×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

أزمة الخلافة والإمامة وآثارها المعاصرة عرض ودراسة / الصفحات: ٣٠١ - ٣٢٠

ويفهم من ذلك أنه يستحيل أن يتوفر عندنا نظام إسلامي دون أن يكون رأس هذا النظام من المسلمين العالمين بعقائد الإسلام وأحكامه، والمطبقين لتعاليمه، ليس فقط على مستوى الشعائر والطقوس العبادية، وبل وقبل ذلك وأكثر أهمية تطبيق العدالة الاجتماعية، وتجسيد أخلاقية الإسلام في جميع العلاقات والشؤون، وما دون ذلك فهو ليس بالإسلام الذي نادى به محمد صلى الله عليه وآله وسلم.

وهذه المعايير لم يعمل النظام الأموي على بمخالفتها فقط، بل عمل على قلتها ونشر نقائضها من الظلم الاجتماعي، وإحياء النعرات الجاهلية وتشويه التعاليم الإسلامية ومسخها.

وإن كان هناك دين قد طبق، فهو الدين الذي شرعه معاوية، والذي كان من سننه المؤكدة ختم كل خطبة جمعة وعيد بسب الإمام علي ولعنه!، ولم يكن من هذا الدين في واقع الأمر سوى تطبيقات شكلية لمختلف الشعائر والطقوس، وقد أفرغت معانيها من روحية الإسلام وجوهره، وأفقدت بالتالي الغايات التي شرعت من أجلها.

يضاف إلى ذلك التشويه المتعمد للعقائد الإسلامية والتلاعب بمعانيها إلى حد السخرية والاستهزاء، ومن ذلك استحداث عبد الملك بن مروان عقيدة (الإرجاء) لسد الباب في وجه كل من ينتقد تلك المخالفات الصريحة التي كان يتركبها الخلفاء وحواشيهم، فما داموا مسلمين ناطقين لكلمة التوحيد، فإنه لا يجوز لأحد الخوض في أعمالهم أو انتقادهم عليها، فضلاً عن الحكم عليهم بأي وصف من أوصاف الكفر أو الفسق والعصيان، وإنما يجب (إرجاء) ذلك إلى الله سبحانه وتعالى الذي سيحاسبهم على تلك الأعمال. ومن البديهي أن يقوم الخلفاء الأمويون بنشر هذه العقيدة الفاسدة وأمثالها للتغطية على مفاسدهم، وإبعاد أنظار الناس وتفكيرهم من كل ما يتعلق بسياسة الحكم وسلوك الحكام. ويعلق الدكتور شوقي ضيف حول هذه المسألة: (إن أفكار المرجئة تخدم البيت الأموي، الذي كان في رأي الشيعة

٣٠١

وكثير من الأتقياء منحرفاً عن الجادة الدينية، وينبغي أن يغيره المسلمون ويضعوا مكانه البيت العلوي. والمرجئة لم يكونوا يوافقونهم على هذا الرأي لأنهم لا يريدون المفاضلة بين المسلمين ولا الحكم على أحد بتقوى وغير تقوى، فالمسلم يكفي أن يكون مسلماً) (١) .

وقد وصف الخليفة العباسي المأمون هذا المعتقد الأموي بقوله:

(الإرجاء دين الملوك)، وقد بقي الأمر كذلك على مر تاريخ ملوك الإسلام!

ومن يتأمل في حال أنظمة الحكم الإسلامي في هذا الزمان، ونظرة المسلمين إليها، يرى أن هذا المعتقد لا يزال له وجود واقعي، لا سيما في طروحات بعض التنظيمات والجماعات الإسلامية، وبصورة واضحة تراها في خطب وعاظ السلاطين أو محترفي مهنة التدين. ولا يخفى على أحد أثر مثل هذا المعتقد ودوره في تكريس الظلم، وإفساح المجال للحاكم الظالم لأن يتوسع في ظلمه.

وعلى سبيل المثال، فإنه ولشدة إعجاب نظام آل سعود بالنظام الأموي ونوع العقائد التي قاموا ببثها، وشكل النظام السياسي الذي حكموا الأمة من خلاله، فإنه قرر ضمن مناهج التعليم المدرسي في المملكة بعنوان (حقائق عن أمير المؤمنين يزيد بن معاوية)!، فخادم الحرمين الشريفين فهد بن عبد العزيز يطمح من وراء هذا الكتاب جعل يزيد مثالاً للحاكم الإسلامي المعاصر، حيث إنه ما دام الصحابة والتابعون قد بايعوا يزيدا واعتبروه خليفة حقاً لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فلماذا لا يحق لفهد أن يعتبر كذلك؟

وهذا المنطق المستوحى من الإسلام الأموي نجده واضحاً في قول أحد المدافعين عن شرعية النظام السعودي وإسلاميته: (هذه المملكة، دون غيرها من بلاد المسلمين، تجسيد حي لفكرة أن الإسلام هو الدين والدولة: رئيس الدولة هو إمام المسلمين قبل أن يكون الملك، ومن هذا المنطلق تخلى إمام

(١) سعيد أبوب، معالم الفتن، ج ٢ ص ٣٧٣، نقلاً عن التطور والتجديد في الشعر الأموي ص ٥٠.

٣٠٢

المسلمين في المملكة عن اللقب المعتاد للملوك صاحب الجلالة، وجعل لقبه خادم الحرمين الشريفين... فتأمل أبعاد القرار) (١) !

٤ - الخنوع والاستسلام لحكام الجور

لعل من أبرز أسباب هذا الخنوع الغريب، وحالة الانقياد التام للحكام الذي نراه سائداً في غالبية البلاد الإسلامية هو تغلغل بعض الأفكار وترسخها في نفوس المسلمين وعقولهم، حيث كان الملوك والسلاطين على مر التاريخ الإسلامي يربطون شرعية حكمهم ولزوم طاعتهم بشريعة الإسلام بحيث يكون الخروج عليهم خروجاً عن الدين، والتفكير بمخالفتهم من وساوس الشيطان، حتى لو ظهر من الحاكم هذا أو ذاك كل الفواحش والآثام، أو تسبب في جلب العار أو التخلف لشعبه وأمته، فإنه قلما تجد أي تحرك يستحق الذكر لخلعه.

وقد كان لبعض الأحاديث التي وضعت خصيصاً لهذه الغاية، والتي كانت أيادي الأمويين وراء اختراعها، لها أثر كبير في تعزيز هذه الحالة وتوريثها عبر الأجيال.

ومن ذلك ما نسب قوله إلى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: (من رأى من أميره شيئاً يكرهه فليصبر، فإنه من فارق الجماعة شبراً فمات، فميتته جاهلية) (٢) .

وهذا ابن تيمية يلمح - كما بينا سابقاً - إلى أن الحسين مات ميتة جاهلية والعياذ بالله، بقوله: (إن يزيد رغم ما فيه من ظلم وقتل، وفعل ما فعل يوم الحرة [ استباحة المدينة المنورة ] فإنه لا يجوز الخروج عليه، لأن من لم يكن مطيعاً لولاة الأمور مات ميتة جاهلية) (٣) .

(١) غازي القصيبي، حتى لا تكون فتنة، ص ١٣.

(٢) صحيح مسلم، كتاب الإمارة، ج ٤ ص ٥١٧.

(٣) ابن تيمية، منهاج السنة، ج ١ ص ٣٧.

٣٠٣
٣٠٤

ومن الشواهد على هذه الحقيقة أيضاً أن معاوية قال في إحدى خطبه:

(إن الله يقول: (( وما من شئ إلا وعندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم )) فلم نلام نحن؟) (١) . وأما الحجاج فقد قال بعد أن قتل رجلاً أظهر حب الإمام علي عليه السلام: (اللهم أنت قتلته، ولو شئت لمنعتني منه!) (٢) . وكما يذكر المؤرخون أن معبد الجهمي قتل بيد الحجاج سنة ٨٠ ه‍، وغيلان الدمشقي بأمر من الخليفة الأموي هشام بن عبد الملك سنة ١٠٦ ه‍ لقولهما بحرية الإرادة (٣) .

ويصف السيد محمد حسين فضل الله الحالة الانهزامية المتوارثة أمام الحكام بقوله: (... أما الآخرون، فقد توزعوا بين الذين يعيشون الاستسلام للواقع، لأنهم آمنوا أن عليهم طاعة أولي الأمر كيفما كانوا، وأن مسألة التمرد عليهم ليست واردة في الحساب، بل لا بد من إضفاء صفة القداسة عليهم في الطاعة والخضوع والالتزام، لأن هذا هو (أمر الله!)، وبذلك عاش الجمهور الكبير في أجواء عجيبة من الحيرة والقلق والضياع، بين طبيعة القيم التي يؤمن بها، وبين الإطار الذي فرضه عليه الخطأ في الفهم أو الاجتهاد) (٤) .

ويقول الدكتور حسن الترابي ما يوافق هذا الرأي: (فإن صورة النظام السياسي الذي ورثناه هي صورة شائهة، لأنها مركبة من عناصر السكون لا الحركة، عناصر الركون إلى الواقع والقعود عن التبديل الاجتماعي نحو التي هي خير، وعناصر الاستسلام إلى تقليد الإمام أو الحاكم أو السلطان) (٥) .

(١) أحمد اليماني، المنية والأمل في شرح الملل والنحل، ص ١٠٥.

(٢) المصدر السابق، ص ٨٧.

(٣) مفيد الفقيه، العقل في أصول الدين، ص ٢٧.

(٤) محمد حسين فضل الله، تأملات في الفكر السياسي الإسلامي، ص ١٢٨.

(٥) حسن الترابي، تجديد الفكر الإسلامي، ص ١٩٤.

٣٠٥

٥ - شيوع الجهل والتخلف

بما أن الدين الإسلامي بشريعته السماوية الحقة، وأحكامه الشاملة لجميع نواحي الحياة، هو بإجماع الأمة دين محكم لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وصالح لكل زمان ومكان، وقادر على الوصول بالإنسانية إلى أسمى ما يمكن أن يطمح له البشر من درجات الحضارة والسمو، فإن هذا يعني أن درجة تقدم أو تخلفهم في كل عصر ستعتمد بصورة أولية على درجة التوثيق والأمانة في نقل تعاليم هذا الدين السماوي.

وسلامة تفسير ما صح من نقله، علاوة على التفسير الموضوعي لأحداث التاريخ الإسلامي بعد النظر في سلامة نقلها أيضاً. فالتاريخ كما يقال هو عبارة عن (حقائق تكونت من ضلال الحركة والانتقال في آنات الماضي، لتصبح ركيزة للحاضر، الذي يحتضن المستقبل ويؤثر به ويرسم معالمه).

والأداة التي تحول أنات الماضي إلى ركيزة الحاضر هي الاجتهاد، ولكي يؤدي دوره الحيوي والفعال لا بد وأن يكون محدداً ضمن إطار الشرع الإسلامي الصحيح، ومعتمداً على التراث التاريخي السليم، ومتفاعلاً مع حقائق العصر الحاضر.

وبالنظر في تعاطي المسلمين لتاريخهم، فإننا سنجده كما يصفه الشيخ المرحوم محمد الغزالي: (إنه لا غرابة في وجود أخطاء في تاريخنا الثقافي والسياسي، وإنما الغرابة في التستر على هذه الأخطاء أو الاستحماق في معالجتها والتعفية على آثارها... فالقتال الداخلي بين المسلمين أنفسهم [ يقصد في الجمل وصفين ] كانت له آثار بعيدة المدى على حاضرهم ومستقبلهم) (١) .

ذلك أنه كان فعلاً للخلفاء وما جرى بينهم من حروب ومنازعات على الحكم الدور الكبير في تجهيل المسلمين، وإعطائهم تلك الصورة المشوهة

(١) محمد الغزالي، مائة سؤال عن الإسلام، ج ٢ ص ٣٥٣.

٣٠٦

والمحرفة عن عقائد الإسلام ونظمه وأحكامه، الأمر الذي حدث غالباً عبر ما وضع من أحاديث، وأدخل من إسرائيليات، وتلوعب بتفسير الكتاب والسنة وتأويلها، وزور من حقائق التاريخ، فضلاً عن سيادة العادات والتقاليد البالية أكثرها وانتشار الأساطير والخرافات.

فلا غرابة إذا بوجود مثل هذه الحالة من التخلف والجهل في أمة الإسلام هذه الأيام، وهي كما يصفها الدكتور الترابي: (وإذا كان الشأن في الإسلام أن يعمر الحياة بمعانيه ويغمرها بصوره وألا ينفك كذلك مواكباً لتطورها الموصول، فقد أصبح نصيبنا من الإسلام تديناً تقليدياً متأخراً عن تقدم حركة الحياة في الاعتقاد والفكر والعمل. فقد نضبت في مواقفنا العقدية معاني التوكل والإقدام التي تدعو لاقتحام كل تحد جديد وتسخيره واتخاذه مادة لعبادة الله الواحد، وأصبح غاية أمرنا أن نحفظ بقية الدين لا نزيده ولا نجدده... والجنوح إلى السكون وإلى القعود عن التفاعل مع الكون والحياة ببواعث الدين هو علة تخلفنا الاقتصادي أيضاً) (١) .

ويذكر الدكتور الشيخ القرضاوي إحدى علل انحطاط المسلمين بقوله:

(أهملوا إلى حد كبير فروض الكفاية المتعلقة بمجموع الأمة كالتفوق العلمي، والصناعي والحربي...) (٢) .

وأما السيد فضل الله فيقدم شرحاً وتشخيصاً أوفى للعلل والأمراض بقوله: (إذا درسنا وضع العالم الإسلامي فسنواجه وضعاً ثقافياً متخلفاً على صعيد المعرفة الإسلامية فيما يتعلق بتفاصيل العقيدة، وخطوط الشريعة، ومناهج العمل، وأساليب التحرك، ووعي التحديات المضادة، مما يجعل

(١) حسن الترابي، تجديد الفكر الإسلامي، ص ١٩١ - ١٩٢، ١٩٥.

(٢) يوسف القرضاوي (صحوة الشباب الإسلامي ظاهرة صحية يجب ترشيدها لا مقاومتها، الصحوة الإسلامية: رؤية نقدية من الداخل، ص ٤٩، نقلاً عن مجلة الأمة، ع ١٠٥٩، ١٩٨١ م.

٣٠٧

الإنسان المسلم يفقد وضوح الرؤية للأشياء، ويبتعد عن إمكانيات التمييز الدقيق بين ما هو واقع الساحة فيما يمارسه من حياة، وبين ما هو واقع الانتماء فيما يحمله من عقيدة وفكر، وبذلك فقد أصبح فريسة سهلة لكل الدعوات الكافرة والضالة والمنحرفة التي استغلت هذا الجهل بالإسلام، فعملت على تضليله، وإرباك تصوره لمبادئه والإيحاء له بأن الكفر لا يبتعد عن الإسلام وأن الضلال قد يأخذ دور الهدى.

وقد ساهم هذا الجهل في تعقيد عملية الإصلاح، لأن الصورة المشوهة التي يحملها الناس عن الإسلام فيما يفهمونه من عقائده وأحكامه، أصبحت تحمل في داخلها، معنى من القداسة، التي تتحول فيها الأخطاء إلى مقدسات، والأوهام إلى مبادئ، مما يجعل من قضية المناقشة فيها، فضلاً عن رفضها، أمراً يبلغ حد الكفر، ويحمل معنى الانحراف، وبذلك أصبح للذهنية الأمية التي يحملها العوام، ضغط كبير على مسار الفكر الناقد لدى العلماء والمفكرين تحت ضغط الخوف من خسارة ثقة العامة. وهكذا بقيت الأوهام والأضاليل التي أفرزها واقع التخلف في حركة الذهنية العامة للإنسان واقعاً ثقافياً، إسلامياً، مقدساً، معترفاً به) (١) .

وبما أنه لا بد وأن يكون لكل تشريع حكمة وغاية، فإن تعطيل أي من تلك الأحكام المشرعة، أو فهمها على غير صورتها الحقيقية، أو تطبيقها على غير الطريقة التي أرادها الشارع المقدس، فإن ذلك لا بد وأن يولد آثاراً سلبية تخل في النظام الإسلامي العام، أو تجعل فيه فراغاً يتهيأ من خلاله فرص الإفساد والانحراف.

ونقدم فيما يلي أمثلة متنوعة وشواهد حية على هذا التخلف والجهل في فهم العديد من قضايانا الإسلامية المعاصرة وتطبيقها:

(١) محمد حسين فضل الله، تأملات في الفكر السياسي الإسلامي، ص ١٢٥ - ١٢٦.

٣٠٨

١ - الجهل والتخلف في فهم العقائد

ونعود بمثالنا في هذه الناحية إلى مفهوم القضاء والقدر، حيث بينا في موقع سابق المنشأ السياسي الواضح في تشويش الفهم حول هذه المسألة، وخصوصاً فيما يتعلق بالجبر والاختيار، ولكن غالبية المسلمين قد انطلى عليهم هذا التشويه لعقائد الإسلام ومعاني الكتاب، واستندوا إلى ظاهر بعض الآيات القرآنية والمؤولة أموياً بالجبر أو تسيير الإنسان على غير إرادته واختياره. ومن هذه الآيات (( وما تشاؤون إلا أن يشاء الله )) [ الإنسان / ٣٠ ]، وقوله تعالى: (( قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا )) [ التوبة / ٥١ ]، وقوله تعالى: (( ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها )) [ الحديد / ٢٢ ].

ويقول الشيخ محمد الغزالي في تفنيده لهذا التأويل الباطل: (والغريب أن جمهوراً كبيراً من المسلمين يجنح إلى هذه الفرية، بل إن عامة المسلمين يطوون أنفسهم على ما يشبه عقيدة الجبر باختيار خافت موهوم... وقد أسهمت بعض المرويات في تكوين هذه الشبهة وتمكينها، وكانت سبباً في إفساد الفكر الإسلامي، وانهيار الحضارة والمجتمع) (١) . وفي تعليق آخر يقول: (كل ميل بعقيدة القدر إلى الجبر فهو تخريب متعمد لدين الله ودنيا الناس، وقد رأيت بعض النقلة والكاتبين يهونون من الإرادة البشرية، ومن أثرها في حاضر المرء ومستقبله، وكأنهم يقولون للناس: أنتم محكومون بعلم سابق لا فكاك منه، ومسوقون إلى مصير لا دخل لكم فيه، فأجهدوا أنفسكم فلن تخرجوا عن الخط المرسوم لكم مهما بذلتم... إن هذا الكلام الردئ ليس نضح قراءة واعية لكتاب ربنا، ولا اقتداء دقيق بسنة نبينا، إنه تخليط قد جنينا منه المر...!!) (٢) .

(١) محمد الغزالي، السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث، ص ١٤٤.

(٢) المصدر السابق، ص ١٤٨.

٣٠٩

وفي تحذيره من الأخذ بالأحاديث الكثيرة المشبوهة التي وضعت على ما يبدو لإسناد هذا التأويل الفاسد لمسألة القضاء والقدر، يضيف الغزالي:

(جاءت في القدر أحاديث كثيرة نرى أنها بحاجة إلى دراسة جادة، حتى يبرأ المسلمون من الهزائم النفسية والاجتماعية التي أصابتهم قديماً وحديثاً) (١) .

وأما الأحاديث التي يحذر الغزالي من أخذها على علاتها، فلا بد وأن تكون الأحاديث التالية من ضمنها، والتي أخرجها جميعاً مسلم في صحيحه:

فعن أبي هريرة قال: (قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: احتج آدم وموسى عليه السلام عند ربهما، فحج آدم موسى، قال موسى: أنت آدم الذي خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأسجد لك ملائكته، وأسكنك في جنته، ثم أهبطت الناس بخطيئتك إلى الأرض!!! فقال آدم: أنت موسى الذي اصطفاك برسالته وبكلامه، وأعطاك الألواح فيها تبيان كل شئ وقربك نجياً، فبكم وجدت الله كتب التوراة قبل أن أخلق؟ قال موسى: بأربعين عاماً. قال آدم: فهل وجدت فيها (وعصى آدم ربه فغوى)؟ قال: نعم، قال: أفتلومني على أن عملت عملاً كتبه الله علي أن أعمله قبل أن يخلقني بأربعين سنة؟ قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: فحج آدم موسى) (٢) .

وأما عمرو بن العاص فإنه يختلف مع رواية أبي هريرة بعدد السنين بقوله: (سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وقال: وعرشه على الماء) (٣) .

ويروي عمرو بن العاص أيضاً: (سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: إن قلوب بني آدم كلها بين أصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرفه حيث يشاء. ثم قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك) (٤) .

(١) المصدر السابق، ص ١٥٦.

(٢) صحيح مسلم، كتاب القدر، ج ٥ ص ٥٠٧.

(٣) المصدر السابق، ص ٥٠٩.

(٤) المصدر السابق، ص ٥٠٩ - ٥١٠.

٣١٠

ويروي أبو هريرة أيضاً: (إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنى أدرك ذلك لا محالة، فزنى العين النظر، وزنى اللسان النطق، والنفس تمنى وتشتهي، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه) (١) .

وأما عائشة فتختصر كل هذه الروايات جميعها بالمعنى التالي كما تروي قائلة: (دعي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى جنازة صبي من الأنصار. فقلت: يا رسول الله، طوبى لهذا عصفور من عصافير الجنة لم يعمل السوء ولم يدركه. قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: أو غير ذلك يا عائشة؟! إن الله خلق للجنة أهلاً خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم، وخلق للنار أهلاً خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم) (٢) .

فإذا صحت هذه الروايات لا قدر الله، فلماذا الحساب والعقاب إذا؟؟

٢ - الجهل والتخلف في أداء الفرائض

ونكتفي في هذا الجانب بتقديم مثال متعلق بصلاتنا اليومية، نأخذ مسألة الجمع فيها. فالجمع يكون عاد تقديماً أو تأخيراً بين صلاتي الظهر والعصر، وبين صلاتي المغرب والعشاء.

وقد أشارت أدلة قطعية من السنة النبوية إلى ثبوت جواز مثل هذا الجمع في جميع الأحوال، وليس مخصوصاً بحالات الضرورة القصوى كالسفر أو المطر أو الحرب.

فمن صحيح البخاري، قال ابن عباس: (صلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم سبعاً جمعاً - يعني المغرب والعشاء - وثمانياً جمعاً - يعني الظهر والعصر -) (٣) وفي رواية صحيح مسلم بإضافة: (من في غير خوف ولا سفر) (٤) .

(١) المصدر السابق، ص ٥١١.

(٢) المصدر السابق، ص ٥١٧.

(٣) صحيح البخاري.

(٤) صحيح مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب جواز الجمع بين الصلاتين في السفر، ج ٢ ص ٣٥٦. =

٣١١

وفي رواية ثالثة، كان قول ابن عباس: (صلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالمدينة من غير خوف ولا سفر. قال أبو الزبير: فسألت سعيداً: لم فعل ذلك، فقال:

سألت ابن عباس كما سألتني، فقال: أراد ألا يحرج أحداً من أمته) (١) . وقال رجل لابن عباس: الصلاة! فسكت ابن عباس، ثم قال: الصلاة! فسكت، ثم قال: الصلاة! ثم قال [ له ابن عباس ]: لا أم لك! أتعلمنا بالصلاة وكنا نجمع بالصلاتين على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم) (٢) .

وينقل السيد سابق في كتاب (فقه السنة) (٣) تحت عنوان الجمع للحاجة عن النووي في شرحه لصحيح مسلم: (ذهب جماعة من الأئمة إلى جواز الجمع في الحضر لمن يتخذه عادة. وهو قول ابن سيرين وأشهب من أصحاب مالك.

وحكاه الخطابي عن القفال والشاشي الكبير من أصحاب الشافعي وعن أبي إسحاق المروزي، وعن جماعة من أصحاب الحديث، واختاره ابن المنذر، ويؤيده قول ابن عباس: (أراد ألا يحرج أمته). فلم يعلله بمرض ولا غيره) (٤) .

وبالرغم من وضوح أدلة السنة النبوية على جواز الجمع بين الصلاتين في جميع الأحوال، وتأييد غالبية فقهاء المسلمين لذلك، إلا أن السائد عند أتباع المذاهب الأربعة هو عدم الجمع باستثناء حالات الضرورة القصوى، الأمر الذي يشير بأصابع الاتهام مرة أخرى إلى تيار التشدد والتعسير الذي تسرب بقوة إلى عبادات المسلمين ومعاملاتهم.

ولا يخفى مدى أهمية وجود مثل هذه الرخصة، ودورها في المحافظة على الصلوات، لا سيما لدى أولئك المتثقلين من أدائها (وما أكثرهم!) مفرقة في أوقاتها الخمسة.

(١) المصدر السابق، ص ٣٥٧.

(٢) المصدر السابق، ص ٣٥٩.

(٣) السيد سابق، فقه السنة، ج ١ ص ٢٩١ - ٢٩٢.

(٤) النووي في شرحه على صحيح مسلم، ج ٢ ص ٣٥٩.

٣١٢

٣ - الجهل والتخلف في فهم القضايا التاريخية

كم هي القضايا المتعلقة بأحداث هامة في تاريخنا الإسلامي فهمت على غير حقيقتها، وزورت تفاصيلها، وشوهت صورتها حتى صارت كما نقلت إلينا وكأنها قضية مختلفة تماماً عن واقعها الأصلي. ونأخذ ثورة كربلاء كمثال:

فبالرغم من الأهداف النبيلة لهذه الثورة الحسينية، ودورها في إنقاذ الإسلام من ابتذال بني أمية وسطوتهم، بكشف الغطاء عن وجههم الحقيقي المعادي للإسلام، فإنها تعرضت للكثير من التحريفات والتشويهات من قبل كثير من أبناء الأمة على مر العصور. ففي جانب، يرى بعضهم في الإمام الحسين الرجل المتسرع الذي يرمي نفسه إلى التهلكة، ويرفض الاستماع إلى بعض النصائح في عدم الخروج عن طاعة ولي الأمر (!) يزيد بن معاوية.

ويلاحظ في هذا الجانب أيضاً اعتبار كثير من المسلمين يوم ذكرى استشهاد الحسين مناسبة سارة، لا لمقتله عليه السلام، وإنما بحجة أن يوم العاشر من محرم هو اليوم الذي أنقذ الله سبحانه وتعالى فيه النبي موسى عليه السلام من بطش فرعون. ولذلك فإن الأمويين تفننوا في وضع المرويات التي فيها أخبار إنقاذ العديد من الأنبياء في هذا اليوم نفسه، وثواب كبير لصائميه. وتجد بعض المسلمين في الهند وبنغلادش يحتفلون في العاشر من محرم بابتهاج وسرور كبير، وكأنه عيد كبير من الأعياد!

وفي جانب آخر، تحولت عاشوراء لمسلمين آخرين إلى ذكرى يجتمع فيها الناس لمجرد البكاء وضرب الصدور، ظناً منهم أن هذه هي الطريقة المثالية لمواساة الحسين وأهل البيت عليهم السلام في مصابهم.

وبالرغم من والعلماء المسلمون - باستثناء الوهابيين - لا يحرمون البكاء على الإمام الحسين عليه السلام وغيره من شهداء الإسلام فضلاً عن أموات عموم الناس، بل إن ذلك أمر يثاب فاعله عليه إذا كان البكاء بدافع الحب والحزن، لا سيما عند تذكر الطريقة الوحشية التي ذبح بها الإمام الحسين وأهل بيته وأصحابه. ولكنه

٣١٣

في الوقت نفسه، ليس من المقبول أن يختار الناس قارئ العزاء في هذه الذكرى على أساس قدرته فقط على إبكاء الحضور على حساب الخطيب القادر على إبراز الدروس والعبر النافعة من هذه الحادثة. ففضلاً عن أن الإحياء بهذه الصورة هو حصر للقضية الحسينية في بعدها الشخصي العاطفي، فإنه أيضاً يعطي صورة سلبية عن الدين لأنه يعبر عن مظهر من مظاهر الجهل والتخلف.

وأما الدروس والعبر التي يؤكد العلماء على ضرورة الاستفادة منها من هذه القضية، فهي التضحية في سبيل الرسالة والمبدأ، والعمل في سبيل الله دون النظر إلى الأخطار الدافعة إلى الخوف كمبرر للتقاعس والتوقف عن خدمة الدين، فعاشوراء ليست للدموع والبكاء، وإنما هي للإسلام والرسالة.

٤ - الجهل والتخلف في فهم القضايا الأخلاقية

هناك العديد من المفاهيم الأخلاقية التي أخذها المسلمون على غير حقيقتها كمفاهيم الزهد، والصبر، والتوبة، والتوكل، وغيرها، ونأخذ الزهد كمثال:

فالإسلام في الحقيقة قد حث على الزهد ورغب فيه، والزهد يطلق على ترك الإنسان لشئ يرغب فيه رغبة طبيعية، أي أن هذه الصفة لا تطلق على المريض الراغب عن تناول الطعام بسبب فقدانه شهية الأكل.

وهذا المفهوم السامي كغيره من المفاهيم العديدة التي تشوهت صورتها في أذهان المسلمين، حتى أصبح الزهد مما ينفر منه، لأنه يعني عندهم ترك الإنسان الدنيا ولذاتها من أجل التفرغ للعبادة. وهذا الفهم المنحرف قد تسرب إلى فكر المسلمين من المسيحية التي تفرق بين العمل الدنيوي والأخروي، حيث تطلق هذه الديانة على كل ممارسة عملية للإنسان مع الطبيعة والحياة عملاً دنيوياً، بينما أطلقت على الطقوس المعزولة عن كل ممارسة حياتية اسم العمل الأخروي. في حين أن الإسلام يعطي أي عمل أو نشاط للإنسان صفة الأخروية ويعده عبادة إذا كان مؤدى بنية التوجه والقرب من الله.

٣١٤

وقد أوجز الإمام علي عليه السلام الزهد في حكمتين من القرآن: (( لكي لا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم )) [ الحديد / ٢٣ ]. وفي الحديث الشريف: (الزهد ليس أن لا تملك شيئاً، وإنما أن لا يملكك شئ).

ويرى الشهيد مطهري أن سبب حث الإسلام على الزهد لأن فيه تجسيداً للإيثار، ومواساة للفئة المحرومة، والتحرر والانعتاق من قيود الشهوة والنهم وشح النفس وحب الادخار والجاه ونظائرها، بالإضافة إلى أن الزهد يساعد على تذوق اللذات المعنوية لأن الانغماس التام في تلبية حاجات الجسد المادية يغلظ الحس ويضخمه (١) .

وهو يستنكر الزهد الذي يعني الانفصال عن حياة الناس، أو الامتناع عن اللذات الدنيوية، فهو زهد لا روح فيه، بل إن الإسلام ينفر من مثل هذا الزهد وأولئك الزهاد (٢) .

٥ - التخلف والجهل في القضايا السياسية

من أكبر مظاهر جهل المسلمين وتخلفهم في هذا الجانب هو طاعتهم العمياء على مر العصور التي حكمت فيها دولة الخلافة، وحتى في بعض البلدان بأيامنا هذه لحكام الجور، بحجة عدم جواز الخروج عن طاعة أولياء الأمور حتى لو كانوا من الفجار والمجرمين. وقد بينا هذه الحالة في بند سابق.

وسنتناول في هذه الزاوية حالة أناس موازية لأولئك المسلمين المؤمنين بالطاعة العمياء. ولكن باختلاف في التفاصيل. فقد وجد هناك بعض المسلمين ممن لا يؤمنون بطاعة حكام الجور، ولكنهم مخدرون أيضاً لأنهم لا يؤمنون بوجوب إقامة الحكم الإسلامي في عصر غيبة الإمام المهدي المنتظر، بل إن منهم من حرم السعي والتحرك لذلك.

ومن الواضح

(١) مرتضى مطهري، إحياء الفكر في الإسلام، ص ٤٣ - ٤٦.

(٢) مرتضى مطهري، الحق والباطل، ص ١٧٣.

٣١٥

ومن الواضح أن الحالة الأولى قد سادت في عالم الإسلام السني، والثانية قد لوحظ لها وجود في عالم الإسلام الشيعي.

ويقول الإمام الخميني مستنكراً هذا الجهل بقوله حول ضرورة قيام الحكومة الإسلامية في هذا الزمان بأنها: (فكرة علمية واضحة، قد لا تحتاج إلى برهان، بمعنى أن من عرف الإسلام أحكاماً وعقائد يرى بداهتها، ولكن وضع المجتمع الإسلامي، ووضع مجاميعنا العلمية على وجه الخصوص، يضع هذا الموضوع بعيداً عن الأذهان، حتى لقد عاد اليوم بحاجة إلى البرهان) (١) . وكان كلام الإمام هذا رحمه الله قبل انتصار الثورة الإسلامية في إيران بسنوات عديدة.

وأما جذور ذلك الفهم المتخلف، فهو راجع إلى التفسير الخاطئ لحقيقة غيبة الإمام المنتظر، والجهل بالظروف الموضوعية التي تستلزم ظهوره، علاوة على الاستناد على بعض المرويات المشكوك في صحتها والتي توحي أن كل راية ترفع في زمن غيبة الإمام هي راية ضلال، بمعنى أن إقامة الحكومة الإسلامية هو حق مخصوص بالأئمة الاثني عشر، وليس لأحد غيرهم تجب الولاية والطاعة.

وقد وصف السيد فضل الله فهم هؤلاء بالجمود، وأنه يدفع أصحابه إلى السلبية أمام مشكلات الواقع، لأنهم بموقفهم هذا أصبحوا القوة التي تحمل الآخرين إلى الحكم دون الاعتقاد بشرعيتهم، وبذلك استطاع كل المنحرفين والطامعين أن يصلوا إلى المركز الكبير في قيادة المسلمين لينحرفوا بهم إلى واقع مظلم لا يحمل لهم إلا المزيد من الجهل والتخلف، والبعد عن قيم الإسلام الحضارية الباحثة عن الحرية والعدالة والمساواة (٢) .

(١) الإمام الخميني، الحكومة الإسلامية، ص ٧.

(٢) محمد حسين فضل الله، تأملات في الفكر السياسي الإسلامي، ص ١٢٨ - ٢٩.

٣١٦

٦ - الجهل والتخلف في القضايا الاقتصادية

في الوقت الذي لا يزال فيه العلماء والمفكرون المسلمون يواجهون تحدياً كبيراً في استخلاص نظام اقتصادي إسلامي وبلورته ليكون قابلاً للتطبيق في هذا العصر فإنه ولتعقيدات مذهبية يجهل كثير من هؤلاء الأعلام فضلاً عن العوام أبسط بديهيات هذا النظام كما سترى في المثال التالي المتعلق بدفع ضريبتي الزكاة أو الخمس:

فبالنسبة لمصطلح الخمس فإنه وحسب دليل القرآن الكريم (( وما غنمتم من شئ فإن لله خمسه وللرسول ولذي القربى... )) [ الأنفال / ٤١ ]، وكما فهمه العلماء السائرون على منهج أهل البيت عليه السلام، فإنه يعني وجوب دفع خمس صافي الأرباح السنوية للإمام أو الدولة الإسلامية.

وأما تلك التعقيدات المذهبية التي أحدثت إشكالاً كهذا، فتعود جذورها إلى الوقت الذي منع فيه الخليفة أبو بكر حق فاطمة ابنة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم من الخمس (١) (وهو سهم ذوي القربى)، حيث ذهب المؤيدون لأبي بكر وخلافته منذ ذلك الحين إلى اعتبار الخمس المقصود في الآية السابقة خاصاً بغنائم الحروب التي يتصرف بها حاكم المسلمين كائناً من كان.

فبالإضافة إلى أن الآية القرآنية هذه ليس فيها ما يدل على أي تخصيص بغنائم الحروب، فإن الحديث الشريف التالي يؤكد أيضاً هذه الحقيقة. فعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (العجماء جبار، والبئر جبار، والمعدن جبار، وفي الركاز الخمس) (٢) . فالذهب والفضة (المستخرجان من الأرض وليس ما يبتاعه الناس) في هذا الحديث ليسا من غنائم الحروب ولكنهما مشمولان بحكم الخمس.

(١) راجع تفاصيل الحادثة في الفصل الأول من القسم الثاني.

(٢) صحيح البخاري، كتاب الزكاة، باب في الركاز الخمس، ج ١ ص ١٦٦.

٣١٧

وعلى كل حال، فإن أل‍ ٥ و ٢ بالمئة التي يدفعها أهل السنة زكاة لأموالهم لا تفي بشئ من حاجة الدولة الإسلامية حال وجودها، وتجد هذه النسبة (الضريبة) في الدول الغربية تصل إلى ٣٥ % أحياناً، حتى تكون الدولة قادرة على الإيفاء بحاجتها مما تدفعه إلى مواطنيها المحتاجين من صندوق الضمان الاجتماعي.

وأما الشيعة، فإن من استحق عليه منهم دفع ضريبة الخمس، فإنهم يدفعونها إلى العلماء المراجع الذين ينوبون عن الإمام محمد بن الحسن المهدي في غيبته، أو يصرفونها مباشرة في المشاريع الخيرية بإذن منهم. وفي نسبة الخمس ما يكفي العلماء لتحقيق استقلالهم عن السلطات الحاكمة على مر الأزمنة، وهم يستثمرونها في الصرف على المشاريع الخيرية ورعاية الفقراء والأيتام وبناء المساجد والحوزات العلمية (المدارس والجامعات الدينية).

والحق يقال إن هذه الاستقلالية لم تتوفر عند علماء أهل السنة، أو المدارس والهيئات الدينية التي يديرونها، مما يبقيهم تحت رحمة السلطان ويد الدولة، وما يعني ذلك من تأثير في الخط والمنهج بل والفتوى كما لا يخفى!

٧ - الجهل والتخلف في القضايا الاجتماعية

ما أكثر القضايا التي تستحق النظر والاهتمام في هذا الجانب، حيث تجد بقاء ترسبات كثيرة من العادات والتقاليد التي عفى عليها الزمان في معظم بقاع العالم الإسلامي، لا بل الجاهلية منها، حتى أن الدين أصبح يحور ويشكل ليكون موافقاً لها ومنسجماً معها، وإلا تراه غائباً عن واقع الحياة الاجتماعية أو بعيداً عن التأثير فيها.

وتعتبر المسائل المتعلقة بالزواج من أكثر القضايا حيوية في أي مجتمع كان، وقد رأينا في هذه الناحية أخذ الزواج المؤقت كمثال:

فقد أجمع المسلمون في فهمهم حول الحكم التي جعلت الشارع المقدس يبيح رخصة تعدد الزوجات، فهم يرون فيها حلاً إلهياً لمشاكل كثيرة

٣١٨

لا تخفى على أحد، وذلك بالرغم مما قد يرافق ممارسة هذه الرخصة من إشكالات ناجمة عادة من سوء التطبيق لا من حكمة التشريع.

ولكن مما لا يزال المسلمون مختلفين حوله هو دوام إباحة الزواج المؤقت والمعروف بزواج المتعة (١) ، والذي يراه المنطق والعقل السليم المتحرر من أغلال بعض العقد الاجتماعية المتوارثة حلاً لمشاكل عديدة يخفق في حلها الزواج الدائم أو تعدده، فضلاً عن تسيب العلاقات غير المشروعة وذلك بالرغم أيضاً مما قد ينجم من إشكالات سوء التطبيق.

وحتى أن الخليفة عمر بن الخطاب، المحرم الحقيقي لهذا النوع من الزواج، يعترف أن تشريعه كان لضرورة وحاجة، حيث يروي الطبري أن الخليفة عمر رد على انتقاد عمر بن سوادة له بهذه المسألة قائلاً: (إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أحلها في زمان ضرورة ثم رجع الناس إلى سعة، ثم لم أعلم أحداً من المسلمين عمل بها ولا عاد إليها، فالآن من شاء نكح بقبضة وفارق عن ثلاث بطلاق، وقد أصبت...) (٢) .

ويفند أحد المحققين المعاصرين رأي الخليفة هذا بالقول: (أما ما ذكره الخليفة في مقام العلاج من تبديل نكاح المتعة بالنكاح الدائم على أن يفارق [ بالثلاث طلقات ]، فالأمر ينحصر فيه بين أمرين لا ثالث لهما: إما أن يقع ذلك بعلم من الزوجين وتراض بينهما، فهو الزواج المؤقت أو نكاح المتعة بعينه، وإما أن يقع بتبييت نية من الزوج مع إخفائه عن الزوجة، فهو غدر بالمرأة واستهانة بها بعد أن اتفقا على النكاح الدائم، وأخفى المرء في نفسه نية الطلاق) (٣) .

(١) راجع هذا الموضوع في الفصل الثاني من القسم الثاني.

(٢) تاريخ الطبري، ج ٥ ص ٣٢.

(٣) مرتضى العسكري، معالم المدرستين، ج ٢ ص ٣٢٥.

٣١٩

وقد أخذ الشيخ عبد العزيز بن باز (مفتي الديار المقدسة) بقول عمر هذا ولكن على احتمال التفسير الثاني الذي يعني إخفاء نية الطلاق عن الزوجة، فأفتى ابن باز على ضوء ذلك بجواز (الزواج بنية الطلاق) كبديل عن المتعة والزواج الدائم، لمن أراد ألا يقع في الفاحشة من المسافرين الطلبة ورجال الأعمال والسواح!

وعلى كل حال، فإن الضرورة المجمع عليها، والتي من أجلها شرع زواج المتعة، لا يمكن أن تكون محصورة بتلك الحقبة الوجيزة في حياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فالمشكلة الجنسية ليست خاصة بعصر دون آخر، ولا بأماكن أو أقوام دون غيرها، لا بل أن هذه المشكلة في تفاقم مستمر في كل مكان، إن لم تكن المشكلة الاجتماعية الأولى هذه الأيام لأسباب كثيرة لا تحتاج إلى توضيح.

وإن كان رفض فكرة التوقيت في الزواج نابعاً من أسباب نفسية، وعادات وتقاليد راسخة لا محيص عنها، فليكن ذلك، ولكن هذا لا ينبغي بأي حال من الأحوال، أن يكون دليلاً على حرمة هذا الزواج، فيوجد هناك أحياناً من المسلمين ممن يأنفون الحكم والقانون (الإلهي!) في تعدد الزوجات، ولو أبقى التشريع على عادات العرب وعاداتهم الذين أول من نزل فيهم الإسلام، لما زلنا نرى ممارسة وأد البنات لغاية هذه الأيام!، وإن كتبت لهن الحياة، فإنهن غالباً يعشن مهانات ومحتقرات إلى أبعد الدرجات.

وقد أقسم لي أحد الأصدقاء أن في بلدته النائية بأحد الأغوار رجلا لم يسمح لبناته الثلاث من الزواج، حتى شارفن الأربعين دون أي أمل يلوح في الأفق. والسبب؟ حتى لا يتمكن من ملامستهن أي رجل كائناً من كان!

وهذه الجريمة بنظري أعظم من جريمة وأد البنات!. ولا يزال سائداً في بعض البلدان الإفريقية (ومنها إسلامية) ممارسة جريمة ختان البنات. لماذا؟

٣٢٠