامره الباتة بلعن سيد الوصيين صلوات الله عليه ولعن من يمت به من شبليه الإمامين السبطين وعظماء المؤمنين؟! ويكتب إلى أمراءه الجائرين بهدر دماء صلحاء الأمة وشيعة أهل بيت الوحي عليهم السلام؟! وهل كان يكتب به أحكامه الجائرة، وفتاواه النائية عن الحق المبين، وآراءه الشاذة عن الكتاب والسنة، وكلما يلفظه بفم ويخطه بقلم من جرائر وجرائم؟!

ثم هل استجيبت هذه الدعوة المعزوة إلى صاحب الرسالة حتى نعتقد في ابن هند اعتناق الهدى، والتجنب عن الردى، والمغفرة في الآخرة والأولى؟! لكن موبقات

(١) الصحيح: السري بن عاصم.

(٢) كذا والصحيح: عن أبيه عن هشام.

(٣) تاريخ ابن كثير ٨: ١٢٠.

٣٣١
معاوية وإصرارها عليها تنبأنا عن إنها لم تكن، إذ لو كانت لما عداها الاجابة، وكأن تلك الدعوة المزعومة المختلقة ذهبت أدراج الرياح، وكأنه صلى الله عليه وآله دعا عليه بضد ما هو مذكور واستجيبت دعوته.

على أن معاوية لو كان على الهدى متجنبا عن الردى للزم أن يكون صاحب الخلافة الكبرى مولانا أمير المؤمنين عليه السلام على قدسه وطهارته خلوا من ذلك كله، لأنه كان يناوئه ويناجزه القتال، وكذلك حجر وأصحابه وكل صالح صحابي أو تابعي قتل تحت نير ظلم معاوية، هل يسع لمسلم أن يدعي ذلك؟ غفرانك اللهم وإليك المصير.

٢٥ - أخرج الطبراني عن يحيى بن عثمان بن صالح عن نعيم بن حماد عن محمد بن شعيب بن سابور عن مروان بن جناح عن يونس بن ميسرة بن حلبس عن عبد الله بن بسر: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم استشار أبا بكر وعمر في أمر فقال: أشيروا علي. فقالا: الله ورسوله أعلم، فقال: ادعوا معاوية. فقال أبو بكر وعمر: أما في رسول الله ورجلين من رجال قريش ما يتقنون أمرهم حتى يبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى غلام من غلمان قريش؟

فقال: ادعوا لي معاوية فدعي له فلما وقف بين يديه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أحضروه أمركم، وأشهدوه أمركم فإنه قوي أمين. وزاد نعيم: وحملوه أمركم (١).

رجال إسناده:

١ - يحيى بن عثمان. كان يتشيع وكان صاحب وراقة يحدث من غير كتبه فطعن فيه لأجل ذلك، تهذيب التهذيب ١١: ٢٥٧.

٢ - نعيم بن حماد، كذاب وضاع. راجع الجزء الخامس ص ٢٦٩ ط ٢.

٣ - محمد بن شعيب. شامي أموي.

٤ - مروان بن جناح، شامي أموي، قال أبو حاتم: لا يحتج به وبأخيه روح.

٥ - يونس بن ميسرة، شامي أعمي.

٦ - عبد الله بن بسر، يعد في الشاميين وهو آخر من مات بالشام من الصحابة.

هلم معي إلى تعمية الجاهلين وتغرير بسطاء الأمة بالتمويه على الحقائق، قال

(١) تاريخ ابن كثير ٨: ١٢٢، مجمع الزوايد ٩: ٣٥٦.
٣٣٢
ابن كثير في تاريخه بعد ذكر هذا الحديث وعدة مما ذكرناه من الأباطيل في فضائل معاوية: ثم ساق ابن عساكر أحاديث كثيرة موضوعة بلا شك في فضل معاوية، أضربنا عنها صفحا، واكتفينا بما أوردناه من الأحاديث الصحاح والحسان والمستجادات عما سواها من الموضوعات والمنكرات.

وقال بعد ذكر الحديث السادس والعشرين الذي تفرد به السري الكذاب الوضاع: وقد أورد ابن عساكر بعد هذا أحاديث كثيرة موضوعة، والعجب منه مع حفظه واطلاعه كيف لا ينبه عليها وعلى نكارتها وضعف رجالها؟ والله الموفق للصواب.

ترى ابن كثير ها هنا يتحامل على ابن عساكر رجاء أن ينطلي بذلك للأغرار ما سرده من الأكاذيب الموضوعة ويزيف جملة منها لإثبات بعضها الآخر. ذاهلا عن أن يد التنقيب تكشف عما غطاه دجله غلوا منه في الفضائل.

٢٦ - أخرج ابن عساكر من طريق نعيم بن حماد عن محمد بن حرب عن أبي بكر بن أبي مريم عن محمد بن زياد عن عوف بن مالك الأشجعي قال: بينما أنا راقد في كنيسة يوحنا - وهي يومئذ مسجد يصلى فيها - إذ انتبهت من نومي فإذا أنا بأسد يمشي بين يدي، فوثبت إلى سلاحي، فقال الأسد: مه. إنما أرسلت إليك برسالة لتبلغها، قلت: و من أرسلك؟ قال: الله أرسلني إليك لتبلغ معاوية السلام وتعلمه إنه من أهل الجنة.

فقلت له: ومن معاوية؟ قال: معاوية بن أبي سفيان. (١)

في الاسناد:

١ - نعيم بن حماد، مر القول بأنه كذاب وضاع.

٢ - محمد بن زياد هو الحمصي، شامي ناصبي من الداء أعداء أمير المؤمنين، وثقه ابن معين، وقال: ثقة مأمون، وذكره ابن حبان في الثقات وقال: لا يعتد بروايته إلا ما كان من رواية الثقات عنه. وقال الحاكم: اشتهر عنه النصب كحريز (٢) بن عثمان.

تهذيب التهذيب ٩: ١٧٠.

(١) تاريخ ابن كثير ٨: ١٢٣، مجمع الزوائد ٩: ٣٥٧.

(٢) كان يلعن عليا كل يوم سبعين مرة، أحد رجال صحيح البخاري.

٣٣٣
٣ - أبو بكر بن أبي مريم، شامي عثماني، قال أحمد والنسائي والدارقطني وابن سعد: ضعيف. وضعفه ابن معين. وقال أبو زرعة: ضعيف منكر الحديث. وقال أبو حاتم : ضعيف الحديث طرقه لصوص فأخذوا متاعه فاختلط. وقال الجوزجاني: ليس بالقوي وقال الدارقطني: متروك. تهذيب التهذيب ١٢: ٢٩.

قال ابن كثير بعد ذكر الحديث: وفيه ضعف وهذا غريب جدا ولعل الجميع مناما ويكون قوله: إذا انتبهت من نومي مدرجا لم يضبطه ابن أبي مريم. والله أعلم قال الأميني: أنا حائر سادر بين رسالة هذا الأسد الضاري وبشارته معاوية بالجنة، وبين رسالة النبي المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى، وبشارته معاوية بالنار ولعنه إياه.

وكذا بين رسالة الأسد وبين تلكم الصحاح التي جاءت عن الإمام المعصوم أمير المؤمنين وعن عدول الصحابة أو الصحابة العدول في معاوية الخؤن مما أسلفناه في الجزء العاشر.

وكذا بين رسالة الأسد وبين ما جاء في الكتاب الكريم من عذاب كل آثم اقترف سيئة وأحاطت به خطيئته، ووعيد من حاد عن حدود الاسلام بالنار، ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون، ولا يستوي الحسنة ولا السيئة ولا المحسن ولا المسيئ.

وكذا بين رسالة الأسد وبين ما جاء عن نبي الاسلام في تلكم البوائق الموبقة التي كان معاوية قد اقترفها وشوه بها صحيفة تاريخه.

فماذا الذي خص معاوية برسالة الأسد إليه خاصة في كنيسة يوحنا بعد رسالة محمد صلى الله عليه وآله الخاتمة، بعد تلكم الأنباء الصادقة الواردة في الكتاب العزيز والسنة النبوية الشريفة، بعد تلكم البشائر السارة الجمة العامة لأهل الصلاح والفلاح؟

٢٧ - أخرج أحمد ومسلم والحاكم وغيرهم من طريق ابن عباس قال: كنت ألعب مع الغلمان فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد جاء فقلت: ما جاء إلا إلي فاختبأت على باب فجاءني فخطاني خطى أو خطاتين ثم قال: اذهب فادع لي معاوية قال: فذهبت فدعوته له فقيل: إنه يأكل، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت:: إنه يأكل، فقال: إذهب فادعه،

٣٣٤
كتاب من حياة معاوية بن أبي سفيان للعلامة الأميني (ص ٣٣٥ - ص ٣٤٧)
٣٣٥
أبو ذر الغفاري بقوله: لعنك رسول الله ودعا عليك مرات أن لا تشبع (١) واشتهرت عليه هذه المنقصة حتى جرت مجرى المثل وقيل فيها.

وصاحب لي بطنه كالهاويه * كأن في أحشائه معاويه

وحديث مسلم (٢) الذي يلوح عليه لوائح الافتعال إنما اختلق لمثل هذه الغاية وتأويل ما إليها مما صدر عن النبي الأقدس صلى الله عليه وآله من طعن ولعن وسب وجلد ودعوة على من يستحق كلها، وللدفاع عن أولياء الشيطان وفي الطليعة منهم ابن أبي سفيان والمنع عن الوقيعة فيهم وغمزهم تأسيا برسول الله صلى الله عليه وآله لفقوا مكابرات عجيبة في دلالة الألفاظ والنصوص وأن ذلك صدر منه صلى الله عليه وآله لا عن قصد، أو أنه صدر عن نزعات نفسية تقتضيها فطرة البشر، وقد ذهب على المغفلين إنه صلى الله عليه وآله لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، وإنه لعلى خلق عظيم، وإن في كتابه الذي جاء به من ربه قوله تعالى: الذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا (الأحزاب: ٥٨) وقد صح عنه قوله صلى الله عليه وآله: المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده (٣).

(١) راجع الغدير ج ٨: ٣١٢.

(٢) اللهم إنما أنا بشر فإيما رجل من المسلمين سببته أو لعنته أو جلدته فاجعلها له زكاة ورحمة.

أللهم إني أتخذ عندك عهدا لن تخلفنيه، فإنما أنا بشر فأي المؤمنين آذيته شتمته لعنته جلدته فاجعلها له صلاة وزكاة وقربة تقربه بها إليك يوم القيامة.

أللهم إن محمدا بشر يغضب كما يغضب البشر وإني قد اتخذت عندك عهدا لن تخلفنيه، فإيما مؤمن آذيته أو سببته أو جلدته فاجعلها له كفارة وقربة تقربه بها إليك يوم القيامة.

إنما أنا بشر وإني اشترطت على ربي عز وجل أي عبد من المسلمين سببته أو شتمته أن يكون ذلك له زكاة وأجرا.

إني اشترطت على ربي فقلت: إنما أنا بشر أرضى كما يرضى البشر، وأغضب كما يغضب البشر، فإيما أحد دعوت عليه من أمتي بدعوة ليس لها بأهل أن يجعلها له طهورا وزكاة وقربة يقربه بها منه يوم القيامة. هذه ألفاظ حديث مسلم في صحيحه ج ٨: ٢٤ - ٢٧.

(٣) أخرجه البخاري ومسلم وأحمد والترمذي والنسائي والطبراني وابن حبان وابن داود

٣٣٦
وقاله: صلى الله عليه وآله: المؤمن لا يكون لعانا (١).

وقوله صلى الله عليه وآله: سباب المسلم فسوق (٢).

وقوله صلى الله عليه وآله: إني لم أبعث لعانا وإنما بعثت رحمة (٣).

وقوله صلى الله عليه وآله: المستبان شيطانان يتهاتران ويتكاذبان (٤).

وقوله صلى الله عليه وآله: من ذكر امرءا بشئ ليس فيه ليعيبه به حبسه الله في نار جهنم حتى يأتي بنفاد ما قال فيه (٥) هل هؤلاء القوم يصفون نبيا صح عندهم من حديث مسلم: إنه غضبت عائشة رضي الله عنها مرة فقال لها رسول الله صلى الله عليه وآله: مالك جاءك شيطانك؟ فقالت: ومالك شيطان؟ قال: بلى ولكني: دعوت الله فأعانني عليه فأسلم فلا يأمرني إلا بخير (٦) وهل يتكلمون عن نبي قال لعبد الله بن عمرو بن العاص: اكتب عني في الغضب والرضا، فوالذي بعثني بالحق نبيا ما يخرج منه إلا حق. وأشار إلى لسانه (٧) وقال عبد الله بن عمرو: أكتب كل شيئ أسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم أريد حفظه فنهتني قريش وقالوا: تكتب كل شيئ سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم ورسول الله صلى الله عليه وسلم بشر يتكلم في الغضب والرضا؟ فأمسكت عن الكتاب، فذكرت ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فأومأ بإصبعه إلى فيه وقال: اكتب فوالذي نفسي بيده ما خرج منه إلا حق (٨).

وكان صلى الله عليه وآله كما وصفه أمير المؤمنين عليه السلام لا يغضب للدنيا فإذا أغضبه الحق لم

(١) مستدرك الحاكم ١: ١٢، ٤٧.

(٢) متفق عليه أخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة والطبراني والحاكم والدارقطني.

(٣) صحيح مسلم: ٨: ٢٤.

(٤) عن أحمد والطيالسي.

(٥) الترغيب والترهيب ٣: ١٩٧، رواه الطبراني بإسناد جيد.

(٦) إحياء العلوم ٣: ١٦٧.

(٧) إحياء العلوم ٣: ١٦٧. أخرجه أبو داود.

(٨) سنن الدارمي ١: ١٢٥.

٣٣٧
يعرفه أحد ولم يقم لغضبه شئ حتى ينتصر له (١).

وهل يدنسون بهذا العز والمختلق - لتبرير ذيل أمثال ابن هند - ساحة نبي صح عنه صلى الله عليه وآله قوله: إن العبد إذا لعن شيئا صعدت اللعنة إلى السماء فتغلق أبواب السماء دونها، ثم تهبط إلى الأرض فتغلق أبوابها دونها، ثم تأخذ يمينا وشمالا، فإن لم تجد مساغا رجعت إلى الذي لعن، فإن كان أهلا وإلا رجعت إلى قائلها (٢).

وهل يشوهون بها سمعة قداسة نبي كان يؤدب أمته بآداب الله وينهى أصحابه عن لعن كل شيئ حتى الدواب والبهائم والديك والبرغوث والريح؟ وكان يقول: من لعن شيئا ليس له بأهل رجعت اللعنة عليه (٣) وقال لرجل كان يسير معه فلعن بعيره: يا عبد الله! لا تسر معنا على بعير ملعون (٤) وقال لما لعنت جارية ناقتها: لا تصاحبنا ناقة عليها لعنة. وفي حديث المعمر: أيم الله لا تصاحبنا راحلة عليها لعنة من الله (٥). وكان صلى الله عليه وآله يبالغ في الأمر ويحذر الناس عنه حتى قال سلمة بن الأكوع: كنا إذا رأينا الرجل يلعن أخاه رأينا أن قد أتى بابا من الكبائر (٦).

دع الأباطيل ولا تشطط في القول فمن لعنه صلى الله عليه وآله فهو ملعون، ومن سبه فهو مستأهل لذلك، ومن جلده فإن ذلك من شرعه المبين، ومن دعى عليه أخذته الدعوة ، وهل يجد ذو خبرة مصداقا لتلك المزعمة المخزية ويسع له أن يستشهد بسب رسول الله صلى الله عليه وآله أحدا من صلحاء أمته كائنا من كان ممن لا يستحق السب أو بلعنه وجلده إياه ودعوته عليه؟ حاشا النبي المبعوث لتميم مكارم الأخلاق من هذه الفرية الشاينة.

وإن صحت هذه المزعمة لتطرق الوهن في أفعاله وأقواله وفي قضاءه وحدوده ، فلا يعلم الانسان إنها بحافز إلهي، أو اندفاع إلى شهوة وإطفاء ثورة الغضب، وأي

(١) أخرجه الترمذي في الشمائل.

(٢) الترغيب والترهيب ٣: ١٩٦.

(٣) الترغيب والترهيب ٣: ١٩٧ وصححه.

(٤) الترغيب والترهيب ٣: ١٩٦ فقال: إسناده جيد.

(٥) صحيح مسلم ٨: ٢٣.

(٦) الترغيب والترهيب ٣: ١٩٥ قال: سند جيد.

٣٣٨
نبي معصوم هذا؟ وكيف تتبع سنته؟ ويقتفى أثره عندئذ؟ وفي أي من حالتيه هو مقتدى البشر وحجة الخلق وقدوة الأمم؟ وما المائز بينه وبين أمته وكل يستحوذ عليه الغضب، ويقوده الهوى، وكان لأي أحد أسوة برسول الله صلى الله عليه وآله أن يقول مثل ذلك حين يقع في المسلمين بالسباب وينال منهم باللعن فتنقلب المعصية بتلك الدعوة اللاحقة طاعة وبرا وكفارة وقربة.

ومن هنا بلغت القحة والصلف من ابن حجر إلى أن تمسك بذيل حديث مسلم المثبت ما لا يقبله العقل والمنطق وتأباه الأصول الدينية المسلمة، فمنع بذلك عن لعن الحكم لعين رسول الله وطريده وابنه الوزغ ابن الوزغ (١).

وللقوم في هذا المقام تصعيدات وتصويبات أو قل: خرافات ومخازي مثل ما حكي عن بعضهم (٢) إن ظاهر هذا الحديث يعطينا إباحة تلكم المحظورات للنبي صلى الله عليه وآله فحسب، وعد السيوطي (٣) من خصايص رسول الله صلى الله عليه وآله [باب اختصاصه صلى الله عليه وسلم بجواز لعن من شاء بغير سبب] وقال القسطلاني في المواهب ١: ٣٩٥: كان له صلى الله عليه وسلم أن يقتل بعد الأمان، وأن يلعن من شاء بغير سبب، وجعل الله شتمه ولعنه قربة للمشتوم والملعون لدعائه عليه السلام. ألا يضحك ضاحك على عقلية هذا الأرعن؟ وإنه كيف يكون ذلك وقد فرض إن مصب هاتيك الطعون مستوجب للرحمة والحنان بالدعوة اللاحقة إياها؟ فما المجوز لنبي الرحمة هتك ستار أولئك وتفضيحهم بملأ من الاشهاد من غير استحقاق على مر الدهور؟ وهل الدعاء الأخير يرفع عنهم شية العار الملحقة بهم من الدعوة الأولى؟ وهل لإباحة تلكم الفواحش التي هي بذاتها فاحشة وقبايح عقلية لا تقبل التخصيص لصاحب الرسالة معنى معقول؟ وهل هتك حرمات المؤمنين مع حفظ الوصف لهم والمبدأ فيهم مما يستباح لأحد نبيا كان أو غيره؟! أما أنا فلا أعرفه وأحسب أن من ذهب إلى ذلك أيضا مثلي في الجهل.

وهلا كان لرسول الله والحالة هذه أن ينص بعد ما سب من لا يستحق أو لعنه

(١) الصواعق المحرقة ص ١٠٨.

(٢) الخصايص الكبرى للسيوطي ٢: ٢٤٤، المواهب اللدنية ١: ٣٩٥.

(٣) راجع الخصايص الكبرى ٢: ٢٤٤.

٣٣٩
أو جلده أو دعى عليه، وبعد ما هدأت ثورة غضبه وأطفأ نيران سخطه على أن ذلك وقع في غير محله، حتى لا يدنس ساحة الأبرياء طيلة حياتهم بشية العار ووسمة الشنار، ولا يشوه سمعة أناس نزهين في الملأ الديني أبد الدهر؟

وهلا كان للصحابة أن يستفهموا رسول الله صلى الله عليه وآله جلية الحال في كل تلكم الموارد ليعرفوا وجه ما أتى به من الهتيكة: هل وقع في أهله ومحله؟ حتى لا يتخذوا فعله مدركا مطردا في الوقيعة والتحامل، ولا يزري أحد أحدا جهلا منه بالموضوع اقتفاء لأثره صلى الله عليه وآله؟!

وهلا كان لمثل أبي سفيان ومعاوية والحكم ومروان وبقية ثمرات الشجرة الملعونة في القرآن ونظرائهم الملعونين بلسان النبي الأقدس أن يحتجوا برواية مسلم على من يعيرهم بلعن رسول الله صلى الله عليه وآله إياهم كعايشة أم المؤمنين وأمير المؤمنين وأبي ذر ووجوه الصحابة غيرهم؟

وها هنا دقيقة أخرى وهي: أن اللعنات والطعون المتوجهة في القرآن الكريم إلى أناس عناهم الذكر الحكيم ونوه بذلك الصادع الكريم صلى الله عليه وآله هل هي من الله تعالى كما زعموه في النبي الأقدس ومؤولة بمدايح ورحمات وقرب؟! فهي إلى جلالة أولئك القوم وقداستهم أدل من كونهم ملعونين مطرودين من ساحة رحمة الله تعالى، وهل الله سبحانه أعطى عهدا بذلك وآلى على نفسه أن يجعلها رحمة وزكاة وقربة؟

أم أنها باقية على مداليلها التي هي ناصة عليها؟! لا أدري ماذا يقول القوم، هل يسلبون الحقايق عن الألفاظ القرآنية كما سلبوها عن الألفاظ النبوية؟! وفي ذلك ارتاج لباب التفاهم وسد لطريق المحاورة، غير أن أحمال الكلام لم تراقب عليها دائرة المكوس، فللمتحذلق أن يقول ما شاء، وللثرثار أن يلهج بما يحبذه الهوى ولا يكترث. نعوذ بالله من التقول بلا تعقل.

٢٨ - عن مسرة بن عبد الله الخادم قال: حدثنا كردوس بن محمد الباقلاني عن يزيد بن محمد المروزي عن أبيه عن جده قال: سمعت أمير المؤمنين عليا رضي الله عنه يقول فذكر خبرا فيه: بينا أنا جالس بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله إذ جاء معاوية فأخذ رسول الله

٣٤٠