×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

أزمة الخلافة والإمامة وآثارها المعاصرة عرض ودراسة / الصفحات: ٢٦١ - ٢٨٠

ثم أعلن الأشعري اعتناقه لعقائد أهل الحديث كمبدء جديد له حيث قال: (قولنا الذي نقول به، وديانتنا التي ندين بها: التمسك بكتاب ربنا عز وجل، وسنة نبينا صلى الله عليه وآله وسلم وما روي عن الصحابة والتابعين وأئمة أهل الحديث ونحن بذلك معتصمون، وبما كان يقول به أبو عبد الله أحمد بن حنبل قائلون، ولمن خالف قوله مجانبون لأنه الإمام الفاضل والرئيس الكامل الذي أبان الله به الحق، ودفع به الضلال، وأوضح به المنهاج، وقمع به المبتدعين وزيغ الزائغين، وشك الشاكين) (١) .

وقد أصبح للأشعري أتباع عندما أدخل على معتقدات فرقة أهل الحديث تعديلات وإصلاحات بإضافة العنصر العقلي في البرهان والإثبات، ذلك أن أهل الحديث كانوا يحرمون الخوض في العقائد الإسلامية عن طريق تقديم الأدلة العقلية والبراهين الفلسفية، ويكتفون بالمعاني الظاهرية للنصوص حتى لو خالفت المنطق والعقل، وهم بذلك على عكس المنهج الاعتزالي الذي يعطي العقل الوزن الأكبر في إثبات العقائد، وتأويل الآيات والروايات في حال مخالفة معانيها الظاهرية للمنطق العقلي.

وقد لاقت إصلاحات الأشعري قبول عامة الناس والسلطة الحاكمة حتى أصبح مذهب الأشاعرة المذهب الرسمي للدولة العباسية وطغى على المذاهب الاعتقادية الأخرى.

ومن أمثلة هذه الإصلاحات تنزيه الله سبحانه وتعالى عن كونه جسماً بالصورة التي يعتقدها أهل الحديث، فبالرغم من أن الأشعري لم يؤول الآيات والأحاديث التي يقول ظاهرها بأن لله يداً ورجلاً واستواء على العرش، إلا أنه أضاف كلمة خاصة أخرجته من مغبة التجسيم والتشبيه وهي أن لله سبحانه هذه الصفات لكن بلا تشبيه ولا تكييف، وقال: النزول صفة من صفاته،

(١) جعفر السبحاني، بحوث في الملل والنحل، ج ١ ص ١٧٠ - ٧١.

٢٦١

والاستواء صفة من صفاته، وفعل من أفعاله في العرش يسمى الاستواء (١) .

وبشأن رؤية الله قال: يرى من غير حلول ولا حدود ولا تكييف (٢) .

ومن إصلاحاته في فهم القضاء والقدر، فإنه لما كان قول أهل الحديث بأن الله سبحانه وتعالى هو الخالق لأفعال العباد خيرها وشرها يعني أن الإنسان مجبور في أفعاله ولا معنى عندئذ للحساب والعقاب، فإن الأشعري حاول أن يعالجه بالقول أن الله سبحانه وتعالى هو الخالق للفعل، ولكن العبد هو الكاسب له.

ويقصد بذلك أن كل فعل صادر من الإنسان يشتمل على جهتين: جهة الخلق وجهة الكسب، فالخلق والإيجاد منه سبحانه وتعالى، والاكتساب من الإنسان.

وفي الحقيقة أن هذا التلاعب بالألفاظ لم يصلح من الأمر شيئاً، وقد عد الأشعري من القائلين بالجبر أيضاً لاعترافه بأن الله هو خالق فعل العبد خيره وشره، حيث أن (الكسب) الذي قال فيه لن يغير في شئ أصبح مخلوقاً.

وبالرغم من أن الإمام الأشعري تبنى إلى حد كبير عقائد أهل الحديث وكان مناصراً لهم، إلا أنه لقي منهم، لا سيما الحنابلة التحامل عليه، وعلى أتباعه من بعده التنكيل والنفي والقتل لأنه اتبع أسلوب الوسط بين المعتزلة وأهل الحديث، واتهموه بالتأثر بمذهب الاعتزال لمجرد محاولته إقحام العقل في مسائل العقيدة (٣) .

ولما جاء دور الخليفة العباسي القادر سنة ٥٠٨ هجرية (٤) ، تدخل رسمياً لإنهاء النزاع كله، وجمع أهل الحديث وأنصارهم من الأشاعرة لوضع كتاب خاص للعقائد. وانتشر منذ ذلك الحين مذهب الأشاعرة بشكل واسع بين جمهور أهل السنة وأصبح التقليد في العقائد مرفوضاً من قبل السلطة.

(١) المصدر نفسه.

(٢) الألكاني، شرح أصول السنة، ص ١٠٨.

(٣) مفيد الفقيه، العقل في أصول الدين، ص ٣٢.

(٤) ابن خلكان، وفيات الأعيان، ج ٣، ص ٣٩٨.

٢٦٢

وقد انشقت عن الأشاعرة فرقة الماتريدية وهي نسبة إلى أبي منصور الماتريدي السمرقندي المتوفى سنة ٣٢٢ هجرية، وكان أحد تلامذة الإمام أبو الحسن الأشعري. ولم تختلف مع الأشاعرة إلا باختلافات طفيفة كان فيها ميلاً نحو المعتزلة. وقد انقرضت هذه الفرقة مع الأيام.

٥ - السلفية والوهابية:

فأما السلفية فهي حركة ظهرت في أواخر القرن السابع الهجري على يد أحمد بن تيمية كرد فعل على الإصلاحات العقلية التي أدخلها الإمام الأشعري على عقائد أهل الحديث، واعتبر ابن تيمية، والذي كان من فقهاء الحنابلة أن تلك الإصلاحات خروجاً عن السنة، فعمل على إحياء عقائد أهل الحديث مستنكرا التأويلات التي قدمها الأشاعرة للأحاديث التي أخذت منها تلك العقائد.

وأطلق ابن تيمية على طريقته عنوان (منهاج السلف الصالح)، فعرفت دعوته بالسلفية لأنه كان يدعو إلى العودة إلى سيرة السلف الصالح والتمسك بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم والتي - على رأيه - حاد عنها الأشاعرة والفرق الأخرى، ولم يقف عند هذا الحد، بل عمل على إظهار عقائد جديدة لم يناد بها ابن حنبل ولا أحد قبله، كقوله بأن السفر لزيارة قبر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم والاحتفال بمولده الشريف والتبرك بآثاره والتوسل به وبأهل بيته وزيارة القبور بدعاً وشركاً ومخالفة لعقيدة التوحيد، وأنكر كثيراً من الفضائل الواردة في أهل البيت عليه السلام المروية في الصحاح والمسانيد. وبسبب هذه التعديلات والإضافات، فقد عد ابن تيمية عند أتباعه مجدداً عظيماً ولقبوه بشيخ الإسلام.

ولكن دعوته على مستوى الأمة لم تلاق القبول وبقيت محصورة في مناطق محدودة من الشام ومصر، وقد تصدى للرد عليه فقهاء ومحققو أهل السنة والفرق الأخرى، وسجن في مصر لسنة ونصف لإدانته بالتجسيم والتشبيه، ثم سجن ثانية في دمشق حيث أدركته المنية هناك عام ٧٢٨ هجرية. وما لبثت دعوته أن خبت وضعفت بعد حقبة قصيرة من الزمن.

٢٦٣

وأما الوهابية، فهي حركة ظهرت في القرن الثاني عشر الهجري على يد محمد بن عبد الوهاب (١١١٥ - ١٢٠٦ هجرية)، وعملت على إحياء ونشر الفكر السلفي لابن تيمية وتلميذه ابن القيم الجوزية في الجزيرة العربية، والذي تسرب لاحقاً إلى بلاد إسلامية أخرى.

وكان ابن عبد الوهاب أكثر حدة وتعصباً من ابن تيمية، حيث قام بتكفير عامة المسلمين ممن ليسوا على طريقته، بدعوى الشرك وعدم إخلاص التوحيد لله، ودعا إلى إزالة ما يرونه بدعاً بقوة السيف. ومن ذلك تهديمهم لآثار أهل البيت النبوي في مكة والمدينة.

وقامت قبيلة آل سعود باستغلال هذا الفكر المتطرف فأعلنوا اعتناقهم لمذهب السلفية، وشكلوا تحالفاً مع حركة ابن عبد الوهاب مما ساعدهم على احتلال معظم أجزاء الجزيرة العربية، والتي أنشأوا فيها لاحقاً وبالتعاون مع بريطانيا ما يعرف اليوم باسم المملكة العربية السعودية.

وبعد أن كانت هذه الحركة محصورة في بدايتها ضمن نطاق الجزيرة العربية، إلا أنها أصبحت اليوم وبفضل إمكانيات الدولة السعودية تتمتع بامتدادات واسعة في مناطق عديدة من العالم الإسلامي.

وبالرغم من أن الوهابيين يطرحون حركتهم كحركة إصلاحية، إلا أن علماء المسلمين من أهل السنة قبل غيرهم قد تصدوا للرد على ابن عبد الوهاب وتفنيد عقائده وأفكاره ومن ضمنهم أخيه سليمان بن عبد الوهاب في كتابه (الصواعق الإلهية).

وفيما يلي نذكر عينات من أفكار شيخ الإسلام ابن تيمية وأقواله التي تعد الركن الأساس في فهم العقائد الإسلامية وطرحها على الطريقة السلفية والوهابية:

ففي مجموعة رسائله (الحموية) في العقيدة يقول ابن تيمية: أن جميع النصوص تدل على أن الله فوق العرش في أعلى السماء، وأنه يمكن الإشارة إلى جهته بالأصابع، وأنه يرى يوم القيامة، وأن الله يضحك، وإذا أنكر أحد

٢٦٤

وجود الله على العرش في أعالي السماوات وجب حمله على التوبة، وإذا لم يتب وجب ضرب عنقه، ويقول أيضاً: أن التأويلات التي وردت بهذا الشأن مثل تأويل الآية (( الرحمن على العرش استوى )) [ طه / ٥ ] بمعنى استولى، هو تأويل باطل.

وبالرغم أن ابن تيمية طعن بمن يقولون بالتجسيم صراحة، وضعف الأحاديث التي يستندون عليها، إلا أنه يؤكد أن لله جوارح كاليد والعين والوجه والأصابع والرجل ولكن ليس كجوارح المخلوقات (١) .

وأما فيما يتعلق بمواقفه من أهل البيت عليه السلام وأعدائهم الأمويين، فإنه يقول في ذكره لحروب الإمام علي عليه السلام: (وعلي (رض) لم يكن قتاله يوم الجمل وصفين بأمر من النبي صلى الله عليه وآله وسلم وإنما كان رأياً له، وهو الذي ابتدأ أهل صفين بالقتال، وعلي إنما قاتل الناس على طاعته، لا على طاعة الله).

ويضيف قائلاً: (فمن قدح في معاوية بأنه كان باغياً، قال له النواصب: وعلي أيضاً كان باغياً ظالماً قاتل المسلمين على إمارته وصال عليهم. فمن قتل النفوس على طاعته كان مريداً للعلو في الأرض والفساد، وهذا حال فرعون، وليس هذا كقتال أبي بكر الصديق للمرتدين ومانعي الزكاة، فالصديق إنما قاتلهم على طاعة الله ورسوله، لا على طاعته، فإن الزكاة فرض فقاتلهم على الإقرار بها، بخلاف من قاتل ليطاع هو) (٢) .

وأما في معاوية ابن أبي سفيان، فإنه يقول: (فلم يكن ملك من ملوك المسلمين خير من معاوية، ولا كان الناس في زمان ملك من الملوك خيراً منهم في زمن معاوية)، ثم ذكر روايتين الأولى تصف معاوية أنه فقيه، والثانية على لسان أبي الدرداء بقوله: ما رأيت أحداً أشبه صلاة بصلاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من إمامكم هذا، يعني معاوية (٣) .

(١) العقيدة الحموية الكبري لابن تيمية.

(٢) صائب عبد الحميد، ابن تيمية: حياته: وعقائده، ص ٣٢٢، نقلاً عن منهاج السنة.

(٣) ابن تيمية، منهاج السنة، ج ٦ ص ٢٢٢، ٢٣٥.

٢٦٥

وهكذا فقد عرف ابن تيمية بدفاعه الصريح عن أعداء أهل البيت صلى الله عليه وآله وسلم وبكل ما أوتي من قدرة على الجدال والالتفاف حول الكلمات والعبارات، ومختلقاً لهم الأعذار ومبرراً عداءهم لأهل البيت عليه السلام. ومن ذلك دفاعه عن يزيد بقوله: وما يدريك لعله تاب قبل موته. وقد صنف كتاباً أسماه (فضائل معاوية وأنه لا يسب).

المذاهب الفقهية السنية:

ظهر في تاريخ أهل السنة مذاهب فقهية عديدة انقرض غالبيتها، ولم يبق منها إلا أربعة وأما المذاهب المنقرضة، فهذه لمحة عن أشهر أصحابها:

١ - الليث بن سعد (٩٢ - ١٧٥ هجرية): وهو فقيه مصر، وقد برز هناك عندما تصدى للدفاع عن عثمان بن عفان لكثرة انتقاص أهل مصر له. وقال فيه الشافعي: الليث أفقه من مالك. ويقال أن سبب انقراض مذهبه هو عدم قبوله منصب القضاء في خلافة أبي جعفر المنصور العباسي.

٢ - داوود بن علي الظاهري (٢٠٢ - ٢٧٠ هجرية): ولد بالكوفة، ونشأ ببغداد واستمر العمر بمذهبه حتى القرن السابع الهجري حتى أن بعضهم عده رابع الأئمة بدلاً من الإمام أحمد بن حنبل (١) .

٣ - عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي (المتوفى سنة ٢٥٧ هجرية): وقد انتشر هذا المذهب في الشام والأندلس، وبقي هناك لغاية ٣٠٢ هجرية قبل أن يحل مكانه مذهب الإمام الشافعي.

٤ - سفيان الثوري (٦٥ - ١٦١ هجرية): ولد في الكوفة، وكان أحد تلامذة الإمام جعفر الصادق عليه السلام، وهو أحد الأئمة المجتهدين، وله مذهب لم يدم العمل به لقلة أتباعه، وأراد الخليفة أبو جعفر المنصور قتله، فهرب. وبقي مذهبه معمولاً به لغاية القرن الرابع. وقد لقب بأمير المؤمنين

(١) محمد إبراهيم، أئمة المذاهب الأربعة، ص ٣٠.

٢٦٦

في الحديث وسيد الحفاظ، وقال ابن المبارك: كتبت عن ألف شيخ كان سفيان الثوري أفضلهم. وقال القطان: الثوري أحب إلي من مالك (١) .

٥ - الحسن البصري (المتوفى سنة ١١٠ هجرية): وهو من التابعين وكان أبوه مولى لزيد بن ثابت الأنصاري، وأمه خيرة مولاة أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وآله وسلم. عرف عنه أنه كان من المتظاهرين بتأييد سياسة بني أمية في الوقت الذي كان في حقيقة الأمر موالياً لأهل البيت عليه السلام، وكان يروي في مجلسه المشهور عن علي بن أبي طالب عليه السلام. وكان هذا نادراً في عصر كان فيه لعن الإمام علي عليه السلام سنة حسب التشريع الأموي.

٦ - عامر بن شرحبيل الشعبي (المتوفى سنة ١٠٥ هجرية): كان قاضياً لعمر بن عبد العزيز ومحدث أهل الكوفة، وكان يفتي على ما صح عنده من الرواية، ولا يقول برأيه.

وكان هناك من المذاهب الفقهية غير هؤلاء حتى أنها عدت ٥٠ مذهباً لم يعد لأي منها وجود (٢) . وكان السبب الرئيسي لانقراضها هو الأمر الرسمي الذي أصدره الخليفة العباسي المنتصر بالله في القرن السادس الهجري بإغلاق باب الاجتهاد وحصر التقليد في المذاهب الفقهية الأربعة (٧) ، الأمر الذي لا يزال كذلك إلى يومنا هذا فيما بقي باب الاجتهاد مفتوحاً لدى الشيعة.

المذاهب الأربعة:

١) المذهب الحنفي: وصاحب الإمام أبو حنيفة النعمان (٨٠ - ١٥٠ هجرية)، ولد في الكوفة وتوفي في بغداد وأصله فارسي. وكان يعتبر فقيه العراق وصاحب المذهب المتبع في أكثر البلدان الإسلامية، ولقب بالإمام الأعظم (٤) .

(١) أسد حيدر، الإمام الصادق والمذاهب الأربعة، ج ١ ص ١٦٠.

(٢) المصدر نفسه.

(٣) مفيد الفقيه، الفعل في أصول الدين، ص ٣٢.

شريف الأمين، معجم الفرق الإسلامية، ص ١٠٤.

٢٦٧

وكان الإمام أبو حنيفة يستنبط فقهه من القرآن الكريم وما صح عنده من الحديث مع توسع في استعمال الرأي والقياس. وقد تلقى الدرس لمدة سنتين عند الإمام جعفر الصادق حيث اشتهر عنه قوله في مدح الإمام: (لولا السنتان لهلك النعمان). وكان أقوى عوامل انتشار مذهبه هو استلام تلميذه أبو يوسف لمنصب رئاسة القضاء في حكومة هارون الرشيد والذي كان مقرباً جداً من الخليفة. ومن أشهر رجال الخليفة محمد الشيباني وزفر بن الهذيل والحسن اللؤلؤي. وقد ألف الشيباني عدة كتب فقهية لها درجة الاعتبار الأكبر عند الحنفية، وله آراء كثيرة خالف فيها الإمام أبو حنيفة.

وفي العصور اللاحقة، تبنت الدولة العثمانية المذهب الحنفي ودعمته بكل قوة حتى صار مذهبها الرسمي، وساعدت على انتشاره وذلك بسبب عدم اشتراط الحنفية في الخليفة أن يكون قرشياً.

٢) المذهب المالكي: وصاحبه الإمام مالك بن أنس (٣٩ - ١٧٩ هجرية) المولود في المدينة وهو يمني الأصل. وقد تلقى العلم عن الشيخ ربيعة الرأي والإمام جعفر الصادق عليه السلام. وكان يستنبط الأحكام بصورة رئيسة وموسعة على القرآن والسنة، ولم يكن للرأي والقياس عنده بالمكانة نفسها التي كانت عند الحنفية، وله كتاب (الموطأ) أورد فيه الكثير من الأحاديث النبوية. وقد حاول الخلفاء العباسيون الذين سبقوا الرشيد تبني مذهب مالك والعمل على نشره، حتى أن المنصور طلب من مالك نشر مذهبه بالقوة للحيلولة دون انتشار مذهب الإمام الصادق والذي بلغت مدرسته الفقهية آنذاك أوجها، إلا أن مالك رفض طلب الخليفة ثم حاول الرشيد فعل ذلك مجدداً خلال سنوات حكمه الأولى حين كان يعلن: (لا يفتي إلا مالك).

وكان انتشار مذهبه على أيدي القضاة والأمراء في الأندلس وشمال إفريقيا حيث حل مذهبي الأوزاعي والظاهري اللذين كانا سائدين هناك.

ولا زال المذهب المالكي المذهب الرئيسي في بلاد المغرب العربي.

٢٦٨

وأهم دعاة المذهب هم: القاضي أبو بكر العربي وابن عبد البر القرطبي والقاضي عياض السبتي وأبو الوليد الباجي وابن القطان الفاسي (١) .

٣) المذهب الشافعي: وصاحبه محمد بن إدريس الشافعي (١٥٠ - ٢٠٤ هجرية) المولود في غزة، وقد انتشر مذهبه أولاً في مصر ثم صار له أتباع في العراق وخراسان وشمال إفريقيا والأندلس. وهو يتميز من بين المذاهب الأربعة بتنظيمه على أصول موضوعة وقواعد ثابتة ومضبوطة ضبطاً دقيقاً، والمذهب بجملته وسط بين أهل الرأي وأهل الحديث (٢) . وقد كان للدولة الأيوبية في مصر بقيادة صلاح الدين العامل الأقوى في نشر مذهبه هناك حيث منع تدريس المذهب الشيعي في الجامع الأزهر الذي أسسه الفاطميون، واستبدل بتدريس مذاهب الشافعي وأبي حنيفة ومالك، وبنى لهم المدارس ورغب الناس فيها (٣) .

ومن أشهر رجال الشافعية أبو حامد الغزالي وأبو بكر أحمد بن الحسين والبيهقي.

٤) المذهب الحنبلي: وصاحبه الإمام أحمد بن حنبل (١٦٤ - ٢٤١ هجرية) المولود في بغداد، وهو آخر المذاهب الأربعة وأقلها أتباعا. وقد كان ابن حنبل في رأي العلماء القدماء - كابن جرير وابن قتيبة والمقدسي وابن عبد البر - من رجال الحديث لا من الفقهاء (٤) وقال فيه ابن خلدون: فأما أحمد بن حنبل فمقلدوه قليلون لبعد مذهبه عن الاجتهاد وأصالته في معاضدة الرواية بعضها ببعض (٥) . وما يشهد على ذلك أنه لم يكتب أي كتاب في الفقه، وإنما اشتهر بكتابه المعروف بمسند أحمد والذي يحوي على أربعين

(١) المصدر السابق، ص ٢٠٩.

(٢) محمد إبراهيم، أئمة المذاهب الأربعة، ص ٤٠.

(٣) أسد حيدر، الإمام الصادق والمذاهب الأربعة، ج ١ ص ١٦٨.

(٤) المصدر نفسه، ص ١٦٩.

(٥) المصدر السابق.

٢٦٩

ألف حديث. وله أيضاً كتب أخرى كطاعة الرسول، الناسخ والمنسوخ، والعلل. وقد كاد هذا المذهب - لقلة أتباعه - أن يضمحل بالتدريج لولا تولي عبد الله الحجازي القضاء عام ٧٣٨ هجرية.

ومن أشهر رجال الحنابلة الذين قاموا بنشر المذهب ابن تيمية وتلميذه ابن القيم الجوزية. وفي العصور المتأخرة محمد بن عبد الوهاب صاحب الدعوة الوهابية الذي قام بنشر المذهب الحنبلي في نجد.

ثانياً: الشيعة

نشوء التشيع

يرى علماء أن فكرة الولاء لأهل البيت عليه السلام، واستخلاف النبي صلى الله عليه وآله وسلم لعلي عليه السلام إنما هي من جوهر العقيدة الإسلامية قام بوضع بذرتها الأولى رسول الإسلام صلى الله عليه وآله وسلم، وإنه عمل على تعزيز هذه الفكرة بأكثر من موقف حتى أعلنها رسمياً بعد حجة الوداع في مكان يدعى غدير خم وبصورة واضحة وصريحة لا تحتمل أي معنى آخر. ويقدمون لذلك أدلة من القرآن الكريم وكتب صحاح الحديث عند أهل السنة، ويرون أيضاً أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم هو أول من أعطى اسم شيعة لقباً لأتباع علي عليه السلام والموالين لأهل البيت وذلك عندما قال مشيراً إلى علي بشأن الآية (( أولئك هم خير البرية )) [ البينة / ٧ ]: (والذي نفسي بيده أن هذا وشيعته هم الفائزون يوم القيامة) (١) . ولكن ابن حجر قال في تعليقه على هذه الرواية التي ذكرها في كتابه دون أن يشكك في صحتها: (وشيعته هم أهل السنة ولا تتوهم الشيعة قبحهم الله... إلى آخر ما قال (٢) .

(١) السيوطي، الدر المنثور في التفسير المأثور، ج ٦ ص ٣٧٩.

(٢) ابن حجر المكي، الصواعق المحرقة، ص ١٥٢.

٢٧٠

ويرى البعض الباحثين أن التشيع كتكتل وخط واضح قد بدأ في اليوم الأول من وفاة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم عندما ظهر اسم علي عليه السلام كمرشح للخلافة وكأحق شخص بها، حيث قام الفضل بن العباس فخطب في الناس المجتمعين في السقيفة قائلاً: يا معشر قريش إنه ما حقت لكم الخلافة بالتمويه، ونحن أهلها دونكم وصاحبنا (يعني علي) أولى بها منكم (١) .

ويرى آخرون أن أول تشيع حول علي وأهل بيته عليه السلام كان عندما اجتمع عدد بارز من الصحابة في بيت علي وفاطمة بنت النبي صلى الله عليه وآله وسلم يوم انعقاد السقيفة (٢) . ويحدثنا اليعقوبي عن ذلك بقوله: (وتخلف عن بيعة أبي بكر قوم من المهاجرين والأنصار ومالوا مع علي ومنهم العباس والفضل بن العباس والزبير وخالد بن سعيد والمقداد وسلمان وأبو ذر وعمار والبراء وأبي بن كعب) (٣) . ويقول أحمد أمين: (وكانت البذرة الأولى للشيعة الجماعة الذين رأوا بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن أهل بيته أولى الناس أن يخلفوه) (٤) .

ولكن هناك باحثون آخرون يرون أن التشيع كان وليد الأحداث التي حصلت زمن الخليفة عثمان بن عفان، وآخرون يرون ذلك زمن استلام الإمام علي عليه السلام للخلافة والأحداث التي تلت لا سيما معارك الجمل وصفين والنهروان. ويعزي آخرون التشيع إلى الأحداث التي تمخضت عنها مأساة كربلاء. وما يلفت الانتباه أن بعضهم ذهب إلى نسب التشيع إلى جذور يهودية من خلال رجل يهودي يدعى عبد الله بن سبأ الذي تظاهر بدخول الإسلام زمن خلافة عثمان، ثم تنقل بين البلدان الإسلامية يبث بينهم أفكاراً

(١) تاريخ اليعقوبي ج ٢ ص ١٢٤.

(٢) هاشم الموسوي، التشيع: نشأته... معالمه، ص ٢٦.

(٣) تاريخ اليعقوبي، ج ٢ ص ١٢٤.

(٤) أحمد أمين، فجر الإسلام، ص ٢٢٦.

٢٧١

ضالة يدور محورها حول الوصاية لعلي بن أبي طالب بالخلافة (١) ، وهناك من المستشرقين من ينسب التشيع إلى جذور فارسية (٢) .

الانحراف عن الخط الشيعي:

إن الشيعة لا يرون أن كل من وإلى الإمام علي عليه السلام وفضله على غيره من الضروري أن يكون من الشيعة أو حتى من المسلمين، فقد انتسبت إلى التشيع فرق ضالة كثيرة عدها كتاب الفرق من فرق الشيعة كالمغيرية والخطابية والبزيغية والعلباوية والمخمسة وغيرها من فرق الغلاة والمفوضة، غير أن أئمة أهل البيت عليه السلام برؤوا منهم ولعنوهم وأفتوا بكفرهم وخروجهم عن الإسلام وقد اندثر أكثر هذه الفرق مع الأيام في حين استمر خط التشيع بنقائه وأصالته المعهودة يكافح كفاحاً علمياً ضد انحراف تلك الفرق وغيرها من الفرق الضالة التي ولدت في البيئة الإسلامية (٣) .

وسنعرف في ما يأتي بهذا الخط الذي سمعي بمذهب الإمامية الاثني عشرية لاعتقاده بإمامة اثني عشر إماماً من سادة أهل البيت عليه السلام، وسمي كذلك بالمذهب الجعفري نسبة إلى الإمام جعفر بن محمد الصادق سادس أئمة أهل البيت عليه السلام، لما أظهر من العلم والفقه، كما نسبت المذاهب الفقهية إلى أصحابها، كالمذهب الحنفي والمالكي والشافعي والحنبلي والزيدي... الخ (٤) .

الإمامية الاثني عشرية

وهم الشيعة القائلون بإمامة الأئمة الاثني عشر، وهم: علي والحسن والحسين، وعلي بن الحسين (زين العابدين)، ومحمد بن علي (الباقر)، وجعفر بن محمد (الصادق)، وموسى بن جعفر (الكاظم)، وعلي بن موسى

(١) تاريخ الطبري، ج ٣ ص ٣٧٨.

(٢) أحمد الوائلي، هوية التشيع، ص ٥١.

(٣) هاشم الموسوي، التشيع: نشأته ومعالمه، ص ٤٣.

(٤) م. س: ص ٤٣ - ٤٤.

٢٧٢

(الرضا)، ومحمد بن علي (الجواد)، وعلي بن محمد (الهادي)، والحسن بن علي (العسكري)، ومحمد بن الحسن (المهدي المنتظر) عليهم السلام.

وعندما تذكر كلمة الشيعة مجردة، فإنما يقصد بها هذه الفرقة الإمامية الاثني عشرية والتي يمثل أتباعها الغالبية العظمى للشيعة في أيامنا، ويقيمون كأغلبية ساحقة في كل من إيران والبحرين وآذربيجان، ويشكلون ثلثي سكان العراق وأكثر من نصف مسلمي لبنان، وما يقارب ثلث السكان في السعودية والكويت والباكستان، وما لا يقل عن ربع مسلمي الهند بالإضافة إلى أقليات متوزعة في مختلف ربوع العالم الإسلامي.

أصول العقائد عند الإمامية الاثني عشرية

وتسمى عندهم بأصول الدين وهي خمسة:

١ - التوحيد: وهو الاعتقاد بوحدانيته في الألوهية، وعدم اتخاذ شريك له في الربوبية واليقين بأنه المستقل بالخلق والرزق والموت والحياة. فمن اعتقد أن شيئاً من الرزق أو الخلق أو الموت أو الحياة بيد غير الله تعالى فهو كافر ومشرك، وكذا يجب إخرص الطاعة والعبادة لله. وأما طاعة الأنبياء والأئمة والتبرك والتوسل إلى الله بمنزلتهم وكرامتهم عنده فهو جائز وليس من العبادة في شئ.

ومن مقتضيات التوحيد الإيمان باستحالة رؤيته جل وعلا حسياً في الدنيا أو في الآخرة، وتنزيهه سبحانه وتعالى عن التجسيم والتشبيه. فالصفات الواردة في الكتاب والسنة كالوجه والأيدي والاستواء وأمثالها تؤول ولا تؤخذ على ظاهرها. فمثلاً الآية: ((بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء)) [ المائدة / ٦٤ ] تؤول على أن الله سبحانه وتعالى كريم قادر على البذل وبرئ من البخل.

٢ - النبوة: بمعنى أن جميع الأنبياء رسل من الله سبحانه وتعالى بعثوا لدعوة الخلق الحق، وأن محمداً صلى الله عليه وآله وسلم خاتم الأنبياء وسيد المرسلين

٢٧٣

وأفضل الخلق أجمعين، وأنه معصوم من الخطأ في أمور الدين والدنيا، وأنه لم يرتكب معصية طيلة عمره الشريف قبل البعثة وبعدها، ومن اعتقد النبوة أو نزول كتاب لأحد بعده فهو كافر مرتد. ومن مقتضيات النبوة الإيمان بأن القرآن الكريم الموجود في أيدي المسلمين اليوم هو الكتاب الذي أنزله الله تعالى على رسوله وأنه لا نقص فيه ولا تحريف ولا زيادة.

٣ - المعاد: بمعنى أن الله سبحانه وتعالى يعيد الخلائق بعد موتهم ويحييهم بأجسادهم وأرواحهم يوم القيامة للحساب، والإيمان بوجود الجنة والنار ونعيم البرزخ وعذابه والميزان والصراط والأعراف والكتاب الذي لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، وغير ذلك من التفاصيل.

٤ - العدل: بمعنى استحالة ظلم الله سبحانه وتعالى لأحد من الخلق أو فعله لشئ يستقبحه العقل السليم. ومن مقتضيات العدل الإيمان بأن الإنسان هو الخالق لأفعاله بإذن الله سبحانه وتعالى، وإلا لما كان للعبد أي دور فيها، ومن الظلم محاسبته عليها، ومعنى ذلك أن الإنسان هو مصدر أفعاله ولكن بقدرة مكتسبة من الله عز وجل، والإنسان بهذه القدرة المكتسبة مخير بفعل الحسن أو اقتراف القبيح.

٥ - الإمامة: بمعنى أنها منصب إلهي يختاره الله تعالى بسابق علمه بعباده كما يختار الأنبياء، وأنه سبحانه وتعالى لا يخلي الأرض من نبي أو وصي ظاهر مشهور أو غائب مستور، وأن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قد أوصى لعلي، وعلي أوصى للحسن، وهكذا إلى الإمام الثاني عشر.

ومن مقتضيات الإمامة الإيمان بعصمة الأئمة من الذنوب والأخطاء كعصمة الأنبياء وذلك لأن الإمامة تعتبر استمراراً لوظيفة النبوة من حيث حفظ الرسالة وصيانتها من التحريف وتعليمها للناس، وبذلك فالإمام يملأ الفراغات التي يتركها النبي جميعها.

٢٧٤

المذاهب الفقهية عند الإمامية الاثني عشرية

الفقه عند الشيعة هو العلم بالأحكام الشرعية الفرعية من أدلتها التفصيلية، وتسمى هذه الأحكام بفروع الدين، والعالم بها هو الفقيه ويقال له المجتهد أو المرجع، ويجوز للعوام تقليده.

وقد اشتهرت فرقة الإمامية الاثني عشرية بلقب الجعفرية باعتبار أن مذهبهم الفقهي أخذ عن الإمام السادس جعفر الصادق عليه السلام أكثر مما أخذ عن غيره، إن كانت عندهم مرتبة الأخذ عن الإمام الصادق هي نفسها عن أي من الأئمة الاثني عشر. وأما سبب كثرة أخذهم عن الإمام الصادق فهو لأن عصره كان في أواخر الدولة الأموية وقد بدأت بالضعف، وبداية الدولة العباسية ولم يكن قد بدأ فيها التعصب والعداء لأهل البيت عليه السلام، فكان للأئمة شئ من الحرية مكنهم من رواية الأحاديث ونشر المذهب.

وهكذا أصبحت كلمة (الجعفرية) تستخدم كلقب للمذهب الفقهي عند الشيعة الإمامية الاثني عشرية، وليس بالضرورة أن يكون المقلد على هذا المذهب معتقداً بالعقائد الشيعية، فالفوارق الفقهية بين المذهب الجعفري والمذاهب الأربعة عند أهل السنة يوجد ما يقابلها من فوارق بين المذاهب الأربعة نفسها، وحتى أنه - على سبيل المثال - تجد المذهب المالكي في معظم المسائل أقرب إلى المذهب الجعفري منه إلى المذاهب الثلاثة الأخرى. وهذا ما حدا بشيخ الجامع الأزهر الشريف محمود شلتوت بإعلان فتواه الشهيرة عام ١٩٥٨ م بشأن المذهب الجعفري وهذا نصها: (إن مذهب الجعفرية المعروف بمذهب الإمامية الاثني عشرية مذهب يجوز التعبد به كسائر مذاهب أهل السنة. فينبغي للمسلمين أن يعرفوا ذلك، وأن يتخلصوا من العصبية بغير الحق لمذاهب معينة، فما كان دين الله وما كانت شريعته بتابعة لمذهب، أو مقصورة على مذهب، فالكل مجتهدون مقبولون عند الله

٢٧٥

تعالى يجوز لمن ليس أهلاً للنظر والاجتهاد تقليدهم والعمل بما يقررونه في فقههم، ولا فرق في ذلك بين العبادات والمعاملات) (١) .

وقد انقسم الجعفرية حسب تعاملهم مع الروايات وموقفهم من الاجتهاد إلى أصوليين وإخباريين:

الأصوليون: ويسمون أيضاً المجتهدين لأنهم يجوزون الاجتهاد.

ومصادر التشريع عندهم أربعة: القرآن والسنة والإجماع والعقل، ويعتبرون الروايات المأخوذة من كتب الحديث الرئيسية الأربعة (وهي الكافي، من لا يحضره الفقيه، الإستبصار، التهذيب) فيها الصحيح والحسن والموثوق والضعيف وغيرها، وأنه يجب البحث في أسانيدها عند إرادة العمل بها، والغالبية العظمى من علماء الشيعة يؤيدون هذا المنهج.

الإخباريون: وهم يحرمون الاجتهاد، وسموا بالإخباريين لأنهم يقتصرون في معرفتهم للأحكام الشرعية على الأخبار أو الروايات الواردة عن أهل البيت عليه السلام، وأسقطوا الاستدلال بالمصادر الثلاثة الأخرى وهي القرآن والإجماع والعقل. فهم لا يستدلون بالقرآن بذريعة أن القرآن لا يفهمه سوى أهل البيت والواجب الرجوع إلى أحاديثهم، ولا يستدلون بالإجماع لأنه عندهم بدعة أوجدها أهل السنة، وينكرون كذلك صلاحية العقل السليم ليكون حجة أو دليلا (٢) .

وقد ظهرت حركة الإخباريين قبل أربعة قرون على يد الملا أمين الاسترآبادي، ويقال إن مذهبهم ترجع جذوره إلى قبل ذلك وأن رئيسهم هو الشيخ الصدوق (المتوفى سنة ٣٨١ هجرية) وصاحب كتاب من لا يحضره الفقيه (٣) .

(١) رسالة الإسلام، العدد الثالث من السنة الحادية عشرة، ص ٢٢٧ عام ١٩٥٩ م.

(٢) مرتضى مطهري، الاجتهاد في الإسلام، ص ١٣.

(٣) محيي الدين الغريفي، الاجتهاد والفتوى، ص ٩٧.

٢٧٦

وقد بادر العلماء بالوقوف في وجه حركة الإخباريين، وعدوها حركة جامدة ومناوئة للعقل. وكان من بين هؤلاء العلماء الشيخ وحيد البهبهاني وتلميذه الشيخ مرتضى الأنصاري والشيخ جعفر وكاشف الغطاء وغيرهم.

ويقول مطهري: (ولولا وقوف عدد من العلماء المبرزين الشجعان في وجه تلك الموجة وصدها، لما كنا نعرف موقعنا ووضعنا الحاضر) (١) .

ثالثاً: الخوارج

وهم الذين خرجوا على الإمام علي عليه السلام في معركة صفين بعد قبول التحكيم، واشتهروا بتكفيره عليه السلام، وتكفير كل من معاوية والحكمين عمرو بن العاص وأبي موسى الأشعري وكل من رضي بالتحكيم، وكذلك يكفرون أصحاب الجمل وعائشة وطلحة والزبير، بالإضافة إلى تكفيرهم لكل مسلم يرتكب كبيرة، وحكمهم عليه بالخلود في النار.

وقد قاتلهم الإمام علي عليه السلام في النهروان وهزمهم شر هزيمة ولم ينج من القتل منهم إلا عدد قليل، وعرفوا بلقب المارقة، وفيهم قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (يأتي بعدي من أمتي قوم يقرأون القرآن لا يجاوز حلاقيمهم يخرجون من الدين كما يخرج - وفي رواية أخرى: يمرقون من الدين كما يمرق - السهم من الرمية، ثم لا يعودون فيه، وهم شر الخلق والخليقة) (٢) .

وقد انتشر من نجا بالنهروان من الخوارج في المدن الإسلامية الكبيرة كالمدينة ودمشق والبصرة بأواخر فترة علي عليه السلام وبداية حكم الأمويين، وعقدوا مجالس المناظرات والمجادلات الكلامية فيها. وكانت بذلك فرقة الخوارج هي أولى الفرق الكلامية التي ظهرت في التاريخ الإسلامي. وتشعب الخوارج إلى فرق عديدة أشهرها العجاردة والنجدية والصفرية والأزارقة

(١) مرتضى مطهري، الاجتهاد في الإسلام، ص ١٣.

(٢) راجع صحيح البخاري، كتاب التوحيد، ج ٩ ص ٤٨٩.

٢٧٧

والأباضية، ولم يبق من هذه الفرق سوى الأباضية التي تعد الأكثر اعتدالاً، ويشكل أتباعها اليوم أغلبية سكان سلطنة عمان بالإضافة إلى وجود أقليات منهم في شمال إفريقيا.

وأصول الاعتقاد عند الأباضية ثمانية هي (١) :

١ - صفات الله ليست زائدة على ذاته: بمعنى أن الصفات ليست شيئاً غير الذات، فهي ليست صفات قائمة بذاتها ولا منفكة عن الذات.

٢ - امتناع رؤية الله في الآخرة: ومعنى الرؤية عندهم كمال العلم به، ويعتقدون بعدم إمكانية رؤيته سبحانه وتعالى حسياً بالصورة المتخيلة عند الناس.

٣ - القرآن حادث غير قديم: بمعنى أن القرآن مخلوق لله سبحانه، وحادث بعد أن لم يكن.

٤ - الشفاعة: بمعنى أن المؤمنين يدخلون الجنة بسرعة، وأما مرتكبي الكبائر من المذنبين إذا ماتوا بلا توبة فهم محكومون بالخلود في النار.

٥ - مرتكب الكبيرة كافر نعمة لا كافر ملة: اعتقدت جميع فرق الخوارج على مر التاريخ أن مرتكب الكبيرة كافر وخارج عن الملة، ولكن الأباضية قالوا: كافر نعمة ولا يخرج عن الملة.

٦ - الخروج على الإمام الجائر: بمعنى وجوب الخروج على أئمة الجور، بالإطاحة بهم بأي وسيلة يقدر عليها، بالقوة أو بغيرها.

٧ - التولي والتبري والوقوف: فأما التولي فهو وجوب الولاية والحب لأولياء الله ومن أتصف بالإيمان، والتبري فهو وجوب البراءة من الفاسقين سواء كانوا من المشركين أو أهل كفر نعمة، وأما الوقوف فيعني التوقف بالحكم فيمن لم يعرف فيهم موجب الولاية أو البراءة.

(١) جعفر السبحاني، بحوث في الملل والنحل، ج ٥ ص ٢١٣ - ٢٤٠ (بتصرف).

٢٧٨

٨ - آراؤهم في الصحابة: إجماعهم على حب الشيخين أبي بكر وعمر وكراهية عثمان وعلي.

رابعاً: المعتزلة

وهي فرقة كبيرة تأسست على يد الشيخ واصل بن عطاء (٨٠ - ١٣١ هجرية) أحد أبرز تلامذة الحسن البصري الذي كان يعقد مجالسه الكلامية للرد على بدع الخوارج وأضاليلهم. وفي سبب تسميتها بالمعتزلة عدة أقوال أرجحها هو ما يروى عن اعتزال واصل بن عطاء لمجلس الحسن البصري بعد أن دب خلاف بينهما في مسألة المصير الأخروي للمسلم الذي يرتكب الكبيرة (١) ، أو بصورة خاصة مصير المسلمين الذين شاركوا في قتل الخليفة عثمان (٢) ، هل بقوا على إيمانهم أم أصبحوا بحكم الكفار؟ فكان رأي البصري إنهم منافقون، وأما واصل فقد كان رأيه إنهم ليسوا كفاراً ولا مؤمنين وإنما بمنزلة بين المنزلتين.

وقد اشتهرت المعتزلة من بين جميع الفرق الإسلامية باعتمادهم على العقل والمنطق لا غير في تحصيل مبادئ الإسلام ومعتقداته وأحكامه. ويسمون أيضاً بالمفوضة لقولهم بتفويض الإنسان في جميع أفعاله بصورة مطلقة ودون أي تدخل من الإرادة الإلهية.

وأصول الاعتقاد عند المعتزلة خمسة هي (٣) :

١ - التوحيد: ويراد منه العلم بأن الله واحد لا يشاركه غيره فيما يستحق من صفات نفياً وإثباتاً، والتوحيد بذلك عندهم رمز لتنزيهه سبحانه عن شوائب الإمكان والتجسيم والتشبيه وإمكان الرؤية وطروء الحوادث عليه، وعندهم لا قديم مع الله ومنها قالوا إن القرن مخلوق وليس قديماً.

(١) شريف الأمين، معجم الفرق الإسلامية، ص ٣٥.

(٢) محمد إبراهيم، أئمة المذاهب الأربعة، ص ٣٥.

(٣) جعفر السبحاني، بحوث في الملل والنحل، ج ٣ ص ٢٩١ - ٤١٦ (بتصرف).

٢٧٩

٢ - العدل: ويراد منه تنزيه الله عن الظلم عند محاسبة العباد على أفعالهم. فهو لا يكلف العباد ما لا يطيقون، بل يعلمهم ويبين لهم صفة ما كلفهم به وكيفيتهم ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حيي عن بينة.

٣ - الوعد والوعيد: ويراد منه أن الله تعالى وعد المطيعين بالثواب وتوعد العصاة بالعقاب وأنه يفعل ما وعد وتوعد به لا محالة، ولا يجوز الخلف لأنه يستلزم الكذب. وعلى ضوء هذا الأصل حكموا بتخليد مرتكب الكبائر في النار إذا مات بلا توبة.

٤ - المنزلة بين المنزلتين: ويراد بها أن مرتكب الكبيرة لا يسمى كافراً كما يقول الخوارج، ولا يسمى مؤمناً كما هو عليه جمهور المسلمين وإنما يسمى فاسقاً. فلا تكون منزلته بحكم الكافر ولا بحكم المؤمن وإنما بين المنزلتين.

٥ - الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: يرى المعتزلة أن وجوبهما يعرف عقلاً خلافاً لجمهور المسلمين سنة وشيعة، الذين قالوا لولا النص الشرعي لما كان دليلاً على الوجوب. وقد تميزت المعتزلة بجعل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أصول الدين الذي لا يتم إلا به، وهذا يقتضي قيامهم ضد الحاكم الجائر في حالة توفر القدرة لذلك. ولربما كان هذا أحد أسباب اضطهاد الدولة الأموية لعلماء المعتزلة وملاحقتهم. وأما فيما يتعلق بالنبوة والإمامة، فهم يوافقون أهل السنة في ذلك.

وقد لاقى مذهب الاعتزال رواجاً كبيراً في العراق ووصل إلى بلاد بعيدة كالمغرب واليمن وخراسان وأرمينية. وانقسم المعتزلة إلى مدرستين رئيسيتين هما مدرسة البصرة ومدرسة بغداد، ولكل منهما منهجها الخاص في تحليل المسائل الاعتقادية. وتشعبت إلى فرق عديدة أشهرها الواصلية والهذلية والنظامية والجاحظية والبشرية والتمامية والشيطانية وغيرها كثير.

٢٨٠