×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

منهاج الكرامة في معرفة الإمامة / الصفحات: ٢١ - ٤٠

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

التعريف بالمؤلف:

الشيخ جمال الدين أبو منصور الحسن بن سديد الدين يوسف بن علي بن المطهر الحلي، المعروف بالعلامة قدس الله نفسه الزكية انتهت إليه رياسة الإمامية في المعقول والمنقول.

قال عنه صاحب " الروضات " لم يكتحل حدقة الزمان له بمثل ولا نظير، ولما تصل أجنحة الأوهام إلى ساحة بيان فضله الغزير كيف؟ ولم يدانه في الفضائل سابق عليه ولا لاحق، ولم يثن إلى زماننا هذا ثناؤه الفاخر اللائق(١).

وجاء في أمل الآمل: فاضل عالم، علامة العلماء محقق مدقق ثقة فقيه محدث متكلم ماهر، جليل القدر، عظيم الشأن، رفيع المنزلة، لا نظير له في الفنون والعلوم والعقليات والنقليات(٢).

ولد في مدينة الحلة، وهي مدينة كبيرة تقع بين الكوفة وبغداد وقد نوه أمير المؤمنين عليه السلام بفضل أهلها قبل بنائها.

وكانت ولادته في شهر رمضان من عام ٦٤٨ هـ. ق وقد حدد بنفسه تاريخ ولادته في ليلة الجملة في الثلث الأخير من الليل، سابع وعشرين رمضان، من سنة ثمان وأربعين وستمائة.

وكان أبوه سديد الدين يوسف بن علي بن المطهر. فقيها محققا مدرسا من أعظم العلماء في عصره.

وقد حاز العلامة منزلة علمية مرموقة، ومكانة اجتماعية استثنائية، خاصة بعد

(١) روضات الجنات، ٢: ٢٧٠ - ٢٧١.

(٢) أمل الآمل، ٥: ٣٩٦.

٢١
مناظرته المعروفة مع علماء العامة في مجلس السلطان محمد خدابنده، وقد أهله ذكاؤه المفرط وقابلياته العلمية وبراعته في الفنون المختلفة لترويج المذهب الشيعي، وسيأتي ذكر تشيع السلطان المغولي المذكور ببركة جهود العلامة " قده ".

وصفه علماء العامة - مع نعتهم له بالرافضي الخبيث - بأنه كان رضي الخلق حليما(١):

وأنه عالم الشيعة وفقيههم صاحب التصانيف التي اشتهرت في حياته:(٢) وأنه كان مشتهر الذكر وحسن الأخلاق ولما بلغه كتاب ابن تيمية (وهو كتاب رد فيه على كتاب منهاج الكرامة) قال: لو كان يفهم ما أقول أجبته(٣). وأنه تقدم في دولة خربندا(٤) تقدما زائدا...

وكان يصنف وهو راكب(٥).

وقد امتازت تصنيفاته بكثرتها وتنوعها، فقد ألف في الفقه الموسوعات الكبيرة، مثل " منتهى المطلب في تحقيق المذهب " مختلف الشيعة " " تذكرة الفقهاء " " إرشاد الأذهان في أحكام الإيمان " " تحرير الأحكام الشرعية على مذهب الإمامية " " قواعد الأحكام في معرفة الحلال والحرام " وغيرها.

كما ألف المختصرات في الفقه " كتبصرة المتعلمين و " تلخيص المرام في معرفة الأحكام ".

وألف في علم الكلام، وفي أصول الفقه وفي الحديث، وفي المنطق، وفي علم الرجال، وفي فنون الحكمة والفلسفة والنحو والعربية وغيرها.

قصة تأليف منهاج الكرامة:

نقل السيد محسن الأمين في " أعيان الشيعة " عن التقي المجلسي في " شرح الفقيه "

(١) النجوم الزاهرة ٩: ٢٦٦.

(٢) الوافي بالوفيات ١٣: ٨٥، لسان الميزان ٢: ٣١٧.

(٣) لسان الميزان ٢: ٣١٧.

(٤) قال في أعيان الشيعة: ٩: ١٢٠ " وخدا بنده معناه عبد الله وعلى السنة العامة خربندا ".

(٥) الوافي بالوفيات ١٣: ٨٥.

٢٢
أن السلطان الجايتو محمد المغولي الملقب بشاه خربندا غضب على إحدى زوجاته فقال لها:

أنت طالق ثلاثا! ثم ندم، فسأل العلماء فقالوا: لا بد من المحلل، فقال: لكم في كل مسألة أقوال.

فهل يوجد هنا اختلاف؟ فقالوا: لا فقال أحد وزرائه: في الحلة عالم يفتي يبطلان هذا الطلاق.

فقال العلماء: إن مذهبه باطل، ولا عقل له ولا لأصحابه ولا يليق بالملك أن يبعث إلى مثله.

فقال الملك: أمهلوا حتى يحضر ونرى كلامه.

فبعث فأحضر العلامة الحلي: فلما حضر جمع له الملك جميع علماء المذاهب، فلما دخل على الملك أخذ نعله بيده، دخل وسلم وجلس إلى جانب الملك.

فقالوا للملك: ألم نقل لك أنهم ضعفاء العقول؟! فقال: اسألوه عن كل ما فعل.

فقالوا: لماذا لم تخضع للملك بهيئة الركوع؟ فقال: لأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن يركع له أحد، وكان يسلم عليه، وقال الله تعالى (فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم تحية من عند الله مباركة) ولا يجوز الركوع والسجود لغير الله.

قالوا: فلم جلست بجنب الملك؟

قال: لأنه لم يكن مكان خال غيره.

قالوا: فلم أخذت نعليك بيدك وهو مناف للأدب؟

قال: خفت أن يسرقه أهل المذاهب كما سرقوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقالوا: إن أهل المذاهب لم يكونوا في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بل ولدوا بعد المائة فما فوق من وفاته. كل هذا الترجمان يترجم للملك كل ما يقوله العلامة.

فقال للملك: قد سمعت اعترافهم هذا، فمن أين حصروا الاجتهاد فيهم ولم يجوزوا الأخذ من غيرهم ولو فرض أنه أعلم؟!

٢٣
فقال الملك، ألم يكن أحد من أصحاب المذاهب في زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولا الصحابة؟

قالوا: لا قال العلامة: ونحن نأخذ مذهبنا عن علي بن أبي طالب: نفس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأخيه وابن عمه ووصيه، وعن أولاده من بعده.

فسأله عن الطلاق فقال: باطل لعدم وجود الشهود العدول.

وجرى البحث بينه وبين العلماء حتى ألزمهم جميعا، فتشيع الملك وخطب بأسماء الأئمة الاثني عشر، وأمر فضربت السكة بأسمائهم، وأمر بكتابتها على المساجد والمشاهد(١).

عمره الشريف:

اخترمته المنية يوم السبت الحادي والعشرين من محرم الحرام، سنة ٧٣٦ هـ. ق. فيكون قد عاش ثماني وسبعين سنة أمضاها في التدريس والتصنيف والمباحثات العلمية ونقل جثمانه المقدس إلى النجف الأشرف، فدفن في حجرة عن يمين الداخل إلى الحضرة الشريفة من جهة الشمال.

النسخ الخطية المعتمدة في تحقيق الكتاب:

١. النسخة المحفوظة في خزانة المكتبة الرضوية في مدينة مشهد المقدسة تحت رقم ١٣٧٥٤.

عدد الأوراق: ٣٦.

أبعاد النسخة: ٥ / ٢٤ * ٥ / ١٧ سم.

عدد الأسطر في كل صفحة: ١٩.

وكتب في آخرها: هذه صورة خط المصنف، وكتب العبد الفقير إلى رحمة ربه محمد بن علي بن حسن الجباعي غفر الله له ولجميع إخوانه المؤمنين، وذلك لاثنتي عشرة ليلة مضت من شهر رمضان المعظم قدره الله برحمته، حامدا لله تعالى

(١) أعيان الشيعة ٥: ٣٩٩.

٢٤
ومصليا على خيرته من بريته محمد النبي والأصفياء من عترته.

فرغت من كتابة هذا الكتاب الشريف: العبد الأقل المنيف محمد باقر بن حاجي محمد الشريف في أواخر شهر جمادي الثاني سنة أربع وسبعين وتسعمائة، غفر ذنوبي ولوالدي ولجميع المؤمنين بحق محمد وآله الطاهرين.

ورمزت لهذه النسخة بحرف " ر ".

٢. النسخة المحفوظة في خزانة مكتبة آية الله العظمى السيد المرعشي النجفي العامة في قم المشرفة ضمن المجموعة ٤٩ تحت رقم " ٢٠ پ - ٧٤ پ " تم نسخها بخط مسعود بن جار الله المطلبي في الخامس من ربيع الأول سنة إحدى وأربعين وتسعمائة.

ورمزت لها " ش ١ ".

٣. نسخة أخرى محفوظة في المكتبة المذكورة ضمن المجموعة " ٢٥٢٣ " تحت رقم " ١ پ - ٦٧ ر " تم نسخها في آخر جمادى الثاني سنة إحدى وخمسين وتسعمائة.

ورمزت لها ب " ش ٢ ".

وقد اعتمدت طريقة التلفيق بين النسخ الثلاث المذكورة، مع ذكر الاختلافات الواردة في كل منها، وراجعت كذلك النسخة الحجرية للكتاب وذكرت لفظها في الهامش في بعض الموارد القليلة اللازمة. وقد واجهنا في النسخ الثلاث أخطاء إملائية ولغوية وإعرابية غير قليلة، فقمنا بتصحيحها وأعدنا الكتابة برسم الخط الحديث.

الكتاب وعملنا فيه:

كتاب " منهاج الكرامة " هو كتاب الفه العلامة " قده " - كما سلفت الإشارة - لإثبات حقانية مذهب التشيع عقلا ونقلا، وقد تناول فيها المذاهب المختلفة فناقش ما فيها من الإشكالات، ثم تناول مذهب أهل البيت فذكر الأدلة على وجوب اتباعه، وذكر نبذة

٢٥
مختصرة عن الأئمة الاثني عشر عليهم السلام وخصائصهم وعرج على ذكر مطاعن الذين نازعوا أهل البيت حقهم، ودفعوهم عن مراتبهم التي رتبهم الله فيها، ثم توسع في ذكر مناقب أمير المؤمنين عليه السلام والآيات النازلة في حقه، وقد سعينا بعد إكمال تصحيح الكتاب في مجاراة المصنف " قده " في منهجه في هذا الكتاب، فقصرنا تخريجاتنا على مصادر العامة ولم تنقل عن مصادر الخاصة إلا القليل.

وقد ارتأينا أن نتوسع في بعض المواضيع التي أحسسنا بضرورتها في الوقت الحاضر.

وقد واجهنا في الكتاب مواضيع متكررة، أخرجنا المتقدم منها، وأشرنا في المتأخر إلى تكراره وأحلنا القارئ الكريم على المواضيع المتقدمة لمراجعتها، وأما الآيات القرآنية، فقد عرضناها على القرآن الكريم، وصححنا ما ورد فيها من خطأ في النسخ، دون الإشارة إلى ذلك، ثم ألحقنا بالكتاب فهارس فنية تعين الباحث في العثور على ما يبغي مراجعته وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.


مشـهد المقدسة         
عبد الرحيم بن الشيخ حسين مبارك
١٤١٩ هـ. ق.         

٢٦
كتاب منهاج الكرامة في معرفة الإمامة للعلامة الحلي (ص ٢٧ - ص ٤٣)
٢٧
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله القديم الواحد، الكريم الماجد، المقدس بكماله عن الشريك والضد والمعاند، المتنزه بوجوب وجوده عن الوالدة والصاحبة والولد والوالد، أحمده حمد معترف بآلائه غير شاك ولا جاحد، وأشكره على إنعامه المتضاعف المتزايد، شكرا يعجز عنه الراكع والساجد، والصلاة على سيد كل زاهد وأشرف كل عابد، محمد المصطفى وعترته الأكارم والأماجد، صلاة تدوم بدوام الأعصار والأوابد.

أما بعد، فهذه رسالة شريفة ومقالة لطيفة، اشتملت على أهم المطالب(١) في أحكام الدين، وأشرف مسائل المسلمين، وهي مسألة الإمامة، التي يحصل بسبب إدراكها نيل درجة الكرامة وهي أحد أركان الإيمان المستحق بسببه الخلود في الجنان، والتخلص من غضب الرحمن، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " من مات لم ولم يعرف إمام زمانه، مات ميتة جاهلية "(٢) خدمت بها خزانة السلطان الأعظم، مالك رقاب الأمم،

(١) في ش ١: و.

(٢) وهو حديث متفق عليه بين علماء المسلمين وقد تناقله علماء الخاصة العامة بأسانيد ألفاظ مختلفة تتفق بأجمعها في مضمون واحد. وعلى سبيل المثال لا للحصر فقد أرده الكليني في الكافي ١: ٣٧٦، باب من مات و ليس له إمام من أئمة الهدى بسنده عن الفضيل بن يسار قال: ابتدأنا أبو عبد الله يوما وقال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:

من مات وليس عليه إمام فميتته ميتة جاهلية. فقلت: قال ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله؟ قال: إي والله قد قال قلت:

فكل من مات وليس له إمام فميتته ميتة جاهلية؟ قال: نعم.

ثم أورد ثلاثة أحاديث أخي في هذا الباب.

وروي في ١: ٣٧٨ - ٣٨٠، باب ما يجب على الناس عند مضي الإمام بسنده عن حماد بن عبد الأعلى، قال: سألت أبا عبد الله عن قول العامة أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: من مات وليس له إمام مات ميتة جاهلية، فقال: الحق والله... الحديث بطوله. وروى الشيخ الصدوق في عيون أخبار الرضا ٢: ٥٨ بسنده عن علي عليه السلام، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله من مات وليس له إمام من ولدي، مات ميتة جاهلية.

وروى البرقي في المحاسن: ١٥٣ - ١٥٤ عن الصادق عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من مات وهو لا يعرف إمامه مات ميتة جاهلية... الحديث.

وروى في ص ١٥٤ عن الصادق عليه السلام، قال: إن الأرض لا تصلح إلا بالإمام، ومن مات لا يعرف إمامه مات ميتة جاهلية... الحديث وروى في هذا الباب أربعة أحاديث أخرى.

وعقد العلامة المجلسي بابا في كتابه البحار في وجوب معرفة الإمام، وأنه لا يعذر الناس بترك الولاية، وأن من مات لا يعرف إمامه أوشك فيه، مات ميتة جاهلية وكفر ونفاق. أنظر البحار، ٢٣: ٧٦ - ٩٥.

أما العامة فقد روى أحمد في مسنده ٤: ٩٦ / الحديث ١٦٤٣٤ بسنده عن معاوية قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله من مات بغير إمام، مات ميتة جاهلية.

وفي ٣: ٤٤٦ / الحديث ١٥٢٦٩ بسنده عن عبد الله بن عامر، عن أبيه، قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله من مات وليست عليه طاعة، مات ميتة جاهلية، فإن خلعها من بعد عقدها في عنقه، لقي الله تبارك وتعالى وليست له حجة.

ورواه البخاري في تاريخه ٦: ٤٤٥ بسنده عن عبد الله بن عامر بلفظ من مات ولا طاعة عليه، مات ميتة جاهلية.

وروى الطبراني في معجمه الكبير: ١٠ / الحديث ١٠٦٧٨ بسند عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من فارق جماعة المسلمين قيد شبر فقد خلع ريقة الإسلام من عنقه، ومن مات ليس عليه إمام فميتته جاهلية...

الحديث.

ورواه في معجمة الأوسط ٤: ٢٤٣ / الحديث ٣٤٢٩ عن ابن عباس بلفظ قريب. وروى الديلمي في الفردوس ٥: ٥٢٨ / الحديث ٨٩٨٢ عن علي عليه السلام مرفوعا في قوله تعالى (يوم ندعو كل أناس بإمامهم): بإمام زمانهم وكتاب ربهم وبسنة نبيهم.

وروى ابن سعد في طبقاته ٥: ١٤٤ بسنده عن أمية بن محمد بن عبد الله بن مطيع، أن عبد الله بن مطيع أراد أن يفر من المدينة ليالي فتنة يزيد بن معاوية، فسمع بذلك عبد الله بن عمر، فخرج إليه حتى جاءه، قال: أين تريد يا بن عم؟ فقال: لا أعطيهم طاعة أبدا فقال: يا بن عم، لا تفعل، فإني أشهد أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: من مات ولا بيعة عليه مات ميتة جاهلية.

ونلاحظ كيف يحاول عبد الله بن عمر تأويل حديث رسول الله ليتماشى مع مهادنة الظلمة، فإن من الجلي لكل ذي بصيرة أن الإمام الذي يموت من جهله ميتة جاهلية هو محيي سنة رسول الله لا هادمها، وهو ناصر الدين لا مقوضه، وهو حامي المسلمين لا مستبيح دمائهم وأعراضهم.

أقلا يسأل المسلم نفسه: من هو إمامي في هذا العصر؟ وبمن سيدعوني ربي يوم القيامة يوم يدعو كل أناس بإمامهم؟ وبيعة من أعقد في عنقي لأموت - حين أموت - على سنة الإسلام، لا ميتة جاهلية؟

تلك أسئلة حري بالمسلم أن يفكر فيها، وأن يسعى للإجابة عليها. وقد رسم المصنف " قده " في هذا الكتاب الخطوط العريضة للمنهج الأكمل: منهاج الكرامة في معرفة الإمامة. فجزاء الله خير جزاء المحسنين والمجاهدين.

ونذكر في الخاتمة بأن ما أوردناه عن علماء العامة كان على سبيل المثال لا الحصر، ونحيل الراغب على المصادر الحديثة للعامة والخاصة.

أنظر: معجم أحاديث المهدي ٢: ٢٤٧ - ٢٥٤، ملحقات إحقاق ج ١٣، جامع الأحاديث للسيوطي (الجامع الصغير: وزوائد، والجامع الكبير) ينابيع المودة.

٢٨
٢٩
ملك ملوك طوائف العرب والعجم، مولى النعم، ومسند الخير والكرم، شاهنشاه المعظم، غياث الحق والملة والدين، أولجايتو محمد خدابنده محمد خلد الله سلطانه، وثبت قواعد ملكه وشيد أركانه، وأمده بعنايته وألطافه، وأيده بجميل إسعافه، وقرن دولته بالدوام إلى يوم القيامة، قد لخصت فيها خلاصة الدلائل، وأشرت إلى رؤوس المسائل، من غير تطويل ممل، ولا إيجاز محل، وسميتها " منهاج الكرامة في معرفة الإمامة " والله الموفق للصواب، وإليه المرجع والمآب. ورتبتها على فصول:

٣٠
٣١

الفصل الأول

في نقل المذاهب في هذه المسألة:

ذهبت الإمامية إلى أن الله تعالى عدل حكيم لا يفعل قبيحا ولا يخل بواجب، وأن أفعاله إنما تقع لغرض صحيح وحكمة، وأنه لا يفعل الظلم ولا والعبث، وأنه رؤوف بالعباد يفعل بهم ما هو الأصلح لهم والأنفع، وأنه تعالى كلفهم تخييرا لا إجبارا، ووعدهم بالثواب(١) وتوعدهم بالعقاب على لسان أنبيائه ورسله المعصومين، بحيث لا يجوز عليهم الخطأ ولا النسيان ولا المعاصي، وإلا لم يبق وثوق بأقوالهم، فتنتفي فائدة البعثة.

ثم أردف الرسالة بعد موت الرسول بالأمة، فنصب أولياء معصومين، ليأمن الناس من غلطهم وسهوهم وخطائهم، فينقادون إلى أوامرهم، لئلا يخلي الله تعالى العالم من لطفه ورحمته.

وأنه تعالى لما بعث رسوله محمدا صلى الله عليه وآله، قام بنقل الرسالة، ونص على أن الخليفة بعده علي بن أبي طالب، ثم من بعده ولده الحسن الزكي، ثم على الحسين الشهيد، ثم على علي بن الحسين زين العابدين، ثم على محمد بن علي الباقر، ثم على جعفر بن محمد الصادق، ثم على موسى بن جعفر الكاظم، ثم على علي بن موسى الرضا، ثم على محمد بن علي الجواد، ثم على علي بن محمد الهادي، ثم على الحسن بن علي العسكري، ثم على الخلف الحجة محمد بن الحسن

(١) في " ر " الثواب.

٣٢
عليهم السلام، وأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم يمت إلا عن وصية بالإمامة.(١)

وذهب أهل السنة إلى خلاف ذلك كله، فلم يثبتوا العدل والحكمة في أفعاله، تعالى، وجوزوا عليه فعل القبيح والاخلال بالواجب، وأنه تعالى لا يفعل لغرض، بل كل أفعاله لا لغرض من الأغراض، ولا لحكمة البتة.

وأنه تعالى يفعل الظلم والعبث، وأنه لا يفعل ما هو الأصلح للعباد، بل ما هو الفساد في الحقيقة لأن فعل المعاصي وأنواع الكفر والظلم وجميع أنواع الفساد الواقعة في العالم مستندة إليه، تعالى الله عن ذلك.

وأن المطيع لا يستحق ثواب، والعاصي لا يستحق عقابا، بل قد يعذب المطيع طول عمره، المبالغ في امتثال أوامره تعالى، كالنبي صلى الله عليه وآله وسلم، ويثيب العاصي طول عمره بأنواع المعاصي وأبلغها، كإبليس وفرعون.

وأن الأنبياء غير معصومين بل قد يقع منهم الخطاء والزلل والفسوق والكذب والسهو، وغير ذلك(٢).

(١) أنظر: الاعتقادات للشيخ الصدوق: ٦٦ - ٧٠ " أوائل المقالات " للشيخ المفيد: ٤٨ - ٤٩.

(٢) قال الشيخ المفيد في " أوائل المقالات " في عصمة الأنبياء.

أقول: إن جميع الأنبياء صلى الله عليهم معصومون من الكبائر قبل النبوة وبعدها، ومما يستخف فاعله من الصائر كلها. وأما ما كان من صغير لا يستخف فاعله، فجائز وقوعه منهم قبل النبوة وعلى غير تعمد * و ممتنع منهم بعدها على كل حال، وهذا مذهب جمهور الإمامية. ثم قال في عصمة نبينا محمد صلى الله عليه وآله خاصة: أقول: إن نبينا محمد صلى الله عليه وآله ممن لم يعص الله عز وجل منذ خلقه الله عز وجل إلى أن قبضه، ولا تعمد له خلافا، ولا أذنب ذنبا على التعمد ولا النسيان، وبذلك نطق القرآن وتواتر الخبر عن آل محمد صلى الله عليه وآله، وهو مذهب جمهور الإمامية، والمعتزلة بأسرها على خلافه.

وأما ما يتعلق به أهل الخلاف من قول الله تعالى (ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر) وأشباه ذلك في القرآن وما في الحجة على خلاف ما ذكرناه فإنه تأويل بضد ما توهموه، والبرهان يعضده على البيان، وقد نطق القرآن بما قد وصفناه فقال جل اسمه (والنجم إذا هوى ما ضل صاحبكم وما غوى) فنفى بذلك عنه كل معصية ونسيان...

أنظر كلام الشيخ المظفر في كتابه القيم دلائل الصدق ١: ١٨٤ - ٢٠٢.

٣٣
وأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم ينص على إمام بينهم، وأنه مات عن غير وصية، وأن الإمام بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أبو بكر بن أبي قحافة لمبايعة(١) عمر بن الخطاب له برضا أربعة: أبي عبيدة، وسالم مولى حذيفة، وأسيد بن حضير، وبشر بن سعيد(٢)، ثم من بعده عمر بن الخطاب بنص أبي بكر عليه، ثم عثمان بن عفان بنص عمر على ستة(٣) هو أحدهم، فاختار بعضهم، ثم علي بن أبي طالب عليه السلام لمبايعة(٤) الخلق له.

ثم اختلفوا، فقال بعضهم: أن الإمام بعده ابنه الحسن، وبعضهم قال: أنه معاوية بن أبي سفيان، ثم ساقوا الإمامية في بني أمية، إلى أن ظهر السفاح من بني العباس، فساقوا الإمامة إليه، ثم انتقلت الإمامة منه إلى أخيه المنصور، ثم ساقوا الإمامة في بني العباس إلى المعتصم(٥) (إلى أربعين)(٦).

(١) في " ر " لمتابعة.

(٢) في " ش " بشير بن سعد.

(٣) وهم: علي عليه السلام، عثمان طلحة، الزبير، سعد بن أبي وقاص و عبد الرحمن بن عوف.

(٤) في " ر ": لمتابعة.

(٥) في " ر " المستعصم.

(٦) ما بين الأقواس ليس في " ر ".

٣٤
٣٥

الفصل الثاني

في أن مذهب الإمامية واجب الاتباع، لأنه لما عمت البلية على كافة المسلمين بموت النبي صلى الله عليه وآله وسلم واختلف الناس بعده، وتعددت آراؤهم بحسب تعدد أهوائهم:

فبعضهم طلب الأمر لنفسه بغير حق، وبايعه(١) أكثر الناس طلبا للدنيا، كما اختار عمر بن سعد ملك الري أياما يسيرة(٢) لما خير بينه وبين قتل الحسين عليه السلام، مع علمه بأن في قتله النار وإخباره بذلك في شعره حيث قال:


فوالله ما أدري وإني لصادقأفكر في أمري على خطرين
أأترك ملك الري، والري منيتيأم أصبح مأثوما بقتل حسين
وفي قتله النار التي ليس دونهاحجاب، ولي في الري قرة عين

وبعضهم اشتبه(٣) الأمر عليه، ورأى طالب الدنيا مبايعا(٤) له، فقلده وبايعه(٥)، وقصر في نظره فخفي عليه الحق، واستحق المؤاخذة من الله تعالى بإعطاء الحق لغير مستحقه، بسبب

(١) في " ر " وتابعه.

(٢) في هامش النسخة الحجرية، طبع تبريز ١٢٥٦ هـ. ق: ملك الري عشر سنين، والمراد بقوله " أياما يسيرة " هذه المدة، وقيل: سبع سنين.

(٣) في " ش " أشبه.

(٤) في " ر " متابعا.

(٥) في " ر " تابعه.

٣٦
إهمال النظر.

وبعضهم قلد لقصور فطنته، ورأى الجم الغفير فبايعهم(١)، وتوهم أن الكثرة تستلزم الصواب، وغفل عن قوله تعالى (وقليل ما هم)(٢) (وقليل من عبادي الشكور)(٣).

وبعضهم طلب الأمر لنفسه بحق، وتابعه(٤) الأقلون الذين أعرضوا عن الدنيا وزينتها، ولم تأخذهم في الله تعالى لومة لائم، بل أخلص(٥) لله تعالى واتبع ما أمر به من طاعة من يستحق التقديم.

وحيث حصلت(٦) للمسلمين هذه البلية وجب على كل واحد(٧) النظر في الحق، واعتماد الإنصاف، وأن يقر الحق مقره، ولا يظلم مستحقه، فقد قال الله تعالى (ألا لعنة الله على الظالمين)(٨) وإنما كان مذهب الإمامية واجب الاتباع لوجوه:

الأول:

لما نظرنا في المذاهب(٩) وجدنا أحقها وأصدقها وأخلصها عن شوائب الباطل، وأعظمها تنزيها لله تعالى ولرسله ولأوصيائه، (أحسن (ها في) المسائل الأصولية والفروعية،

(١) في " ر ": فتابعهم.

(٢) ص: ٢٤.

(٣) سبأ: ١٣.

(٤) في " ش ١ ": وبايعه.

(٥) في " ش ١ " وش ٢ ": أخلصوا لله تعالى واتبعوا ما أمروا به.

(٦) في " ر ": حصل.

(٧) في " ر ": أحد.

(٨) هود: ١٨.

(٩) في " ش ١ ": المذهب. وهو تصحيف.

٣٧
مذهب الإمامية.

لأنهم اعتقدوا أن الله تعالى هو المخصوص بالأزلية والقدم، وأن كل ما سواء محدث، لأنه واحد.

وأنه ليس بجسم، ولا في مكان، وإلا لكان محدثا، بل نزهوه عن مشابهة المخلوقات، وأنه تعالى قادر على جميع المقدورات.

وأنه عدل حكيم لا يظلم أحدا، ولا يفعل القبيح، وإلا لزم الجهل والحاجة، تعالى الله عنهما، ويثيب المطيع، لئلا يكون ظالما، ويعفو عن العاصي أو يعذبه بجرمه من(١) غير ظلم له.

وأن أفعاله محكمة واقعة لغرض ومصلحة، وإلا لكان عابثا، وقد قال: (وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين)(٢)، وأنه أرسل الأنبياء لإرشاد العالم.

وأنه تعالى غير مرئي، ولا مدرك بشئ من الحواس، لقوله تعالى (لا تدركه الأبصار)(٣)، وأنه(٤) ليس في جهة.

وأن أمره ونهيه وإخباره حادث، لاستحالة أمر المعدوم ونهيه وإخباره. وأن الأنبياء معصومون عن الخطاء والسهو والمعصية، صغيرها وكبيرها، من أول العمر إلى آخره(٥)، وإلا يبق وثوق بما يبلغونه، فانتفت فائدة البعثة، ولزم التنفير عنهم، وأن الأئمة معصومون كالأنبياء في ذلك، لما تقدم.

و [ لأن الشيعة ] أخذوا أحكامهم الفروعية عن الأئمة المعصومين، الناقلين عن جدهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، الأخذ ذلك من الله تعالى بوحي جبرئيل عليه السلام إليه، يتناقلون ذلك عن الثقات

(١) سقط من " ش ١ ".

(٢) الأنبياء: ١٦.

(٣) الأنعام: ١٠٣.

(٤) في " ش ": لأنه.

(٥) أنظر كتاب " تنزيه الأنبياء " للسيد المرتضى " قده "، وقد فاضل الشيخ المفيد " قده " في كتاب " أوائل المقالات " بين الأنبياء والملائكة، فقال: اتفقت الإمامية على أن أنبياء الله تعالى ورسله من البشر أفضل من الملائكة، ووافقهم في ذلك أصحاب الحديث، وأجمعت المعتزلة على خلاف ذلك. أوائل المقالات: ٥٥.

٣٨
خلفا عن سلف، إلى أن تتصل الرواية بأحد المعصومين، ولم يلتفتوا إلى القول بالرأي والاجتهاد، وحرموا الأخذ بالقياس والاستحسان.

أما باقي المسلمين، فقد ذهبوا كل مذهب:

فقال بعضهم - وهم جماعة الأشاعرة - أن القدماء كثيرون مع الله تعالى، وهي المعاني التي يثبتونها موجودة في الخارج، كالقدرة والعلم وغيره ذلك، فجعلوه تعالى مفتقرا في كونه عالما إلى ثبوت معنى، هو العلم، وفي كونه قادر إلى ثبوت معنى هو القدرة، وغير ذلك، ولم يجعلوه قادرا لذاته، ولا عالما لذاته، ولا رحيما لذاته، ولا مدركا لذاته، بل لمعان قديمة يفتقر في هذه الصفات إليها، فجعلوه محتاجا، ناقصا في ذاته، كاملا بغيره، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.

واعترض شيخهم فخر الدين الرازي عليهم بأن قال: إن النصارى كفروا لأنهم قالوا أن القدماء ثلاثة، والأشاعرة أثبتوا قدماء(١) تسعة، وقال جماعة الحشوية والمشبهة أن الله تعالى جسم له طول وعرض وعمق، وأنه يجوز عليه المصافحة، وأن المخلصين من المسلمين يعانقونه(٢) في الدنيا(٣).

وحكى الكعبي عن بعضهم أنه كان يجوز رؤيته في الدنيا، وأن يزورهم ويزورونه(٤).

وحكي عن داود الظاهري أنه قال: اعفوني عن اللحية والفرج، واسألوني عما رواه ذلك، وقال أن معبوده جسم ولحم ودم، وله جوارح وأعضاء وكبد ورجل ولسان وعينين(٥) وأذنين، وحكي أنه قال: هو مجوف(٦) من أعلاه إلى صدره، مصمت ما سوى

(١) في " ر ": أن القدماء.

(٢) في " ر ": يعاينونه.

(٣) الملل والنحل ٢: ١٤٨.

(٤) الملل والنحل ١: ١٣٦، قال: " ومن مذهب الأشعري أن كل موجود يصح أن يرى، فإن المصح للرؤية إنما هو الوجود، والباري تعالى موجود، فيصح أن يرى ".

(٥) في " ش ١ " و " ش ٢ ": وعين.

(٦) في " ر ": أجوف.

٣٩
ذلك، وله شعر قطط، (حتى قالوا: اشتكت)(١) عيناه فعادته الملائكة، وبكى على طوفان نوح حتى رمدت عيناه، وأنه يفضل من العرش عنه من كل جانب أربع أصابع(٢).

وذهب بعضهم إلى أنه تعالى ينزل في كل ليلة جمعة(٣) على شكل أمرد حسن الوجه راكبا على حمار، حتى أن بعضهم ببغداد وضع على سطح داره معلقا، يضع كل ليلة جمعة فيه شعيرا وتبنا، لتجويز أن ينزل الله تعالى على حماره على ذلك السطح، فيشتغل الحمار بالأكل، ويشتغل الرب بالنداء " هل من تائب "، هل من مستغفر(٤)؟ تعالى الله عن مثل هذه العقائد الردية(٥) في حق الله تعالى.

وحكي عن بعض المنقطعين التاركين (الدنيا)(٦) من شيوخ الحشوية، أنه اجتاز عليه في بعض الأيام نفاط ومعه أمرد حسن الصورة، قطط الشعر - على الصفات التي يصفون ربهم بها - فألح الشيخ في النظر إليه وكرره، وأكثر تصويبه إليه، فتوهم فيه النفاط، فجاء إليه ليلا، وقال: أيها الشيخ، رأيتك تلح بالنظر إلى هذا الغلام، وقد أتيت به إليك، فإن كان لك فيه نية(٧) فأنت الحاكم، فحرد(٨) عليه، وقال: إنما كررت النظر إليه لأن مذهبي أن الله تعالى ينزل الله على صورة هذا الغلام، فتوهمت أنه الله، فقال له النفاط: ما أنا عليه من النفاطة أجود مما أنت عليه من الزهد مع هذه المقالة.

وقالت الكرامية: أن الله تعالى في جهة فوق، ولم يعلموا أن كل ما هو في جهة فهو محدث،

(١) ما بين القوسين ساقط من " ش ١ ".

(٢) الملل والنحل ١: ١٤٩.

(٣) في " ش ١ " و " ش ٢ ": الجمعة.

(٤) الملل والنحل ١: ١٥٣ - ١٥٤.

(٥) في " ش ١ ": الدنية.

(٦) وردت في " ش ١ " فقط.

(٧) في " ش ٢ ": حاجة أونية.

(٨) أي غضب.

٤٠