×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

منهاج الكرامة في معرفة الإمامة / الصفحات: ٤١ - ٦٠

ومحتاج إلى تلك الجهة(١).

وذهب آخرون إلى أن الله تعالى لا يقدر على مثل مقدور العبد، وآخرون إلى أنه لا يقدر على عين مقدور العبد، وذهب الأكثر منهم إلى أن الله تعالى يفعل القبائح: وأن جميع أنواع المعاصي والكفر وأنواع الفساد واقعة بقضاء الله تعالى وقدره، وأن العبد لا تأثير له في ذلك، وأنه لا غرض لله تعالى في أفعاله، ولا يفعل لمصلحة العباد شيئا، وأنه تعالى يريد المعاصي من الكافر ولا يريد منه الطاعة، وهذا يستلزم أشياء شنيعة:

منها: أن يكون الله تعالى أظلم من كل ظالم: لأنه يعاقب الكافر على كفره، وهو قدره عليه، ولم يخلق فيه قدرة على الإيمان، فكما أنه يلزم الظلم لو عذبه على لونه وطوله وقصره - لأنه لا قدرة له فيها - كذا يكون ظالما لو عذبه على المعصية التي فعلها فيه.

ومنها: إفحام الأنبياء وانقطاع حجتهم، لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا قال للكافر: " آمن بي وصدقني "، يقول له: " قل للذي بعثك يخلق في الإيمان أو القدرة المؤثرة فيه، حتى أتمكن من الإيمان فأومن، وإلا فكيف تكلفني الإيمان ولا قدرة لي عليه، بل خلق في الكفر، وأنا لا أتمكن من مقاهرة الله تعالى "، فينقطع النبي ولا يتمكن من جوابه، ومنها: تجويز أن يعذب الله تعالى سيد المرسلين على طاعته، ويثيب إبليس على معصية، لأنه يفعل (الأشياء)(٢) لا لغرض، فيكون فاعل الطاعة سفيها: لأنه يتعجل من الاجتهاد في العبادة، وإخراج ماله في عمارة المساجد والربط والصدقات من غير نفع يحصل له: لأنه قد يعاقبه على ذلك، لأنه، ولو فعل - عوض ذلك - ما يلتذ به ويشتهيه من أنواع المعاصي قد يثيبه، فاختيار الأول يكون سفها عند كل عاقل، والمصير إلى هذا المذهب يؤدي إلى خراب العالم واضطراب أمر الشريعة المحمدية(٣).

(١) الملل والنحل ١: ١٥٩.

وانظر دلائل الصدق ١: ١٣٥. والكرامية هم أصحاب أبي عبد الله محمد بن كرام.

(٢) في " ش ٢ " يفعل أشياء.

(٣) في " ش ٢ ": غفور حليم.

٤١
ومنها: أنه يلزم أن لا يتمكن أحد من تصديق أحد من الأنبياء عليهم السلام: لأن التوصل إلى ذلك والدليل عليه إنما يتم بمقدمتين: إحداهما: أن الله تعالى فعل المعجز على يد النبي لأجل التصديق. والثانية: أن كل ما صدقه الله تعالى فهو صادق، وكلتا المقدمتين لا تتم على قولهم، لأنه إذا استحال أن يفعل لغرض، استحال أن يظهر المعجز لأجل التصديق، وإذا كان فاعلا للقبيح، ولأنواع الإضلال والمعاصي والكذب وغير ذلك، جاز أن يصدق الكذاب فلا يصح الاستدلال على صدق أحد من الأنبياء، ولا التدين بشئ من الشرائع والأديان.

ومنها: أنه لا يصح أن يوصف الله تعالى بأنه غفور رحيم حليم عفو(١) لأن الوصف بهذه إنما يثبت لو كان الله تعالى مسقطا(٢) للعقاب في حق الفساق، بحيث إذا أسقطه عنهم كان غفورا عفوا رحيما(٣)، وإنما يستحق العقاب لو كان العصيان من العبد لا من الله تعالى.

ومنها: أنه يلزم منه(٤) تكليف ما لا يطاق: لأنه يكلف الكافر بالإيمان (ولا قدرة له عليه، وهو قبيح عقلا، والسمع قد منع منه، فقال)(٥): (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها)(٦) ومنها: أنه يلزم منه أن يكون أفعالنا الاختيارية الواقعة بحسب قصودنا ودواعينا، مثل حركتنا يمنة ويسرة، وحركة البطش باليد والرجل في الصنائع المطلوبة لنا، كالأفعال الاضطرارية، مثل حركة النبض وحركة الواقع من شاهق بإيقاع غيره، لكن الضرورة قاضية بالفرق بينهما، أن كل عاقل يحكم بأنا قادرون على الحركات الاختيارية، وغير قادرين على الحركة إلى السماء.

(١) في " ش ٢ ": غفور حليم.

(٢) في " ش ١ ": مستحقا، وهو تصحيف.

(٣) في " ش ١ ": غفورا رحيما.

(٤) ليس في " ش ٢ ".

(٥) في " ش ١ ": ولم يخلق قدرة الإيمان عليه، فكيف يؤمن عليه تعالى، وذلك أمر بلا طاقة قبيح عقلا وشرعا، مع أنه تعالى قال:

٦. البقرة: ٢٨٦.

٤٢
قال أبو الهذيل العلاف(١): " حمار بشر أعقل من بشر، لأن حمار بشر لو أتيت به إلى جدول صغير وضربته للعبور فإنه يطفره، ولو أتيت به(٢) إلى جدول كبير لم يطفره، لأنه فرق بين ما يقدر على طفره، وما لا يقدر عليه(٣) وبشر لا يفرق بين المقدور له وغير المقدور ".

ومنها: أنه يلزم أن لا يبقى عندنا فرق بين من أحسن إلينا غاية الإحسان طول عمره، وبين من أساء إلينا غاية الإساءة طول عمره، ولم يحسن منا شكر الأول وذم الثاني، لأن الفعلين صادران من الله تعالى عندهم.

ومنها: التقسيم الذي ذكره مولانا وسيدنا موسى بن جعفر الكاظم عليه السلام وقد سأله أبو حنيفة وهو صبي فقال: المعصية ممن؟ فقال الكاظم عليه السلام: (المعصية إما من العبد أو من ربه أو منهما، فإن كان من الله تعالى فهو أعدل(٤) وأنصف من أن يظلم عبده ويأخذه بما لم يفعله، وإن كانت المعصية منهما فهو شريكه(٥)، والقوي أولى بإنصاف عبده الضعيف، وإن

(١) محمد بن الهذيل بن عبد الله بن مكحول البصري شيخ البصريين في الاعتزال ومن أكبر علمائهم، وصاحب المقالات في مذهبهم، كان معاصرا لأبي الحسن الميثمي المتكلم الإمامي. حكي أنه سأل أبو الحسن أبا الهذيل فقال: ألست تعلم أن إبليس ينهى عن الخير كله ويأمر بالشر كله؟

قال: بلى.

قال: فيجوز أن يأمر بالشر كله وهو لا يعرفه، وينهى عن الخير كله وهو لا يعرفه؟

قال: لا.

فقال له أبو الحسن: قد ثبت أن إبليس يعلم الشر كله والخير كله. قال أبو الهذيل: أجل.

قال: فأخبرني عن إمامك الذي تأتم به بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هل يعلم الخير كله والشر كله؟

قال: لا.

قال له: فإبليس أعلم من إمامك إذا.

فانقطع أبو الهذيل.

عن " الكنى والألقاب " للمحدث القمي ١: ١٧٠.

(٢) في " ش ١ ": ولو بلغ.

(٣) في " ش ٢ ": ما يقدر عليه وما لا يقدر.

(٤) العبارة بين القوسين ساقطة من " ش ١ ".

(٥) في " ش ٢ ": فهو شريكه فقط.

٤٣
كتاب منهاج الكرامة في معرفة الإمامة للعلامة الحلي (ص ٤٤ - ص ٥٧)
٤٤
الكذابين، فلا يبقى لنا طريق إلى تميز الصادق من الأنبياء والكاذب(١).

ومنها: أنه يلزم منه تعطيل الحدود والزواجر عن المعاصي، فإن الزنا إذا كان واقعا بإرادة الله تعالى، والسرقة(٢) إذا صدرت من الله تعالى، وإرادته هي المؤثرة، لم يجز للسلطان المؤاخذة عليها، لأنه يصد السارق عن مراد الله تعالى ويبعثه على ما يكرهه الله تعالى، ولو صد الواحد منا غيره عن مراده، وحمله على ما يكرهه، استحق منه اللوم.

ويلزم أن يكون الله مريدا للنقيضين، لأن المعصية مرادة(٣) الله تعالى، والزجر عنها مراد له أيضا.

ومنها: أنه يلزم منه مخالفة المعقول والمنقول، أما المعقول، فلما تقدم من العلم الضروري بإسناد(٤) أفعالنا الاختيارية إلينا، وقوعها بحسب إرادتنا، فإذا أردنا الحركة يمنة لم يقع يسرة، وبالعكس، والشك في ذلك عين السفسطة.

وأما المنقول، فالقرآن مملوء من إسناد(٥) أفعال البشر إليهم، كقوله تعالى (وإبراهيم الذي وفي)(٦) (فويل للذين كفروا)(٧)، (ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون)(٨) (اليوم تجزى كل نفس بما كسبت(٩) (اليوم تجزون ما كنتم تعملون)(١٠) (لتجزى كل نفس بما تسعى)(١١)

(١) في " ش ٢ ": من الكاذب.

(٢) في " ش ١ ": والكذب والسرقة.

(٣) في " ش ١ ": مراد.

(٤) في " ش ١ " و " ش ٢ ": باستناد.

(٥) في " ش ٢ " بإسناد.

(٦) النجم: ٣٧.

(٧) مريم: ٣٧، ص ٢٧، الذاريات: ٦٠.

(٨) النحل: ٣٢.

(٩) غافر: ١٧.

(١٠) الجاثية: ٢٨.

(١١) طه: ١٥.

٤٥
(هل تجزون إلا ما كنتم تعملون)(١) (من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها)(٢) (ليوفيهم أجورهم)(٣) (لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت)(٤) (فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات)(٥) (كل امرئ بما كسب رهين)(٦) (من يعمل سوءا يجز به)(٧) (وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي(٨) (إن الله لا يظلم مثقال ذرة)(٩) (وما ربك بظلام للعبيد)(١٠) (وما ظلمناهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون)(١١) (ولا يظلمون فتيلا)(١٢) (وما الله يريد ظلما للعباد)(١٣) وأي ظلم أعظم من تعذيب الغير على فعل لم يصدر منه، بل ممن يعذبه؟

قال الخصم: القادر يمتنع أن يرجح مقدوره من غير مرجح ومع المرجح يجب الفعل، فلا قدرة، ولأنه يلزم أن يكون الإنسان شريكا لله تعالى، ولقوله تعالى (والله خلقكم وما تعملون)(١٤).

والجواب عن الأول: المعارضة بالله تعالى، فإنه تعالى قادر، فإن افتقرت القدرة إلى

(١) النحل: ٩٠.

(٢) الأنعام: ١٦٠.

(٣) فاطر: ٣٠.

(٤) البقرة: ٢٨٦.

(٥) النساء: ١٦٠.

(٦) الطور: ٢١.

(٧) النساء ١٢٣. وفي " ش ٢ " بزيادة. (من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها)، (ذلك بما قدمت يداك) ، (ما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم) وهي الآيات: فصلت: ٤٦، الحج: ١٠، الشورى: ٣٠ على التولي.

(٨) إبراهيم: ٢٢. وفي " ش ١ " بزيادة: (فلا تلوموني ولوموا أنفسكم).

(٩) النساء: ٤٠.

(١٠) فصلت: ٤٦.

(١١) النحل: ١١٨.

(١٢) الإسراء: ٧١، النساء: ٤٩.

(١٣): غافر: ٣١.

(١٤) الصافات: ٩٦.

٤٦
والجواب عن الأول: المعارضة بالله تعالى، فإنه تعالى قادر، فإن افتقرت القدرة إلى المرجح - وكان المرجح موجبا للأثر - لزم أن يكون الله تعالى موجبا لا مختارا، فيلزم الكفر.

وعن الثاني: أي شركة هنا؟! والله تعالى هو القادر على قهر العبد وإعدامه، ومثال هذا أن السلطان إذا ولى شخصا بعض البلاد، فنهب وظلم وقهر، فإن السلطان يتمكن من قتله والانتقام منه واستعادة ما أخذه، وليس يكون شريكا للسلطان.

وعن الثالث: أنه إشارة إلى الأصنام التي كانوا ينحتونها ويعبدونها، فأنكر عليهم وقال (أتعبدون ما تنحتون والله خلقكم وما تعلمون)(١).

وذهبت الأشاعرة إلى أن الله تعالى مرئي بالعين، مع أنه مجرد عن الجهات، وقد قال تعالى (لا تدركه الأبصار)(٢)، وخالفوا الضرورة في(٣) أن المدرك بالعين يكون مقابلا أو في حكمه، وخالفوا جميع العقلاء في ذلك وذهبوا إلى تجويز أن يكون بين أيدينا جبال شاهقة من الأرض إلى السماء، مختلفة الألوان لا نشاهدها، وأصوات هائلة لا نسمعها، وعساكر مختلفة متحاربة بأنواع الأسلحة، بحيث يماس أجسامنا أجسامهم(٤)، لا نشاهد صورهم ولا حركاتهم، ولا نسمع أصواتهم الهائلة، وأن نشاهد جسما أصغر الأجسام، كالذرة في المشرق ونحن في المغرب مع كثرة الحائل بيننا وبينها، وهذا عين السفسطة(٥).

وذهبوا إلى أنه تعالى آمر وناه(٦) في الأزل، ولا مخلوق عنده(٧)، قائلا (يا أيها النبي اتق الله)(٨) (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله)(٩) (يا أيها الناس اتقوا ربكم)(١٠). ولو جلس

(١) الصافات: ٩٥ و ٩٦.

(٢) الأنعام: ١٠٣.

(٣) في " ش ٢ ": من.

(٤) في " ش ٢ ": أجسامنا وأجسامهم.

(٥) أنظر " دلائل الصدق " ١: ٨٩ - ٩٢.

(٦) في " ش ٢ ": أمرنا ونهانا.

(٧) الملل والنحل ١: ١٢٩.

(٨) الأحزاب: ١.

(٩) البقرة ٢٧٨، المائدة: ٣٥، التوبة: ١١٩، الأحزاب: ٧٠، الحديد: ٢٨، الحشر: ١٨.

(١٠) النساء: ١، الحج: ١، لقمان: ٣٣.

٤٧
شخص في منزله ولا غلام عنده، فقال: يا سالم قم، يا غانم كل، يا نجاح ادخل، قيل(١): لمن تنادي؟ فيقول(٢): لعبيد أشتريهم بعد عشرين سنة، نسبه كل عاقل إلى السفه والحمق، فكيف يحسن منهم أن ينسبوا الله تعالى إليه في الأزل.

وذهب جميع من عدا الإمامية والإسماعيلية إلى أن الأنبياء والأئمة غير معصومين، فجوزوا بعثه من يجوز عليه الكذب والسهو والخطاء والسرقة، فأي وثوق يبقى للعامة في أقاويلهم؟ وكيف يحصل الانقياد إليهم؟ وكيف يجب اتباعهم مع تجويز أن يكون ما يأمرون به خطأ؟ ولم يجعلوا الأئمة محصورين في عدد معين، بل كل من تابع(٣) قرشيا انعقدت إمامته عندهم، ووجبت طاعته على جميع الخلق إذا كان مستور الحال، وإن كان على غاية من الفسوق(٤) والكفر والنفاق.

وذهب الجميع منهم إلى القول بالقياس والأخذ بالرأي، فأدخلوا في دين الله ما ليس منه، وحرفوا أحكام الشريعة، وأحدثوا مذاهب أربعة لم تكن في زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولا(٥) في زمن صحابته، وأهملوا أقاويل الصحابة، مع أنهم نصوا على ترك القياس، وقالوا: أول من قاس إبليس.

وذهبوا بسبب ذلك إلى أمور شنيعة، كإباحة البنت المخلوقة من الزنا، وسقوط الحد عمن نكح أمه وأخته وبنته، مع علمه بالتحريم والنسب، بواسطة عقد يعقده وهو يعلم بطلانه، وعمن لف على ذكره خرقة وزنا بأمه أو بنته(٦) وعن اللائط مع أنه أفحش من الزنا وأقبح.

(١) في " ش ١ ": فقيل.

(٢) في " ش ٢ ": يقول.

(٣) في " ش ١ " و " ش ٢ ": بايع.

(٤) في " ش ١ " و " ش ٢ ": الفسق.

(٥) ساقطة من " ش ١ ".

(٦) في " ش ١ " و " ش ٢ ": و.

٤٨
وإلحاق نسب المشرقية بالمغربي(١)، فإذا زوج الرجل ابنته(٢) وفي في المشرق، برجل هو وإياه في المغرب، ولم(٣) يفترقا ليلا ونهارا، حتى مضت مدة ستة أشهر، فولدت البنت في المشرق، التحق نسب الولد بالرجل، وهو وأبوها في المغرب(٤) مع أنه لا يمكنه الوصول إليها إلا بعد سنين متعددة، بل لو حبسه السلطان من حين العقد وقيده، وجعل عليه حفظة مدة خمسين سنة، ثم وصل إلى بلد المرأة، فرأى جماعة كثيرة من أولادها وأولاد أولادهم(٥) إلى عدة بطون، التحقوا كلهم بالرجل الذي لم يقرب هذه المرأة ولا غيرها البتة.

وإباحة النبيذ مع مشاركته للخمر في الإسكار، والوضوء(٦) والصلاة في جلد الكلب، وعلى العذرة اليابسة.

وحكى بعض الفقهاء لبعض الملوك - وعنده بعض فقهاء الحنفية - صفة صلاة الحنفي، فدخل دارا مغصوبة، وتوضأ بالنبيذ، وكبر(٧) بالفارسية من غير نية(٨) وقرأ (مدهامتان)(٩) لا غير بالفارسية، ثم طأطأ رأسه من غير طمأنينة، وسجد كذلك، ورفع رأسه بقدر حد السيف، ثم سجد وقام ففعل كذلك ثانية، ثم أحدث، فتبرأ الملك - وكان حنيفا - من هذا المذهب.

وأباحوا المغصوب لو غير الغاصب الصفة، فقالوا: لو أن سارقا دخل بدار شخص له فيه دواب ورحى وطعام، فطحن السارق طعام صاحب الدار بدوابه وأرحيته ملك

(١) في " ش ١ ": بالمغربي مثلا.

(٢) في " ش ١ ": بنته.

(٣) في " ش ٢ ": فلم.

(٤) في " ش ١ ": بالرجل الذي في المغرب.

(٥) في " ش ٢ ": أولادها وأولادهم.

(٦) في " ش ١ ": والوضوء به.

(٧) في " ش ٢ " وقرأ.

(٨) في " ش ٢ ": عربية.

(٩) الرحمن / ٦٤.

٤٩
الطحين بذلك، فلو جاء المالك ونازعه، كان المالك ظالما والسارق مظلوما، فلو تقاتلا، فإن قتل المالك، كان ظالما(١)، وإن(٢) قتل السارق كان شهيدا.

وأوجبوا الحد على الزاني إذا كذب الشهود، (وأسقطوه إذا صدقهم)(٣) فأسقط الحد مع اجتماع الإقرار والبينة، وهذا ذريعة إلى إسقاط حدود الله تعالى، فإن كل من شهد عليه بالزنا يصدق الشهود ويسقط عنه الحد.

وإباحة الكلب(٤)، وإباحة الملاهي، كالشطرنج والغناء وغير ذلك من المسائل التي لا يحتملها هذا المختصر.

الوجه الثاني:

في الدلالة على وجوب اتباع مذهب الإمامية:

ما قاله شيخنا الإمام الأعظم خواجة نصير الملة والحق والدين، محمد بن الحسن الطوسي قدس الله روحه، وقد سألته عن المذاهب، فقال: بحثنا عنها وعن قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، فرقة منها ناجية والباقي في النار "(٥)، فوجدنا الفرقة الناجية (هي فرقة)(٦) الإمامية، لأنهم باينوا جميع المذاهب، وجميع المذاهب قد اشتركت في أصول العقائد.

(١) في " ش ١ ": هدرا.

(٢): في " ش ٢ ": ولو.

(٣) ما بين القوسين ساقط من " ش ١ ".

(٤) في " ش ١ ": وإباحة أكل الكلب واللواط بالعبيد.

(٥) سنن أبي داود ٤: ١٩٧ - ١٩٨ / الحديث ٤٥٩٦ بزيادة، ومناقب الخوارزمي: ٢٣٧، وكنز العمال ١١: ١١٥ عن الترمذي، و ١: ٢١٠ عن الطبراني وقد ورد المتن في " ش ١ " بزيادة: وقد عين صلى الله عليه وسلم الفرقة الناجية والهالكة في حديث آخر صحيح متفق عليه، بقوله صلى الله عليه وسلم: مثل أهل بيتي كمثل سفينة نوح، من ركبها نجا، ومن تخلف عنها غرق.

(٦) ما بين القوسين في " ر " فقط.

٥٠

الوجه الثالث:

إن الإمامية جازمون بحصول النجاة لهم ولأئمتهم، قاطعون على ذلك، وبحصول ضدها لغيرهم، وأهل السنة لا يجزمون بذلك لا لهم ولا لغيرهم، فيكون(١) اتباع أولئك أولى، لأنا لو(٢) فرضنا - مثلا خروج شخصين من بغداد يريدان الكوفة، فوجدا طريقين سلك كل منهما طريقا، فخرج ثالث يطلب الكوفة، فسأل أحدهما: إلى أين يريد(٣)؟ فقال: إلى الكوفة، فقال له: هذا طريقك يوصلك إليها؟ وهل طريقك آمن أم مخوف(٤)؟ وهل طريق صاحبك (يؤديه إلى الكوفة؟ وهل هو آمن من أم مخوف؟)(٥) فقال: لا أعلم شيئا من ذلك.

ثم سأل صاحبه عن ذلك، فقال: أعلم أن طريقي يوصلني إلى الكوفة، وأنه آمن، وأعلم أن طريق صاحبي لا يؤديه إلى الكوفة وليس بآمن، فإن الثالث إن تابع الأول عده العقلاء سفيها، وإن تابع الثاني نسب(٦) إلى الأخذ بالحزم.

الرابع:

إن الإمامية أخذوا مذهبهم عن الأئمة المعصومين، المشهورين بالفضل والعلم والزهد والورع، والاشتغال في كل وقت بالعبادة والدعاء وتلاوة القرآن، والمداومة على ذلك من زمن الطفولية إلى آخر العمر، ومنهم تعلم الناس العلوم(٧)، ونزل في حقهم

(١) في " ش ١ ": يكون.

(٢) ساقطة من " ش ١ " و " ش ٢ ".

(٣) في " ش ١ " و " ش ٢ ": تذهيب.

(٤) في " ش ٢ " % هذا طريقك آمن أم مخوف؟ وهل طريقك يوصلك إليها؟

(٥) في " ش ٢ ": آمن أم مخوف؟ وهو هو يوصله إلى الكوفة؟

(٦) سقط من " ش ١ ".

(٧) روى العامة والخاصة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: " أنا مدينة العلم وعلي بابها، فمن أراد المدينة فليأت الباب " انظر: المستدرك ٣: ١٢٦ و ١٢٧ بسنده عن ابن عباس، و ٣: ١٢٧ بسنده عن جابر بن عبد الله، وفيه:

" فمن أراد العلم، فليأت الباب ". و " مناقب ابن الخوارزمي ": ٨٢ - ٨٣ بسنده عن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: الحديث، و " مناقب ابن المغازلي: ٨٠ - ٨٥ حيث روى سبع روايات عن جابر وابن عباس وعلي عليه السلام عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم باختلاف يسير في الألفاظ.

وقد عقد العلامة الأميني قده فصلا في رواة أنا مدينة العلم فراجع الغدير، ٦: ٦١ - ٧٧، وأورد في ٧٨ و ٧٩ قائمة بأسماء من صرح بصحة سنده من أعلام العامة.

وقد ذكر ابن أبي الحديد المعتزلي في مقدمة شرح النهج أسبقية علي عليه السلام في العلوم، وذكر ذلك ابن شهرآشوب في مناقبه ٢: ٢٨ - ٥٧، وقال في ص ٣٤: وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالإجماع: أنا مدينة العلم وعلي بابها، فمن أراد العلم فليأت الباب " رواه أحمد من ثمانية طرق، وإبراهيم الثقفي من سبعة طرق، وابن بطة من ستة طرق، والقاضي الجعابي من خمسة طرق وابن شاهين من أربعة طرق، والخطيب التاريخي (صاحب تاريخ بغداد) من ثلاثة طرق، ويحيى بن معين من طريقين. وقد رواه السمعاني والقاضي والماوردي وأبو منصور السكري وأبو الصلت الهروي وعبد الرزاق وشريك عن ابن عباس ومجاهد وجابر.

وهذا يقتضي وجوب الرجوع إلى أمير المؤمنين، لأنه كنى عنه بالمدينة، وأخبر أن الوصول إلى علمه من جهة علي خاصة، لأنه جعله كباب المدينة الذي يا يدخل إليها إلا منه، ثم أوجب ذلك الأمر بقوله " فليأت الباب "، و فيه دليل على عصمته، لأن من ليس بمعصوم يصح منه وقوع القبيح، فإذا وقع كان الاقتداء به قبيحا، فيؤدي إلى أن يكون صلى الله عليه وآله وسلم قد أمر بالقبيح، وذلك لا يجوز انتهى.

٥١
هل أتى(١)، وآية الطهارة(٢) وإيجاب المودة لهم(٣)، وآية الابتهال(٤)، وغير ذلك. وكان علي عليه السلام يصلي في كل يوم وليلة ألف ركعة ويتلو القرآن مع شدة ابتلائه بالحروب(٥) والجهاد: فأولهم علي بن أبي طالب عليه السلام، كان أفضل الخلق بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وجعله الله تعالى نفس

(١) أنظر: أسباب النزول للنيسابوري: ٣٣١ وشواهد التنزيل ٢: ٢٩٨، والتفسير الكبير للرازي: ٣٠: ٢٤٤، والدر المنثور للسيوطي ٦: ٢٩٩، ومناقب ابن المغازلي: ٢٧٢ - ٢٧٣.

(٢) صحيح مسلم، ٧: ١٣٠ / باب فضائل أهل بيت النبي، بسنده عن عائشة، والمستدرك ٣: ١٤٧، ومجمع الزوائد ٩: ١٦٧، وتفسير الطبري ٢٢: ٥.

(٣) ابن المغازلي: ٣٠٧ - ٣٠٩ بسنده عن ابن عباس، ومجمع الزوائد ٩: ١٦٨، وذخائر العقبى: ٢٥.

(٤) صحيح مسلم ٧: ١٢٠ - ١٢١ / باب فضائل علي بن أبي طالب، بسنده عن عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه، ومسند أحمد ١: ١٨٥ / الحديث ١٦١١ عن عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه والمستدرك ٣: ١٥٠، وتفسير الطبري ٣: ٢١٣.

(٥) في " ش ٢ ": بالحرب.

٥٢
رسول الله: حيث قال: (وأنفسنا وأنفسكم)(١) وآخاه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وزوجه ابنته، وفضله لا يحصى(٢)، وظهرت عنه معجزات كثيرة حتى ادعى قوم فيه الربوبية(٣).

وقتلهم، صار إلى مقالتهم آخرون إلى هذه الغاية، كالنصيرية والغلاة، وكان ولداه سبطا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سيدا شباب أهل الجنة إمامين بنص النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وكانا أزهد الناس وأعملهم في زمانهم، وجاهدا في سبيل الله حتى قتلا، ولبس الحسن(٤) الصوف تحت ثيابه الفاخرة من غير أن يشعر أحدا(٥) بذلك.

وأخذ النبي صلى الله عليه وآله وسلم يوما الحسين على فخذه الأيمن، وولده إبراهيم على فخذه الأيسر، فنزل عليه جبرئيل عليه السلام وقال: إن الله لم يكن ليجمع لك بينهما، فاختر من شئت منهما، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: إذا مات الحسين بكيت(٦) عليه أنا وعلي وفاطمة، وإذا مات إبراهيم بكيت أنا عليه، فاختار موت إبراهيم فمات بعد ثلاثة أيام، فكان(٧) إذا جاء الحسين بعد ذلك يقبله و يقول: أهلا ومرحبا بمن فديته بابني إبراهيم(٨).

وكان علي بن الحسين زين العابدين(٩) يصوم نهاره ويقوم ليله، ويتلو الكتاب العزيز،

(١) آل عمران: ٦١.

(٢) في " ش ١ " وش ٢ ": لا يخفى.

(٣) في " ش ٢ ": الألوهية.

(٤) في " ش ٢ ": الحسين.

(٥) في " ش ١ " و " ش ٢ ": أحمد.

(٦) في " ر " و " ش ٢ ": بكى.

(٧) في " ش ١ " و " ش ٢ ": وكان.

(٨) مناقب ابن شهرآشوب ٤: ٨١، عن تفسير النقاش، بإسناده عن سفيان الثوري عن قابوس بن أبي ظبيان، عن أبيه، عن ابن عباس، وفيه أنه صلى الله عليه وآله وسلم كان يقول له: " فديت من فديته بابني إبراهيم " وعنه في بحار الأنوار ٢٢: ١٥٣.

(٩) في حلية الأولياء ٣: ١٤١ " قال سعيد بن المسيب: ما رأيت أحدا أورع من علي بن الحسين، وفي الجرح والتعديل ٦: ١٧٩ " قال يحيى بن سعيد: حدثنا علي بن الحسين أفضل هاشمي رأيته بالمدينة. وقال الزهري: لم أدرك من أهل البيت رجلا كان أفضل من علي بن الحسين ".

٥٣
ويصلي كل يوم وليلة ألف ركعة، ويدعو بعد كل ركعتين بالأدعية المنقولة عنه وعن آبائه عليهم السلام، ثم يرمي الصحيفة كالمتضجر، ويقول: أني لي بعبادة(١) علي! وكان يبكي كثيرا حتى أخذت الدموع من لحم خديه، وسجد حتى سمي ذا الثفنات، وسماه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سيد العابدين.

وكان قد حج هشام بن عبد الملك فاجتهد أن يستلم الحجر، فلم يمكنه من الزحام(٢)، فجاء زين العابدين عليه السلام فوقف الناس له وتنحوا عن الحجر حتى استلمه، ولم يبق عند الحجر سواه، فقال هشام: من هذا؟ فقال الفرزدق الشاعر:


هذا الذي تعرف البطحاء وطأتهوالبيت يعرفه والحل والحرم
هذا ابن خير عباد الله كلهمهذا التقي النقي الطاهر العلم
يكاد يمسكه عرفان راحتهركن الحطيم إذا ما جاء يستلم
إذا رأته قريش قال قائلهاإلى مكارم هذا ينتهي الكرم
إن عد أهل التقى كانوا أئمتهمأو قيل: من خير خلق الله؟ قيل: هم
هذا ابن فاطمة إن كنت جاهلهبجده أنبياء الله قد ختموا
يغضي حياء ويغضى من مهابتهفما يكلم إلا حين يبتسم
ينشق نور الهدى عن صبح غرتهكالشمس تنجاب عن إشراقها الظلم
مشتقة من رسول الله نبعتهطابت عناصره والخيم والشيم
الله شرفه قدما وفضلهجرى بذلك له في لوحه القلم
من معشر حبهم دين وبغضهمكفر وقربهم ملجا ومعتصم

(١) في " ش ٢ ": عبادة.

(٢) في " ش ٢ ": فلم يمكنه الزحام.

٥٤

لا يستطيع جواد بعد غايتهمولا يدانيهم قوم وإن كرموا
هم الغيوث إذا ما أزمة أزمت(١)والأسد أسد الشرى والرأي محتدم
لا ينقض العسر بسطا من أكفهمسيان ذلك إن أثروا وإن عدموا
ما قال: لا، قط إلا في تشهدهلولا التشهد كانت لاؤه نعم
يستدفع السوء والبلوى بحبهمويسترق به الإحسان والنعم
مقدم بعد ذكر الله ذكرهمفي كل بر(٢)، ومختوم به الكلم
من يعرف الله يعرف أولوية ذاالدين من بيت هذا ناله الأمم
وليس قولك: من هذا، بضائرهالعرب تعرف من أنكرت والعجم(٣)

فغضب هشام وأمر بحبس الفرزدق بين مكة والمدينة، فبعث إليه الإمام زين العابدين عليه السلام بألف دينار، فردها وقال: إنما قلت هذا غضبا(٤) لله ولرسوله، فما آخذ عليه أجرا، فقال علي بن الحسين عليه السلام: نحن أهل بيت لا يعود إلينا ما خرج منا، فقبلها الفرزدق.

وكان بالمدينة(٥) قوم يأتيهم رزقهم ليلا ولا يعرفون ممن هو(٦)، فلما مات مولانا الإمام زين العابدين عليه السلام(٧)، انقطع ذلك عنهم، وعرفوا به أنه(٨) كان(٩) منه عليه السلام.

(١) في " ش ٢ ": روضة عرضت.

(٢) في " ش ٢ ": في كل يوم.

(٣) البيت الأخير ساقطا من " ر ". وانظر القصيدة في ديوان الفرزدق ٢: ٣٥٣ - ٣٥٦.

(٤) في " ش ٢ " رضا.

(٥) في " ش ٢ ": في المدينة.

(٦) في " ش ٢ ": من هو الأتي به.

(٧) في " ش ١ ": فلما مات زين العابدين عليه السلام.

(٨) ساقطة من " ر ".

(٩) ساقطة من " ر " " ش ١ ". وانظر تذكرة الخواص: ٣٢٧، عن أبي نعيم في حلية الأولياء ٣: ١٣٦، والفصول المهمة: ٢٠٢.

٥٥
وكان ابنه محمد الباقر عليه السلام أعظم الناس زهدا وعبادة، بقر السجود جبهته، وكان أعلم أهل وقته(١)، سماه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الباقر. وجاء جابر بن عبد الله الأنصاري إليه وهو صغير في الكتاب، فقال له: جدك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يسلم عليك، فقال: وعلى جدي السلام، فقيل لجابر: كيف هذا؟ قال: كنت جالسا عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، والحسين في حجره وهو يلاعبه(٢)، فقال: يا جابر! يولد له مولود اسمه علي، إذا كان يوم القيامة نادى مناد: ليقم سيد العابدين!

فيقوم ولده، ثم يولد له مولود اسمه محمد الباقر، إنه يبقر العلم بقرا، فإذا أدركته فاقرئه مني السلام(٣) روى عنه أبو حنيفة وغيره.

وكان ابنه الصادق عليه السلام أفضل أهل زمانه وأعبدهم(٤)، قال علماء

(١) في " ش ٢ ": وكان أعلم وقته.

في " ش ١ ": والحسين في حجره يداعبه.

(٣) تذكرة الخواص: ٣٣٧ عن المدائني، والفصول المهمة: ٢١١ عن جابر بالمضمون، وشرح النهج ٣: ٦٩، ومناقب ابن شهرآشوب ٤: ١٩٧.

(٤) قال عنه مالك ابن أنس - كما في تهذيب التهذيب ٢: ١٠٤ - " ما رأت عين ولا سمعت أذن، ولا خطر على قلب بشر، أفضل من جعفر بن محمد الصادق علما وعبادة وورعا ".

وقال عنه أبو حنيفة - كما في جامع أسانيد أبي حنيفة ٢: ٢٢٢ - " ما رئي أعلم من جعفر بن محمد، وإنه أعلم الأمة ".

وقال عنه ابن حجر الهيثمي في صواعقه: ١٢٠ " جعفر الصادق، نقل الناس، عنه من العلوم ما سارت به الركبان، وانتشر صيته في جميع البلدان، وروى عنه الأئمة الأكابر، كيحيى بن سعيد، وابن جريح، ومالك، والسفيانين، و أبي حنيفة، وشعبة، وأيوب السجستاني ".

وقال أبو نعيم في حليته ٣: ١٩٢ " الإمام الناطق، ذو الزمام السابق، أبو عبد الله جعفر بن محمد الصادق، أقبل على العبادة والخضوع، وآثر العزلة والخشوع، ونهى عن الرئاسة والجموع ".

وفي ينابيع المودة: ٤٥٧: " قال عنه الشيخ أبو عبد الرحمن السلمي في طبقات مشايخ الصوفية: جعفر الصادق، فاق جميع أقرانه من أهل البيت، وهو ذو علم غزير في الدين، وزهد بالغ في الدنيا، وورع تام عن الشهوات، وأدب كامل في الحكمة ".

وقال كمال الدين محمد بن طلحة الشافعي في مطالب السؤول ٢: ٥٥ " جعفر بن محمد هو من علماء أهل البيت و ساداتهم، ذو علوم جمة، وعبادة موفورة، وأوراد متواصلة، وزهادة بينة، وتلاوة كثيرة، يتتبع معاني القرآن، و يستخرج من بحره جواهره، ويستنتج عجائبه، ويقسم أوقاته على أنواع الطاعات... استفاد منه جماعة من أعيان الأمة وأعلامهم، مثل يحيى بن سعيد الأنصاري، وابن جريح، ومالك ابن أنس، والثوري، وابن عيينة، وأيوب السختياني، وغيرهم، وعدوا أخذهم منه منقبة شرفوا بها، وفضيلة اكتسبوها ".

٥٦
السيرة(١): أنه انشغل(٢) بالعبادة عن طلب الرياسة. قال عمرو بن أبي المقدام(٣): كنت إذا نظرت إلى جعفر بن محمد علمت أنه من سلالة النبيين(٤) وهو الذي نشر منه(٥) فقه الإمامية والمعارف الحقيقية والعقائد اليقينية، وكان لا يخبر بأمر إلا وقع، وبه سموه الصادق الأمين.

وكان عبد الله بن الحسن جمع أكابر العلويين للبيعة لولده(٦) فقال له الصادق عليه السلام: إن هذا الأمر لا يتم! فاغتاظ من ذلك، فقال(٧) إنه لصاحب القباء الأصفر، وأشار بذلك إلى المنصور، فلما سمع المنصور بذلك فرح لعلمه بوقوع ما يخبر به، وعلم أن الأمر يصل إليه، ولما هرب(٨) كان يقول: أين قول صادقهم؟! وبعد ذلك انتهى الأمر إليه(٩).

وكان ابنه موسى الكاظم عليه السلام يدعى بالعبد الصالح، كان أعبد أهل وقته، يقوم(١٠) الليل ويصوم النهار، سمي(١١) الكاظم لأنه كان إذا بلغه عن أحد شئ، بعث إليه بمال، ونقل فضله

(١) في " ش ٢ ": السير.

(٢) في " ش ١ ": إنه اشتغل، وفي " ش ٢ ": إنه قد اشتغل.

(٣) في " ش ١ ": عمرو بن المقدام.

(٤) حلية الأولياء ٣: ١٩٣، وتذكرة الخواص: ٣٤٢.

(٥) في " ش ١ ": في.

(٦) في " ش ١ " و " ش ٢ ": ولولديه محمد وإبراهيم.

(٧) في " ش ٢ ": وقال.

(٨) في " ش ٢ ": ولما هرب المنصور.

(٩) مقاتل الطالبيين: ١٤٠ - ١٤٢ و ١٧١ ١٧٣، وانظر كلام أبي جعفر المنصور في: ١٨٤ - ١٨٥.

(١٠) في " ش ١ " و " ش ٢ " ويقوم.

(١١): في " ر ": وسمي.

٥٧
كتاب منهاج الكرامة في معرفة الإمامة للعلامة الحلي (ص ٥٨ - ص ٧٠)
٥٨
الطعام، يا سيدي ما لي سواها!

قال شقيق: فوالله لقد رأيت البئر قد ارتفع ماؤها، فأخذ الركوة وملأها، وتوضأ وصل أربع ركعات، ثم مالي إلى كثيب رمل هناك، فجعل يقبض بيده ويطرحه في الركوة ويشرب(١) فقلت: أطعمني من فضل ما رزقك الله وأنعم الله عليك(٢)! فقال: يا شقيق لم تزل نعم الله علينا ظاهرة وباطنة، فأحسن ظنك بربك، ثم ناولني(٣) الركوة، فشربت منها فإذا سويق وسكر ما شربت - والله - ألذ منه وأطيب ريحا(٤)، فشبعت ورويت وأقمت أياما لا أشتهي طعاما ولا شرابا ثم لم أره حتى دخل(٥) مكة، فرأيته ليلة إلى جانب قبة السراب(٦) نصف الليل يصلي بخشوع وأنين وبكاء، فلم يزل كذلك حتى ذهب الليل، فلما طلع الفجر جلس في مصلاه يسبح، ثم قام إلى صلاة الفجر، وطاف بالبيت أسبوعا، وخرج فتبعته فإذا(٧) له حاشية وأموال(٨) وغلمان، وهو على خلاف ما رأيته في الطريق، ودار به الناس يسلمون عليه ويتبركون به فقلت لبعضهم: من هذا؟ فقال: موسى بن جعفر عليهما السلام، فقلت: قد عجبت أن تكون هذه العجائب(٩) إلا لمثل هذا السيد، رواه الحنبلي(١٠).

(١) في " ش ١ ": ويشير به.

(٢) في " ش ١ ": وأنعم عليك.

(٣) في " ش ١ ": فناولني.

(٤) في " ش ١ " و " ش ٢ " ألذ منه ولا أطيب ريحا.

(٥) في " ش ١ ": دخلت.

(٦) في " ش ١ " الميزاب.

(٧) في " ر ": وإذا.

(٨) في " ش ٢ ": وموال.

(٩) في " ش ١ ": أن تكون مثل هذه العجائب.

(١٠) تذكرة الخواص: ٣٤٨ - ٣٤٩، والفصول المهمة: ٢٣٣ - ٢٣٤، والصواعق المحرقة: ٢٠٣، ومطالب السؤول:

٢٦، وفي بحار الأنوار نقلا عن أمثال الصالحين " قال: وقد نظموها:


سل شقيق البلخي عنه وما عاينمنه وما الذي كان أبصر
قال: لما حججت عاينت شخصاناحل الجسم شاحب اللون أسمر
سائرا وحده وليس له زادفما زلت دائبا أتفكر
وتوهمت أنه يسأل الناسولم أدر أنه الحج الأكبر
ثم عاينته ونحن نزولدون " فيد " على الكثيب الأحمر
يضع الرمل في الإناء ويشربه فناديته وعقلي محير
اسقني شربة، فلما سقانيمنه عاينته سويقا ويسكر
فسألت الحجيج من يك هذا؟قيل هذا الإمام موسى بن جعفر

٥٩
وعلى يده عليه السلام تاب بشر الحافي(١). لأنه عليه السلام اجتاز على داره ببغداد، فسمع الملاهي وأصوات الغناء والقصب تخرج من تلك الدار، فخرجت جارية وبيدها قمامة البقل، فرمت بها(٢) في الدرب: فقال لها: يا جارية! صاحب هذه الدار حر أم عبد؟ فقالت: بل حر فقال:

صدقت، لو كان عبدا خاف من مولاه!.

فلما دخلت قال مولاها وهو على مائدة السكر: ما أبطأك علينا؟ فقالت: حدثني رجل بكذا وكذا، فخرج حافيا(٣) حتى لقي مولانا الكاظم عليه السلام فتاب على يده.

(١) هو بشر بن الحارث الحافي، أورد أبو نعيم الأصبهاني ترجمته في " حلية الأولياء " وقال عنه: ومنهم من حباه الحق بجزيل الفواتح، وحماه عن وبيل الفوادح، أبو نصر بشر بن الحارث الحافي، المكتفي بكفاية الكافي، أكتفي فأشتفي.

وذكره الخواجة عبد الله الأنصاري في طبقات الصوفية: ٨٥ - ٨٦، والقاضي نور الله الشوشتري في مجالس المؤمنين ٢: ١٢ - ١٤، ونقل عن ابن خلكان أن جده الخامس عبد الله أسلم على يد أمير المؤمنين علي عليه السلام. ثم ذكر صاحب المجالس أنه تاب على يد الإمام الهمام موسى الكاظم عليه السلام، ثم نقل قصة توبته من منهاج الكرامة، ثم ذكر أن تاريخ وفاته كان يوم عاشوراء من محرم الحرام سنة سبع وعشرين ومائتين، كما ذكره معصوم علي شاه في طرائق الحقائق ٢: ١٨٤ - ١٨٦ ونقل قصة توبته عن منهاج الكرامة.

(٢) في " ر ": به.

(٣) في " ش ٢ ": فخرج بشر حافيا.

٦٠