×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

أزمة الخلافة والإمامة وآثارها المعاصرة عرض ودراسة / الصفحات: ٣٢١ - ٣٤٠

للأسباب نفسها التي كان (يخصى) من أجلها العبيد في قصور الملوك أو حتى للأسباب التي تخصى من أجلها ذكور بعض البهائم للتدجين وقتل الشهوة الجنسية.

أو لا يزال سائداً أيضاً في بعض المناطق في بلاد العرب والمسلمين عادة قتل المرأة غير المحصنة لأقل شبهة أو إشاعة باقترافها الزنى، ودون أي تأن للتحقق والنظر، وبقاء الرجل المحصن المشهور باقترافه الفواحش كلها رافعاً رأسه ومحترماً بين الناس؟!

فهذه العقلية هي نفسها التي أيدت اجتهاد المتشددين بتحريم زواج المتعة، وأبقت على هذا المنع حتى صار ديناً بعينه!

أضف لكل ذلك أنه ما لا يناسب عادات مجتمع ما وتقاليده، لا يعني بالضرورة عدم ملاءمته لعادات المجتمعات الأخرى وتقاليدها، والإسلام لم يأت لقوم دون آخرين، وإنما هو صالح لكل زمان ومكان بكل ما تعني هذه الكلمات والتي حولها غالبية المسلمين إلى شعارات من دون معان.

فالمشكلة الجنسية أصبحت هذه الأيام، وأكثر من أي وقت مضى، أكبر من أن يكبتها أي حض خلقي، أو وعظ إرشادي، أو حتى مرض الايدز الذي أصبح مرض العصر من دون منافس!

وما دامت الشهوة الجنسية هي مما فطر الخلق عليها، فيستحيل كبتها، ولا يجوز التباطؤ في التعامل معها، وإنما يجب الإسراع بالاستجابة لمتطلباتها ضمن إطار نظام اجتماعي شامل.

وقد اشتهر الفيلسوف الإنجليزي المعروف برتراند رسل بتبنيه لحل مطابق لزواج المتعة، بعد أن رأى الانحطاط الذي وصلت إليه المجتمعات الغربية من جراء الإباحية المطلقة التي عولجت بها القضايا الجنسية وعلاقة الرجل مع المرأة هناك. فهو يرى (أن سن الزواج قد تأخرت بغير اختيار وتدبير، فإن الطالب كان يستوفي علومه قبل مئة سنة أو مئتين في نحو الثامنة عشرة أو

٣٢١

العشرين، فيتأهب للزواج في سن الرجولة الناضجة، ولا يطول به عهد الانتظار إلا إذا آثر الانقطاع للعلم مدى الحياة، وقل من يؤثر ذلك بين المئات والألوف من الشبان.

أما في العصر الحاضر، فالطلاب يتخصصون لعلومهم بعد الثامنة عشرة أو العشرين، ويحتاجون بعد التخرج من الجامعات إلى زمن يستعدون فيه لكسب الرزق من طريق التجارة أو الأعمال الصناعية والاقتصادية، ولا يتسنى لهم الزواج وتأسيس البيوت قبل الثلاثين، فهناك حقبة زمنية طويلة يقضيها الشاب بين سن البلوغ وبين سن الزواج لم يحسب لها حسابها في التربية القديمة، وهذه الحقبة هي زمن النمو الجنسي والرغبة الجامحة، وصعوبة المقاومة للمغريات، فهل من المستطاع أن نسقط حساب هذه الفترة من نظام المجتمع الإنساني كما أسقطها الأقدمون وأبناء القرون الوسطى!) (١) .

ويجيب مستنكراً ذلك لأنه يرى (أننا إذا أسقطناها من الحساب، فنتيجة ذلك شيوع الفساد والعبث بالنسل والصحة بين الشبان والشابات) (٢) .

والحل الذي رآه: (وإنما الرأي أن تسمح القوانين في هذه السن بضرب من الزواج بين الشبان والشابات لا يؤودهم بتكاليف الأسرة، ولا يتركهم لعبث الشهوات والموبقات، وما يعقبه من العلل والمحرجات) (٣) ، وقد سمى هذا النوع من الزواج (بالزواج العقيم أو الزواج بغير أطفال، وأراد به أن يكون عاصماً من الابتذال، ومدرباً على المعيشة المزدوجة قبل السن التي تسمح بتأسيس البيوت) (٤) .

(١) الفلسفة القرآنية للعقاد ص ٧٣، نقلاً عن الدكتور رسل.

(٢) المصدر السابق.

(٣) المصدر السابق.

(٤) المصدر السابق.

٣٢٢

وما أروع ما روي عن عبد الله بن عباس في هذا المجال حيث قال:

(رحم الله عمر، ما كانت المتعة إلا رحمة من الله تعالى رحم بها أمة محمد، ولو لا نهيه لما احتاج إلى الزنى إلا شفا) (١) . والشفا يعني القليل.

ويعلق السيد محمد تقي الحكيم على هذه الحقيقة بقوله: (وأرجو أن نتأمل كلمة (رحمة) و (احتاج) فهي من أروع الدلائل على عمق هذا الرجل وفهمه للمشكلة، وحسبه أن يرى أن الزنى مما يحتاج إليه أحياناً، وليس ينطوي دائماً على التحدي للتشريع، فصاحبه مريض والمريض يحتاج إلى العلاج، وقد جعل الله في المتعة علاجه، فهي رحمة له، والحقيقة أن تشريع الحد في الزنى، والشذوذ الجنسي لا تتضح عدالته إذا لم نفهم مختلف الحلول التي وفرها الشارع لمشكلته، فمع تخطيها جميعاً، وتحدي الشارع بالعمل على إشاعة الفوضى الجنسية ينكشف أن هذا النوع من المرض النفسي لا يمكن علاجه والحد من انتشار وبائه إلا بأمثال هذه الجرعات) (٢) .

(١) الثعلبي والطبراني في تفسيرهما (٢) محمد تقي الحكيم، الزواج المؤقت، ص ١١.

٣٢٣

الخلاصة والخاتمة

إن أهم ما يمكن استنتاجه من هذا البحث أن ما جعل من الخلاف الذي حصل في صدر الإسلام حول خلافة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وإمامة الأمة بعده أزمة على مر العصور هو أن هذا الخلاف لم يكن مجرد خلاف سياسي بين أشخاص تنافسوا على الوصول للسلطة والحكم، ولم يكن مجرد فتنة وقتية حدثت بين الصحابة وانتهت برحيلهم، وإنما كان فوق كل ذلك خلافاً حول المسار الذي ينبغي على المسلمين اتباعه في تحصيل معارف الدين من عقائد وسنن وأحكام.

وهذا يؤكد ما بيناه في بداية البحث أن المفهوم القرآني للخلافة والإمامة يتلخص في اعتبارها الخلافة الإلهية في الأرض، والأمانة أو العهد الذين يربطان العباد بمعبودهم، وما يعني أن أي خلل في فهم هذا المبدأ أو تطبيقه، سيؤدي حتماً إلى حدوث خلل في فهم عقائد الإسلام، وانحراف في تطبيق أحكام الشرع. ونجمل ذلك في نقاط:

صراع الخطط والإرادات

لقد كان واضحاً أن التخطيط الإلهي ببعثة سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم كان يهدف إلى تبليغ الرسالة ليس إلا (( وما أرسلناك إلا شاهداً ومبشراً ونذيراً ))، فقال جل وعلا بعد نجاح هذه المهمة: (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً). وأما التخطيط الإلهي بحصر خلافة النبي صلى الله عليه وآله وسلم،، فقد كان يهدف إلى إتمام نور الرسالة على يد هؤلاء الأئمة، والذين خصتهم العناية الإلهية بالعناية والتسديد (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً) [ الأحزاب / ٣٣ ].

٣٢٤

فلم يكن دور الأئمة حسب هذا التخطيط حفظ الرسالة وصيانتها من التحريف والتشويه فحسب (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) بل أيضاً تعليمها وإرشاد الناس إليها على مر العصور (لكل قوم هاد)، على أن يكون ذلك بخطوات تدريجية تمهيداً لإتمام النور الإلهي في جميع أركان الأرض في عهد الإمام الثاني عشر، والذي ستكون خلافته تتويجاً لجميع رسالات السماء، وتحقيقاً لأهداف الأنبياء والرسل (( ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون * هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون )).

ولا يمكننا فهم إبعاد هذا التخطيط عن جريانه الطبيعي، كما حصل فعلاً بتهمش دور الأئمة عليه السلام، إلا بفهم القوانين والسنن التي جعلها الله سبحانه وتعالى المبدأ الأساس الذي يحكم العلاقة بين الهداية الربانية وحرية إرادة الإنسان واختياره (( إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم )) [ الرعد / ١١ ].

فالتخطيط الإلهي من إرسال الأنبياء إلى بني إسرائيل على سبيل المثال، لم يكن يهدف إلى قتل هؤلاء الأنبياء وإنما لاهتداء الناس بهم. فأما قتلهم فكان ناتجاً عن تخطيط بشري أدى إلى انتصار إرادة الباطل، فكان جواب الأنبياء والدعاة إلى الحق للمعاندين والكارهين للهداية على مر العصور (( قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي وآتاني رحمة من عنده فعميت عليكم أنلزمكموها وأنتم لها كارهون )).

وهذه القوانين والسنن هي التي تفسر سياسة الأئمة الاثني عشر منذ لحظة وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم تجاه الأوضاع التي كانت تمر بهم وتحكم علاقتهم بالسلطة وجمهور الأمة.

فالأسباب التي أدت إلى إبعاد التخطيط الإلهي القاضي باستخلاف أهل البيت عليه السلام لم تكن محصورة في الأشخاص الذين اجتهدوا بالتصدي لولاية أمر المسلمين على طريقتهم الخاصة، وإنما تعود إلى عدة عوامل مجتمعة،

٣٢٥

أبرزها العقلية القبلية والتي اتضح من صراع السقيفة وما بعدها. إنها كانت لا تزال سائدة في مجاميع المهاجرين والأنصار، وبكل ما في هذا النهج القبلي من حب السلطة والجاه، والتمكن والانتصار للشخص والعشيرة وغير ذلك من الاعتبارات الجاهلية، ومما كان دليلاً أكيداً على عدم تشرب نفوس المسلمين لغاية ذلك الحين بروحية الإسلام وفكرته ورسالته.

وقد عبر الإمام علي عليه السلام عن رفضه لما جرى في السقيفة بتخلفه عن بيعة أبي بكر ستة شهور، ولكنه آثر أخيراً البيعة لما استسلم له الناس، واختار أن يبقى على مقربة من النظام القائم، لتحققه من أن المصلحة الرسالية العليا تتطلب منه ذلك، لا سيما لبقاء وجود قدرته على التأثير في الحفاظ على تعاليم الإسلام من التحريف والتشويه، وباعتبار أن الخلفاء الثلاثة الأوائل قد بايعهم الناس على أن يعملوا بكتاب الله وسنة نبيه.

وهذا المبدأ هو نفسه الذي يفسر رفض الإمام علي عليه السلام الأولي للخلافة بعد مقتل عثمان، ولم يقبلها إلا بعد إصرار الناس عليه، وإظهار رغبتهم الأكيدة لخلافته، فأصبحت الفرصة بمبايعة المسلمين له مهيأة لتوحيد الخط والفكر والمنهج، لأن خلافته عليه السلام هي الوحيدة التي أجمع المسلمون على صحتها على مر العصور باختلاف فرقهم ومذاهبهم، وهي المعياد التي يجب أن تقاس به أي خلافة كانت، سواء كانت بنص من الله ورسوله، أو كانت بشورى حقيقية من الناس. فخلافة علي عليه السلام هي الغاية والمثال الأعلى فيما ذهب إليه أهل السنة والشيعة بقولهما في الخلافة، وهو الوحيد الذي استحق عند أهل السنة من بين جميع الخلفاء على مر العصور لقب (الإمام)، وعند الشيعة من بين جميع الأئمة الاثني عشر لقب (أمير المؤمنين).

ولكن هيهات، فقد أبى الشيطان إلا أن يخرج بقرنه، فماجت الأرض، وهدرت دماء المسلمين بسيوف المسلمين، حتى تحول عهد علي عليه السلام إلى

٣٢٦

عصر دام بأبشع صور التمرد والعصيان عن طاعة أمير المؤمنين وخليفة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وإمام الزمان!

وبسبب انتصار تلك الإرادة التمردية، وخصوصاً مع خذلان شيعة الإمام علي عليه السلام وتقاعسهم عن نصرة حقهم، وما تبع ذلك من تنازل الإمام الحسن عليه السلام لمعاوية بن أبي سفيان المتلهف للوصول للخلافة والملك مهما كلف الثمن، فكان الصلح الاضطراري حقناً للدماء وحفاظاً للوجود الإسلامي من الزوال التام، فبذلك تكون الأمة قد اختارت مرة أخرى لنفسها منهجاً مغايراً لما أراده الله، والذي جلت قدرته وحكمته لم يكن ليلزمها على الناس وهم لها كارهون!

ولأن هذه التحولات قد صاحبها كل أنواع الفوضى والاضطراب، وقد أحدثت التباساً في الفهم لدى كثير من المسلمين في تلك الأثناء، لا سيما بعد مقتل عثمان، حتى قورن علي بمعاوية (!)، بل أنه وبفضل أجهزة الدعاية الأموية، فإن غالبية مسلمي الولايات والأمصار خارج مكة والمدينة أخذوا يصدقون أن علياً عليه السلام قد حرف فعلاً سنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وساعد على قتل عثمان، ولم يعد مستغرباً إذا أن يسب الإمام ويلعن على منابر جمع المسلمين، وأعيادهم، ثم تحدى معاوية لكل مشاعر المسلمين، ولكل قانون إلهي، ولكل سنة نبوية (أو حتى عمرية!) بتوريثه الخلافة لابنه الفاجر المراهق يزيد، وخلافاً لما تعاهد عليه مع الحسن عليه السلام، فإنه وبسبب كل هذه المستجدات، فقد أصبح بتقدير الإمام الحسين عليه السلام أنه لم يعد هناك إسلام يخاف خسارته، بل أنه رأى عليه السلام أن مسخ الدين أو القضاء التام عليه سيكون بالسكوت والرضا بالأمر الواقع، فكان قراره بعدم مبايعة مثل هذا اللون من أولياء الأمور، والثورة ضد هذا اللون من الأنظمة الإسلامية، لا ليجلس على كرسي الخلافة، وإنما لإزاحة اللثام عن قبح الوجه الأموي المتظاهر بالإسلام، فانفضح أمر هذا النظام، وانكشف في أقبح صوره

٣٢٧

الجاهلية، فيكون الناس جميعاً (لا سيما من غفل وضلل، وليس أناس ذلك الزمان فحسب بل كل من كان سيغفل ويضلل بعدهم وعلى مر العصور) قد تميزت أمامهم معايير الحق من الباطل إلى الأبد، فيحيى من حيي على بينة، ويهلك من هلك على بينة. فثورة الحسين كانت لإنقاذ الإسلام، ولم تكن محصورة الغاية بذلك الزمان. فثورة كهذه إذا نظرنا إليها بهذا البعد، فإن ذكراها تستحق أن يغلب فيها الابتهاج والسرور أكثر من البكاء والعويل!

وهكذا كانت سيرة من تلا الحسين من الأئمة عليه السلام مرهونة بالظروف والمستجدات، فتختلف استراتيجيتهم في العمل والتحرك على ضوئها، فالأدوار تتنوع والهدف واحد.

ولأن غالبية هؤلاء الأئمة قد لاقوا التعذيب والقتل على أيدي الأنظمة القائمة، فإنه وبمجئ آخرهم كان يعني استمرار هذا المسلسل الإجرامي بحقهم، فكانت غيبة الإمام الثاني عشر تجسيداً لانتصار الإرادة البشرية الرافضة للهداية الإلهية من جهة، ومؤشراً على تأجيل تنفيذ الخطة الإلهية إلى الوقت الذي يغير فيه الناس من نظراتهم ومواقفهم تجاه إمام زمانهم، فيبحثوا عنه بصدق، ويوالونه بمعرفة وإخلاص، عندئذ يظهره الله سبحانه وتعالى تأييداً لهم. وبهذا المعنى، يكون الإمام المهدي هو الذي ينتظر الناس وليس العكس!.

صراع الفرق والروايات

من الخطأ الفاحش جعل الانتماء للفرقة أو المذهب المعيار الأساس في بحث مسائل الخلافة والإمامة، لأن غالبية الفرق والمذاهب كانت إما من صنع الأنظمة القائمة، أو ممن تأثر بها، فهي بمبادئها وتعاليمها التي تعرف بها هذه الأيام لم تكن موجودة أصلاً عند تولد أزمة الخلافة والإمامة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولغاية تطورها واستفحالها في خلافة علي وبداية ملك معاوية.

٣٢٨

وهذا يعني لزوم التحرر التام عند بحث مسائل كهذه من كل تلك الأهواء المذهبية، والتي تجد أغلبها قد صدر بدوافع المصالح الذاتية أو المؤقتة وبأجواء مشحونة بالتعصب والأحقاد من غير المنطق والعدل إقحام مسلمي هذا الزمان فيها!

والمعيار نفسه ينبغي استخدامه عند الأخذ بأي حديث أو رواية من كتب الصحاح عند أهل السنة كصحيحي البخاري ومسلم، أو الكتب الأربعة الرئيسية عند الشيعة كالكافي. فليس كل ما في هذه الكتب صحيحاً، بل إن الضعيف والموضوع فيها أكثر من الصحيح والموثق، فلا يصح إذا الاعتماد على ما في هذه الكتب من مرويات للبت والحكم في قضايا مصيرية كقضية الخلافة والإمامة، لا لشئ إلا لأن الصحابي الفلاني رواها، أو الشيخ الفلاني وثقها، ما لم تكن مؤيدة بقرائن أخرى تجعلها فوق أي شبهة وشك.

وأما سبب توثيق غالبية رجال الحديث لكثير من تلك الروايات الموضوعة التي ذكرنا منها أمثلة عديدة، والمروية عن طريق الصحابة كأبي هريرة، فهو راجع إلى الصورة الوهمية التي رسمتها أجهزة الدعاية والإعلام الأموية عنهم، حيث جعلتهم بمرتبة قريبة جداً من التقديس والعصمة. وإلا فما معنى اعتبار استحالة الكذب عليهم مع أنهم رفعوا السيوف في وجه بعضهم بعضاً. لا بل أعطيت لبعضهم مرتبة من الالهام والتسديد فوق ذلك لدرجة أصبحوا فيها يصححون النبي صلى الله عليه وآله وسلم في مواقف زعم أنه صلى الله عليه وآله وسلم كان قد أخطأ فيها، وهو الذي (لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى).

فالصحابة أصبحوا حسب هذه الحالة القدسية الجيل الفريد الذي لم ولن يأتي جيل أفضل منه، حتى أصبح الشرع عند أهل السنة بعد كتاب الله وسنة نبيه هو ما عمله الصحابة ورضوا به، بما في ذلك كل ما يتعلق بأمر خلافة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وإمامة الأمة بعده.

٣٢٩

ولأنه كان مما عمل به الصحابة ورضوا به استخلاف ومبايعة أئمة أقل ما يقال فيهم بأنهم كانوا جاهلين ويعملون على تجهيل الشريعة وتحريفها، فإن غالبية علماء أهل السنة على مر العصور لم يشترطوا في حكام المسلمين توافرهم على مؤهلات تنسجم مع سمو الشريعة وخطورة حفظها والقيمومة على أحكامها، فاعترفوا وأقروا تبعاً لذلك بشرعية الخلفاء حتى (غير الراشدين) منهم.

فيتضح من ذلك كله نتائج إبعاد أئمة الهدى من أهل البيت عليه السلام عن المواقع التي اختارهم الله سبحانه وتعالى لها وآثار ذلك الإبعاد. فتهميش دورهم يعني تهميش رسالة الإسلام، وقتلهم يعني قتل رسالة الإسلام، فهذه الأهمية اختصرت في قوله تعالى عندما أمر نبيه بإعلان ولاية علي على الملأ بعد حجة الوداع: (( يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس ))، [ المائدة / ٦٧ ]، وفي قوله صلى الله عليه وآله وسلم في خطبة حجة الوداع: (أيها الناس: إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا، كتاب الله وعترتي أهل بيتي). فاستحق الإمام علي بصدق قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم له: (لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق)، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (أنا مدينة العلم [ الحكمة حسب رواية أخرى ] وعلي بابها، فمن أراد المدينة فليأتها من بابها).

وأهل البيت عليه السلام على كل حال لا ينبغي وضعهم في قوالب الفرق والمذاهب، فهم فخر الإسلام، وشرف كل مسلم أن ينتمي إليهم، لا بل لا يمكن للمسلم أن يكون مسلماً دون حبهم واتباعهم، ولا يجوز كذلك لأي فرقة ادعاء احتكار حبهم واتباعهم دون غيرها. وأما بنو أمية، فمن العار ربط شرعية خلافتهم بشرع الإسلام!

واعتراف أهل السنة بخلافة وإمامة أهل البيت عليه السلام لا يعني بالضرورة أنهم أصبحوا من الشيعة بالمفهوم الشائع لهذه الكلمة، فهذه التسمية فقط هي

٣٣٠

التي تحجب الكثيرين عن رؤية هذه الحقيقة، وتمنعهم من التفاعل معها. فما الذي يمنع أن يسمى المؤمنون بخلافة أهل البيت عليه السلام وإمامتهم أهل السنة إذا كانت هذه التسمية تعني اتباع السنة النبوية المطهرة، فليس المهم الأسماء، ولكن ما تحمله هذه المسميات والمصطلحات من معان!

وفي الوقت نفسه، فإنه ليس كل من قال بخلافة أهل البيت وإمامتهم عليه السلام أو انتسب إليهم، يعني إعطاء شهادة التوثيق له بسلامة الخط والمنهج. فالشيعة في هذا الزمان، وبعد ما يزيد على أحد عشر قرنا من غيبة الإمام المعصوم، هم كأهل السنة مطالبون في البحث عن المنهج الأصيل الذي يجسد بحق مسار أهل البيت عليه السلام.

فكما أن أهل السنة مطالبون بعدم قبول أي اجتهاد لصحابي كان أو غيره خالف القرآن والسنة، واستنكار كل ما وضعه أبو هريرة وغيره من الصحابة من أحاديث يستحيل على العقل السليم قبولها، أو تلك الخرافات والخزعبلات، وما نقل من إسرائيليات ملأت الكتب المسماة ظلماً وزوراً بالصحاح، فإن الشيعة أيضاً مطالبون برفض كل ما نسب كذباً لأهل البيت عليه السلام، واستنكار كل تجاوز أو غلو باسم التشيع لآل البيت عليهم السلام.

خاتمة المطاف

لقد أشارت روايات عديدة أن خلقاً كثيراً من أهل السنة والشيعة على السواء سيقفون في وجه خليفة رسول الله الثاني عشر الإمام المهدي عند ظهوره.

فضعف الفكر المتوارث، وهشاشة معظم المفاهيم والتباسها على غالبية أبناء الأمة في هذا العصر، وحالة التشتت والضياع التي يعيشونها، ووجود تلك الهوة الكبيرة بين ما هو إسلام اسمي وظاهري جاف من كل معنى يدينون به، وإسلام واقعي أصيل يقولون به، ما هي إلا أسباب أولية تجعل من

٣٣١

المسلم عدواً لإمام زمانه عند ظهوره، بل إنه قد يكون يعيش حالة العداء هذه قبل ذلك دون أن يدري بحاله!

ولأنه ليس كل ما ورثه المسلمون بسنتهم وشيعتهم من أسلافهم يمثل واقعاً إسلامياً ينبغي تقديسه، فإنه لا سبيل للخروج من هذه الحالة الجاهلية إلا بأن يبدأ أبناء الأمة بنهضة توعية شاملة في الفكر والثقافة الإسلامية الأصيلة، وعلى مستوى الفرد والمجتمع، وعلى أساس من العقيدة الباعثة على الحركة، والمنهج الواعي والمتحرر من غبار وترسباته، بما في ذلك التعصبات الطائفية والمذهبية التي ينبغي أن لا ينظر إليها إلا كواقع سلبي فرض على المسلمين طوال تاريخهم، وأن ينظر إليها أيضاً من زاوية آثارها السلبية والمدمرة على الثقافة الإسلامية ووحدة المسلمين.

وهذا يلزم دراسة الإسلام بعقائده وشرائعه وتاريخه مجدداً، والتحقق منها لا سيما على ضوء كثير من الحوادث التي حصلت في صدر الإسلام.

فما وافق منطق القرآن والأحاديث المجمع على صحتها والعقل السليم يجب الأخذ به دون أدنى تردد، حتى لو كان مخالفاً للمذهب أو المعتقد الذي أورثنا التعصب له، أو كان موافقاً لأفكار ومعتقدات أورثنا جهلها، فضلا عن رفضها وتكفير أصحابها!

وهذا الأمر يلزمنا بدوره محاولة التحرر قدر الامكان من أسر الفرقة أو المذهب أو الحزب أو الحركة أو الخط أو غير ذلك من الأطر، والتي غالبا ما تجعل من المنتمين المتعصبين إليها مقدسين لها وعابدين، وقد استغرقوا في الانغلاق داخلها دون أن يشعروا، فيصبحوا من المغفلين بل المقبورين. كل ذلك على حساب الانفتاح والمرونة في السعي لتحصيل الحقائق، أو البحث عن الصراط المستقيم الذي يفترض أن لا يتوقف الإنسان في البحث عنه لحظة واحدة في حياته، مهما بلغ عنده من العلم والمذهب!

٣٣٢