×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

من حياة معاوية بن أبي سفيان / الصفحات: ٦١ - ٨٠

أحد. أو أنه كان يبهضه ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في فضل يوم الجمعة وفضل ساعاته والأعمال الواردة فيه، وقد اتخذه هو صلى الله عليه وآله والمسلمون من بعده عيدا تمتاز به هذه الأمة عن بقية الأمم؟ وما كان ابن هند يستسهل أن يجري في الدنيا سنة للنبي متبعة لم يولها إخلالا وعبثا، فبدر إلى ذلك التبديل عتوا منه، وما أكثر عبثه بالدين وحيفه بالمسلمين؟

ولعله اختار يوم الأربعاء لما ورد فيه من أنه أثقل الأيام، يوم نحس مستمر (١) فأراد أن يرفع النحوسة بصلاة الجمعة، ولم يعبأ باستلزام ذلك تغيير سنة الله التي لا تبديل لها، والجمعة سيد الأيام خير يوم طلعت عليه الشمس. (٢)

وبهذا وأمثاله يستهان بما يؤثر عن الرجل من تقديم وقت الجمعة إلى الضحى (٣) ووقتها المضروب لها في شريعة الاسلام الزوال لا غيره، وهي بدل الظهر، ووقتها وقتها وهذه سنة رسول الله صلى الله عليه وآله الثابتة المتبعة، فعن سلمة بن الأكوع قال: كنا نجمع مع النبي صلى الله عليه وسلم إذا زالت الشمس ثم نرجع نتبع الفئ (٤)

وعن سلمة أيضا قال: كنا نصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة وليس للحيطان فيئا يستظل به (٥)

وعن جابر بن عبد الله لما سئل متى كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الجمعة؟ قال:

كان يصلي ثم نذهب إلى جمالنا لنريحها حين تزول الشمس (٦)

وعن أنس بن مالك قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي الجمعة حين يميل الشمس. (٧)

وعن الزبير بن العوام قال: كنا نصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الجمعة ثم نبتدر الفئ فما يكون إلا موضع القدم أو القدمين. وفي رواية أبي معاوية: ثم نرجع فلا نجد

(١) راجع ثمار القلوب ص ٥٢١، ٥٢٢.

(٢) أخرجه الحاكم والترمذي والنسائي وأبو داود.

(٣) راجع فتح الباري ٢: ٣٠٩، نيل الأوطار ٣: ٣١٩، ٣٢٠.

(٤) صحيح مسلم ٣: ٩، سنن البيهقي ٣: ١٩٠، نصب الراية ٢: ١٩٥.

(٥) صحيح مسلم ٣: ٩، سنن البيهقي ٣: ١٩١.

(٦) مسند أحمد، سنن النسائي، صحيح مسلم ٣: ٨، ٩، سنن البيهقي ٣: ١٩٠، المحلى ٥: ٤٤.

(٧) صحيح البخاري، مسند أحمد، سنن أبي داود، سنن النسائي، سنن البيهقي ٣: ١٩٠ نصب الراية ٢: ١٩٥.

٦١
كتاب من حياة معاوية بن أبي سفيان للعلامة الأميني (ص ٦٢ - ص ٧٦)
٦٢

لا يتابع على حديثه بل عارضه ما هو أقوى منه. ثم ذكر من عمل أبي بكر وعمر وعلي على خلاف حديث ابن سيدان بأسانيد صحيحة.

فالسنة الثابتة في توقيت الجمعة هي السنة المتبعة في صلاة الظهر، وإقامة معاوية الجمعة في الضحى خروج عن سنة النبي صلى الله عليه وآله وهديه، وشذوذ عن سيرة السلف كشذوذه في بقية أفعاله وتروكه.

- ٦ -
أحدوثة الجمع بين الأختين

أخرج ابن المنذر عن القاسم بن محمد: إن حيا سألوا معاوية عن الأختين مما ملكت اليمين يكونان عند الرجل يطؤهما؟ قال: ليس بذلك بأس، فسمع بذلك النعمان ابن بشير، فقال: أفتيت بكذا وكذا؟ قال: نعم. قال: أرأيت لو كان عند الرجل أخته مملوكته يجوز له أن يطأها. قال: أما والله لربما وددتني أدرك، فقل لهم: اجتنبوا ذلك، فإنه لا ينبغي لهم؟ فقال: إنما الرحم من العتاقة وغيرها (١)

قال الأميني: هذا الباب المرتج فتحه عثمان كما أسلفنا تفصيله في الجزء الثامن ص ٢٢٠ - ٢٢٩ وقد عد ذلك من أحداثه، ولم يوافقه عليه أحد من السلف والخلف ممن يعبأ به وبرأيه، حتى جاء معاوية معليا على ذلك البنيان المتضعضع، معليا بما شذ عن الدين الحنيف، أخذ بأحدوثة ابن عمه، صفحا عن كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم، وقد أتينا هنالك في بطلانه بما لم يبق معه في القوس منزع.

- ٧ -
أحدوثة معاوية في الديات

أخرج الضحاك في الديات ص ٥٠ من طريق محمد بن إسحاق قال: سألت الزهري قلت: حدثني عن دية الذمي كم كانت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قد اختلف علينا فيها. فقال: ما بقي أحد بين المشرق والمغرب أعلم بذلك مني، كانت على عهد رسول الله ألف دينار وأبي بكر وعمر وعثمان حتى كان معاوية أعطى أهل القتيل خمسمائة دينار، و وضع في بيت المال خمسمائة دينار.

(١) الدر المنثور ٢: ١٣٧
٦٣
وفي لفظ البيهقي في سننه ٨: ١٠٢: كانت دية اليهود والنصارى في زمن النبي صلى الله عليه وسلم مثل دية المسلم وأبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم، فلما كان معاوية أعطى أهل المقتول النصف، وألقى النصف في بيت المال، قال: ثم قضى عمر بن عبد العزيز في النصف وألقى ما كان جعل معاوية.

وفي الجوهر النقي: ذكر أبو داود في مراسيله بسند صحيح عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن قال: كان عقل الذمي مثل عقل المسلم في زمن رسول الله وزمن أبي بكر وزمن عمر وزمن عثمان حتى كان صدرا من خلافة معاوية، فقال معاوية: إن كان أهله أصيبوا به فقد أصيب به بيت مال المسلمين، فاجعلوا لبيت مال المسلمين النصف ولأهله النصف خمسمائة دينار، ثم قتل رجل من أهل الذمة. فقال معاوية: لو إنا نظرنا إلى هذا الذي يدخل بيت المال فجعلناه وضيعا عن المسلمين وعونا لهم، قال لمن هناك: وضع عقلهم إلى خمسمائة.

وقال ابن كثير في تاريخه ٨: ١٣٩: قال الزهري: مضت السنة أن دية المعاهد كدية المسلم، وكان معاوية أول من قصرها إلى النصف وأخذ النصف.

قال الأميني: تقدم في الجزء الثامن ص ١٧٦: إن دية الذمي في دور النبوة لم يكن ألفا كما حسبه الزهري، ولم يذهب إليه أحد من أئمة المذاهب إلا أبا حنيفة وإن أول من جعلها ألفا هو عثمان، وعلى أي حال فما ارتكبه معاوية فيه بدع ثلاث.

١ - أخذ الدية ألفا.

٢ - تنصيفه بين ورثة المقتول وبيت المال.

٣ - وضعه حصة بيت المال أخيرا إن كانت الألف سنة ولبيت المال فيها حق.

فمرحى بخليفة يجهل حكما واحدا من الشريعة من شتى نواحيه، أو: يعلمه لكنه يتلاعب به كيفما حبذته له ميوله، وهو لا يقيم للحكم الإلهي وزنا، ولا يرى لله حدودا لا يتجاوزها، ويقول: لو أنا نظرنا. إلخ. ولا يبالي بما تقول على الله ولا يكترث لمغبة ما أحدثه في الدين وفي الذكر الحكيم قوله تعالى: ولو تقول علينا بعض الأقاويل، لأخذنا منه باليمين، ثم لقطعنا منه الوتين سورة الحاقة ٤٤، ٤٥، ٤٦.

٦٤

- ٨ -
ترك التكبير المسنون في الصلوات

أخرج الطبراني (وفي نيل الأوطار: الطبري) عن أبي هريرة: إن أول من ترك التكبير معاوية، وروى أبو عبيد: إن أول من تركه زياد.

وأخرج ابن أبي شيبة من طريق سعيد بن المسيب أنه قال: أول من نقص التكبير معاوية. (١)

قال ابن حجر في فتح الباري ٢: ٢١٥: هذا لا ينافي الذي قبله، لأن زيادا تركه بترك معاوية. وكان معاوية تركه بترك عثمان (٢)، وقد حمل ذلك جماعة من أهل العلم على الاخفاء.

وفي الوسائل إلى مسامرة الأوائل ص ١٥: أول من نقص التكبير معاوية كان إذا قال: سمع الله لمن حمده. انحط إلى السجود فلم يكبر، وأسنده العسكري عن الشعبي، وأخرج ابن أبي شيبة عن إبراهيم قال: أول من نقص التكبير زياد.

وفي نيل الأوطار للشوكاني ٢: ٢٦٦: هذه الروايات غير متنافية، لأن زيادا تركه بترك معاوية، وكان معاوية تركه بترك عثمان وقد حمل ذلك جماعة من أهل العلم على الاخفاء، وحكى الطحاوي: إن بني أمية كانوا يتركون التكبير في الخفض دون الرفع، وما هذه بأول سنة تركوها.

وأخرج الشافعي في كتابه " الأم " ١: ٩٣ من طريق أنس بن مالك قال: صلى معاوية بالمدينة صلاة فجهر فيها بالقرائة فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم لأم القرآن ولم يقرأ بها للسورة التي بعدها حتى قضى تلك القرائة، ولم يكبر حين يهوي حتى قضى تلك - الصلاة، فلما سلم ناداه من سمع ذلك من المهاجرين من كل مكان: يا معاوية؟ أسرقت الصلاة أم نسيت؟ فلما صلى بعد ذلك قرأ بسم الله الرحمن الرحيم للسورة التي بعد أم القرآن وكبر حين يهوي ساجدا.

وأخرج في كتاب " الأم " ١: ٩٤. من طريق عبيد بن رفاعة: أن معاوية قدم المدينة

(١) فتح الباري ٢: ٢١٥، تاريخ الخلفاء للسيوطي ص ١٣٤، نيل الأوطار ٢: ٢٦٦، شرح الموطأ للزرقاني ١: ١٤٥.

(٢) أخرج حديثه أحمد في مسنده من طريق عمران كما يأتي في المتن بعيد هذا

٦٥
فصلى بهم فلم يقرأ ببسم الله الرحمن الرحيم ولم يكبر إذا خفض وإذا رفع، فناداه المهاجرون حين سلم والأنصار: أن يا معاوية! سرقت صلاتك؟ أين بسم الله الرحمن الرحيم؟ وأين التكبير إذا خفضت وإذا رفعت؟ فصلى بهم صلاة أخرى، فقال: ذلك فيما الذي عابوا عليه.

وأخرجه من طريق أنس صاحب " الانتصار " كما في البحر الزخار ١: ٢٤٩.

قال الأميني: تنم هذه الأحاديث عن أن البسملة لم تزل جزئا من السورة منذ نزول القرآن الكريم، وعلى ذلك تمرنت الأمة، وانطوت الضمائر، وتطامنت العقائد، و لذلك قال المهاجرون والأنصار لما تركها معاوية: إنه سرق ولم يتسن لمعاوية أن يعتذر لهم بعدم الجزئية حتى التجأ إلى إعادة الصلاة مكللة سورتها بالبسملة، أوانه إلتزم بها في بقية صلواته، ولو كان هناك يومئذ قول بتجرد السورة عنها لاحتج به معاوية لكنه قول حادث ابتدعوه لتبرير عمل معاوية ونظرائه من الأمويين الذين اتبعوه بعد تبين الرشد من الغي.

وأما التكبير عند كل هوي وانتصاب فهي سنة ثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وآله عرفها الصحابة كافة فأنكروا على معاوية تركها، وعليها كان عمل الخلفاء الأربعة، واستقر عليها إجماع العلماء وهي مندوبة عندهم عدا ما يؤثر عن أحمد في إحدى الروايتين عنه من وجوبها وكذلك عن بعض أهل الظاهر، وإليك جملة مما ورد في المسألة:

١ - عن مطرف بن عبد الله قال: صليت خلف علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنا وعمران بن حصين فكان إذا سجد كبر، وإذا رفع رأسه كبر، وإذا نهض من الركعتين كبر، فلما قضى الصلاة أخذ بيدي عمران بن حصين فقال: قد ذكرني هذا صلاة محمد، أو قال:

لقد صلى بنا صلاة محمد صلى الله عليه وسلم.

وفي لفظ لأحمد: قال عمران: ما صليت منذ حين. أو قال: منذ كذا كذا أشبه بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم من هذه الصلاة. صلاة علي.

وفي لفظ آخر له: عن مطرف عن عمران قال: صليت خلف علي صلاة ذكرني صلاة صليتها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم والخليفتين قال: فانطلقت فصليت معه فإذا هو يكبر كلما سجد وكلما رفع رأسه من الركوع فقلت: يا أبا نجيد من أول من تركه؟ قال عثمان بن عفان رضي الله عنه حين كبر وضعف صوته تركه.

٦٦
صحيح البخاري ٢: ٥٧، ٧٠، صحيح مسلم ٢: ٨، سنن أبي داود ١: ١٣٣، سنن النسائي ٢: ٢٠٤، مسند أحمد ٤: ٤٢٨، ٤٢٩، ٤٣٢، ٤٤٠، ٤٤٤، البحر الزخار ١: ٢٥٤.

٢ - عن أبي هريرة أنه كان يصلي بهم فيكبر كلما خفض ورفع فإذا انصرف قال:

إني لأشبهكم صلاة برسول الله. وفي لفظ للبخاري: فلم تزل تلك صلاته حتى لقي الله.

راجع صحيح البخاري ٢: ٥٧، ٥٨، صحيح مسلم ٢: ٧ بعدة طرق وألفاظ، سنن النسائي ٢: ١٨١، ٢٣٥، سنن أبي داود ١: ١٣٣، سنن الدارمي ١: ٢٨٥، المدونة الكبرى ١: ٧٣، نصب الراية ١: ٣٧٢، البحر الزخار ١: ٢٥٥.

٣ - عن عكرمة قال: رأيت رجلا عند المقام يكبر في كل خفض ورفع وإذا قام وإذا وضع فأخبرت ابن عباس رضي الله عنه قال: أو ليس تلك صلاة النبي صلى الله عليه وسلم لا أم لك.

وفي لفظ: عن عكرمة صليت خلف شيخ بمكة فكبر ثنتين وعشرين تكبيرة، فقلت لابن عباس: إنه أحمق فقال: ثكلتك أمك سنة أبي القاسم صلى الله عليه وسلم.

صحيح البخاري ٢: ٥٧، ٥٨، مسند أحمد ١: ٢١٨، البحر الزخار ١: ٢٥٥.

قال الأميني: يظهر من هذه الرواية أن تغيير الأمويين هذه السنة الشريفة وفي مقدمهم معاوية كان مطردا بين الناس حتى كادوا أن ينسوا السنة فحسبوا من ناء بها أحمقا، أو تعجبوا منه كأنه أدخل في الشريعة ما ليس منها، كل ذلك من جراء ما اقترفته يدا معاوية وحزبه الأثيمتان، وجنحت إليه ميولهم وشهواتهم، فبعدا لأولئك القصيين عما جاء به محمد صلى الله عليه وآله وسلم.

٤ - عن علي وابن مسعود وأبي موسى الأشعري وأبي سعيد الخدري وغيرهم:

إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكبر عند كل خفض ورفع. صحيح البخاري ٢: ٧٠، سنن الدارمي ١: ٢٨٥، سنن النسائي ٢: ٢٠٥، ٢٣٠، ٢٣٣، المدونة الكبرى ١: ٧٣، نصب الراية ١: ٣٧٢، بدايع الصنايع ١: ٢٠٧، منتقى الأخبار لابن تيمية، البحر الزخار ١: ٢٥٤.

٥ - أخرج أحمد وعبد الرزاق والعقيلي من طريق عبد الرحمن بن غنم قال: إن أبا

٦٧
مالك الأشعري [الصحابي الشهير بكنيته] قال لقومه: قوموا حتى أصلي بكم صلاة النبي صلى الله عليه وسلم فصففنا خلفه وكبر. إلى آخر الحديث المذكور بطوله في ج ٨: ١٨١ وفيه إنه كبر في كل خفض ورفع.

٦ - عن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكبر كلما خفض ورفع، فلم تزل تلك صلاته حتى قبضه الله.

المدونة الكبرى ١: ٧٣، نصب الراية ١: ٣٧٢.

٧ - في المدونة الكبرى ١: ٧٢: إن عمر بن عبد العزيز كتب إلى عماله يأمرهم أن يكبروا كلما خفضوا ورفعوا في الركوع والسجود إلا في القيام من التشهد بعد الركعتين لا يكبر حتى يستوي قائما مثل قول مالك.

هذه سنة الله ورسوله صلى الله عليه وآله في تكبير الصلوات عند كل هوي وانتصاب، وبها أخذ الخلفاء، وإليها ذهبت أئمة المذاهب، وعليها استقر الإجماع، غير أن معاوية يقابلها بخلافها ويغيرها برأيه ويتخذ الأمويون أحدوثته سنة متبعة تجاه ما جاء به نبي الاسلام.

قال ابن حجر في فتح الباري ٢: ٢١٥ استقر الأمر على مشروعية التكبير في الخفض والرفع لكل مصل، فالجمهور على ندبية ما عدا تكبيرة الاحرام، وعن أحمد وبعض أهل العلم بالظاهر يجب كله.

وقال في ص ٢١٦: أشار الطحاوي إلى أن الإجماع استقر على أن من تركه فصلاته تامة، وفيه نظر لما تقدم عن أحمد، والخلاف في بطلان الصلاة بتركه ثابت في مذهب مالك إلا أن يريد إجماعا سابقا.

وقال النووي في شرح مسلم: إعلم أن تكبيرة الاحرام واجبة وما عداها سنة لو تركه صحت صلاته لكن فاتته الفضيلة وموافقة السنة، هذا مذهب العلماء كافة إلا أحمد بن حنبل رضي الله عنهم في إحدى الروايتين عنه إن جميع التكبيرات واجبة.

وقال الشوكاني في نيل الأوطار ٢: ٢٦٥: حكى مشروعية التكبير في كل خفض ورفع عن الخلفاء الأربعة وغيرهم ومن بعدهم من التابعين قال: وعليه عامة الفقهاء والعلماء، وحكاه ابن المنذر عن أبي بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وابن مسعود،

٦٨
وابن عمر، وجابر، وقيس بن عباد، والشافعي، وأبي حنيفة، والثوري، والأوزاعي، ومالك، وسعيد بن عبد العزيز، وعامة أهل العلم، وقال البغوي في شرح السنة: اتفقت الأمة على هذه التكبيرات.

وعن ابن عبد البر في شرح الموطأ للزرقاني ١: ١٤٥: وقد اختلف في تاركه فقال ابن القاسم: إن أسقط ثلاث تكبيرات سجد لسهوه وإلا بطلت، وواحدة أو اثنتين سجد أيضا، فإن لم يسجد فلا شيئ عليه، وقال عبد الله بن عبد الحكم وأصبغ: إن سها سجد فإن لم يسجد فلا شيئ عليه، وعمدا أساء وصلاته صحيحة، وعلى هذا فقهاء الأمصار من الشافعيين والكوفيين وأهل الحديث والمالكيين إلا من ذهب منهم مذهب ابن القاسم.

- ٩ -
ترك التلبية خلافا لعلي عليه السلام

أخرج النسائي في سننه ٥: ٢٥٣، والبيهقي في السنن الكبرى ٥: ١١٣ من طريق سعيد بن جبير قال: كان ابن عباس بعرفة فقال: يا سعيد! مالي لا أسمع الناس يلبون؟

فقلت: يخافون معاوية. فخرج ابن عباس من فسطاطه فقال: لبيك أللهم لبيك، وإن رغم ألف معاوية، اللهم العنهم فقد تركوا السنة من بغض علي.

وقال السندي في تعليق سنن النسائي: (من بغض علي) أي لأجل بغضه، أي وهو كان يتقيد بالسنن فهؤلاء تركوها بغضا له.

وفي كنز العمال: عن ابن عباس قال: لعن الله فلانا إنه كان ينهى عن التلبية في هذا اليوم يعني يوم عرفة، لأن عليا كان يلبي فيه. ابن جرير.

وفي لفظ أحمد في المسند ١: ٢١٧ عن سعيد بن جبير قال: أتيت ابن عباس بعرفة وهو يأكل رمانا فقال: أفطر رسول الله بعرفة وبعثت إليه أم الفضل بلبن فشربه. وقال:

لعن الله فلانا عمدوا إلى أعظم أيام الحج فمحوا زينته، وإنما زينة الحج التلبية. وحكاه في كنز العمال عن ابن جرير الطبري.

وفي تاريخ ابن كثير ٨: ١٣٠ من طريق صحيح عن سفيان عن حبيب عن سعيد عن ابن عباس إنه ذكر معاوية وإنه لبى عشية عرفة فقال فيه قولا شديدا، ثم بلغه أن

٦٩
عليا لبى عشية عرفة فتركه.

وقال ابن حزم في المحلى ٧: ١٣٦: كان معاوية ينهى عن ذلك.

قال الأميني: إن السنة المسلمة عند القوم استمرار التلبية إلى رمي جمرة العقبة أو لها أو آخرها على خلاف فيه. وإليك ما يؤثر منها عندهم:

١ - عن الفضل: أفضت مع النبي صلى الله عليه وسلم من عرفات فلم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة، ويكبر مع كل حصاة، ثم قطع التلبية مع آخر حصاة. وفي لفظ: لم يزل يلبي حتى بلغ الجمرة.

صحيح البخاري ٣: ١٠٩، صحيح مسلم ٤: ٧١، صحيح الترمذي ٤: ١٥٠، قال: وفي الباب عن علي، وابن مسعود، وابن عباس، سنن النسائي ٥: ٢٦٨، ٢٧٥، ٢٧٦، سنن ابن ماجة ٢: ٢٤٤، سنن أبي داود ١: ٢٨٧، سنن الدارمي ٢: ٦٢، سنن البيهقي ٥: ١١٢، ١١٩، كتاب الأم ٢: ١٧٤ وقال: وروى ابن مسعود عن النبي مثله. هـ. مسند أحمد ١: ٢٢٦، وأخرجه ابن خزيمة وقال: هذا حديث صحيح مفسرا لما أبهم في الروايات الأخرى (١) وقال الترمذي: والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم.

٢ - عن جابر بن عبد الله وأسامة وابن عباس: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لزم التلبية و لم يقطعها حتى رمى جمرة العقبة.

راجع صحيح البخاري ٣: ١١٤، سنن ابن ماجة ٢: ٢٤٤، المحلى ٧: ١٣٦، بدايع الصنايع ٢: ١٥٦.

٣ - عن عبد الرحمن بن يزيد: إن عبد الله بن مسعود لبى حين أفاض من جمع فقيل له:

عن أي هذا؟ " وفي لفظ مسلم: فقيل: أعرابي هذا " فقال: أنسي الناس أم ضلوا؟ سمعت الذي أنزلت عليه سورة البقرة يقول في هذا المكان: لبيك أللهم لبيك.

راجع صحيح مسلم ١: ٣٦٣ وفي ط ٤: ٧١، ٧٢، سنن البيهقي ٥: ١٢٢، المحلى ٧: ١٣٥ وصححه، ورواه الطحاوي بإسناد صحيح كما في فتح الباري ٣: ٤٢٠، بدايع الصنايع ٢: ١٥٤.

(١) نيل الأوطار ٥: ٥٥.
٧٠
٤ - عن كريب مولى ابن عباس: إن ميمونة أم المؤمنين لبت حين رمت الجمرة.

كتاب الأم ٢: ١٧٤، سنن البيهقي ٥: ١١٣، المحلى ٧: ١٣٦ ٥ - عن ابن عباس: تلبي حتى تأتي حرمك إذا رميت الجمرة.

سنن البيهقي ٥: ١١٣.

٦ - عن ابن عباس أيضا: سمعت عمر يلبي غداة المزدلفة.

المحلى لابن حزم ٧: ١٣٦.

٧ - عن ابن عباس أيضا: سمعت عمر بن الخطاب يهل وهو يرمي جمرة العقبة فقلت له: فيما الاهلال يا أمير المؤمنين؟ فقال: وهل قضينا نسكنا بعد؟

كتاب الأم مختصرا ٢: ١٧٤، سنن البيهقي ٥: ١١٣، المحلى، ٧: ١٣٦.

٨ - عن ابن عباس أيضا: حججت مع عمر إحدى عشرة حجة وكان يلبي حتى يرمي الجمرة.

أخرجه سعيد بن منصور كما في فتح الباري ٣: ٤١٩.

٩ - عن ابن عباس أيضا: التلبية شعار الحج فإن كنت حاجا فلب حتى بدء حلك، وبدء حلك أن ترمي جمرة العقبة.

أخرجه ابن المنذر بإسناد صحيح كما في فتح الباري ٣: ٤١٩.

١٠ - عن ابن مسعود: لا يمسك الحاج عن التلبية حتى يرمي جمرة العقبة.

المحلى لابن حزم ٧: ١٣٦.

١١ - عن الأسود بن يزيد: إنه سمع عمر بن الخطاب يلبي بعرفة.

سنن البيهقي ٥: ١١٣، المحلى ٧: ١٣٦.

١٢ - أخرج ابن أبي شيبة من طريق عكرمة يقول: أهل رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى رمى الجمرة، وأبو بكر وعمر.    المحلى ٧: ١٣٦.

١٣ - عن أنس بن مالك في الجواب عن التلبية يوم عرفة: سرت هذا المسير مع النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه فمنا المكبر، ومنا المهل، ولا يعيب أحدنا على صاحبه. صحيح مسلم ٤: ٧٣.

٧١
١٤ - عن عائشة، كانت تلبي بعد عرفة. المحلي ٧: ٣٦.

١٥ - عن عبد الرحمن الأسود: إن أباه صعد إلى ابن الزبير المنبر يوم عرفة فقال له: ما يمنعك أن تهل؟ فقد رأيت عمر في مكانك هذا يهل فأهل ابن الزبير.

المحلى لابن حزم ٧: ١٣٦.

١٦ - عن مولانا أمير المؤمنين إنه لبى حتى رمى جمرة العقبة. المحلى ٧: ١٣٦.

١٧ - عن مولانا علي أيضا إنه لبى في الحج حتى إذا زاغت الشمس من يوم عرفة قطع التلبية.

أخرجه مالك في الموطأ ١: ٢٤٧ وقال: وذلك الأمر الذي لم يزل عليه أهل العلم ببلدنا. وذكره صاحب البحر الزخار ٢: ٣٤٢.

١٨ - عن عكرمة: كنت مع الحسين بن علي " عليهما السلام " فلبى حتى رمى جمرة العقبة.

هذه هي السنة المتسالم عليها عند القوم، وبها أخذت أئمة الفقه والفتوى قال ابن حزم في المحلى ٧: ١٣٥: لا يقطع التلبية إلا مع آخر حصاة من جمرة العقبة، فإن مالكا قال: يقطع التلبية إذا نهض إلى عرفة، ثم زيف أدلة مالك، وأنت سمعت قول مالك قبيل هذا وإنه يخالف ما عزاه إليه ابن حزم.

وقال في ص ١٣٦: لا يقطعها حتى يرمي الجمرة وهو قول أبي حنيفة والشافعي و أحمد وإسحاق وأبي سليمان.

وقال ملك العلماء في البدايع ٢: ١٥٤: لا يقطع التلبية وهذا قول عامة العلماء، وقال مالك: إذا وقف بعرفة يقطع التلبية والصحيح قول العامة.

وقال ابن حجر في فتح الباري ٣: ٤١٩: وباستمرارها قال الشافعي وأبو حنيفة والثوري وأحمد وإسحاق وأتباعهم.

وفي نيل الأوطار ٥: ٥٥: إن التلبية تستمر إلى رمي جمرة العقبة، وإليه ذهب الجمهور.

هذا ما تسالمت عليه الأمة سلفا وخلفا، لكن معاوية جاء متهاونا بالسنة لمحض أن عليا عليه السلام كان ملتزما بها، فحدته بغضاءه إلى مضادته ولو لزمت مضادة السنة،

٧٢
ومحو زينة الحج، هذه نظرية خليفة المسلمين فيما حسبوه، وهذا مبلغه من الدين ومبوأه من الأخذ بسنة نبيه صلى الله عليه وآله فلهفي على المسلمين من متغلب عليهم باسم الخلافة.

وإني لست أدري أكان من السائغ الجائز لعن ابن عباس وهو محرم في ذلك الموقف العظيم، في مثل يوم عرفة اليوم المشهود معاوية باغض علي أمير المؤمنين ومناوئه تارك سنة محمد صلى الله عليه وآله وسلم؟ هلا كان حبر الأمة يعلم أن الصحابة كلهم عدول؟ أو أن الصحابي كائنا من كان لا يجوز سبه؟ أو أن معاوية مجتهد وللمخطأ من المجتهدين أجر واحد؟ أنا لا أدري، غير أن ابن عباس لا يقول بالتافه ولا يخبت إلى الخرافة.

وما أظلم معاوية الجاهل بأحكام الله؟ فإنه يخالف هاهنا عليا عليه السلام وهو بكله حاجة وافتقار إلى علم الإمام الناجع، قال سعيد بن المسيب: إن رجلا من أهل الشام وجد رجلا مع امرأته فقتله وقتلها فأشكل على معاوية الحكم فيه فكتب إلى أبي موسى ليسأل له علي بن أبي طالب رضي الله عنهم فقال له علي رضي الله عنه: هذا شيئ ما وقع بأرضي عزمت عليك لتخبرني. فقال له أبو موسى: إن معاوية كتب إلي به أن أسألك فيه. فقال علي رضي الله عنه: أنا أبو الحسن إن لم يأت بأربعة شهداء فليعط برمته. (١)

أخرجه مالك في الموطأ ٢: ١١٧، سنن البيهقي ٨: ٢٣١، تيسير الوصول ٤: ٧٣

لفت نظر

هذه النزعة الأموية الممقوتة بقيت موروثة عند من تولى معاوية جيلا بعد جيل فترى القوم يرفعون اليد عن السنة الثابتة خلافا لشيعة أمير المؤمنين عليه السلام، أو إحياء لما سنته يد الهوى تجاه الدين الحنيف. كما كان معاوية يفعل ذلك إحياء لما أحدثه خليفة بيته الساقط تارة، كما مر في الإتمام في السفر ومواضع أخرى، وخلافا للإمام آونة كما في التلبية وغيرها.

قال الشيخ محمد بن عبد الرحمن الدمشقي في كتاب " رحمة الأمة في اختلاف الأئمة " المطبوع بهامش الميزان للشعراني ١: ٨٨: السنة في القبر التسطيح، وهو أولى على الراجح من مذهب الشافعي. وقال أبو حنيفة ومالك وأحمد: التسنيم أولى لأن التسطيح

(١) الرمة: الحبل الذي يقاد به الجاني.
٧٣
صار شعارا للشيعة.

وقال الغزالي والماوردي: إن تسطيح القبور هو المشروع لكن لما جعلته الرافضة شعارا لهم عدلنا عنه إلى التسنيم.

وقال مصنف " الهداية " من الحنفية: إن المشروع التختم في اليمين ولكن لما اتخذته الرافضة جعلناه في اليسار. هـ.

وأول من اتخذ التختم باليسار خلاف السنة هو معاوية كما في ربيع الأبرار للزمخشري.

وقال الحافظ العراقي في بيان كيفية إسدال طرف العمامة: فهل المشروع إرخاؤه من الجانب الأيسر كما هو المعتاد أو الأيمن لشرفه؟ لم أر ما يدل على تعيين الأيمن إلا في حديث ضعيف عند الطبراني، وبتقدير ثبوته فلعله كان يرخيها من الجانب الأيمن ثم يردها إلى الجانب الأيسر كما يفعله بعضهم، إلا أنه صار شعارا للإمامية فينبغي تجنبه لترك التشبه بهم. شرح المواهب للزرقاني ٥: ١٣.

وقال الزمخشري في تفسيره ٢: ٤٣٩: القياس جواز الصلاة على كل مؤمن لقوله تعالى: هو الذي يصلي عليكم. وقوله تعالى: وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم. وقوله صلى الله عليه وسلم: أللهم صل على آل أبي أوفى. ولكن للعلماء تفصيلا في ذلك وهو: إنها إن كانت على سبيل التبع كقولك صلى الله على النبي وآله فلا كلام فيها، وأما إذا أفرد غيره من أهل البيت بالصلاة كما يفرد هو فمكروه لأن ذلك شعار لذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم ولأنه يؤدي إلى الاتهام بالرفض، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من كان يؤمن بالله و اليوم الآخر فلا يقفن مواقف التهم.

وقال ابن تيمية في منهاجه ٢: ١٤٣ عند بيان التشبه بالروافض: ومن هنا ذهب من ذهب من الفقهاء إلى ترك بعض المستحبات إذا صارت شعارا لهم، فإنه وإن لم يكن الترك واجبا لذلك لكن في إظهار ذلك مشابهة لهم فلا يتميز السني من الرافضي، و مصلحة التمييز عنهم لأجل هجرانهم ومخالفتهم أعظم من مصلحة هذا المستحب.

ثم جعل هذا كالتشبه بالكفار في وجوب التجنب عن شعارهم، وسيوافيك التفصيل في بيان هذه كلها ونظراؤها عند الكلام عن الفتاوى الشاذة عن الكتاب والسنة إن

٧٤
شاء الله تعالى.

وقال الشيخ إسماعيل البروسوي في تفسيره [روح البيان] ٤: ١٤٢: قال في عقد الدرر واللئالي: (١) المستحب في ذلك اليوم - يعني يوم عاشوراء - فعل الخيرات من الصدقة والصوم والذكر وغيرهما، ولا ينبغي للمؤمن أن يتشبه بيزيد الملعون في بعض الأفعال، وبالشيعة والروافض والخوارج أيضا. يعني لا يجعل ذلك اليوم يوم عيد أو يوم مأتم، فمن اكتحل يوم عاشوراء فقد تشبه بيزيد الملعون وقومه، وإن كان للاكتحال في ذلك اليوم أصل صحيح، فإن ترك السنة سنة إذا كان شعارا لأهل البدعة كالتختم باليمين فإنه في الأصل سنة لكنه لما كان شعار أهل البدعة والظلمة صارت السنة أن يجعل الخاتم في خنصر اليد اليسرى في زماننا كما في شرح القهستاني.

ومن قرأ يوم عاشوراء وأوائل المحرم مقتل الحسين رضي الله عنه، فقد تشبه بالروافض، خصوصا إذا كان بألفاظ مخلة بالتعظيم لأجل تحزين السامعين، وفي كراهية القهستاني: لو أراد ذكر مقتل الحسين ينبغي أن يذكر أولا مقتل سائر الصحابة لئلا يشابه الروافض.

وقال حجة الاسلام الغزالي: يحرم على الواعظ وغيره رواية مقتل الحسين و حكايته وما جرى بين الصحابة من التشاجر والتخاصم، فإنه يهيج بغض الصحابة والطعن فيهم وهم أعلام الدين، وما وقع بينهم من المنازعات فيحمل على محامل صحيحة، ولعل ذلك لخطأ في الاجتهاد لا لطلب الرياسة والدنيا كما لا يخفى. ا هـ.

وقال ابن حجر في فتح الباري ١١: ١٤٢: تنبيه: اختلف في السلام على غير الأنبياء بعد الاتفاق على مشروعيته في تحية الحي، فقيل: يشرع مطلقا. وقيل: بل تبعا ولا يفرد لواحد لكونه صار شعارا للرافضة. ونقله النووي عن الشيخ أبي محمد الجويني.

- ١٠ -
أحدوثة تقديم الخطبة على الصلاة

قال الزرقاني في شرح الموطأ ١: ٣٢٤ في بيان كون الصلاة قبل الخطبة في العيدين:

(١) في فضل الشهور والأيام والليالي للشيخ شهاب الدين أحمد بن أبي بكر الحموي الشهير بالرسام.
٧٥
ففي الصحيحين عن ابن عباس شهدت العيد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر فكلهم كانوا يصلون قبل الخطبة، واختلف في أول من غير ذلك، ففي مسلم عن طارق بن شهاب: أول من بدأ بالخطبة يوم العيد قبل الصلاة مروان، وفي رواية ابن المنذر بسند صحيح عن الحسن البصري: أول من خطب قبل الصلاة عثمان صلى بالناس ثم خطبهم أي على العادة فرأى ناسا لم يدركوا الصلاة ففعل ذلك أي صار يخطب قبل الصلاة، وهذه العلة غير التي اعتل بها مروان لأن عثمان راعى مصلحة الجماعة في إدراكهم الصلاة، وأما مروان فراعى مصلحتهم في إسماعهم الخطبة، لكن قيل: إنهم في زمنه كانوا يتعمدون ترك سماعهم لما فيها من سب من لا يستحق السب والافراط في مدح بعض الناس، فعلى هذا إنما راعى مصلحة نفسه، ويحتمل أن عثمان، فعل ذلك أحيانا بخلاف مروان فواظب عليه فلذا نسب إليه، وعن عمر مثل فعل عثمان، قال عياض ومن تبعه: لا يصح عنه. وفيه نظر لأن عبد الرزاق وابن أبي شيبة روياه جميعا عن ابن عيينة عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن يوسف بن عبد الله بن سلام، وهذا إسناد صحيح، لكن يعارضه حديثا ابن عباس وابن عمر، فإن جمع بوقوع ذلك منه نادرا و إلا فما في الصحيحين أصح.

وأخرج الشافعي عن عبد الله بن يزيد نحو حديث ابن عباس وزاد حتى قدم معاوية فقدم الخطبة، وهذا يشير إلى أن مروان إنما فعل ذلك تبعا لمعاوية، لأنه كان أمين المدينة من جهته، وروى عبد الرزاق عن ابن جريج عن الزهري: أول من أحدث الخطبة قبل الصلاة في العيد معاوية، وروى ابن المنذر عن ابن سيرين: أول من فعل ذلك زياد بالبصرة. قال عياض: ولا مخالفة بين هذين الأثرين وأثر مروان لأن كلا من مروان وزياد كان عاملا لمعاوية فيحمل على أنه ابتدأ ذلك وتبعه عماله. ا هـ

وقال السكتواري في محاضرة الأوائل ص ١٤٤: أول من بدأ بالخطبة قبل الصلاة معاوية، وجرى ذلك في الأمراء المروانية كمروان وزياد وهو فعله بالعراق، و معاوية بالمدينة شرفها الله تعالى.

قال الأميني: مر في الجزء الثامن ص ١٦٤ - ١٧١ بيان السنة الثابتة في خطبة العيدين، وانها بعد الصلاة كما مضى عليه الرسول الأمين صلى الله عليه وآله واتبعه الشيخان و

٧٦
كتاب من حياة معاوية بن أبي سفيان للعلامة الأميني (ص ٧٧ - ص ٩١)
٧٧
المؤمنين إجعلها في ذنوبك التي تتوب منها. فخلى سبيلها، فكان أول حد ترك في الاسلام (١).

قال الأميني: أفهل عرف معاوية من هذا اللص خصوصية استثنته من حكم الكتاب النهائي العام " السارق والسارقة فاقطعوا أيديهما "؟! أم أن الرأفة بأمه تركت حدا من حدود الله لم يقم؟! وفي الذكر الحكيم: من يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه (٢) تلك حدود الله فلا تعتدوها، ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون (٣) ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها (٤) أم أنه كان لمعاوية مؤمن من العقاب غدا وإن تعمد اليوم بإلغاء حد من حدود الله؟ وهل نية التوبة عن المعصية تبيح اجتراح تلك السيئة؟ أن هذا لشيئ عجاب، ومن ذا الذي طمنه بأنه سيوفق للتوبة عنها ولا يحول بينه وبينها ذنوب تسلبه التوفيق، أو عظائم تسلبه الإيمان، أو استخفاف بالشريعة ينتهي به إلى نار الخلود؟ ويظهر منه أن التعمد باقتراف الذنوب بأمل التوبة كان مطردا عند معاوية، وهذا مما يخل بأنظمة الشريعة، ونواميس الدين، وطقوس الاسلام، فإن النفوس الشريرة إنما تترك أكثر المعاصي خوفا من العقوبة الفعلية، فإن زحزحت عنها بأمثال هذه التافهات لم يبق محظور - يفسد النفوس، ويقلق السلام، ويعكر صفو الاسلام - إلا وقد عمل به، و هذا نقص لغاية التشريع، وإقامة الحدود الكابحة لجماح الجرأة على الله ورسوله.

وهب أن التوبة مكفرة للعصيان في الجملة، ولكن من ذا الذي أنبأه إنها من تلك التوبة المقبولة؟ إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب فأولئك يتوب الله عليهم، وكان الله عليما حكيما، وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن ولا الذين يموتون وهم كفار، أولئك أعتدنا لهم عذابا أليما (٥).

(١) الأحكام السلطانية ص ٢١٩، تاريخ ابن كثير ٨: ١٣٦، محاضرة السكتواري ص ١٦٤.

(٢) سورة الطلاق: ١.

(٣) سورة البقرة: ٢٢٩.

(٤) سورة النساء: ١٤.

(٥) سورة النساء: ١٧، ١٨.

٧٨

- ١٢ -
معاوية ولبسه ما لا يجوز

أخرج أبو داود من طريق خالد قال: وفد المقدام بن معدي كرب وعمرو بن الأسود ورجل من بني أسد من أهل قنسرين إلى معاوية بن أبي سفيان فقال معاوية للمقدام: أعلمت أن الحسن بن علي توفي؟ فرجع المقدام فقال له رجل (١) أتراها مصيبة؟ فقال: ولم لا أراها مصيبة؟ وقد وضعه رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجره فقال: هذا مني وحسين من علي.

فقال الأسدي: جمرة أطفأها الله عز وجل قال فقال المقدام: أما أنا فلا أبرح اليوم حتى أغيظك وأسمعك ما تكره ثم قال: يا معاوية! إن أنا صدقت فصدقني. وإن أنا كذبت فكذبني، قال: أفعل. قال فأنشدك بالله هل تعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن لبس الحرير؟

قال: نعم. قال: فأنشدك بالله هل سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عن لبس الذهب؟ قال نعم. قال: فأنشدك بالله هل تعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن لبس جلود السباع والركوب عليها؟ قال: نعم. قال فوالله لقد رأيت هذا كله في بيتك يا معاوية! فقال معاوية: قد علمت أني لن أنجو منك يا مقدام! (٢)

قال الأميني: هل يرجى خير ممن اعترف بكل ما قيل له من المحظورات المتسالم عليها التي ارتكبها؟ فهلا أقلع عنها لما ذكر بحكمها الذي نسيه أو لم يعبأ به؟ لكن الرجل طاغوت يعمل عمل الفراعنة ولم يكترث لمغبته، ولم يبالي بمخالفة السنة الثابتة، فزه به من خليفة تولى أمر الأمة بغير مرضاتها، وتغلب على إمرتها من دون أي حنكة.

قد جاء في كتاب لأمير المؤمنين عليه السلام إلى عمرو بن العاص قوله: فإنك قد جعلت دينك تبعا لدينا امرئ ظاهر غيه، مهتوك ستره. إلخ.

قال ابن أبي الحديد في شرح النهج ٤: ٦٠: فأما قوله عليه السلام في معاوية " ظاهر غيه " فلا ريب في ظهور ضلاله وبغيه وكل باغ غاو. وأما " مهتوك ستره " فإنه كان كثير الهزل والخلاعة صاحب جلساء وسمار، ومعاوية لم يتوقر ولم يلزم قانون الرياسة

(١) في مسند أحمد ٤ ص ١٣٠: فقال له معاوية: أتراها مصيبة. انظر إلى أمانة أبي داود.

(٢) سنن أبي داود ٢: ١٨٦.

٧٩
إلا منذ خرج على أمير المؤمنين، واحتاج إلى الناموس والسكينة وإلا فقد كان في أيام عثمان شديد الهتك موسوما بكل قبيح، وكان في أيام عمر يستر نفسه قليلا خوفا منه إلا أنه كان يلبس الحرير والديباج، ويشرب في آنية الذهب والفضة ويركب البغلات ذوات السروج المحلاة بهما جلال الديباج والوشي، وكان حينئذ شابا، وعنده نزق الصبا، وأثر الشبيبة، وسكر السلطان والأمرة، ونقل الناس عنه في كتب السيرة إنه كان يشرب الخمر في أيام عثمان في الشام، وأما بعد وفاة أمير المؤمنين واستقرار الأمر له فقد اختلف فيه، فقيل: إنه شرب الخمر في ستر. وقيل: إنه لم يشرب. ولا خلاف في أنه سمع الغناء وطرب عليه وطرب عليه وأعطى ووصل إليه أيضا.

إقرأ وتبصر.

- ١٣ -
مأساة الاستلحاق
سنة أربع وأربعين

كان من ضروريات الاسلام إلى هذه السنة ٤٤، إلى هذا اليوم الأشنع الذي تقدم فيه ابن آكلة الأكباد ببدعته الخرقاء على ما قاله رسول الله صلى الله عليه وآله بملأ فمه المبارك، و اتخذته الأمة أصلا مسلما في باب الأنساب: الولد للفراش وللعاهر الحجر.

جاء هذا الحديث من طريق أبي هريرة في الصحاح الست: صحيح البخاري ٢: ١٩٩ في - الفرائض، صحيح مسلم ١: ٤٧١ في الرضاع، صحيح الترمذي ١: ١٥٠، و ج ٢: ٣٤، سنن النسائي ٢: ١١٠، سنن أبي داود ١: ٣١٠، سنن البيهقي ٧: ٤٠٢، ٤١٢.

ومن طريق عائشة أخرجه الحفاظ المذكورون إلا الترمذي كما في نصب الراية للزيلعي ٣: ٢٣٦.

ومن طريق عمر وعثمان في سنن البيهقي ٧: ٤١٢، ومن طريق عبد الله بن عمرو، أخرجه أبو داود في اللعان ١: ٣١٠، وأخرجه أحمد في مسنده من غير طريق ج ١: ١٠٤، ج ٢: ٤٠٩، ج ٥: ٣٢٦ وغيرها.

وصح عند الأمة قول نبيها صلى الله عليه وآله: من ادعى أبا في الاسلام غير أبيه فالجنة عليه حرام (١).

وقوله صلى الله عليه وآله من خطبة له بمنى: لعن الله من ادعى إلى غير أبيه، أو تولى غير مواليه،

(١) مسند أحمد ٥: ٣٨، ٤٦، سنن البيهقي ٧: ٤٠٣.
٨٠