×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

أزمة الخلافة والإمامة وآثارها المعاصرة عرض ودراسة / الصفحات: ٢٨١ - ٣٠٠

٢٨١

إرادته حتى جعلوه كالريشة في مهب الريح أو الخشبة في اليم. وعندي أن الخطأ في القول بسلطان العقل وحرية الإرادة والغلو فيهما خير من الغلو في أضدادهما، وفي رأيي أنه لو سادت تعاليم المعتزلة إلى اليوم لكان للمسلمين موقف آخر في التاريخ غير موقفهم الحالي وقد أعجزهم التسليم وشلهم الجبر، وقعد بهم التواكل) (١) .

وفي مسألة التوحيد يقول: (وقد كانت نظرتهم في توحيد الله نظرة في غاية السمو والرفعة، فطبقوا قوله تعالى: (( ليس كمثله شئ )) أبدع تطبيق، وحاربوا النظريات الوضعية من مثل نظريات الذين جعلوا الله تعالى جسماً) (٢) .

ويضيف أحمد أمين في مقال خاص بمدح المعتزلة تحت عنوان المعتزلة والمحدثون: (كان للمعتزلة منهج خاص أشبه ما يكون بمنهج من يسميهم الفرنج (العقليين) عمادهم الشك أولاً والتجربة ثانياً، والحكم أخيراً.

وللجاحظ في كتابه (الحيوان) مبحث طريف عن الشك. وكانوا وفق هذا المنهج لا يقبلون الحديث إلا إذا أقره العقل، ويؤولون الآيات حسب ما يتفق والعقل كما فعل الزمخشري في كتابه (الكشاف).

ويقابل هذا المنهج منهج المحدثين، وهو منهج يعتمد على الرواية، لا على الدراية، ولذلك كان نقدهم للحديث نقد سند لا متن، ومتى صح السند صح المتن ولو خالف العقل، وقل أن نجد حديثاً نقد من ناحية المتن عندهم، وإذا عرض عليهم أمراً رجعوا إلى الحديث ولو كان ظاهرة لا يتفق والعقل، كما يتجلى مذهب الحنابلة...) (٣) .

(١) أحمد أمين، ضحى الإسلام، ص ٧٠.

(٢) المصدر نفسه، ص ٦٨.

(٣) رسالة الإسلام التي تصدرها (دار التقريب بين المذاهب الإسلامية). بالقاهرة: العدد الثالث من السنة الثالثة.

٢٨٢

الفصل الثالث
الآثار اللاحقة

١ - التمويه على حقائق الأحداث التاريخية وتحريفها

بعد حادثتي منع تدوين السنة النبوية وشيوع ظاهرة الوضع والتدليس في الحديث، فقد وجد هناك على مر التاريخ الإسلامي من تلاعبوا بتفسير الأحداث التاريخية حسب ما أملته عليهم أهواؤهم وميولهم المذهبية الخاصة، مما عمل على زيادة درجة التشويش والفوضى في فهم بعض القضايا التاريخية الهامة، كما سترى من خلال الأمثلة القليلة التالية:

١ - ففي تبريره للاختلاسات التي حصلت في عهد الخليفة عثمان، فإن ابن تيمية الذي اشتهر باصطناع الكلمات والالتفاف حولها بدفاعه عن بني أمية قال بأن تلك الأموال التي كان عثمان يجود بإعطائها لأقاربه الأمويين. إنما كانت جزءاً من سهم أموال الخمس الخاص بذوي القربى الذي يعطى حسب نصوص التشريع الإسلامي إلى أقارب الإمام (١) ، فكان ولي أمر المسلمين الإمام عثمان يعطي أقاربه ما زاد عن ملايين الدراهم بناء على هذا الأساس الشرعي! فلماذا الاعتراض إذاً؟ ثم يقدم ابن تيمية احتمالاً آخر لتفسير إعطاء تلك الأموال على أنها جزء من سهم العاملين عليها، فعثمان كان عاملاً عليها، والعامل عليها يستحق ولو كان غنياً (٢) . وهذا أيضاً من أحكام الشرع كما فهمها ابن تيمية، فلماذا كل هذه الضجة؟ ولعل تلك الدور السبعة التي

(١) أحمد بن تيمية، منهاج السنة، ج ٦ ص ٢٤٦، ٣٥٦، ٣٥٧.

٢٨٣

بناها عثمان لزوجاته وبناته (١) ، بالإضافة إلى قصور مروان بن الحكم العديدة كانت كلها من أسهم ذوي القربى والعاملين عليها التي يقول بها شيخ الإسلام.

ثم يظهر ابن تيمية شيئاً من المرونة وهو يعترف قائلاً: (ونحن لا ننكر أن عثمان (رض) كان يحب بني أمية وكان يواليهم ويعطيهم أموالاً كثيرة. وما فعله يعد من مسائل الاجتهاد التي تكلم فيها العلماء... ولا ندعي عصمة في أحد بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من الذنب، فضلاً عن الخطأ في الاجتهاد) (٢) وفي مورد آخر يقول: (فهذا ذنب لا يعاقب عليه في الآخرة، فكيف إذا كان من موارد الاجتهاد؟) (٣) . والجواب أنه سيئاب في كل الأحوال على ذلك. وذلك تمشياً مع القول الشائع عند بعض المسلمين إنه إذا اجتهد المسلم وأصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر واحد!.

٢ - يبرر القاضي ابن العربي طرد عثمان لأبي ذر لاعتراض الأخير على معاوية بكنز الأموال بقوله: (ومن العجيب أن يؤخذ عليه (عثمان) في أمر فعله عمر، فقد روي أن عمر بن الخطاب (رض) سجن ابن مسعود في نفر من الصحابة سنة بالمدينة حتى استشهد فأطلقهم عثمان، وكان عمر قد سجنهم لأن القوم أكثروا الحديث عن رسول الله) (٤) .

وفي محاولته التغطية على بوائق عمال عثمان يقول: (وأما قول القائلين في مروان بن الحكم والوليد بن عقبة فشديد عليهم، والحكم عليهما بالفسق فسق منهم. فمروان كان رجل عدل من كبار الأمة عند الصحابة والتابعين وفقهاء المسلمين...) (٥) .

(١) ابن قتيبة الدينوري، الإمامة والسياسة، ج ١ ص ٥٠.

(٢) أحمد بن تيمية، منهاج السنة، ج ٦ ص ٣٥٦، ٣٥٧.

(٣) المصدر السابق.

(٤) القاضي أبو بكر بن العربي، العواصم من القواصم في تحقيق مواقف الصحابة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ص ٧٥ - ٧٦.

(٥) المصدر السابق، ص ٨٨ - ٨٩.

٢٨٤

وأما محب الدين الخطيب فإنه دافع عن الوليد بقوله أنه يستحيل أن تكون الآية (( إن جاءكم فاسق بنبأ... )) [ الحجرات / ٦ ] (١) قد نزلت في الوليد لا لسبب إلا لأنه كان موضع ثقة الشيخين أبي بكر وعمر (٢) .

وقد تكفل العلامة أبو الأعلى المودودي بالرد على ابن تيمية وابن العربي والخطيب وكل من دافع عن عثمان والأمويين بمثل تلك الطريقة خير رد، فبعد أن قام باستعراض أمثلة عديدة من انتهاكات أقارب الخليفة الذين جعل بأيديهم شؤون إدارة الخلافة ومفاتيح بيت المال قال: (لا شك أن هذا الجانب من سياسة سيدنا عثمان (رض) كان غلطاً، والخطأ خطأ على أي حال أياً كان فاعله، أما محاولة إثبات صحته باصطناع الكلام لغواً وعبثاً فهو أمر لا يقتضيه العقل، ولا يرضاه الإنصاف، كما أن الدين لا يطالبنا بعدم الاعتراف بخطأ صحابي من الصحابة) (٣) .

٣ - وممن حاولوا تزوير التاريخ فيما يتعلق بالدوافع الحقيقية لحدوث معركة الجمل سيف بن عمرو التميمي الذي اختلق أسطورة من خياله الخاص، وجعل بطلها رجلاً يهودياً، وسماه عبد الله بن سبأ ولقبه ابن السوداء، وادعى التميمي أن ابن سبأ هذا قدم من اليمن وأعلن إسلامه في عهد عثمان، ولكنه أخفى تحت ذلك حقداً دفيناً على الإسلام، فتنقل بين البقاع الإسلامية كمصر والبصرة والكوفة على حسب زعم هذه الأسطورة، ثم أخذ ينادي برجعة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ووصاية علي عليه السلام واغتصاب عثمان لحق علي بالخلافة، فحث على قتله، وجيش لذلك آلافاً جاءوا من البصرة والكوفة ومصر، وتمكنوا من محاصرته وقتله، ثم اندس القتلة في جيش الإمام

(١) المصدر السابق، ص ٩٠.

(٢) المصدر السابق.

(٣) أبو الأعلى المودودي، الخلافة والملك، ص ٧١.

٢٨٥

علي عليه السلام وعائشة، وأحدثوا الفتنة وأشعلوا نار الحرب بين الطرفين والتي عرفت بموقعة الجمل.

وقد تصدى لتفنيد هذه الخرافة عدد من العلماء المحققين، وتمكنوا من إثبات وهمية شخصية عبد الله بن سبأ، ومن هؤلاء المحققين الدكتور طه حسين في كتابه (الفتنة الكبرى)، والدكتور كامل مصطفى الشيبي في كتابه (الصلة بين التشيع والتصوف)، والعلامة مرتضى العسكري في كتابه (عبد الله بن سبأ). ونقتطف فيما يلي من كلمات الأخير في هذا الصدد: إن جميع المؤرخين أخذوا هذه الأسطورة عن سيف بن عمرو التميمي الكوفي المتوفى سنة ١٧٠ ه‍، ثم انتشرت في كتب التاريخ على مر العصور وإلى يومنا هذا، وكأنها من الحوادث التأريخية التي لا يتطرق إليها الشك، بعد أن فات معظم الكتاب والمؤرخين من الشرقيين والمستشرقين إن واضع رواية هذه الأسطورة هو راو واحد. لا شريك له، وقد اشتهر عند القدامى من علماء الحديث بالوضع واتهم عندهم بالزندقة. فهذا أبو داود يقول فيه: (ليس بشئ كذاب)، وقال فيه ابن عبد البر: (سيف متروك، وإنما ذكرنا حديثه للمعرفة)، وقال فيه النسائي: (سيف ضعيف، متروك الحديث وليس بثقة ولا مأمون).

وقد أخذ عن هذا الراوي كل من الطبري وابن عساكر وابن أبي بكر، ثم أخذ عن الطبري سائر الكتاب والمؤرخين إلى يومنا هذا (١) .

٤ - في تبريره لتحويل معاوية نظام الخلافة إلى نظام ملكي يقول القاضي ابن العربي أن الملك هو مرتبة من مراتب الولاية كمرتبة الخلافة (٢) ، ودليله (!) على ذلك قوله تعالى في النبي داود عليه السلام: (( وآتاه الله الملك والحكمة )) [ البقرة / ٢٥١ ] فجعل النبوة ملكاً.

(١) مرتضى العسكري، عبد الله بن سبأ (بتصرف).

(٢) ابن العربي، العواصم من القواصم، ص ٢٠٧ - ٢١٠.

٢٨٦

وهذا أيضاً محب الدين الخطيب يؤيد هذا التبرير معلقاً: (الخلافة والملك والإمارة عناوين اصطلاحية تتكيف في التاريخ باعتبار مدلولها العملي، والعبرة دائماً بسيرة المرء وعمله) (١) . ولحق ابن العربي والخطيب نسخاً عنهما الشيخ عبد المتعال الجبري وهو أحد رموز بعض الجماعات الإسلامية في مصر قائلاً: (والواقع أن المسألة هي مسألة اصطلاح... خلافة أو إمارة أو ملك، فالجميع مقيدو السلطات بقوانين الله المسطورة في الكتاب والسنة، فالعبرة بالنظام والعدل لا بالألقاب وأسماء الحكام والولاة وأسماء وظائفهم، وقد كان داوود وسليمان ملوكاً صالحين، فما عابهما ذلك) (٢) !

ولكن معاذ الله أن يقارن معاوية المحتال وسفاك الدماء البريئة بأنبياء الله الصالحين. فقد كان من سيرة معاوية وعمله قتل حجر بن عدي وأصحابه لرفضهم سب الإمام علي عليه السلام والتبري منه كما ثبت ذلك من المصادر التاريخية، إلا أن ابن العربي يرى أن قتلهم كان حقاً، لأن معاوية هو إمام الأمة، والأصل في فعل الإمام هو الحق (٣) (!)، ويستشهد بما كتب على أبواب مساجد بغداد: (خير الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أبو بكر، ثم عمر، ثم علي، ثم معاوية خال المؤمنين رضي الله عنهم) (٤) .

ولعدم وجود أي مبرر واقعي لقتل حجر وأصحابه، فإن ابن العربي يقول (بعد أن ذكر عتاب عائشة لمعاوية ورده لها: دعيني وحجراً حتى نلتقي عند الله): (وأنتم يا معشر المسلمين أولى أن تدعوهما حتى يقفا بين يدي الله مع صاحبهما العدل، الأمين، المصطفى، المكين..) (٥) .

(١) محب الدين الخطيب في تحقيقه لكتاب ابن العربي، ص ٢٠٧.

(٢) عبد المتعال الجبري، حوار مع الشيعة حول الخلفاء الراشدين وبني أمية، ص ٢٢٣.

(٣) ابن العربي، العواصم من القواصم، ص ٢١٣.

(٤) المصدر السابق.

(٥) المصدر السابق.

٢٨٧

وهذا عبد المتعال الجبري مرة أخرى يظهر جرأة غريبة بقوله: (ولم تتوقف فتوح معاوية [ أيام ولايته على الشام ] وغزواته إلا أيام الفتنة الكبرى، حينما شغل بالحروب مع الإمام علي رضي الله عنهما وغفر لهما) (١) .

وكل من يتمعن بهذا القول يجد فيه تخطيئاً مبطناً لعلي عليه السلام، ويطلب الكاتب من الله المغفرة له على خطئه هذا، لأنه عليه السلام شغل معاوية عن الجهاد!!. فمن الذي شغل من؟ ومن الذي تمرد على من؟ أوليس الإمام علي عليه السلام هو الخليفة الذي ينبغي أن يطاع والذي يأمر بالغزو ويعين قادته ووقته ووجهته؟ فما لمعاوية والجهاد في وقت لم يكن فيه سوى وال متمرد نصب نفسه خليفة بعد أن عزله الخليفة الشرعي عن الإمارة. بل أنه من الثابت تاريخياً أن معاوية وعندما أحكم نزوته أخيراً على كرسي الخلافة، فإنه قام بتوقيع معاهدة خنوع أخذ يدفع بموجبها ١٠٠ ألف دينار سنوياً مقابل امتناع الروم عن غزو الشام (٢) .

ثم يضيف الجبري في أثناء دفاعه المستميت عن معاوية وعموم بني أمية وتخطيئاً لعلي عليه السلام: (كما أننا لا نعلم لأي شئ استعجل علي عزل معاوية أمير الشام، وقد عينه [ والصحيح عين أخوه يزيد ] على ذلك المنصب من قبله أبو بكر الصديق ثم [ عينه ] عمر بن الخطاب، وأقره على ذلك بعدهما عثمان، وفوق ذلك كله لم يرفع عنه شكوى واحدة (!)، مع كثرة الشكاوى على العمال والحكام والولاة) (٣) .

وفي محاولة لإغلاق أي باب للبحث في فواحش معاوية فإن الجبري ينقل في كتابه ما رواه الحافظ ابن عساكر عن أبي زرعة الرازي أنه عندما قال له

(١) الجبري، حوار مع الشيعة، ص ٢١٩.

(٢) تاريخ الطبري.

(٣) الجبري، حوار مع الشيعة، ص ٢٠٣.

٢٨٨

رجل: إني أبغض معاوية. فقال له: ولم؟ قال: لأنه قاتل علياً. فقال له أبو زرعة: ويحك، إن رب معاوية رحيم، وخصم معاوية خصم كريم، فما دخلك بينهما رضي الله عنهما) (١) . منطق غريب!

٥ - وفيما يتعلق بقتل الحسين عليه السلام، فإن القاضي أبو بكر بن العربي يفتري بكل الصراحة والجرأة قائلاً: أن الإمام الحسين عليه السلام قد استحق القتل لخروجه عن طاعة ولي الأمر يزيد، لأن خروجه كان - على رأيه - تفريقاً لكلمة المسلمين! وهذا النص الحرفي لما قال: (وما خرج أحد لقتال الحسين إلا بتأويل، ولا قاتلوه إلا بما سمعوا من جده المهيمن على الرسل، المخبر بفساد الحال، المحذر من دخول الفتن، وأقواله في ذلك كثيرة. منها قوله صلى الله عليه وآله وسلم: إنه ستكون هنات وهنات، فمن أراد أن يفرق أمر هذه الأمة وهي جميع فاضربوه بالسيف كائناً من كان. انتهى الحديث. فما خرج الناس - يقصد القتلة - إليه إلا بهذا الحديث وأمثاله) (٢) . بمعنى أن كل ما فعله يزيد وزبانيته في كربلاء كان مجرد تطبيق لحكم الشرع على ضوء أحاديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم!!

ولعل حسن تطبيق يزيد للشرع هو الذي جعل محب الدين الخطيب أن يصفه بأنه كان شخصاً لامعاً، ومكتمل المواهب، ومستكملاً للصفات اللائقة بمهمة المركز الذي أراده الله له وهو الخلافة (٣) .

ليس ذلك فقط، فهذا ابن حجر المكي يقدم (دليلاً!) على اكتمال كمالات يزيد الخلقية بقوله: (إن يزيد لما وصل إليه رأس الحسين بكى قائلاً: رحمك الله يا حسين، لقد قتلك رجل لم يعرف حق الأرحام)! (٤) ! فيا له من افتراء على التاريخ!

(١) المصدر السابق، ص ٢٢٢.

(٢) ابن العربي، العواصم من القواصم، ص ٢٣٢.

(٣) المصدر السابق (في الحواشي) ص ٢٢٧.

(٤) ابن حجر المكي، الصواعق المحرقة، ص ٢٢٠.

٢٨٩

وأما الشيخ أبو حامد الغزالي صاحب كتاب (إحياء علوم الدين) فإنه يريد قتل ومحو أي علوم متعلقة بفاجعة مقتل الحسين عليه السلام وأهل البيت كلية من مصادرها التاريخية، وهذا نص ما قال: (ويحرم على الواعظ وغيره رواية مقتل الحسين وحكاياته، وما جرى بين الصحابة والتشاجر والتخاصم، فإنه يهيج على بعض الصحابة، والطعن فيهم وهم أعلام الدين!!) (١) فيا لها من فتوى، إنه كلام غريب يشتم منه رائحة تفوح بوجود مؤامرة حقيقية لدفن الحقائق إن لم يكن تزويرها. وللقارئ أن يتصور سبب غفلة معظم أبناء أهل السنة والجماعة عن مأساة الإمام الحسين بصورة خاصة وأهل البيت عليه السلام بصورة عامة.

وعلى كل حال، فإن الغزالي يعترف أن جريمة قتل الحسين، وتشاجر الصحابة وتخاصمهم مع بعضهم مدعاة للبغض والطعن فيهم، وأفعالهم تلك المشابهة لهذه هي فعلاً محل للبغض والطعن. وأما قوله إنهم أعلام الدين، فهذا يعد تناقضاً عجيباً لا يمكن أن يقبله عقل سليم.

وأخيراً، فإن عبد المتعال الجبري يحاول التغطية على يزيد باتهامه بدلاً من ذلك بقتله أهل الكوفة أولاً (٢) ، والقضاء والقدر ثانياً، بقوله: ومضى إلى حتفه بظلفه، وكان أمر الله قدراً مقدوراً!!

٢ - تطرف بعض العاملين في الميدان الإسلامي وتخبطهم وجمودهم

ونعني بصورة خاصة بعض العاملين في الأوسط الدينية كنشاطات الدعوة والتبليغ والتدريس، وكذلك بعض العاملين أو المنادين بإقامة الحكم الإسلامي في هذا العصر من خلال تنظيم الجماعات، والأحزاب،

(١) المصدر السابق، ص ٢٢٣.

(٢) الجبري، حوار مع الشيعة، ص ٢٤٨.

(٣) المصدر السابق.

٢٩٠

والميليشيات، والذين نصبوا أنفسهم قادة للصحوة الإسلامية المعاصرة التي ستعيد للإسلام مجده الغابر وخلافته الراشدة.

والناظر لحال غالبية هؤلاء العاملين ضمن تلك الأطر والأوساط لن يصعب عليه ملاحظة حالات الجمود الفكري والتخبط الحركي التي يعيشونها، وذلك نتيجة لافتقاد المناهج المنفتحة على الواقع المعاصر، وغياب القيادة الواعية والمتفهمة لتقلبات الزمان والمكان، فتجدهم يلجأون دائماً إلى التقليد الأعمى لسير الماضين، ويأخذون بطرق تفكيرهم وأساليبهم بصورة حرفية، ويصرون على ذلك أيما إصرار، مدعين أنه لا سبيل للتغيير والإصلاح سوى مناهج السلف الصالح، وأنه (لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها). ومع كل التحفظات في إطلاق هذه المسميات واستخدامها، فإن ذلك لا يعني بأي حال من الأحوال الاستغراق في الماضي وأساليبه كل هذا الاستغراق، وتقليد السلف حذو النعل بالنعل.

ولكن المشكلة لا تكمن بمجرد عدم صلاحية أساليب الماضي لهذا الزمان نظراً للمفارقات الواضحة بين العصرين، وإنما أيضاً في تناقض أساليب وأفكار السلف أنفسهم مع بعضهم بعضاً، بل وانحرافها عن المنهاج النبوي منذ البدايات الأولى لعهود الخلافة، الأمر الذي يجعل من التعصب لرموز ذلك الزمان، وتقليدهم بتعصب يعني إعادة تلك الأخطاء والمآسي التي حصلت فيما بينهم.

مجرد مثال!

ولك في تجربة المجاهدين الأفغان الذين اعتبرهم الكثيرون (صحابة العصر!) خير مثال على ذلك، فأي صدمة وإحباط تلقاها كل من بنى عليهم آمالاً بإقامة حكم إسلامي يصلح لأن يكون مثالاً حياً لكل الحركات المجاهدة في العالم الإسلامي، لا سيما بعد كل تلك السنوات الطويلة من المعاناة والتضحيات في جهادهم ضد الجيش السوفيتي. ولكنهم بعد التحرير، وبدل

٢٩١

أن يتوجهوا إلى البناء، رأيناهم يديرون فوهات المدافع ضد بعضهم بعضاً هذه المرة وبشراسة فاقت تلك التي واجهوا بها الجيش الشيوعي في الأمس القريب. حتى أنه تردد على ألسنة سكان كابل، وهم الضحية المنسية لهذه الحروب: (كفر الشيوعيين ولا إسلام المجاهدين!).

وهكذا نجد أن العالم الإسلامي اليوم يشهد تجارب جديدة في ثورة تخبط في الفكر، تنقلب إلى ثورة تطرف في الواقع، ولعل أبشع نماذجها تجده في حكومة ميليشيات الطالبان التي نسمع قصتها ونعيش مرارتها هذه الأيام.

فما دام قد وجد في تاريخنا معارك اسمها الجمل وصفين، فلماذا لا يقتتل المسلمون ضد بعضهم بعضاً اليوم؟ وما دمنا قد برأنا جميع أطراف الاقتتال في صفين وهم الجيل الفريد والقدوة المثالية، فلماذا لا نجد المبرر أيضاً للاقتتال الداخلي بين المجاهدين الأفغان؟ فهم أولى أن تقع (الفتن!) بينهم من أولئك، ويحق لهم أن يجتهدوا كما اجتهد معاوية ببغيه للوصول إلى مراكز القوة والتسلط المطلق. ولماذا لا، ما دام يتوجب على المسلمين حمل أي منكر فعلوه على أنه كان (اجتهاداً خاطئاً) يثابوا عليه أجراً واحداً، ومحملاً حسناً حتى لو كان ذلك المنكر القتل وبث الفتنة والمخالفة الصريحة للكتاب والسنة.

ولك أن ترى أثر تلك المحاولات المستميتة للتوفيق بين متناقضات الصحابة، والتي لا تقبل التوفيق، وتبرير كثير من تصرفاتهم المنكرة والتي كان من ضمنها سب بعضهم بعصاً وقتلهم وحملها محمل الاجتهاد، لك أن ترى أثر ذلك كله في تشويش الفكر وتحقير العقل، بل وتولد تطرفاً وضيقاً في الأفق والنظر نحن في غنى عنه.

وهذا النمط من التفكير القشري والمنغلق على كل حال لا يزال يوجد له انتشار واسع في الوسطين السني والشيعي، ويطلق عليه مرتضى مطهري مصطلح التحجر بمعنى الجمود وانعدام المرونة والليونة، وهي حالة تشاهد عند الإنسان حين تنعدم له المرونة في الموقف من أي فكرة أو ظاهرة جديدة.

٢٩٢

والشخص الموصوف بالتحجر يضع لنفسه أصولاً ثابتة وأطراً محددة، ويفترض عدم إمكان طروء أي تغيير عليها (١) .

وقد حذر الإمام الخميني (وهو مثال المجاهد العصري ضد تحجر الفكر لا سيما السياسي منه) من خطر ظاهرة التحجر هذه بقوله: (وما هو بالضئيل خطر المتحجرين والحمقى من المتظاهرين بالقدسية في الحوزات العلمية، فلا يغفل الأعزاء طلبة العلوم الدينية ولا للحظة عن هذه الأفاعي ذات الظاهر الخداع... وعلى حد زعم بعضهم، فإن عالم الدين يكون جديراً بالاحترام والتكريم عندما يكون غارقاً في (التعبد المنغلق) بشكل كلي، وإلا فإن عالم الدين المعني بالسياسة أو المدبر والذكي هو ذو أهداف ومطامع مشبوهة... وكأن تعلم اللغات الأجنبية يعد كفراً، ودراسة الفلسفة والعرفان تعد معصية وشركاً. وإنني على يقين من أنه لو كان قد كتب لهذا التيار الاستمرار لأصبح وضع الحوزات الدينية وعلمائها كوضع كنائس القرون الوسطى) (٢) ، ويذكر الإمام الخميني مرة أن ابنه مصطفى شرب مرة من ماء في زير خزفي بإحدى المدارس الدينية، فقام بعض أولئك المتحجرين بغسل الزير الخزفي بالماء لتطهيره، وذلك لأن الإمام كان يدرس الفلسفة! (٣) .

جذور التطرف والجمود الديني

ويرى مطهري أن الجذور التاريخية لهذا التحجر تجده في بعض الفرق والمذاهب التي ظهرت نتيجة لما حصل بين المسلمين من تنازع واضطراب (٤) .

ويخصص منها ثلاثة وهي: الخوارج، وأهل الحديث والإخباريون.

(١) محسن آجينتي، الالتقاط الفكري والتحجر العقائدي في نظرة العلامة المطهري، ص ١١٢.

(٢) من البيان الذي وجهه سماحة المرحوم السيد الإمام الخميني إلى المراجع والحوزات العلمية في ٢٢ / ٢ / ٨٩ م.

(٣) المصدر السابق.

(٤) محسن آجينتي، الالتقاط الفكري والتحجر العقائدي في نظرة العلامة المطهري، ص ١١٨.

٢٩٣

فالخوارج وبالرغم من أنهم ذوو ميول شديدة نحو الجهاد والفداء والتضحية في سبيل عقائدهم وأفكارهم، وكانوا من المتعبدين والمتنسكين يمضون الليل في العبادة، إلا أنهم كانوا جاهلين وحمقى، ونتيجة لجهلهم فإنهم لم يكونوا يفهمون الحقائق ويفسرونها تفسيراً سيئاً، وأصبحوا من ذوي النظرة الضيقة، وقصيرة المدى، ويفكرون في أفق محمود جداً. كانوا يرون الإسلام محصوراً في جدران أربعة من أفكارهم الضيقة، ويعتقدون أن جميع من سواهم لا يفهمون البتة، ومن أهل جهنم) (١) .

ويؤكد مطهري أن نمط تفكير الخوارج قد تسلل ونفذ إلى داخل المجتمع الإسلامي طوال تاريخه، وعلى الرغم من أن سائر الفرق تعد نفسها مخالفة لهم، بيد أن التفكير السائد عند الخوارج هو سائد أيضاً في أذهان تلك الفرق، ويمكننا أن نرى بين المدارس الفكرية والعقيدية والعلمية الإسلامية، ومن بين النظريات الفقهية تعتقد بانفصال التعقل عن التدين، وهذا الاعتقاد قام على مرتكزات التفكير الخوارجي (٢) .

وأما فرقة أهل الحديث، فهي فرقة أخرى لنمط التفكير المتميز بالجمود والسطحية، وقد خالف رؤساء هذا التيار أمثال أحمد بن حنبل ومالك بن أنس الاستدلالات العقلية التي تميزت بها فرقة المعتزلة، لأنها بنظرهم تتعارض مع ظواهر الحديث والسنة، وهم يرون أن البحث والتحليل والاستدلال في القضايا الإيمانية حرام. ويعتبر مطهري أن نجاح أهل الحديث والأشاعرة في القضاء على فرقة المعتزلة بمساعدة بعض الخلفاء العباسيين كان ضربة كبيرة للحياة العقلية في العالم الإسلامي (٣) .

(١) المصدر السابق، ص ١٢٢ - ٢٣.

(٢) مرتضى مطهري، الجدب والدفع في شخصية علي، ص ١٦٥ - ٦٦.

(٣) المصدر السابق، ص ١٦٧.

٢٩٤

وأما مذهب الإخباريين، وهو من المذاهب الفقهية الشيعية، فإن أصحابه كما بينا سابقاً لا يؤمنون بالاجتهاد، ولا يرون له أية حاجة وضرورة، فقد جعلوا حجية الروايات والأحاديث محوراً لعملهم وتوجهاتهم بنحو خاص، ورفضوا الاستدلال بالإجماع والعقل، ويعتبرون جميع الروايات صحيحة سواء كانت في واقع الحال ضعيفة أو قوية أو صحيحة أو مختلقة وموضوعة، بل يعتبرون ظاهرها هو المقياس والملاك، وهم بذلك يشتركون مع الخوارج وأهل الحديث بالسطحية والتحجر، وتخطئة العقل والتفكر ورفضهما.

أعراض هذه الظاهرة

وبعد أن عرفنا أن لهذا التجمد والتطرف الفكري الديني الذي نشهده في أيامنا له مثل هذه الجذور الممتدة في عمق التاريخ الإسلامي، تعالوا بنا نتفحص بعض أعراض هذه الآفة كما شخصها بعض مفكري هذا العصر علمائه:

وفهذا الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي يرى في مقالة له تحت عنوان (صحوة الشباب المسلم ظاهرة صحية يجب ترشيدها لا مقاومتها) أن هناك خمس أمور أنكرت على الصحوة وهي:

١) الدراسة القاصرة للإسلام وشريعته.

٢) عدم الاعتراف بالرأي الآخر.

٣) الاشتغال بالمعارك الجانبية عن القضايا الكبرى.

٤) الجدال بالتي هي أخشن.

٥) التزام التشدد والتعسير (١) .

(١) يوسف القرضاوي (صحوة الشباب المسلم ظاهرة صحيحة يجب ترشيدها لا مقاومتها)، الصحوة الإسلامية: رؤية نقدية من الدخل ص ٣٠ - ٣٤، نقلاً عن مجلة الأمة، العددان التاسع والعاشر ١٩٨١.

٢٩٥

وأما الشهيد مطهري فيجمل خصائص تيار الجمود والتطرف وملامحه بما يلي:

١) الركود الفكري وتعطيل العقل.

٢) ضعف الأسس والمرتكزات العقائدية.

٣) النظرة السطحية (الضحالة الفكرية).

٤) التقديس الأجوف الزائف.

٥) ضيق الأفق والنظر.

٦) الجهل واعوجاج الفهم.

٧) الرجعية وعبادة القديم.

٨) الرياء وخداع العوام (١) .

وأما الدكتور حسن الترابي فيرى أن هناك أربع علل رئيسية هي:

١) الانقطاع عن الأصول الشرعية في الكتاب والسنة، والرضا والاقتناع بكل ما هو قديم من تقليد التطبيق العملي للسلف.

٢) العكوف على (الفروعية) كأحكام الطهارة، والوضوء وتعداد فرائض الصلاة ومندوباتها ومكروهاتها، أو أحكام البيع، والشراء وكيف تكون الطاعة وآداب الراعي والرعية، في نفس الوقت التزام الصمت المطبق بشأن النظام الإسلام السياسي والاقتصادي.

٣) خلل في ترتيب الأوليات، فهذه النظرة أفقدت العالم الإسلامي أولويات الإسلام. فما دامت الأمور كلها فروعاً، فهو لا يعلم أي الفروع أهم.

(١) محسن آجينتي، الالتقاط الفكري والتحجر العقائدي في نظرة العلامة المطهري، ص ١٣٧ - ١٤٧.

٢٩٦

٤) الشكلية، وهي من الآفات التي أبعدتنا شيئاً عن أصول الدين. فالألفاظ أخذ الاهتمام بها وكأنها ذات معنى خطير في الإسلام، وهكذا بالنسبة إلى وضع اليدين في الصلاة وقيام الإصبع عند قراءة التشهد وغير ذلك من الشكليات (١) .

ويرى الأستاذ فهمي هويدي أن ظاهرة الصحوة بحاجة ماسة إلى (الفرز) بين ما هو سلبي أو إيجابي في فصائل الصحوة وأفكارها، لأن هناك الكثير مما يحتاج تنقية فيما تطرحه تلك الفصائل من أفكار... فهي بحاجة إلى (التجميع) و (الترشيد)، وليس مقبولاً أن يكون غاية جهدها حشد مجموعات من الدراويش في صلاة الجمعة أو أفواج الحج والعمرة. فالعمل العبادي التزام يجب أداؤه، ولكن الوعي بما يجري والرؤية الأوسع للواقع الاجتماعي، والاقتصادي، والسياسي وترتيب أولويات القضايا تحتاج إلى عمل جاد ومتواصل (٢) .

ويقدم المرحوم الشيخ محمد الغزالي تفصيلاً أكثر حول هذه الظاهرة في مقالة له تحت عنوان (بين الاعتدال والتطرف)، فيقول: (وأريد أن أؤكد للشباب أن إقامة دين شئ، واستيلاء جماعة من الناس على الحكم شئ آخر، فإن إقامة دين تتطلب مقادير كبيرة من اليقين والإخلاص، ونقاوة الصلة بالله، كما تتطلب خبرة رحبة بالحياة والناس والأصدقاء والخصوم، ثم حكمة، تؤيدها العناية العليا في الفعل والترك والسلم والحرب...!

إن أناساً حكموا باسم الإسلام، ففضحوا أنفسهم، وفضحوا الإسلام معهم!! فكم من طالب حكم يؤزه إلى نشدان السلطة حب الذات، وطلب الثناء، وجنون العظمة!! وكم من طالب حكم لا يدري شيئاً عن العلاقات

(١) حسن الترابي، تجديد الفكر الإسلامي، ص ١٠ - ١٧.

(٢) فهمي هو يدي (مقابلة): مجلة التوحيد العدد ١٦، رمضان - شوال ١٤٠٥ ه‍.

٢٩٧

الدولية، والتيارات العالمية، والمؤامرات السرية والجهرية!! وكم من طالب حكم باسم الإسلام وهو لا يعرف مذاهب الإسلاميين في الفروع والأصول، فلو حكم لكان وبالاً على إخوانه في المعتقد، يفضلون عليه حكم كافر عادل!!

ولقد رأيت أناساً يتحدثون عن إقامة الدولة الإسلامية لا يعرفون شيئاً إلا أن الشورى لا تلزم حاكماً، وأن الزكاة لا تجب إلا في أربعة أنواع من الزروع والثمار، وأن وجود هيئات معارضة حرام، وأن الكلام في حقوق الإنسان بدعة... إلخ، فهل يصلح هؤلاء لشئ؟) (١) .

وحول الإفراط والتفريط، يعلق الغزالي: (والخلاف الفقهي لا يوهي بين المؤمنين أخوة، ولا يحدث وقيعة! وهؤلاء يجعلون من الحبة قبة، ومن الخلاف الفرعي أزمة... والغريب أن التطرف لا يقع في مزيد من الخدمات الاجتماعية، ولا في مزيد من مظاهر الايثار والفضل، إنه يقع في الحرص البالغ على الأمور الخلافية كالتنطع في مكان وضع اليدين أو طريقة وضع الرجلين خلال الصلاة!

والمجال المستحب للغالين في دينهم ينفسخ عندما ينظرون في ذنوب الناس، إنهم يسارعون إلى الحكم بالفسق أو الكفر وكأن المرء عندهم مذنب حتى تثبت براءته، على عكس القاعدة الإسلامية... ومنذ أيام ثار جدل حول حكم تارك الصلاة كسلاً، فلم يذكر أحد في شأنه إلا أنه كافر، مستوجب القتل، مخلد في النار!، قلت: لماذا تنسون حديث أصحاب السنن في أن الرجل لا عهد له عند الله - بتكاسله - إن شاء عاقبه، وإن شاء عفا عنه!...

وعلينا بالتلطف والنصح الحسن، أن نقوده إلى المسجد لا إلى المشنقة، بيد أن المتطرفين يأبون إلا القول بالقتل، وأن هذا وحده هو الإسلام!!) (٢) .

(١) محمد الغزالي، (بين الاعتدال والتطرف)، الصحوة الإسلامية، رؤية نقدية من الدخل، ص ٦٦ - ٦٧، نقلاً عن كتاب الأمة رقم (١) الصادر عن المحاكم الشرعية في قطر.

(٢) المصدر السابق، ص ٧٢ - ٧٤.

٢٩٨

وحول وضع المرأة المأساوي في مجتمعاتنا الإسلامية، يقول الغزالي:

(إن حبسها وتجهيلها واتهامها هو محور النظر في شؤونها العادية والعبادية جميعاً... وإذا خرجت من البيت لضرورة قاهرة فلا ينبغي أن يرى لها ظفر، هي عورة كلها، لا ترى أحداً ولا يراها أحد!!

ومن هؤلاء المتطرفين ناس لهم نيات صالحة، ورغبة حقة في مرضاة الله، وعيبهم - إن خلوا من العلل والعقد - ضحالة المعرفة وقصور الفقه، ولو اتسعت مداركهم لاستفاد الإسلام من حماسهم وتفانيهم) (١) .

٣ - عزل الدين عن الدولة

يرى عامة المسلمين أن فصل الدين عن الدولة قد أدخل إلى عالمنا الإسلامي عام ١٩٢٤ م عندما تم القضاء على الخلافة العثمانية. وهذا الكلام يصح على الدين الظاهري الصوري الذي كان يدين به السلاطين العثمانيون كما ورثوه من أسلافهم، وأما إذا تحدثنا عن الإسلام بأصالته وواقعيته، فقد تم فصله جزئياً عن حياة المسلمين منذ أن تنازع المهاجرون والأنصار الزعامة في سقيفة بني ساعدة، ثم اكتمل هذا الفصل وبصورة واقعية باعتلاء معاوية بن أبي سفيان عرش الخلافة والحكم، وتحويل هذا المنصب إلى أداة لتحقيق أحلام جاهلية، وفرصة للاستغراق في المزيد من الملذات واللهو. وبالطبع، فكل ذلك على حساب نشر قيم الإسلام وتعاليمه، بل وتجاوزوا ذلك بمحاولاتهم وبكل ما أوتوا من جهود للقضاء التام على تلك القيم والتعاليم.

وكان من ضمن تلك الجهود كما بينا سابقاً دورهم الكبير في تنشيط ظاهرة وضع الحديث وتزويره، وتأويل آيات الكتاب بما يتمشى ومصالحهم الخاصة. والأمويون هم الذين اختلقوا قصة تأبير النخل والتي زعم فيها أن

(١) المصدر السابق، ص ٧٤.

٢٩٩

النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (أنتم أعلم بأمور دنياكم) (١) أريد من وراء هذه الكلمات المنسوبة كذباً على النبي صلى الله عليه وآله وسلم عزل الدين عن حياة الناس، وإن كان حقاً عدم تدخل الشرع الإلهي بطريقة تلقيح النخل وغيره.

ويقرر المرحوم الغزالي أن عزل الدين عن الدولة في المجتمع الإسلامي قد تم منذ أمد بعيد بقوله: (ومن النكسات التي أصابت جماعة المسلمين وأوهنت قواهم من قديم انفصال الحكم عن العلم، وسير كل منهما في مجرى اختص به... ومن هذا الانفصال ورث المسلمون المعاصرون مشكلتين جديرتين بالنظر العميق، الأولى: هجرة العقول الكبيرة إلى الغرب، والثانية:

رداءة الأوعية الحاملة للفقه، وطلبها للدنايا تحت أقدام [ الحكام ] المستبدين) (٢) .

ويضيف مؤكداً ضرورة عدم وجود مثل هذا العزل: (إن المرء ليغوص في بحار الحيرة عندما يرى كرادلة العالم النصراني يختارون أدهاهم وأذكاهم وأجلدهم على خدمة الدين، وعندما يرى معتنقي الشيوعية يختارون أقدرهم وأمهرهم وأشجعهم على خدمة المذهب، على حين يقود المسلمين على مر التاريخ رجل أعظم مؤهلاته أنه ينتمي إلى المأسوف على شبابه أمية بن حرب - يقصد حكام الدولة الأموية - أو ابن الصحابي المعروف عباس بن عبد المطلب - يقصد حكام الدولة العباسية - أو ابن الأناضول عثمان بن هيان بن بيان! - يقصد حكام الدولة العثمانية -. إن أولئك الخلفاء لا ترشحهم مواهبهم الخاصة لمنصب ذي بال، وليس في كتاب الله ولا سنة رسوله إلا ما يحارب هذا المسلك، بيد أن تقاليد العرب أعوجت بتعاليم الإسلام كرهاً ودفعتها في هذا المجرى) (٣) .

(١) مر ذكر مصادرها هذا الحديث في الفضل الأول من هذا القسم.

(٢) محمد الغزالي، مائة سؤال عن الإسلام، ج ٢ ص ٣٥١، ٣٥٨.

(٣) المصدر السابق، ٣٥٧.

٣٠٠