×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

منهاج الكرامة في معرفة الإمامة / الصفحات: ٦١ - ٨٠

وكان ولده علي الرضا(١) أزهد أهل زمانه وأعلمهم، وأخذ عنه فقهاء الجمهور كثيرا، و تولاه(٢) المأمون لعلمه بما هو عليه من الكمال والفضل(٣)، ووعظ يوما أخاه زيدا فقال له يا زيد، ما أنت قائل لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا سفكت الدماء وأخفت السبيل(٤) وأخذت المال من غير حله!؟ غرك حمقاء أهل الكوفة، وقد(٥) قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إن فاطمة أحصنت فرجها فحرم الله ذريتها على النار، والله ما نالوا ذلك إلا بطاعة الله، فإن أردت أن تنال بمعصية الله ما نالوه بطاعته، إنك إذا لأكرم على الله منهم(٦).

وضرب المأمون اسمه على الدراهم والدنانير، وكتب إلى الآفاق ببيعته، وطرح السواد ولبس الخضرة. وقيل لأبي نؤاس لم لا تمدح الرضا عليه السلام؟ فقال:


قيل لي أنت أفضل الناس طرافي المعاني وفي الكلام البديه
لك من جوهر الكلام بديع(٧)يثمر الدر في يدي مجتنيه(٨)
فلما ذا تركت مدح ابن موسىوالخصال التي تجمعن فيه
قلت لا أستطيع مدح إمامكان جبريل خادما لأبيه(٩)

وكان ولده محمد الجواد عليه السلام على منهاج أبيه في العلم والتقوى(١٠) والجود، ولما مات أبوه الرضا عليه السلام شغف به المأمون لكثرة علمه ودينه، ووفور عقله مع صغر سنه،

(١) في " ش ١ ": وكان ولده الرضا.

(٢) في " ش ١ " و " ش ٢ ": ولاه.

(٣) في " ش ١ ": والفضائل.

(٤) في " ش ١ " و " ش ٢ ": السبل.

(٥) في " ش ٢ ": بما.

(٦) ربيع الأبرار ٤: ٤٢٦، عيون أخبار الرضا ٢: ٢٣٤ بزيادة.

(٧) في " ش ٢ ": % نظام.

(٨) سقط البيت من " ش ١ ".

(٩) تذكرة الخواص: ٣٥٨. وهو في عيون أخبار الرضا ٢: ١٤٦ باختلاف يسير في اللفظ.

(١٠) في " ش ١ " و " ش ٢ ": التقى.

٦١
فأراد(١) أن يزوجه ابنته(٢) أم الفضل، وكان قد زوج أباه الرضا عليه السلام بابنته أم حبيب فغلظ ذلك على العباسيين واستكبروه، وخافوا أن يخرج الأمر منهم، وأن يتابعه كما تابع أباه(٣)، فاجتمع الأدنون منه وسألوه ترك ذلك، وقالوا إنه صغير(٤) لا علم عنده، فقال: أنا أعرف به، فإن شئتم فامتحنوه، فرضوا بذلك، وجعلوا ليحيى(٥) بن أكثم مالا كثيرا على امتحانه في مسألة يعجزه(٦) فيها، فتواعدوا إلى يوم، فأحضره المأمون، وحضر القاضي وجماعة العباسيين، فقال القاضي: أسألك عن شئ؟ فقال له عليه السلام: سل(٧).

فقال: ما تقول في محرم قتل صيدا؟ فقال له الإمام عليه السلام(٨): أقتله في حل أو حرم؟ عالما كان أو جاهلا؟ مبتدئا بقتله أو عائدا؟ من صغار الصيد كان أو(٩) من كبارها؟ عبدا كان المحرم أو حرا؟ صغيرا كان أو(١٠) كبيرا؟ من ذوات الطير كان الصيد أو(١١) من غيرها؟

فتحير يحيى بن أكثم وبان العجز في وجهه، حتى عرف جماعة أهل المجلس أمره فقال المأمون لأهل بيته: عرفتم الآن ما كنتم تنكرونه؟! ثم أقبل على الإمام فقال:

(١) في " ش ١ " و " ش ٢ ": وأراد.

(٢) في " ر ": بنته.

(٣) في " ش ١ " و " ش ٢ ": يبايعه كما بايع أباه.

(٤) في " ر ": وقالوا إنه صغير السن.

(٥) في " ش ١ ": فرضوا بذلك وجعلوا للقاضي يحيى.

في " ش ٢ ": فرضوا وجعلوا للقاضي يحيى.

(٦) في " ش ٢ ": يعجز.

(٧) في " ش ١ ": فقال سل عما بدا لك.

في " ش ٢ ": فقال له سل عما بذلك.

(٨) في " ش ٢ ": فقال الإمام عليه السلام.

(٩) في " ش ٣ ": أم.

(١٠) في " ش ٢ " و " ر ": أم.

(١١) في " ش ٢ ": أم.

٦٢
أتخطب؟ فقال(١) نعم. فقال(٢) اخطب لنفسك خطبة النكاح، فخطب(٣) وعقد على خمسمائة درهم جيادا مهر جدته فاطمة عليها السلام، ثم تزوج بها(٤).

وكان ولده علي الهادي عليه السلام، ويقال له: العسكري، لأن المتوكل أشخصه من المدينة إلى بغداد، ثم منها إلى سر من رأى، فأقام بموضع عندها يقال له: العسكر، ثم انتقل إلى سر من رأى فأقام(٥) بها عشرين سنة وتسعة أشهر، وإنما أشخصه المتوكل لأنه كل يبغض عليا عليه السلام(٦)، فبلغه مقام علي بالمدينة وميل الناس إليه، فخاف منه، فدعا يحيى بن هرثمة

(١) في " ش ١ ": أتخطب؟ قال.

في " ش ٢ ": اخطب، فقال.

(٢) سقطت الكلمة من " ش ٢ ".

(٣) في " ش ٢ ": وخطب.

(٤) الفصول المهمة: ٢٦٧ - ٢٧٠، وقد اختصر أسئلة يحيى بن أكثم، تذكرة الخواص: ٣٥٩، قال: والإمامية تروي خبرا طويلا فيه أن المأمون لما زوجه كان عمر محمد الجواد سبع سنين وأشهر، وأنه هو الذي خطب خطبة النكاح، وأن العباسيين شغبوا على المأمون، ورشوا القاضي يحيى بن أكثم حتى وضع مسائل ليخطئ بها محمد الجواد ويمتحنه، وأن الجواد خرج عن الجميع، إرشاد المفيد: ٣١٩ - ٣٢٣ مفصلا، بسنده عن الريان بن شبيب، إثبات الوصية للمسعودي: ١٨٨ - ١٩١، إعلام الورى: ٣٥١ - ٣٥٤، الاحتجاج ٢: ٤٤٣ - ٤٤٦.

(٥) العبارة بين القوسين ساقطة من " ش ٢ ".

(٦) وهو الذي أمر بهدم قبر الإمام الحسين عليه السلام فقال فيه الشعراء:


تاالله إن كانت أمية قد أتتقتل ابن بنت نبيها مظلوما
فلقد أتته بنو أبيه بمثلههذا لعمرك قبره مهدوما
أسفوا على أن لا يكونوا شاركوافي قتله فتتبعوه رميما

وهو الذي يقف شاعره مروان بن أبي الجنوب فينشده شعرا ينال فيه من آل علي عليه السلام ويذم شيعتهم، فيأمر المتوكل أن ينثر على رأسه ثلاثة آلاف دينار ويعقد له على إمارة البحرين واليمامة ويخلع عليه أربع خلع (أنظر الكامل في التاريخ ٧: ٣٨). وهو الذي لما بلغه أن نصر بن علي حدث أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أخذ بيد حسن وحسين فقال: من أحبني وأحب هذين وأباهما وأمهما كان معي في درجتي يوم القيامة، أمر بضربه ألف سوط. (انظر تاريخ بغداد ١٣: ٢٨٧ - ٢٨٨). وهو الذي أمر عمر بن الفرج الرخجي عامله على المدينة ومكة بتشديد الوطأة على العلويين، حتى كان القميص يكون بين جماعة من العلويات يصلين فيه الواحدة بعد الأخرى، ثم يرقعنه ويجلسن على مغازلهن عواري حواسر (أنظر مقاتل الطالبيين: ٥٩٩).

قال جرجي زيدان في " تاريخ التمدن الإسلامي " ٥: ١٢٠ ضمن كلامه عن السخاء على الشعراء والمغنين:

" وفاقهم المتوكل في ذلك، لأنه أعطى حسين بن الضحاك ألف دينار عن كل بيت من قصيدة قالها، وهو أول من أعطى ذلك ".

وقال في ص ١٢٤ من كتابه المذكور: " وكتب التاريخ والأدب مشحونة بأخبار مجالس الشراب، وهي في الغالب مجالس الغناء، ويندر أن يترفع خليفة أو وزير عنها، ومن أكثر العباسيين رغبة فيها: الهادي والرشيد والأمين والمأمون والمعتصم والواثق والمتوكل... ".

ولولا الخوف من الإطالة، لنقلت ما جاء في كتب التواريخ والسيرة والأدب عن ظلمه وإسرافه وخلاعته وفسقه وفجوره، لكني أكتفي في هذه العجالة بما قاله ابن الأثير في الكامل ٧: ١١٥:

وذكر أن المنتصر كان شاور في قتل أبيه (المتوكل) جماعة من الفقهاء، وأعلمهم بمذاهبه، وحكى عنه أمورا قبيحة كرهت ذكرها، فأشاروا بقتله، فكان كما ذكرنا بعضه.

ولا أدري لم كره ابن الأثير المؤرخ ذكر الأمور القبيحة التي حكاها المنتصر للفقهاء عن أبيه حتى أشاروا بقتله، بينما يفيض في نقل سواها من أخبار المطربات والمغنيات والمهرجين؟! قاتل الله العصبية! وقد صدق من قال:

حبك الشئ يعمي ويصم!

٦٣
فأمره(١) بإشخاصه، فضج أهل المدينة لذلك خوفا عليه، لأنه كان محسنا إليهم، ملازما للعبادة في المسجد، فحلف لهم يحيى أنه لا مكروه عليه، ثم فتش منزله فلم يجد فيه سوى مصاحف وأدعية وكتب العلم(٢)، (فعظم في عينه)(٣) وتولى خدمته بنفسه، فلما قدم بغداد بدأ بإسحاق بن إبراهيم الطاهري(٤) وإلى بغداد، فقال له:

يا يحيى، هذا الرجل قد ولده رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، والمتوكل من تعلم، فإن حرضته(٥) عليه قتله، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خصمك(٦). فقال له يحيى: والله ما وقعت منه إلا على خير.

(١) في " ش ١ ": وأمره.

(٢) في " ش ٢ ": المصاحف وكتب الأدعية والعلم.

(٣) ما بين القوسين سقط من " ش ١ ".

(٤) في " ش ١ ": الطائي.

(٥) في " ش ١ ": تحرضه. في " ش ٢ ": حرضت.

(٦) في " ش ١ " و " ش ٢ ": خصمك يوم القيامة.

٦٤
قال: فلما دخلت على المتوكل أخبرته بحسن سيرته وزهده وورعه(١)، فأكرمه المتوكل(٢). ثم مرض المتوكل فنذر إن عوفي تصدق(٣) بدراهم كثيرة، فسأل الفقهاء عن ذلك فلم يجد عندهم جوابا، فبعث إلى علي الهادي عليه السلام يسأله(٤)، فقال: تصدق بثلاثة وثمانين درهما فسأله المتوكل عن السبب، فقال: لقوله تعالى: (لقد نصركم الله في مواطن كثيرة)(٥)، وكانت المواطن هذه الجملة، فإن النبي صلى الله عليه وآله وسلم غزا سبعا وعشرين غزاة، وبعث ستا وخمسين سرية(٦).

قال المسعودي: نمي إلى المتوكل بعلي بن محمد أن في منزله سلاحا من شيعته من أهل قم، وأنه عازم على الملك، فبعث إليه جماعة من الأتراك، فهجموا على داره ليلا فلم يجدوا شيئا(٧)، ووجدوه في بيت مغلق عليه، وهو يقرأ(٨) وعليه مدرعة من صوف، وهو جالس على الرمل والحصباء(٩)، متوجه إلى الله تعالى يتلو القرآن، فحمل على حالته تلك إلى المتوكل، فأدخل عليه وهو في مجلس الشراب(١٠) والكأس في يد المتوكل، فأعظمه(١١) وأجلسه إلى جانبه(١٢) وناوله الكأس، فقال: والله ما خامر لحمي ودمي قط فأعفني(١٣)!

(١) في " ش ٢ ": بحسن ورعه وزهده.

(٢) تذكرة الخواص: ٣٥٩ - ٣٦٠، مروج الذهب ٤: ٣٦٠، مروج الذهب ٤: ٨٤ - ٨٥، الفصول المهمة: ٢٧٩ - ٢٨١.

(٣) في " ش ٢ ": أن يتصدق.

(٤) في " ش ١ " و " ش ٢ ": وسأله.

(٥) التوبة: ٢٥.

(٦) تذكرة الخواص: ٣٦٠، مناقب ابن شهرآشوب ٤: ٤٠٢، بحار الأنوار ٥٠: ١٦٢ - ١٦٣.

(٧) في " ر ": فلم يجدوا فيها شيئا.

(٨) في " ش ١ ": وهو يقرأ القرآن.

(٩) في " ش ١ " و " ش ٢ " الحصى.

(١٠) في " ش ٢ ": وهو جالس في الشراب.

(١١) في " ش ١ " و " ش ٢ ": فعظمه.

(١٢) في " ش ٢ ": جانب.

(١٣) سقطت من " ش ١ ".

٦٥
فأعفاه. وقال له: أسمعني صوتا، فقال عليه السلام: (كم تركوا من جنات وعيون)(١)... الآيات فقال: أنشدني شعرا، فقال: إني قليل الرواية للشعر. فقال: لا بد من ذلك، فأنشده(٢):


باتوا على قلل الجبال(٣) تحرسهمغلب الرجال فما أغنتهم القلل
واستنزلوا بعد عز من(٤) معاقلهموأسكنوا حفرا يا بئس ما نزلوا
ناداهم صارخ من بعد دفنهمأين الأساور والتيجان والحلل
أين الوجوه التي كانت منعمةمن دونها تضرب الأستار والكلل
فأفصح القبر عنهم حين سائله(٥)تلك الوجوه عليها الدود يقتتل
قد طالما أكلوا دهرا وقد شربوافأصبحوا بعد طول الأكل قد أكلوا

فبكى المتوكل حتى بلت دموعه لحيته(٦).

وكان ولده الحسن العسكري عليه السلام عالما فاضلا زاهدا أفضل أهل زمانه(٧)، روت عنه العامة كثيرا.

وولده مولانا الإمام المهدي محمد عليه السلام(٨)، روى ابن الجوزي بإسناده إلى ابن عمر، قال:

قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: يخرج في آخر الزمان رجل من ولدي اسمه كاسمي(٩) وكنيته كنيتي، يملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا، فذلك هو المهدي(١٠).

(١) الدخان: ٢٥.

(٢) في " ش ١ ": فأنشد.

(٣) في " ش ١ " و " ش ٢ ": الجبال.

(٤) في " ش ١ " و " ش ٢ ": عن.

(٥) في " ش ١ ": ساء لهم.

(٦) مروج الذهب ٤: ١١١، وتذكرة الخواص: ٣٦١، ونور الأبصار للشبلنجي: ١٥٠.

(٧) في " ش ٢ ": أفضل زمانه.

(٨) في " ر ": وولد مولانا الإمام المهدي محمدا.

(٩) في " ش ٢ ": اسمي.

(١٠) تذكرة الخواص: ٣٦٣ - ٣٦٤.

وقد تواترت الأخبار بظهور المهدي عليه السلام وخروجه في آخر الزمان، وبأنه من ولد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومن ولد فاطمة عليها السلام ومن ولد علي عليه السلام ومن ولد الحسين عليه السلام، وبأنه التاسع من ولد الحسين عليه السلام. ولم تختص هذه الأخبار بالشيعة دون السنة، فقد رواها أعاظم علماء السنة فضلا عن علماء الشيعة، كالبخاري في صحيحه وتاريخه الكبير، ومسلم في صحيحه، وأحمد في مسنده، وابن ماجة في سننه، وأبي داود في سننه، والترمذي في جامعه، والطبراني في معاجمه الثلاثة: الصغير والأوسط والكبير، والحاكم النيسابوري في المستدرك على الصحيحين، والطيالسي في مسنده، وعبد الرزاق الصنعاني في الصنف، الحيدي في مسنده، وابن أبي شيبة في المصنف، والحميدي في الجمع بين الصحيحين، وأبي يعلى الموصلي في مسنده، والبزار في مسنده، وابن حبان في صحيحه، والبيهقي في " البعث والنشور "، والديلمي في فردوس الأخبار، والبغوي في مصابيح السنة، وابن الأثير في جامع الأصول، والهيثمي في مجمع الزوائد، والسيوطي في الدر المنثور والجامع الصغير والعرف الوردي، والمتقي الهندي في كنز العمال، وعبد الغني النابلسي في ذخائر المواريث، وأبي نعيم الأصبهاني في أخبار أصبهان، ومنصور علي ناصف في التاج الجامع، وكثير غيرهم.

كما صنفت في موضوعه كتب كثيرة منها: الفتن لنعيم بن حماد المروزي، والملاحم لأحمد بن جعفر البغدادي، ابن المنادي، والسن لعثمان بن سعيد الداني، وعقد الدرر في أخبار المنتظر للشافعي السلمي، والبيان للكنجي الشافعي، والبرهان للمتقي الهندي، والعرف الوردي في أخبار المهدي للسيوطي، والشرب الوردي في مذهب المهدي للهروي الحنفي القاري، وفرائد فوائد الفكر في الإمام المهدي المنتظر لمرعي بن يوسف الحنبلي، ومناقب المهدي لأبي نعيم الأصبهاني، والإشاعة للبرزنجي، وغيرها.

٦٦
فهؤلاء الأئمة المعصومون(١) الذين بلغوا الغاية(٢) في الكمال، ولم يتخذوا ما اتخذ غيرهم من الأئمة المشتغلين(٣) بالملك وأنواع المعاصي والملاهي وشرب الخمور، والفجور حتى بأقاربهم(٤) على ما هو المتواتر من الناس.

قالت الإمامية: فالله يحكم بيننا وبين هؤلاء وهو خير الحاكمين، وما أحسن قول بعض الناس:

(١) في " ش ١ ": وهؤلاء الأئمة الفضلاء المعصومون.

(٢) في " ش ٢ ": العلية.

(٣) في " ش ٢ ": الأئمة المتغلبين المشتغلين.

(٤) في " ش ١ ١ ": أتوا ربهم.

٦٧

إذا شئت أن ترضى لنفسك مذهباوتعلم أن الناس في نقل أخبار
فدع عنك قول الشافعي ومالكوأحمد(١) والمروي عن كعب أحبار
ووال أناسا(٢) قولهم وحديثهمروى جدنا عن جبرئيل عن الباري

وما أظن أحدا من المحصلين(٣) وقف على هذه المذاهب(٤)، فاختار غير مذهب الإمامية باطنا، وإن كان في الظاهر يصير إلى غيره طلبا للدنيا حيث وضعت لهم المدارس والربط والأوقاف حتى تستمر لبني العباس الدعوة، ويشيدوا(٥) للعامة اعتقاد إمامتهم.

وكثيرا ما رأينا من يدين(٦) في الباطن بمذهب الإمامية، ويمنعه عن إظهاره حب الدنيا وطلب الرياسة، وقد رأيت بعض أئمة الحنابلة(٧) يقول: إني على مذهب الإمامية، فقلت له:

لم تدرس على مذهب الحنابلة؟ فقال: ليس في مذهبكم البغلات(٨) والمشاهرات(٩). وكان أكبر مدرسي الشافعية في زماننا حيث(١٠) توفي أوصى بأن يتولي أمره في غسله وتجهيزه بعض المؤمنين، وأن يدفن في مشهد الكاظم عليه السلام، وأشهد عليه(١١) أنه على دين الإمامية.

(١) في " ر ": قول الشافعي وأحمد - ومالك.

(٢) في " ش ٢ ": رجالا.

(٣) في " ش ١ ": المخلصين.

(٤) في " ش ١ ": هذا المذهب.

(٥) في " ش ١ ": يشتد.

(٦) في " ش ١ " و " ش ٢ ": يتدين.

(٧) في " ر ": بعض الحنابلة.

(٨) في " ش ٢ ": الغلات.

(٩) في " ر ": المسامرات.

(١٠) في " ش ٢ ": حين.

(١١) ليست في " ش ٢ ".

٦٨

الخامس:

إن الإمامية لم يذهبوا إلى التعصب في غير الحق(١)، فقد ذكر الغزالي والمتولي(٢) وكانا إمامين للشافعية - أن تسطيح القبور هم المشروع، لكن لما جعلته(٣) الرافضة شعارا لهم، عدلنا عنه(٤) إلى التسنيم(٥).

وذكر الزمخشري - وكان من أئمة الحنفية - في تفسير قوله تعالى (هو الذي يصلي عليكم وملائكته)(٦) أنه يجوز بمقتضى هذه الآية أن يصلى على آحاد المسلمين، لكن لما اتخذت الرافضة ذلك في أئمتهم، منعناه(٧).

وقال مصنف الهداية من الحنفية: المشروع التختم في اليمين، لكن لما اتخذته الرافضة عادة، جعلنا التختم في اليسار، وأمثال ذلك كثير(٨).

(١) في " ش ١ " و " ش ٢ " زيادة: بخلاف غيرهم.

(٢) في " الصراط المستقيم " للبياضي: المزني.

(٣) في " ش ٢ ": جعله.

(٤) في " ش ١ ": عنهم.

(٥) ذكره البياضي العاملي في الصراط المستقيم ٣: ٢٠٦ نقلا عن الغزالي في " الذخيرة " والمزني.

(٦) الأحزاب: ٤٣.

(٧) أنظر تفسير الكشاف ٣: ٥٥٨ في تفسير الآية ٥٦ من سورة الأحزاب.

(٨) الصراط المستقيم ٣: ٢٠٦، وقال:

" وقال الكنجي في " الكفاية الطالب " إن عليا كان يتختم باليمين. وقال الترمذي والسجستاني وابن حنبل وابن ماجة وأبو يعلى المحتسب والسلمي والبيهقي، وهو في صحيحي مسلم والبخاري: إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم والعترة و الصحابة تختموا في أيمانهم. وعد الجاحظ في كتاب " نقوش الخواتيم " أن الأنبياء من آدم إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم تختموا في أيمانهم. وخلعه ابن العاص من يمينه ولبسه في شماله وقت التحكيم. وذكر الراغب في " المحاضرات " أن أول من تختم في اليسار معاوية، فلبس المخالف في شماله علامة ضلالته باستمراره على خلع علي من إمامته. انتهى كلامه.

وقال الزمخشري في ربيع الأبرار ٥: ٢٤: ذكر السلامي (وهو أبو الحسن محمد بن عبد الله بن محمد المخزومي) أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يتختم في يمينه والخلفاء بعده، فنقله معاوية إلى اليسار، فأخذ المروانية بذلك، ثم نقله السفاح إلى اليمين فبقي إلى أيام الرشيد، فنقله إلى اليسار، فأخذ الناس بذلك.

وروي عن عمرو بن العاص أنه سله يوم التحكيم من يده اليمنى وجعله في اليسرى، وقال: خلعت عليا من الخلافة كما خلعت خاتمي من يميني، وجعلتها إلى معاوية كما أدخلت خاتمي في يساري.

ثم روى الزمخشري في ربيع الأبرار ٥: ٢٤ عن عائشة أنها قالت: كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يتختم في يمينه، وقبض صلى الله عليه وآله وسلم والخاتم في يمينه. وروى في ص ٢٨ عن جابر بن عبد الله، قال: تختم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في يمينه.

٦٩
فانظر إلى من يغير الشريعة ويبدل الأحكام التي ورد بها(١) النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ويذهب(٢) إلى ضد الصواب معاندة لقوم معينين، هل يجوز اتباعه والمصير إلى أقواله؟ مع أنهم ابتدعوا أشياء اعترفوا بأنها بدعة، وأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة فإن مصيرها إلى النار(٣)، وقال صلى الله عليه وآله وسلم: من أدخل في ديننا ما ليس منه فهو رد عليه(٤) ولو ردوا عنها كرهته نفوسهم ونفرت قلوبهم، كذكر الخلفاء في خطبتهم، مع أنه بالإجماع لم يكن في زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولا في زمن أحد من الصحابة والتابعين، ولا في زمن بني أمية، ولا في صدر ولاية العباسيين، بل هو شئ أحدثه المنصور لما وقع بينه وبين العلوية، فقال: والله لأرغمن أنفي وأنوفهم، وأرفع عليهم بني تيم وعدي، وذكر الصحابة في خطبته، واستمرت هذه البدعة

(١) في " ش ١ ": أوردها.

(٢) في " ش ٢ ": وذهب.

(٣) بحار الأنوار ٢: ٤٠١ عن أمالي الطوسي، بسنده عن جابر بن عبد الله: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال في خطبة له إن أحسن الحديث كتاب الله، وخير الهدى هدى محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة محدثة، وكل بدعة ضلالة... الحديث.

وفي ٢: ٣٠٩ منه، عن مجالس المفيد، بسنده عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام قال: صعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المنبر فتغيرت وجنتاه والتمع لونه، ثم أقبع بوجهه فقال: أيها المسلمين، إنما بعثت أنا والساعة كهاتين - قال: ثم ضم السباحتين - ثم قال: يا معشر المسلمين، إن أفضل الهدى هدى محمد، وخير الحديث كتاب الله، وشر الأمور محدثاتها، ألا وكل بدعة ضلالة، ألا وكل ضلالة ففي النار... الحديث.

(٤) المبسوط للسرخسي ٢: ٤٠.

٧٠
كتاب منهاج الكرامة في معرفة الإمامة للعلامة الحلي (ص ٧١ - ص ٨٤)
٧١

والتجأ في ذلك إلى رواية انفرد بها - وكان هو الغريم لها، لأن الصدقة تحل(١) له - أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة، على ما رووه عنه، والقرآن يخالف ذلك، لأن الله تعالى قال: (يوصيكم الله في أولادكم)(٢)، ولم يجعل الله تعالى ذلك خاصا بالأمة دونه صلى الله عليه وآله وسلم، وكذب روايتهم فقال تعالى: (وورث سليمان داود)(٣)، وقال:

تعالى عن زكريا: (وإني خفت الموالي من ورائي وكانت امرأتي عاقرا فهب لي من لدنك وليا * يرثني ويرث من آل يعقوب)(٤).

ولما ذكرت فاطمة عليها السلام أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهبها فدكا، قال لها: هات أسود أو أحمر يشهد لك بذلك! فجاءت بأم أيمن فشهدت لها بذلك، فقال: امرأة لا يقبل قولها! وقد رووا جميعا أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: أم أيمن امرأة(٥) من أهل الجنة(٦).

فجاء أمير المؤمنين فشهد لها، فقال: هذا بعلك يجره إلى نفسه ولا نحكم بشهادته لك!

(١) يقصد أن أبا بكر منع الزهراء عليها السلام من إرث أبيها، وتمسك برواية تجعل تركة النبي صدقة للمسلمين - والخليفة منهم - فيكون أبو بكر قد جر النفع إلى نفسه.

(٢) النساء: ١١.

(٣) النمل: ١٦.

(٤) مريم: ٥ - ٦.

(٥) ساقطة من " ش ١ ".

(٦) الإصابة ٤: ٤٣٢ في ترجمة أم أيمن، عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: من سره أن يتزوج امرأة من الجنة، فليتزوج أم أيمن.

٧٢
وقد رووا جميعا أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: علي مع الحق والحق مع علي(١) يدور معه حيث(٢) دار، لن يفترقا حتى يردا علي الحوض(٣)، فغضبت فاطمة عليها السلام عند ذلك وانصرفت وحلفت لا تكلمه ولا صاحبه حتى تلقى أباها وتشكو إليه، فلما حضرتها الوفاة أوصت عليا أن يدفنها ليلا ولا يدع أحدا منهم يصلي عليها(٤).

وقد رووا جميعا أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: يا فاطمة إن الله يغضب لغضبك ويرضى لرضاك.

ورووا جميعا أنه قال: فاطمة بضعة مني، من آذاها فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذاني الله(٥).

(١) في " ش ١ ": والحق معه.

(٢) في " ش ١ ": حيثما.

(٣) تاريخ بغداد ١٤: ٣٢١ بسنده أبي ثابت مولى أبي ذر، وفيه: علي مع الحق والحق مع علي، ولن يفترقا حتى يردا علي الحوض يوم القيامة.

والمستدرك على الصحيحين ٣: ١٢٤ بسنده عن أم سلمة بلفظ: علي مع القرآن والقرآن مع علي، لن يفترقا حتى يردا علي الحوض، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.

ورواه الهيثمي في مجمع الزوائد ٧: ٢٣٥ - ٢٣٦ عن سعد بن أبي وقاص، بلفظ " علي مع الحق أو الحق مع علي حيث كان "، وفي ٩: ١٣٤ عن أم سلمة بلفظ " علي مع القرآن والقرآن مع علي ".

وروى الديلمي في الفردوس ٣: ٦٤ / الحديث ٤١٧٩، والمتقي الهندي في كنز العمال ١١ / الحديث ٣٢٩١٠، عن ابن عباس مرفوعا: " علي بن أبي طالب باب حطة، من دخل منه كان مؤمنا، ومن خرج منه كان كافرا ".

وروى الخوارزمي في مناقبه: ١٠٥ عن أبي أيوب الأنصاري في حديث جاء فيه " يا عمار، إذا رأيت عليا سلك واديا، وسلك الناس واديا غير، فاسلك مع علي ودع الناس، إنه لن يدليك في ردى ولن يخرجك من الهدى " - الحديث.

(٤) صحيح البخاري ٨: ١٨٥ / كتاب الفرائض، وفيه: " فهجرته فاطمة، فلم تكلمه حتى ماتت ". ومسند أحمد ١: ٦ / الحديث ٢٦ و ١: ٩ - ١٠ / الحديث ٥٦.

(٥) صحيح البخاري ٥: ٢٦ و ٣٦ / باب مناقب فاطمة عليها السلام، ومجمع الزوائد ٩: ٢٠٣ / باب مناقب فاطمة عن المسور مخرمة بلفظ " فاطمة شجنة مني يبسطني ما يبسطها ويقبضني ما يقبضها ".

ومستدرك الحاكم ٣: ١٥٤ عن علي (رض) قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لفاطمة: إن الله يغضب لغضبك ويرضى لرضاك. وفي مسند أحمد ٤: ٥ / الحديث ١٥٦٩١ عن عبد الله بن الزبير، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بلفظ: " إنها فاطمة، بضعة مني، يؤذيني ما آذاها وينصبني ما أنصبها ".

وفي ٤: ٣٢٣ / الحديث ١٨٤٢٨ عن المسور بن المخرمة، عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بلفظ " فاطمة مضغة مني يقبضني ما قبضها، ويبسطني ما بسطها - الحديث. وانظر: كنز العمال ١٢ / الحديثان ٣٤٢٢٢، و ٣٤٢٢٣ وانظر مصادر حديث " يا فاطمة إن الله يغضب لغضبك ويرضى لرضاك " في الغدير ٣: ١٨١.

٧٣
ولو كان هذا الخبر(١) حقا، لما جاز له ترك البغلة التي خلفها النبي صلى الله عليه وآله وسلم وسيفه وعمامته عند أمير المؤمنين عليه السلام، ولما حكم به له لما ادعاها العباس. ولكان أهل البيت الذين طهرهم الله تعالى في كتابه عن الرجس مرتكبين ما لا يجوز، لأن الصدقة عليهم محرمة.

بعد ذلك جاء إليه مال البحرين، وعنده جابر بن عبد الله الأنصاري، فقال له: إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لي: إذا أتى مال البحرين حثوت لك ثم حثوت لك(٢) - ثلاثا - فقال له: تقدم فخذ بعدتها(٣)، فأخذ من مال بيت المسلمين من غير بيته، بل لمجرد الدعوى(٤).

وقد روت الجماعة كلهم أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال في حق أبي ذر: ما أقلت الغبراء ولا أظلت الخضراء على ذي لهجة أصدق من أبي ذر(٥)، ولم يسموه صديقا، وسموا أبا بكر بذلك(٦)، مع أنه لم يرو(٧) مثل ذلك في حقه.

وسموه خليفة رسول الله، مع أن رسول الله(٨) صلى الله عليه وآله وسلم لم يستخلفه في حياته ولا بعد وفاته عندهم، ولم يسموا أمير المؤمنين عليه السلام خليفة رسول الله مع أنه استخلفه في عدة

(١) أي الخبر الذي رواه أبو بكر منفردا.

(٢) في " ش ١ ": حبوت لك ثم حبوت.

(٣) في " ش ١ " و " ش ٢ ": بعددها.

(٤) ذكر ذلك أحمد في مسنده ٣: ٣١٠ / الحديث ٣٩١٧.

(٥) مسند أحمد ٢: ١٦٣ / الحديث ٦٤٨٣.

(٦) في " ش ٢ ": صديقا.

(٧) في " ش ١ " و " ش ٢ ": يرد.

(٨) في " ش ١ ": مع أن الرسول. وفي " ش ٢ ": والرسول.

٧٤
مواطن(١)، منها أنه استخلفه على المدينة في غزاة تبوك، وقال له: إن المدينة لا تصلح إلا بي أو بك، أما(٢) ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبي بعدي(٣).

وأمر أسامة على الجيش الذين فيهم أبو بكر وعمر، ومات ولم يعزله، ولم يسموه خليفة. ولما تولى أبو بكر غضب أسامة، وقال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أمرني عليك، فمن استخلفك علي؟!

فمشى إليه هو وعمر حتى استرضياه، وكانا يسميانه مدة حياتهما: أميرا.

وسموا عمر الفاروق، ولم يسموا عليا عليه السلام بذلك، مع أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال فيه: هذا فاروق أمتي يفرق بين الحق والباطل(٤). وقال ابن عمر: ما كنا نعرف المنافقين على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلا ببغضهم عليا(٥).

(١) في " ش ٢ ": مواضع.

(٢) في " ش ٢ ": أوما.

(٣) وهو حديث المنزلة. رواه أحمد في مسنده ١: ١٧٣ / الحديث ١٤٩٣، و ١: ١٧٧ / الحديث ١٥٣٥.

ورواه البخاري في صحيحه ٥: ٢٤ / باب مناقب علي بن أبي طالب، عن إبراهيم بن سعد، عن أبيه، قال: قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لعلي: أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى. وفي ٦: ٣ / باب غزوة تبوك بلفظ " ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبي بعدي ".

ورواه الطبري في تاريخه ٣: ١٤٣، والحاكم في المستدرك ٣: ١٣٢، والهيثمي في مجمع الزوائد ٩: ١٠٨، والسيوطي في تاريخ الخلفاء: ١١٤، والخفر الرازي في تفسيره ٣: ٦٣٦، وابن عبد البر في الإستيعاب ٣: ٣٤.

(٤) رواه الكنجي الشافعي في كفاية الطالب: ١٨٧ بسنده عن ابن عباس، قال: ستكون فتنة، فمن أدركها منكم فعليه بخصلة من كتاب الله تعالى وعلي بن أبي طالب عليه السلام، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو يقول: هذا أول من آمن بي، وأول من يصافحني، وهو فاروق هذه الأمة، يفرق بين الحق والباطل، وهو يعسوب المؤمنين والمال يعسوب الظلمة، وهو الصديق الأكبر، وهو بابي الذي أوتى منه، وهو خليفتي من بعدي.

(٥) الإستيعاب لابن عبد البر ٣: ٤٦ عن جابر، قال: ما كنا نعرف المنافقين إلا ببغض علي بن أبي طالب (رض).

وأخرجه الطبراني في الأوسط ٣: ٧٦، والهيثمي في مجمع الزوائد ٩: ١٣٣ / باب " فيمن يحب عليا ومن يبغضه " عن جابر، قال: ما كنا نعرف منافقينا معشر الأنصار على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلا ببغضهم عليا. وتذكرة الخواص لسبط ابن الجوزي: ٢٨، قال: أخرج الترمذي عن أم سلمة أنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول:

لا يحب عليا إلا مؤمن ولا يبغضه إلا منافق، قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.

وفيه: وقال الترمذي أيضا: كان أبو الدرداء يقول: ما كنا نعرف المنافقين - معشر الأنصار - إلا ببغضهم علي بن أبي طالب.

والفصول المهمة: ١٢٥ عن أبي سعيد الخدري، قال: ما كنا نعرف المنافقين على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلا ببغضهم عليا.

وقال: وروى الترمذي والنسائي، عن يزيد بن جنيس قال: سمعت عليا عليه السلام يقول: والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إنه لعهد النبي الأمي أنه لا يحبني إلا مؤمن ولا يبغضني إلا منافق. وفي الدر المنثور ٦: ٦٦ عن ابن مسعود، قال: ما كنا نعرف المنافقين على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلا ببغضهم علي بن أبي طالب.

٧٥
وعظموا أمر عائشة على باقي نسوانه، مع أنه صلى الله عليه وآله وسلم كان يكثر من ذكر خديجة بنت خويلد، وقالت له عائشة: إنك تكثر من ذكرها وقد أبدلك الله خيرا منها! فقال لها: والله ما بدلت بها من هو(١) خير منها: صدقتني(٢) إذا كذبني الناس، وأوتني إذ(٣) طردني الناس، وأسعدتني بما لها، ورزقني الله الولد منها ولم أرزق من غيرها(٤).

وأذاعت سر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم(٥)، وقال لها النبي صلى الله عليه وآله وسلم: إنك تقاتلين عليا وأنت ظالمة(٦).

ثم إنها خالفت أمر الله تعالى في قوله (وقرن في بيوتكن)(٧)، وخرجت في

(١) في " ش ٢ ": هي.

(٢) في " ش ١ ": إذا.

(٣) في " ش ١ ": إذا.

(٤) صحيح البخاري ٥: ٤٧ - ٤٩ / باب تزويج النبي صلى الله عليه وآله وسلم خديجة وفضلها رضي الله عنها. ومسند أحمد ٦: ١١٧ - ١١٨ / الحديث ٢٤٣٤٣.

(٥) أنظر تفسير الكشاف للزمخشري ذيل الآيتين ٣ و ٤ من سورة التحريم. قال: (إن تتوبا) خطاب لحفصة وعائشة على طريقة الالتفات، ليكون أبلغ في معاتبتهما. وعن ابن عباس: لم أزل حريصا على أن أسأل عمر عنهما حتى حج وحججت معه، فلما كان ببعض الطريق عدل وعدلت معه بالإداوة، فسكبت الماء على يده فتوضأ، فقلت: من هما؟ فقال: عجبا يا ابن عباس - كأنه كره ما سأله عنه - ثم قال: هما حفصة وعائشة. ورواه البخاري في صحيحه ٦: ١٩٦ / كتاب التفسير، ومسلم في صحيحه ٧: ١٩٠ / كتاب الطلاق.

(٦) أنظر المستدرك الحاكم ٣: ١١٩ - ١٢٠، وتاريخ الطبري ٥: ١٧٠.

(٧) الأحزاب: ٣٣.

٧٦
ملأ من الناس تقاتل عليا عليه السلام على غير ذنب، لأن المسلمين أجمعوا على قتل عثمان، وكانت هي(١) كل وقت تأمر بقتله، وتقول: اقتلوا نعثلا(٢) قتل الله نعثلا!.

فلما بلغها قتله، فرحت بذلك، ثم سألت: من تولى الخلافة؟ فقالوا: علي عليه السلام. فخرجت لقتاله(٣) على دم عثمان.

فأي ذنب كان لعلي عليه السلام على ذلك؟ وكيف استجاز طلحة والزبير(٤) مطاوعتها على ذلك؟ وبأي وجه يلقون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ مع أن الواحد منا لو تحدث على امرأة غيره وأخرجها من منزله(٥) وسافر بها، كان أشد الناس عداوة(٦).

وكيف أطاعها على ذلك عشرات الألوف من المسلمين، وساعدوها على حرب أمير المؤمنين عليه السلام، ولم ينصر أحد منهم بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما طلبت حقها من أبي بكر، ولا شخص واحد بكلمة واحدة.

وسموها أم المؤمنين ولم يسموا غيرها بذلك.

ولم يسموا أخاها محمد بن أبي بكر - مع عظم شأنه وقرب منزلته من أبيه ومن أخته عائشة أم المؤمنين(٧) - خال المؤمنين (وسموا معاوية بن أبي سفيان خال المؤمنين)(٨) لأن أخته أم حبيبة بنت أبي سفيان بعض زوجات النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وأخت محمد بن أبي بكر وأبو أعظم من أخت معاوية ومن(٩) أبيها، مع أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لعن معاوية الطليق(١٠) بن الطليق اللعين،

(١) في " ش ٢ ": تأمر.

(٢) نعثل: اسم يهودي عظيم اللحية في المدينة، فشبهت عائشة عثمان به.

(٣) في " ش ٢ ": تقاتله.

(٤) في " ش ١ " و " ش ٢ ": بزيادة: وغيرهما.

(٥) في " ش ٢ ": منزلها.

(٦) في " ش ١ " و " ش ٢ ": بزيادة: له فعلهما.

(٧) في " ش ٢ ": من أخته عائشة.

(٨) ما بين القوسين ساقط من " ش ٢ ".

(٩) ساقطة من " ش ٢ ".

(١٠) الطليق: الذي أسر ثم أطلق.

٧٧
وقال: إذا رأيتم معاوية على منبري فاقتلوه(١)!

وكان من المؤلفة قلوبهم، وقاتل عليا، وهو عندهم رابع الخلفاء إمام حق، وكل من حارب إمام حق فهو باغ ظالم.

وسبب ذلك محمة محمد بن أبي بكر لعلي عليه السلام ومفارقته (لأبيه، وبغض معاوية لعلي)(٢) ومحاربته له.

وسموه كاتب الوحي، ولم يكتب له كلمة واحدة من الوحي، بل كان يكتب له رسائل، وقد كان بين يدي النبي صلى الله عليه وآله وسلم(٣) أربعة عشر نفسا يكتبون الوحي، أولهم وأخصهم به وأقربهم إليه علي بن أبي طالب عليه السلام(٤)، مع أن معاوية لم يزل مشركا مدة(٥) كون النبي صلى الله عليه وآله وسلم مبعوثا يكذب بالوحي ويهزأ بالشرع، وكان باليمن يوم الفتح(٦) يطعن على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ويكتب إلى أبيه صخر بين حرب يعيره بإسلامه، ويقول له: أصبوت إلى دين محمد؟!

وكتب إليه:


يا صخر لا تسلمن طوعا فتفضحنابعد الذين ببدر أصبحوا فرقا
جدي وخالي وعم الأم ثالثهمقوما وحنظلة(٧) المهدي لنا الأرقا
فالموت أهون من قول الوشاة لناخلى ابن هند عن العزى كذا فرقا(٨)

(١) أنظر طرق الحديث في كتاب الغدير ١٠: ١٤٢ - ١٤٥.

(٢) ما بين القوسين ساقط من " ش ١ ".

(٣) في " ش ١ ": رسول الله.

(٤) في " ش ٢ " أولهم علي بن أبي طالب وأخصهم وأقربهم إليه.

(٥) في " ش ١ " و " ش ٢ ": في مدة.

(٦) في " ش ٢ ": يوم الفتح فتح مكة.

(٧) في " ش ١ ": يا لهم فوتا وحنظلة. في " ش ٢ ": يا لهم قوما وحنظلة. في " ر " سقطت كلمة " قوما " والنص المثبت ملفق من " ر " و " ش ٢ ".

(٨) تذكرة الخواص: ٢٠١، ومقتل الحسين للخوارزمي ١: ١١٧ - ١١٨، ذكر الأبيات في رواية طويلة تضمنت احتجاج الإمام الحسين عليه السلام على معاوية.

٧٨
والفتح كان في شهر رمضان، لثمان سنين من قدوم النبي صلى الله عليه وآله وسلم المدينة، ومعاوية حينئذ(١) مقيم على الشرك،(٢) هارب من النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأنه قد هدر دمه، فهرب إلى مكة، فلما لم يجد له مأوى صار إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم مضطرا فأظهر الإسلام وكان إسلامه قبل موت النبي صلى الله عليه وآله وسلم بخمسة أشهر، وطرح نفسه على العباس، فسأل فيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فعفا عنه، ثم شفع إليه(٣) أن يشرفه ويضيفه إلى جملة الكتاب، فأجابه وجعله واحدا من أربعة عشر.

فكم كان يخصه من الكتابة في هذه المدة - لو سلمنا أنه كان كاتب(٤) الوحي - حتى استحق أن يوصف بذلك دون غيره؟ مع أن الزمخشري من مشايخ الحنفية ذكر في ربيع الأبرار أنه ادعى بنوته أربعة نفر(٥). على أن من جملة كتبة الوحي ابن أبي سرح، وارتد مشركا، وفيه نزل (ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم)(٦).

وقد روى عبد الله بن عمر، قال: أتيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم فسمعته يقول: يطلع عليكم رجل يموت على غير سنتي! فطلع معاوية(٧).

(١) في " ش ١ ": يومئذ.

(٢) في " ش ١ " و " ش ٢ ": على شركه.

(٣) ليس في " ش ٢ ".

(٤) سقط من " ش ٢ ".

(٥) ربيع الأبرار ٤: ٤٤٧ قال: وكان معاوية يعزى إلى أربعة: إلى مسافر بن أبي عمرو، وإلى عمارة بن الوليد، وإلى عباس بن عبد المطلب، وإلى الصباح مغن أسود كان لعمارة.

قالوا: كان أبو سفيان دميما قصيرا، وكان الصباح عسيفا لأبي سفيان شابا وسيما، فدعته هند إلى نفسها، وقالوا: إن عتبة بن أبي سفيان من الصباح أيضا، وأنها كرهت أن تضعه في منزلها، فخرجت به إلى (أجياد) فوضعته هناك، وفي ذلك يقول حسان:


لمن الصبي بجانب البطحاءفي الترب ملقى غير ذي مهد
نجلت به بيضاء آنسةمن عبد شمس صلتة الخد

وذكر سبط ابن الجوزي في تذكرة الخواص: ٢٠٢ عن الأصمعي وهشام بن محمد الكلبي في كتابه المسمى بالمثالب.

(٦) النحل: ١٠٦.

(٧) أنظر الحديث وإسناده في الغدير ١٠: ١٤١ - ١٤٢.

٧٩
وقام النبي صلى الله عليه وآله وسلم يوما يخطب، فأخذ معاوية بيد ابنه يزيد(١) وخرج ولم يسمع الخطبة، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: لعن الله القائد والمقود!(٢) وأي يوم يكون لهذه الأمة من معاوية ذي الإساءة؟

وبالغ في محاربة علي عليه السلام، وقتل جميعا كثيرا من خيار(٣) الصحابة، ولعنه على المنابر، واستمر سبه مدة ثمانين سنة، إلى أن قطعه عمر بن عبد العزيز، وسم الحسن، وقتل ابنه يزيد مولانا الإمام الحسين عليه السلام(٤)، وكسر جده(٥) ثنية النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأكلت أمه كبد حمزة عم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم(٦).

وسموا خالد بن الوليد سيف الله، عنادا لأمير المؤمنين عليه السلام الذي هو أحق بهذا الاسم حيث قتل بسيفه الكفار، وثبتت(٧) بواسطة جهاده قواعد الدين، وقال فيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:

علي سيف الله وسهم الله. وقال علي عليه السلام على المنبر: أنا سيف الله على أعدائه، ورحمته

(١) الأصوب: أخذ بيد أخيه يزيد.

(٢) أنظر تاريخ الطبري ١١: ٣٥٧، وتذكرة الخواص: ٢٠١ وانظر الغدير ١٠: ١٣٩ - ١٤٠.

(٣) ليس في " ش ٢ ".

(٤) في " ش ١ ": مولانا الحسين، ونهب نساءه.

وفي " ش ٢ ": مولانا الحسين بن علي ونهب نساءه وحرمه.

(٥) في " ش ١ " و " ش ٢ ": أبوه " فيرجع الضمير إلى معاوية ".

(٦) ذكر العلامة القاري في مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح ١: ٢٢ في حديثه عن كيفية وفاة النسائي، فقال:

مات ضربا بالأرجل من أهل الشام حين أجابهم لما سألوه عن فضائل معاوية ليرجحوه بها على علي، بقوله:

ألا يرضى معاوية رأسا برأس حتى يفضل؟! وفي رواية: ما أعرف له فضيلة إلا " لا أشبع الله بطنه "، فما زالوا يضربونه بأرجلهم حتى أخرج من المسجد، ثم حمل إلى مكة مقتولا شهيدا.

ذكرها النبي في تذكرة الحفاظ ٢: ٦٩٩، ثم قال: لعل هذه منقبة لمعاوية لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: اللهم من لعنته أو شتمه فاجعل ذلك له زكاة ورحمة!.

وفي الصواعق المحرقة: ١٢٧ قال: أخرج السلفي في الطيوريات عن عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: سألت أبي عن علي ومعاوية، فقال: إعلم أن عليا كان كثير الأعداء، ففتش له أعداؤه شيئا فلم يجدوه، فجاءوا إلى رجل قد حاربه وقاتله فأطروه كيدا منهم له.

(٧) في " ش ٢ ": ثبت.

٨٠